افتتاحية العدد 86 من جريدة الخط الأمامي كانون الثاني / يناير 2025

تمر بلادنا اليوم بواحدة من أخطر مراحلها؛ ليس فقط بسبب حجم الدمار الذي طال البنية التحتية والمجتمعية، بل بسبب حالة “الشلل السياسي” و”الانتظار القاتل” التي خيمت على معظم القوى السياسية والاجتماعية الديمقراطية و الجذرية. إن المشهد الراهن يوحي بأن أغلبها يقف بانتظار معجزة ما، أو قرار دولي، أو مبادرة من سلطة لم تتقن طوال تاريخها سوى لغة الرصاص والمعتقلات. إننا في “الخط الأمامي”، ومن موقعنا المنحاز كلياً لمصالح الجماهير الكادحة، نرى أن هذا الصمت والشلل ليس إلا استسلاماً تدريجياً لخرائط المحاصصة بين الدول الامبريالية المتدخلة ووكلائها في بلدنا التي تُرسم فوق أشلاء وطننا.
لماذا وصلنا إلى هذا الشلل؟
إن حالة الترقب التي تشل الحراك السياسي والاجتماعي النسبي اليوم ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تضافر عوامل بنيوية وقمعية. لقد عملت آلة الاستبداد، مدعومة بالاحتلالات المتعددة، على تحويل سوريا إلى “أرض محروقة” سياسياً، والى حد ما تفكك النسيج المجتمعي وتعفنه. إن تغييب الأحزاب والتنظيمات الثورية الحقيقية خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد نتيجة للحرب، بل كان هدفاً استراتيجياً للنظام وكل قوى الثورة المضادة على حد سواء.
يضاف إلى ذلك “القهر المركب” الذي يعيشه الإنسان السوري؛ قهر ناتج عن هزيمة دامية للثورة الشعبية وتآمر دولي، وقهر معيشي يومي يجعل من تأمين الرغيف معركة تستهلك كل الطاقات، وتفكك اجتماعي يتفاقم كل يوم. هذا الإنهاك الممنهج أدى إلى تراجع القدرة على التفكير والفعل الجماعي في الحلول السياسية والاجتماعية، وحول قطاعات واسعة نحو الفردية أو الهجرة.
ولا يمكننا هنا أن نغفل الدور الخبيث الذي لعبته “عقلية الإنجي أوز” (NGOization). لقد نجحت هذه المنظمات، بتمويلاتها المشروطة، في امتصاص الكوادر الشابة النشطة وتحويل النضال من فعل تغييري مقاوم للكارثة يهدف لتعديل موازين القوى لصالح الشعب، إلى “مشاريع” تقنية وورشات عمل معزولة عن الواقع الاجتماعي وحاجات الجماهير. لقد أوهموا الناس بأنهم يناضلون من اجل مصالحهم، بينما كانوا في الحقيقة يساهمون في تدجين الوعي السياسي وربطه بأجندات الممولين الذين لا تخرج رؤيتهم لسوريا عن إطار “إدارة النزاع” لا حله، والسعي للتحكم بالأطراف السورية النشطة.
وهم المراهنة على السلطة أو على التدخل الخارجي
إن المأساة الحقيقية تكمن في أن طيفاً واسعاً من التجمعات السياسية والاجتماعية خارج السلطة لا تزال ترهن حركتها مترقبة مبادرة تأتي من السلطة تناديها. أيُّ وهم هذا الذي يجعلنا ننتظر من نظام بنى شرعيته على الجثث والعنف أن يفتح باباً لحوار وطني حقيقي؟ إن السلطة في دمشق، بعجزها البنيوي وتكوينها الطبقي والايديولوجي وارتهانها الكامل للخارج، أثبتت أنها غير قادرة وغير راغبة في أي انتقال سياسي يمس جوهر سيطرتها الطبقية والأمنية.
أما القوى الدولية والإقليمية، فهي ليست “وسيطاً” نزقاً ولا حياديا، بل هي شريك في الجريمة. إن هدف التدخلات الخارجية (الروسية، الإيرانية، التركية، والامريكية والاسرائيلية) هو الحفاظ على “الوضع الراهن” كما هو يضمن لها اقتطاع أكبر قدر من المصالح والنفوذ. إنهم ينتظرون اللحظة المناسبة لتقاسم ما تبقى من بلادنا وسيادة شعوبنا، بينما تظل دماء السوريين ومعاناتهم مجرد أوراق تفاوضية على طاولاتهم.
خارطة الطريق: من التشاور والتنسيق إلى الجمعية التأسيسية
إننا في حزب اليسار الثوري، نرى أنه تتوفر، رغم سوء الظروف، قوى وشخصيات وتجمعات سياسية واجتماعية ديمقراطية ويسارية قادرة على حمل مشروع إنقاذي حقيقي. تعمل بداية على تشكيل “جبهة ديمقراطية عريضة”، بالترابط العضوي مع المناطق الخارجة، بدرجات متفاوتة، عن سيطرة السلطة كالإدارة الذاتية والسويداء والساحل، تفرض نفسها كرقم صعب في المعادلة، وتعمل على انتزاع الحق في تقرير المصير عبر الضغط الشعبي والسياسي المنظم، وصولاً إلى إقامة “جمعية تأسيسية” مهمتها صياغة دستور ديمقراطي يعبر عن روح الشعب السوري وتطلعاته ومصالحه في بناء جمهورية ديمقراطية لامركزية، والتمهيد لمؤتمر حوار وطني سيادي لا يخضع لإملاءات الخارج.
ولكن، لكي لا تبقى هذه الرؤى حبيسة المكاتب، علينا أن نكسر جدار العطالة. إننا نوجه دعوة صريحة ومباشرة لكل القوى الديمقراطية واليسارية والأطراف المذكورة أعلاه: إذا كان الطريق نحو اجتماع تأسيسي للجبهة يبدو طويلاً، فلنبدأ فوراً بالخطوة الأولى.
إننا ندعو لعقد اجتماعات تشاورية مبدئية؛ لقاءات لا تهدف بالضرورة للتحالف الفوري، بل لكسر الجمود، لتبادل الرؤى، لتنسيق المواقف الميدانية والمطلبية، ولخلق نواة صلبة تقف في وجه محاولات تصفية القضية السورية. إن المبادرة اليوم هي فعل ثوري بامتياز، والقعود بانتظار “نضوج الظروف الدولية” هو انتحار سياسي وخيانة لتضحيات شعبنا.
لا بديل عن التنظيم
إن التاريخ لا يصنعه المنتظرون، بل يصنعه الذين يجرؤون على المبادرة في أحلك الظروف. إن القهر الذي نعيشه يجب أن يتحول إلى وقود للتنظيم، والدمار الذي لحق ببنيتنا يجب أن يُعوض ببناء تنظيمات شعبية ونقابية وسياسية مستقلة.
إن “الخط الأمامي” ليست مجرد جريدة، بل هي صرخة في وجه الركود. إننا نهيب بكل الرفاق والوطنيين والديمقراطيين واليساريين أن يدركوا أن مفتاح الحل ليس في واشنطن ولا موسكو ولا في طهران ولا أنقرة ولا تل أبيب، بل في قدرتنا على توحيد صفوفنا في جبهة سياسية واجتماعية ديمقراطية شعبية واسعة تخوض معركة التحرر الوطني والسياسي والاجتماعي جنباً إلى جنب.
لنكسر أغلال الانتظار.. لنبادر الآن.. النصر للجماهير الكادحة، والمجد لشهداء الحرية.
حزب اليسار الثوري في سوريا
كانون الثاني/يناير 2026
