
يرى جود ماكيتشني أن نظريات الاشتراكي الإيطالي أنطونيو غرامشي تحمل طابعًا ثوريًا، وتظل ذات صلة بعصرنا من خلال تحليله لمفاهيم الهيمنة والوعي.
كتب الاشتراكي الإيطالي أنطونيو غرامشي من زنزانة في سجن الفاشيين عام 1930: «العالم القديم يموت والعالم الجديد يكافح ليولد — الآن هو زمن الوحوش». ويعد هذا الاقتباس ملائمًا لعصرنا.
النظام الرأسمالي الليبرالي الذي سيطر على العالم لعقود ينهار، ويؤدي تفككه إلى العنف والفوضى والاستقطاب السياسي. جنبًا إلى جنب مع وحوش مثل دونالد ترامب ونايجل فاراج، تظهر لمحات من بديل محتمل. لكن، كيف يمكن لجانبنا أن يحقق النصر؟
كان هذا السؤال المحوري الذي تناولَه غرامشي في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، فقد طور بشكل منهجي دروس فلاديمير لينين والبلاشفة الذين قدّموا القيادة لثورة عمالية ناجحة في روسيا عام 1917. طبّق هذه الدروس لمعالجة المشكلة العاجلة، وهي فشل الموجة الثورية التي اجتاحت أوروبا الغربية في أعقاب الثورة الروسية، وهذا هو الإرث الحقيقي لغرامشي.
بعد الحرب العالمية الأولى، شهدت إيطاليا تصاعدًا هائلًا للنضال الطبقي، ولعب غرامشي دورًا محوريًا في صراعات الطبقة العاملة في تورينو، شمال إيطاليا، في عامي 1919 و1920. استولى العمال في تورينو على إدارة المصانع لمدة شهر وبدأوا بإدارة الإنتاج تحت سيطرتهم، محميين بميليشيات العمال المسلحة. وكان الفلاحون في الجنوب الأكثر تخلفًا اقتصاديًا يستولون على الأراضي. وقد شلت آلة الدولة والطبقة الحاكمة، بعبارة أخرى، كانت هذه لحظة ثورية.
لكنها لم تُحقق النصر، فقد تم إهدار بدايات اللحظة الثورية في إيطاليا على يد القادة الإصلاحيين لحركة العمال الإيطالية في الحزب الاشتراكي الإيطالي وبيروقراطية النقابات العمالية. وبحلول عام 1920، كانت الحركة تتعرض للهزيمة في موجة من العنف المضاد للثورة. فقد سعت الطبقة الحاكمة، المكوَّنة من الصناعيين والمصرفيين ومالكي الأراضي، الذين أرعبهم هذا التصاعد في نضال الطبقة العاملة، إلى سحقها. وأصبح أداة ذلك حركة الفاشية بقيادة بينيتو موسوليني، التي ستصل إلى السلطة لاحقًا.
كيف لم تُسفر هذه الفرصة الثورية عن ثورة اشتراكية، بل عن وحشية أول ديكتاتورية فاشية في العالم؟ هذا هو السؤال الذي واجهه غرامشي من زنزانة في سجن الفاشيين، حيث قضى أكثر من عقد من الزمن في تطوير النظرية الماركسية، وكانت النتيجة هي مذكرات السجن الخاصة به.
في روسيا، كان المجتمع المدني قد بدأ للتو في الظهور قبل الثورة، وكان «أوليًا وهلاميًا»، وقد تم الحفاظ على النظام إلى حد كبير من خلال القوة المادية المتمثلة في الشرطة والجيش والسجون. لكن الأمر لم يكن كذلك في الدول الأكثر تقدمًا اقتصاديًا مثل إيطاليا، فقد اعتمدت الطبقة الحاكمة بدرجة أكبر على الموافقة، بالإضافة إلى الإكراه.
كان غرامشي، مثل كثيرين اليوم، يحاول تفسير سبب موافقة العمال غالبًا على نظام يعمل ضد مصالحهم. لماذا لا تؤدي الرأسمالية، بما فيها من تناقضات هيكلية مستعصية، إلى زوالها وتحقيق النصر للاشتراكية؟ طور غرامشي نظرية الهيمنة -أي القيادة أو التوجيه- لفهم كيفية حفاظ الطبقة الحاكمة على سلطتها.
بالنسبة لغرامشي، فإن أزمات النظام تجعل التغييرات الكبرى ممكنة، لكنها لا تجعل التغيير التقدمي أو انهيار النظام القديم أمرًا تلقائيًا، بل تخلق الأرضية التي تسعى فيها القوى السياسية المدافعة عن الوضع القائم لإدارة الأزمة واستعادة هيمنتها ضد التحديات الموجهة لها.
الهيمنة هي في الواقع نظرية حول الدولة، إذ يميز غرامشي بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني. فالمجتمع السياسي هو الجوهر القمعي للدولة: الجيش، الشرطة، المحاكم، والأجهزة القمعية الأخرى. أما المجتمع المدني فهو مجموعة من المؤسسات والجمعيات الخاصة، بما في ذلك الكنيسة ووسائل الإعلام والجامعات والمدارس، وتعمل هذه على إعادة إنتاج هيمنة الطبقة الحاكمة. وهذه المؤسسات مجتمعة هي التي تقنع أعدادًا كبيرة بأن الطبقة الحاكمة لا تحكم لمصلحتها الخاصة فحسب، بل أيضًا لمصلحتهم.
