تيار اليسار الثوري في سوريا
المرأة العاملة (في لبنان)، بين المشاركة والتمييز ضدَّها
كانون الثاني 2014
وليد ضو – المنتدى الاشتراكي (لبنان)
قلما يتم ذكر دور المرأة العاملة في الكتب المتعلقة بالحركة العمالية والنقابية في لبنان، على الرغم من تزايد مشاركة المرأة في سوق العمل، ومن التضحيات الجسيمة التي قدمتها في النضال النقابي، باستشهاد وردة بطرس العاملة في شركة الريجي عام 1946، وفاطمة خواجة عام 1972 العاملة في معمل غندور، كما تتضارب الأرقام حول نسبة النساء في القوى العاملة فتتحدث دراسة الواقع الاجتماعي الاقتصادي في لبنان، واقع وآفاق، عن أن النسبة بلغت عام 1970حوالى 17 بالمئة، في حين التضارب يبدو جليا في الأرقام الواردة في كتاب توفيق كسبار. فعام 1973 قدرت مشاركة المرأة في القطاع الزراعي، في جنوب لبنان ب٤٨ بالمئة، ودراسة القوى العاملة في لبنان قدرتها بـ 21 بالمئة، وذلك عام 1970، و«خارج القطاع الزراعي قدرت الأمم المتحدة نسبة مشاركة المرأة عام 1960 بنحو 11 بالمئة، وقدرت…. منظمة العمل الدولية عام 1961 تلك النسبة بـ 17 بالمئة، وذلك بالنسبة إلى الأجراء في القطاع الخاص» (كسبار، ص. 294، 2005). وكسبار يعود ويؤكد على أن نسبة النساء في القوى العاملة عام 1970 هي 14.3 بالمئة، وذلك انطلاقاً من «تقديرات مسح PAL70 مسح القوى العاملة لعام 1970 الذي نعتبره مسحاً مرجعياً» (كسبار، ص. 194، 2005). أياً يكن من أمر فإن ما لا تحتسبه الدراسات هو العمل المنزلي غير المأجور وبالتالي المجاني. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا ينطبق قانون العمل على الخدم في بيوت الأفراد، وذلك بموجب المادة السابعة (من دون تعميم الأمر للقول إن كل الخدم آنذاك كنَّ من الإناث، ولكن القسم الساحق منهن).
بالعودة إلى منتصف القرن التاسع عشر، حيث ازدهرت صناعة الحرير، التي شكلت 22 بالمئة من مجمل صادرات مرفأ بيروت، بين عامي 1836 و1857، و«مع حلول العام 1873 سجلت هذه النسبة ارتفاعاً مهولاً ناهز ٨٢،٥ بالمئة» (وهبة، المنشور، 2008). وإثر تطور هذه التجارة شهدت بيروت طبقة جديدة من مقرضي الأموال وتجار الحرير، واستطاعت العائلات الاستقلال المالي عن الإقطاعيين، من خلال تربية الشرانق أو العمل في معامل الحرير، ونقل المحصول إلى المصانع أو إلى المرفأ؛ كما تأثرت العاملات اللبنانيات بالعاملات الفرنسيات اللواتي كن يتقاضين أربعة أضعاف ما تقبضه اللبنانيات، وعلى الرغم من طرد عاملات فرنسيات من معمل في بتاتر الشوف، لكن عاملات المصانع كن قد تعلمن مهارات الصراع الطبقي، وكن يهددن صاحب العمل بالعمل «في المصنع المنافس إذا لم ترفع أجورهن» (وهبة، المصدر نفسه)، كما اعتمدن الأسلوب الإيطالي في الإضراب من خلال خفض نوعية الحرير، و»مع حلول تسعينات القرن التاسع عشر… أثمرت هذه النضالات العمالية ارتفاعاً في أجور العاملات اللبنانيات أربعة أضعاف» (وهبة، المصدر نفسه).
