حول الثورة السورية والوضع الراهن
في حوار أجراه الاشتراكي الثوري غياث نعيسة القيادي بتيار اليسار الثوري السوري
مع أحد قادة الجيش الحر
-(أخذ عن الحوار المتمدن – العدد: 5104 – نشر بتاريخ 2016 / 3 / 15)
-
في منتصف شهر آذار/ مارس قبل خمسة أعوام اندلعت ثورة الجماهير السورية ضد نظام مستبد هيمن على ثروات البلاد وعلى كل منافذ الحياة فيها لصالح طغمة برجوازية، ونظام دكتاتوري عصي على الإصلاح. ما تزال الثورة الشعبية مستمرة، رغم المنعطفات التي تعرضت وستتعرض لها، وتتابع الجماهير الشعبية كفاحها من أجل تحررها، رغم ضعف التضامن العالمي معها، وتخاذل مزري من تيارات يسارية كان يفترض بها أنها تقف مع كفاح الكادحين من أجل تحررهم من كل استبداد واستغلال في مواجهة وحشية النظام وقتله للمتظاهرين السلميين.
-
شهدت الثورة، في العامين الثاني لها، تحولاً نحو الدفاع بالسلاح عن نفسها، هذه المقاومة الشعبية المسلحة أطلق عليها اسم الجيش السوري الحر وهي تضم أبناء الشعب مما كانوا بين المتظاهرين وعدد من جنود جيش النظام الذين انشقوا عنه ورفضوا إطلاق النار على المتظاهرين.
-
لكن الدول الكبرى والإقليمية أصيبت بالذعر من إمكانية انتصار ثورة شعبية حقيقية في سوريا، فبعضها دافع عن النظام وبعضها الاخر ساهم في انتعاش ونفوذ قوى تكفيرية فاشية ورجعية. وبدا وكأن الجيش الحر أصبح مهمشاً وكذلك الحراك الشعبي.
-
لكن الأسابيع الماضية شهدت نهوضا بارزاً للحراك الشعبي على امتداد البلاد، هذا الحراك الذي أعاد الروح لأمل الجماهير السورية بالخلاص من نظام آل الاسد والتحرر من كل تبعية ووصاية.
-
أجرينا هذا الحوار مع المناضل الثوري “ابو الخير” وهو قائد لأحد ألوية الجيش الحر الفاعلة في شمال البلاد، حتى هذه اللحظة، والتي تدافع عن أهداف الثورة في الحرية والمساواة والكرامة الوطنية والعلمانية والعدالة الاجتماعية.
-
غياث نعيسة: دعنا ننطلق من اللحظة الراهنة، هنالك ما يسمى هدنة، أو وقف للأعمال “العدائية” منذ بضعة أيام، وما تزال سارية المفعول لمدة أسبوعين قابلة للتمديد، ما هو موقفكم منها، وموقفكم من مبادرات وقف “الصراع المسلح ” كما يقولون ومبادرات الحل السلمي؟
– أبو الخير: موقفنا من الهدنة يتلخص في النقاط الآتية:
إذا كانت هذه الهدنة تحقق شيئاً من الأمان للشعب السوري فنحن مع هذه الهدنة إلا أن النظام ومنذ اليوم الأول في هذه الهدنة قام بتكرار الاختراقات في اليوم الواحد. كما أن هذه الهدنة ناقصة، فما لم يخرج المعتقلون من أقبية وسجون سلطة الاحتلال، وأيضاً في حال لم يتم فتح الطريق أمام المناطق المحاصرة وإدخال المساعدات الإنسانية وتقديم العناية الطبية للمتضررين من الاقتتال الحاصل فهذه ليست من الهدنة بشيء.
-
نحن كفصيل ينتمي إلى الجيش الحر لم نقم بالتوقيع على هذه الهدنة إلا أننا التزمنا بها مع باقي الفصائل.
