كيف احتضن مهرجان حلب المسرحي مناهج متناقضة لرسم هوية مسرحية تجديدية

ضم مهرجان المونودراما المسرحي لعام 2026م على خشبة دار الكتب الوطنية بمدينة حلب عدة عروض استند مخرجوها إلى مدارس مسرحية مختلفة لتقديم أعمال تعكس فلسفتهم ورؤاهم عن المسرح كما يتصورونه، فتميز كل عرض بانتمائه لمذهب فني مختلف عن الآخر، لكن ما يثير الاهتمام هو ظهور عملين أحدهما ينتمي لمدرسة الواقعية المفرطة (Hyper reality)، وآخر يندرج ضمن إطار مسرح القسوة (Theatre of cuelty).
هذا التمايز بين الأسلوبين يطرح تساؤل مهم حول كيفية تجسيد هذه المدرستين على الخشبة وما هي العوامل والتقنيات الفنية والزركشات الجمالية ((Ornaments _حسب مفهوم الكاتب والناقد البريطاني صامويل جونسون_ التي وظفها كل من المخرجين لتجسيد تصوراتهم عن المسرح وما هي أهم العوامل التي ساهمت في نجاحه؟
نبدأ بالعرض الأول “ليلة التكريم” وهو اقتباس عن نص للكاتب جوان جان وإخراج حكمت نادر عقاد وتمثيل عامر دوبا
وظّف المخرج مفهوم الاغتراب لتقديم شخصية وحيدة، منعزلة، ومهمشة بعد أن كسدت وفشلت بتقديم أي قيمة يمكن تسويقها، فآثرت التقوقع على ذاتها كوسيلة دفاعية لحمايتها من لحظة انهيار نفسية وشيكة. وقدم تصوراً جديدا لنص سبق أن تم عرضه مرات عديدة على المسارح السورية والعربية، من خلال إعادة تشكيل النص لإنتاج نوع غير تقليدي من الحبكة، حيث قرر التخلي عن نهاية النص الأصلي فوضع العرض بين فكي الخلل البنيوي للنص، لكن التقنيات التي استخدمها المخرج حالت دون ذلك.
خياره الأول كان بدأ العرض دون مقدمة، حدث مباشر دون تمهيد وصفعة سريعة للشخصية أخرجتها من سكونها القصير، الذي عبر عنه الممثل بشرب فنجان قهوة وهو يطرب بصوت الشيخ إمام وأغنية (وهبت عمري للأمل)، وفجأة يقطع رنين الهاتف الهدوء السائد، ليمثل الشرارة التي تنتقل بالمتلقي من الفضاء الخارجي الهادئ، إلى المكنون الداخلي المكبوت، والصراع النفسي المتراكم، لتبدأ بعدها عناصر مسرح المونودراما بالظهور واحدة تلو الأخرى.
وبهدف تحريك العرض وتجنب ركوده، أو دفع الحبكة نحو خط أفقي رتيب للأحداث، كسر المخرج الجدار الرابع بأسلوب تجنب من خلاله فخ الابتذال، فعند كل ارتفاع بحدة المعاناة النفسية لكل مرحلة من ذكريات الشخصية، مرر الكاتب الكوميديا السوداء نحو الجمهور لخلق نقلات رشيقة بين كل مرحلة عمرية جسّدها، وكل انكسار تعرضت له الشخصية من خلال تقنية الخطف للخلف (Flashback) ، وبالإضافة لإقحام تقنية المسرح داخل المسرح (Meta-theatre) بهدف تعويض غياب الآخر، التي جنبت العرض من أن يتحول لخطاب إنشائي مطول موجه نحو الجمهور، وتمرير مفارقات رمزية تارةً، ومباشرة تارةً أخرى (وهنا من الجدير بالذكر أن بعض المشاهد التمثيلية التي اختارها المخرج لم يكن لها أي صلة بالحدث وغير مبرّرة درامياً، فبدت ممجوجة و مقحمة ضمن العرض عنوةً كفواصل إعلانية تلفازية) ممهداً الطريق نحو الذروة التي كانت الخط الفاصل بين انهيار الحبكة ونجاتها.