هذا التغيير، المتمثل بالاستقلال المالي، الذي أمنه العمل المأجور لحياة النساء، وزيادة حالات الطلاق، بعد أن كان الوضع مختلفاً، بصورة عميقة (بحيث «صُعِق العاملون في المجال الاجتماعي في المهجر الأميركي لغياب مفهوم «ربة المنزل» لدى المهاجرات اللبنانيات والسوريات») (وهبة، المصدر نفسه)، هذا التغيير الجذري في حال المرأة دفع برجال الدين إلى شن حملة للدفاع عن «قيم العائلة» و«العادات والتقاليد».
في العام 1914، أعلنت الإضراب عاملات التبغ في بيروت، وقد «حققن بفعله 15 شهراً من الأجور المدفوعة في السنة الواحدة، كما جعلن أيام العطل الدينية مدفوعة أيضاً… ويعد هذا النصر استثنائياً حتى بالمقاييس الحديثة» (وهبة، المصدر نفسه).
ويذكر الياس البواري في كتابه نوعين من مشاركة المرأة في الحراك العمالي والنقابي: الأول مباشر ومن خلال الحراك نفسه، والثاني من خلال لجان «مختصة بالمرأة»، وخاصة خلال عام 1975، كما سبقت الإشارة.
وفي العام ١٩٤٥، وخلال إضراب عمال وعاملات معمل الأصواف الوطنية، وكان من أطول الإضرابات، إذ استمر ٤ أشهر متواصلة، برز مطلب خاص «بالنساء» ضمن لائحة المطالب، وهو: «دفع كامل تعويضات الصرف من الخدمة للعاملات عندما يتزوجن»، على الرغم من أن هذا المطلب يؤدي عملياً إلى إخراج العاملات من سوق العمل، ويعيدهن إلى العمل المنزلي غير المأجور.
وخلال إضراب عمال وعاملات شركة الريجي، الذي دام شهراً عام 1945 حين طالبوا/ن بزيادة رواتبهم/ن، سقطت الشهيدة وردة بطرس برصاص القوى الأمنية. وهذا الإضراب يعتبره مالك أبي صعب عاملاً أساسياً في تجذر عاملات التبغ ضد السلطة، وهنَّ لم يكنَّ منظمات نقابياً أو منتسبات إلى أحزاب سياسية. ويعتقد أبي صعب أن اتحاد نقابات العمال والمستخدمين والشيوعيين من الممكن أنهم عكسوا نوعاً من الهرمية الذكورية والهيمنة الذكورية، ما جعلهم أقل ملاءمة لتقبل عضوية المرأة لديهم (الكلام لأبي صعب)، كما برهن الإضراب عن أدوار جديدة يمكن للمرأة أن تلعبها. ويصف أبي صعب ذلك بكونه التعبير عن هوية جندرية جديدة، جرى خلقها في المساحة العامة التي كانت «حصرياً» للذكور. ويضيف أبي صعب أن هذه الهوية جرى بناؤها من خلال القوة الاجتماعية المشتركة. وشكل الإضراب الذي قادته العاملات تحدياً للسلطة بكل أشكالها وكسراً للحدود المرسومة والفاصلة لموقع المرأة بين العام والخاص.
بعد مرور عشرين عاماً على إضراب عمال وعاملات شركة الريجي، أكد إضرابهم/ن عام 1965 على نفس النهج الجذري المساواتي بين الرجل والمرأة، ومن خلال استعراض أبرز المطالب، يتبين مدى حضور المرأة العاملة في صلب الحركة العمالية: «دفع أجرة الطريق وفروقاتها إلى جميع العمال والعاملات… مساواة العاملات بالعمال لناحية رفع الحد الأدنى وإعطاؤهن 45 علبة دخان بالشهر أسوة بالعمال…. وتوزيع المكافآت بنسب متساوية على العمال والعاملات…» .وهذه من المطالب التي وافقت الإدارة على تحقيقها.
