
تشعر الولايات المتحدة بالقلق من فقدان «مصداقيتها»، إذ إن الضرر قد لحق بالفعل بمكانتها العالمية. وفي هذا السياق، اكتشف دونالد ترامب خلال الأيام العشرة الماضية أن الأمر يتطلب «اثنين لرقصة التاكو». وقد صيغ تعبير «تاكو» أي «ترامب يتراجع دائمًا» لوصف كيفية تراجعه عن الرسوم الجمركية الكبيرة التي يفرضها في البداية على شركاء الولايات المتحدة التجاريين.
وفي مطلع آذار/مارس، بدأ ترامب يلمّح إلى أنه مستعد للتراجع في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، إذ قال، على سبيل المثال، إن الحرب «مكتملة إلى حدٍّ كبير». وعلى إثر ذلك، انخفضت أسعار النفط بشكل حاد وارتفعت الأسهم، حيث افترض المستثمرون تكرار «حرب الاثني عشر يومًا» مع إيران في يونيو الماضي. ففي تلك الحالة، وبعد يوم واحد من القصف الأميركي، أعلن ترامب النصر، وضغط بقوة على إسرائيل لوقف هجومها الأطول، فيما اكتفت إيران بهجوم رمزي على قاعدة أميركية في قطر.
لكن هذه المرة، ترفض الجمهورية الإسلامية الانخراط في اللعبة. فقد قامت الولايات المتحدة وإسرائيل باغتيال مرشدها الأعلى، وتسببتا في دمار واسع النطاق، وقتل أكثر من ألف مدني. لذلك، لا تريد إيران وقفًا جديدًا لإطلاق النار يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل خرقه متى شاءتا.
وفي هذا الإطار، يبدو أن قادة إيران محقّون تمامًا في عدم الثقة بترامب، الذي شنّ هجومين عليهم خلال المفاوضات. أما بالنسبة لإسرائيل، فقد نُقل عن متحدث عسكري قوله: «تغيير النظام ليس هدف عمليتها في إيران، بل إن الهدف هو “إضعاف النظام الإيراني وزعزعته”».
وبعبارة أخرى، فإن قصف إيران ليس سوى أحدث الحروب التي تشنها إسرائيل منذ أن تعرّضت لهجوم في 7 أكتوبر 2023، حيث إن استخدامها الدائم للعنف المفرط يهدف إلى ترهيب أو تدمير المنافسين الإقليميين وتعزيز هيمنتها العسكرية.
وردًا على ذلك، تستخدم إيران ما يسميه الخبراء العسكريون بـ«الحرب غير المتكافئة» لإضعاف إرادة أعدائها في القتال. فهي لا تستطيع مجاراة القدرات العسكرية الهائلة للولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها تمتلك رصيدين أساسيين.
أحد هذه الأصول هو ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة، التي تُطلق من إيران وأيضًا بواسطة حركة حزب الله في لبنان، وتستمر في ضرب إسرائيل. ووفقًا للمحلل إسفنديار باتمانغليدج، قد تصل تكلفة الطائرة المسيّرة الانتحارية شهد-136 إلى ما يعادل 7,000 دولار فقط، وهو أقل بكثير من التكلفة المتوقعة التي تتراوح بين 20,000 و35,000 دولار.
أما الأصل الآخر لإيران، فهو قدرتها على إغلاق مضيق هرمز، الذي يُصدر عبره ما يصل إلى ربع إنتاج النفط والغاز العالمي من الخليج. وفي هذا السياق، عادت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، مما يهدد بتفاقم أزمة تكاليف المعيشة العالمية مع بدء ارتفاع التضخم مرة أخرى.
ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، «ضغط ترامب المحبط على الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، حول سبب عدم قدرة الولايات المتحدة على إعادة فتح مضيق هرمز على الفور». وأضافت الصحيفة: «كان الجواب واضحًا: حتى جندي إيراني واحد أو عضو ميليشيا يقطع الجزء الضيق من المضيق بزورق سريع يمكنه إطلاق صاروخ متحرك مباشرة على ناقلة نفط بطيئة الحركة، أو زرع لغم على هيكلها».
ومع ذلك، تزداد الولايات المتحدة انشغالًا، كما كان الحال في حروبي فيتنام والعراق، بعدم فقدان «المصداقية»، ويبدو أن ترامب يبحث الآن عن سُبل للتصعيد.
وفي هذا الإطار، يتم نقل الوحدة البحرية الاستكشافية 31 من اليابان إلى الشرق الأوسط. وبجانب القوات الخاصة الأمريكية، قد تُستخدم في عمليات برية — على سبيل المثال، للاستيلاء على جزء من أراضي إيران، أو حتى مخزونها من اليورانيوم المعالج.
غير أن هذه العمليات محفوفة بالمخاطر للغاية، وقد تنقلب بشكل كبير على الولايات المتحدة وأي حلفاء يُجبرهم ترامب على المشاركة فيها. وفي الواقع، فقد لحق بالفعل ضرر كبير بالمكانة العالمية للإمبريالية الأمريكية.
وفي هذا السياق، تعرب مجلة فورين بوليسي، الصادرة عن واشنطن إنسايدر، عن قلقها قائلة: «لم تعد دول الخليج قادرة على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة يمكنها أو ستقوم بحمايتها من التهديدات الوجودية. ومع اضطرارها للتعاون العلني مع إسرائيل في حربها، ستنظر إليها بشكل متزايد كتهديد بدلاً من حليف محتمل».
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ سيستخلص الحكام الرأسماليون في أماكن أخرى استنتاجات مماثلة. فقد أدى الاستنزاف الإيراني إلى دفع الولايات المتحدة لنقل منظومة ثاد لاعتراض الصواريخ من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط. وعندما تم تركيبها في الأصل، غضبت الصين من استهدافها من قبل البنتاغون. ولو كنت رئيس كوريا الجنوبية، لكنت أحجز رحلتي إلى بكين.
ترجمة عن مقال في صحيفة العامل الإشتراكي