لكي تحقق الطبقة الحاكمة النصر وتحافظ على السلطة، عليها أن تجعل غالبية السكان تقبل بحقها في الحكم، لكن هذا يسير جنبًا إلى جنب مع الإكراه، فلا يمكن فصل هذه القيادة الأخلاقية والفكرية عن ما يسميه غرامشي أحيانًا الهيمنة القسرية. يشير غرامشي إلى أن هيمنة الطبقة الحاكمة «محمية بدرع الإكراه»، ومع ذلك، هناك نقاط ضعف في سيطرة الطبقة الحاكمة علينا.
في تحليله، يميز غرامشي بين ما يسميه في مذكرات السجن «الحسّ العام» و«الحسّ السليم». الحسّ العام هو مجموع الأفكار السائدة في المجتمع الرأسمالي، والتي تُغرس فينا منذ الولادة حول كيفية عمل العالم، من ذلك الأفكار التي تقول إن البشر أنانيون بطبيعتهم، وأن العنصرية أمر لا مفر منه، وأن وجود رئيس أو قائد دائمًا ضروري، وأن الاستغلال جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي.
أما الحسّ السليم، فهو بالمقابل الأفكار المستندة إلى التجربة الفعلية للاستغلال الجماعي الذي يعاني منه العمال. يشير غرامشي إلى أن الغالبية العظمى من الناس تحت الرأسمالية تمتلك عناصر من كل من أفكار الحسّ العام والحسّ السليم في أذهانهم.
يقول غرامشي إن «الوعي النظري يمكن أن يكون بالفعل، من الناحية التاريخية، في تعارض مع النشاط العملي للفرد. ويمكن القول تقريبًا إنه يمتلك وعيًا نظريًا مزدوجًا، أو وعيًا متناقضًا». مجموعة من الأفكار تكون ضمنية في نشاطه، و«التي في الواقع توحده مع جميع زملائه العمال في التحويل العملي للعالم الواقعي»، والأخرى «ظاهرة سطحيًا أو لفظية، وموروثة من الماضي ومستوعبة دون نقد».
والأهم من ذلك، يربط غرامشي تطور وعي الطبقة بنشاط الناس العملي. يمكن تحويل أفكار الناس عندما يكافحون ضد النظام، وعندما يقاوم العمال من أجل مطالب اقتصادية قد تنشأ صراعات سياسية وأيديولوجية بين من يرغبون في التغيير ومن يتمسكون بالنظام القديم. وهذا ما حدث خلال الثورة السودانية في عام 2018.
اندلعت الاحتجاجات في السودان بعد أن ارتفع سعر الخبز ثلاثة أضعاف، وسرعان ما تحولت المطالب الاقتصادية إلى ثورة سياسية. خوفًا من حجم الاحتجاجات، حاول القادة العسكريون القيام بانقلاب، لكنه قوبل برد غاضب من الاحتجاج. من خلال مقاومتهم بشأن الخبز، اكتشف الناس العاديون شعورًا جديدًا بالثقة والقوة، وبدأ العمال بتنظيم لجان مقاومة مفتوحة لكل من يعارض الانقلاب العسكري.
نظمت هذه اللجان جميع جوانب الحياة، مثل توزيع الأدوية، وأنشأت الحواجز، ونظمت توفير الطعام والماء والأمن، وبدأت بمشاريع ثقافية. لكن الثورة غُرِقت في الدم على يد القوى المضادة للثورة، وكان بإمكان لجان المقاومة أن تصبح قاعدة لحكومة عمالية جديدة من القاعدة.
لكن حتى عندما يشعر الناس بقوتهم الخاصة، فإنهم لا يتخلون تمامًا عن الأفكار الإصلاحية القديمة، ولا يستخلصون استنتاجات ثورية حول دلالات أفعالهم. التخلص من الأكاذيب والأساطير التي غرستها الطبقات الحاكمة في المجتمع يتطلب أكثر من مجرد النضال؛ فهو يتطلب أيضًا تنظيمًا من قبل الاشتراكيين الثوريين الذين يسعون لتوفير إطار سياسي واعٍ للعمل.
بالنسبة لغرامشي، يتمثل دور الحزب في توفير القيادة في النضالات اليومية التي تنشأ من تجاوزات الرأسمالية، «لم تكن هذه القيادة ‘مجردة’. فلم تكن تتمثل في تكرار ميكانيكي لبعض الصيغ العلمية أو المجردة أو النظرية؛ ولم تخلط بين السياسة، أي الفعل الحقيقي، والمناظرات النظرية».
فكر في كيف كان يمكن أن يكون الحال في السودان مختلفًا لو وُجدت قوة سياسية منظَّمة. فمعركة القيادة تمتد عبر النضال، سواء كان ذلك في مقاومة أجهزة الهجرة في مينيابوليس أو في الاحتجاجات التضامنية مع فلسطين في بريطانيا.
من أهم الدروس المستفادة من حياة غرامشي أن تفويت الفرص الثورية لا تكون عواقبه محايدة، فهناك ثمن باهظ يُدفع على شكل ثورة مضادة إذا لم تفز طبقتنا في المعركة لتصبح الطبقة المهيمنة.
ترجمة عن جريدة العامل الاشتراكي