في السادس من آذار من العام 1975، عقدت لجنة حقوق المرأة في الأونيسكو، بمناسبة السنة العالمية للمرأة، اجتماعاً اتُّخذ فيه «العديد من القرارات التي تشكل الشعارات الأساسية لنضال اللجنة خلال السنة العالمية للمرأة» (البواري، ص. 317، 1987). ومن أبرز تلك القرارات: إلغاء المواد المجحفة والمهينة بحق المرأة وخاصة في قوانين العقوبات، والسجل العقاري والتجارة، وإقرار قانون مدني للأحوال الشخصية تتساوى فيه المرأة مع الرجل، وإقرار مجانية وإلزامية التعليم، وإلغاء التمييز على أساس الجنس في المراكز، في القطاعين العام والخاص، ووضع قانون انتخابي يعتمد على النسبية يفسح في المجال أمام المرأة للمشاركة السياسية، وتطبيق قانون الحد الأدنى للأجور، بالتساوي بين الرجل والمرأة….
وعن هذه الفترة، تتحدث عزة شرارة بيضون، من خلال مقالة بعنوان «تحرر المرأة: في سياق تحرر المجتمع أم بالرغم منه؟»، وتشير إلى أن مقولة سادت فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي مفادها: «أن تحرر المرأة يتحقق في سياق تحرر المجتمع من العوائق المرفوعة في وجهه» (شرارة بيضون، ص. 230، 2010). والعوائق المذكورة قد تكون الاحتلال الأجنبي أو الطبقة الرأسمالية. كما وعندما انضوت النساء في أحزاب يسارية وقومية، غلب هذا الانتماء على «متطلبات نسويتهن، فجعلن تلك النسوية خافتة ومتوارية» (شرارة بيضون، ص. 231، 2010)، فتجاهلن بالتالي أهمية المطالب النسوية لمصلحة أولويات تلك الأحزاب، كما جرى تشكيل لجان نسائية البعض منها يقوم بدور رعائي، والبعض الآخر (اللجان «التقدمية») تدافع عن حقوق المرأة، وتشير إلى تراجع دور المرأة خلال فترة الحرب وتحول دورها إلى دعم للرجال وغلب على عملهن العمل الإغاثي، من دون إغفال دور المرأة الفاعل في الحركات المناهضة للحرب الأهلية، خاصة عامي ١٩٨٦- ١٩٨٧، وفي ما سماه غسان صليبي في كتابه في الاتحاد كوة «المقاومة المدنية للحرب». هذه المقاومة أخذت عدة أشكال، منها: أنشطة ثقافية ومدرسية ورياضية ومخيمات صيفية- لقاءات لمجموعات من طوائف مختلفة – اعتصامات رمزية في المعابر الفاصلة بين المناطق الفاصلة – مسيرات سلمية…إلى ما هنالك.
هذا وتختم عزة شرارة بيضون مقالتها، المنوَّه بها أعلاه، بالتالي: «إن تحرر المرأة من التمييز الجندري… سيُسهم، على الأرجح، في تحرر المجتمع…».
المراجع:
الياس البواري: تاريخ الحركة العمالية والنقابية في لبنان: (١٩٧١- ١٩٨٠)، الجزء الثالث، ط ١، دار الفارابي، بيروت، ١٩٨٧
عزة شرارة بيضون: الجندر… ماذا تقولين؟، الشائع والواقع في أحوال النساء، ط1، دار الساقي، بيروت، ٢٠١٠
غسان صليبي: في الاتحاد كوة، بحث في مشكلات الاتحاد العمالي العام في لبنان، ط ١، مختارات، بيروت، ١٩٩٩
توفيق كاسبار: اقتصاد لبنان السياسي (١٩٤٨- ٢٠٠٢)، في حدود الليبرالية الإقتصادية، ترجمة فاتن الحريري زريق وتوفيق كسبار، ط ١، دار النهار، بيروت، ٢٠٠٥
أيمن وهبة: بنات الفلاحين، عاملات المصانع، المنشور، ٢٠٠٨
Hassan Malek Abisaab: «Unruly» Factory Women in Lebanon: Contesting French Colonialism and the National State, 1940-1946, Journal of Women’s History vol. 16 issue 3 August 24, 2004. p. 55-82