-
أود في البداية إبداء ملاحظة حول مصطلح “الصراع المسلح”، في الحقيقة إن المعارك الدائرة في الساحة السورية لم تكن يوما صراعاً مسلحاَ أو حرباَ أهلية كما يسميها البعض فهذه المصلحات قد عمل كل من الغرب والمجتمع الدولي وحلفاء النظام على تعويمها على ما يحدث وفي الحقيقية هذه المعارك هي حركة مقاومة للاحتلال الأسدي والروسي والإيراني دفاعاً عن الأرض السورية التي قامت مؤخرا سلطة الاحتلال ببيعها بعقود مزورة لكل من روسيا وإيران.
-
غياث نعيسة: هل لك أن تحدثنا عن تأثير ودور التدخل العسكري الروسي والإيراني (وحلفائهما) وتأثيره على الوضع الميداني، وأهدافه؟
-
أبو الخير: إن التدخل الروسي والإيراني حتى اللحظة لم يحقق النتائج المرجوة منه بالنسبة للنظام وحلفاؤه
فاستعاضوا عن ذلك باستهداف المدنيين وارتكاب المجزرة تلو الأخرى للتغطية على فشلهم ووصل بهم الأمر إلى استهداف المشافي والمدارس والأسواق، هذا ما حققه فعلا التدخل الروسي.
-
الهدف الحقيقي للتدخل الروسي هو القضاء على مؤسسة الجيش الحر التي تشكل أسمى المظاهر المسلحة العاملة في صفوف الثورة السورية.
-
في الحقيقة إن معظم الضربات الجوية الروسية قد استهدفت قوى الجيش الحر والمدنيين دون استهداف الفصائل المتطرفة المتمثلة بداعش وغيرها.
-
غياث نعيسة: يقول البعض انه لم يعد يوجد شيء اسمه “الجيش الحر”. بل هنالك “فصائل مسلحة إسلامية ” أكثرها متشدد، وانه لم تعد هنالك “ثورة” بل صراع طائفي ومذهبي. ما ردك على ذلك: وكيف برز الجيش الحر وأين هو اليوم وما هي مواقفه وكيف يتعامل مع (الفصائل الاسلامية)؟
-
أبو الخير: بالنسبة لهذا السؤال: من يقول إنه لم يعد هناك وجود للجيش الحر كمن يحاول أن يغطي نور الشمس بغربال. الجيش الحر موجود منذ بداية الثورة ووجوده هو مطلب للمدنيين فمنذ بداية الثورة وحتى اليوم لم يسجل ضد الجيش الحر أي انتهاكات بحق المدنيين العزل على عكس الفصائل المتطرفة المتمثلة بداعش ومن لف لفيفهم.
-
في الربع الأخير من عام 2015 ومع بداية التدخل الروسي حاول النظام استعادة الريف الشمالي المحرر في حماه مدعوما بالطيران الروسي وقد سجل خلال يومين تدمير أكثر من 50 آلية للنظام.
-
يقتصر التعامل مع بعض الفصائل الإسلامية على التنسيق في العمل ضد النظام وحلفاؤه وداعش.
-
يفتقر الجيش الحر إلى المركزية والهيكلية المؤسساتية وتعدد الفصائل المنضوية تحت اسم الجيش الحر هو أحد أكبر الصعوبات التي تواجهه.
-
غياث نعيسة: سؤال خاص لك، احكي لنا قليلاً عن انخراطك بالثورة وصولاً إلى قيادتك اليوم لأحد فصائل الجيش الحر، ومن أجل ماذا تقاتلون، ومن أجل اي مستقبل لسوريا؟
-
أبو الخير: مع بداية الثورة السورية ومع انطلاق المظاهرات السلمية في مدينتنا تمثل عملنا في البداية على التنسيق لخروج المظاهرات السلمية وتأمين المواد الإغاثية والرعاية المناسبة للنازحين والوافدين إلى المدينة هربا من بطش النظام الذي لم يتوان عن اجتياح المناطق الثائرة ،ومع دخول الثورة في شهرها الثامن قمنا بتشكيل سرية مسلحة بعد أن اضطرنا النظام لحمل السلاح للدفاع عن المتظاهرين والمدنيين وقد اقتصر عملنا في البدايات على حماية المظاهرات وتوجيه ضربات لقيادات الشبيحة المسؤولة عن إزهاق أرواح العديد من المتظاهرين السلميين وبعدها قمنا بتشكيل كتيبة وساهمنا في صد اقتحامات الجيش الأسدي للأرياف المحيطة بمدينتنا .
-
ومع تصاعد وتيرة العمل المسلح ومع دخولنا في العام الخامس من الثورة تطور عملنا وتوسع التشكيل ليصبح لواءاً، وحالياً نعمل على عدد من الجبهات في كل من أرياف حماه وحلب في الوقت الحالي.
-
غياث نعيسة: ما هي علاقتكم مع الجماهير (الناس) في أماكن تواجدكم، وكيف تعيش الجماهير في المناطق “المحررة” وما هي مطالبها ومزاجها في هذه اللحظة، وكيف تسير وتدير أمور حياتها؟ وخصوصا أننا نعرف أن مدينة سراقب، مثلاً، في الشمال الغربي لسوريا، تعيش تجربة مثيرة للاهتمام في إدارة الناس لشؤون حياتها من خلال مجلس محلي؟
-
أبو الخير: بالنسبة لعلاقتنا مع المدنيين في أماكن تواجدنا فهي علاقة جيدة, يواجه المدنيون في المناطق المحررة صعوبات عديدة في تدبير أمور حياتهم. بعد 5 سنوات من الخذلان المستمر لقضية الشعب السوري يشهد الشارع السوري حاليا تشرذما في الآراء والتوجهات بين من يريد تحكيم الشريعة الإسلامية وبين من يجد في إسقاط النظام ورموزه أولوية لأي شيء وبين من يريد إيقاف القتال الحاصل بشكل أساسي.
-
بالنسبة لتسيير أمور الحياة عند عامة المواطنين فكما ذكرنا أعلاه فإن المدنيين يواجهون يواجهون صعوبات فائقة في تأمين لقمة العيش ويعتمد غالب المدنيين على السلل الإغاثية المقدمة من قبل المجالس المحلية والجمعيات الخيرية في تأمين أساسيات العيش.
-
غياث نعيسة: ما هو ردكم على من يدعي بان الشعب السوري يقف أمام خيارين: داعش او نظام آل الأسد وأن الأخير أهون الشرين؟ وما هي رؤيتكم للمرحلة القادمة ومتطلبات انتصار الثورة الشعبية؟
أبو الخير: هذه المعطيات غير دقيقية إلا أن الخذلان المستمر سيسبب لا محالة في ازدياد التطرف والعدائية بين الطرفين. بالنسبة للمرحلة القادمة فهي مرحلة ضبابية غير واضحة المعالم بعد بسبب تشعب الأطراف المؤثرة على القضية السورية وتشعب الصراعات الدائرة وخصوصا داخل كل من الطرفين. باعتقادي فإن هذا السؤال لا يحتاج إلى الكثير من التفكير فإن إزاحة رأس النظام المتمثل بآل الأسد سيسرع بالنهوض بسوريا في وقت أسرع.
-
غياث نعيسة: هل لديكم من رسالة تريدون إيصالها إلى كل مناضلي ودعاة الحرية والعدل والمساواة في المنطقة والعالم؟
-
أبو الخير: إلى جميع المناضلين من أجل حرية الإنسان وكرامته إن ما يواجه الشعب السوري الثائر هو ليس بأمر مستغرب فمنذ الأزل معظم حركات التحرر العالمية قد جوبهت بالعدائية والمحاربة بسبب تحكم الإمبريالية والديكتاتورية بمعظم حكومات العالم.
-
أوصيكم بالصبر وعدم فقدان الأمل وعدم الاستسلام لليأس فالمظلومين في كل شبر من هذه الأرض يعلقون آمالهم عليكم أيها الجنود المجهولون.
15 آذار/ مارس 2016