كان خيار المخرج في التحديد الزمني للذروة في الماضي، وهرب الشخصية التي تحمل معها حقيبة الخيبات، ونهاية العرض برجوع الشخصية إلى الطاولة التي انطلق منها العرض وسيلة لتشكيل حلقة زمنية للأحداث (Loop)، حينها صار منتصف العرض هو البداية والنهاية معاً، وبالتالي انتفت الحاجة لنهاية، بسبب استغناء المخرج عن البداية لتقديم عرض مونودرامي سلس ورشيق، مستعيضاً عن غياب حدث خارجي محرك للحبكة المسرحية كونها لا تعد عنصراً أساسياً من عناصر مسرح المونودراما. لكن هذا النوع من الحبكة المعقدة يعد توظيفه مخاطرة في مسرح الواقعية المفرطة، الذي يشترط على الحبكة أن تكون أفقية، دون الحاجة لخلق جو من التشويق وذلك بهدف حصر تركيز الجمهور في الآنية والحدث اللحظي، فهل كان هذا اجتهاداً شخصياً من المخرج لحل مأزق الحبكة المعقدة التي يلجأ إليها معظم فنانو الواقعية بكافة أشكالها لإنتاج عمل حيوي يجذب الجمهور نحوه؟
أفسح المخرج المجال للشخصية لتتقمص عدة مراحل من حياتها من خلال قطعة ثياب مرتبطة بكل مرحلة، لخلق حالة وجودية يتماها معها الجمهور لا شعورياً، وبسبب الخيارات المحدودة لرواد الواقعية في تجنب الترميز والغوص في المخيلة، انتقل المونولوج المطول بالمتلقي من الشعور بآلام الشخصية ومعايشتها إلى سماعها من خلال الالقاء والطرح المباشر أحياناً، رغم وجود مشاهد مميزة كانت أكثر من كافية لتحقق تلك الغاية.
رغم تقديمه لرؤية مختلفة عن النص الأصلي، توافق المخرج مع الأسلوب العام للكاتب إلى حد ما، لكنه فضل الواقعية المفرطة _رغم مخالفته لبعض قواعدها الأساسية التي بنيت عليها_ كرؤية إخراجية وحلول لعدة عقبات تقنية على الخشبة، فمثلاً فضّل المخرج تحطيم طوب حقيقي على الخشبة، لتعزيز الواقعية وإيصال آلام الممثل الذي جسد لحظة هدم المنزل فوق أمه، بدل من الاعتماد على المؤثرات الصوتية (محرك البلدوزر وأعمال الهدم) وعزل الشخصية ضمن لحظات زمنية حسّياً خارج السياق العام، لإيصال مشاعر حقيقية/معززة للجمهور، واستغلال أدق التفاصيل بالديكور المحيط والسينوغرافيا (صنبور الماء وأسطوانة غاز…) وأداء الممثل ولغته البسيطة، الذي حاول ضبط مشاعره وتجسيد حركات مدروسة في كل مرحلة من العرض.
أما عن العرض الآخر فقد حمل عنوان “ذهان 4:48” مقتبساً عن نص للكاتبة البريطانية سارة كين، إخراج رائد البين وتمثيل عبير بيطار.
استند المخرج على مسرح القسوة لتقديم عرض من نوع خاص فضل فيه لغة الجسد التعبيرية عن الحوار المنطوق الواضح فكانت اللغة مفككة، رمزية ونابعة من أعماق اللاوعي الداخلي لشخصية ترضخ تحت وطأة الآلام النفسية ورحمة المهدئات الطبية، لكن كيف قدّم المخرج عملاً متماسكاً دون حدث رئيسي أو حبكة واضحة، وما هي أهم الأدوات التي اعتمدها؟
وظّف المخرج أدوات مسرح ما بعد الدراما (Post dramatic theatre) من خلال تنحية سلطة النص ومنح الجسد بانفعالاته وتعبيراته مساحة أكبر للتعبير عن المكنون الداخلي، لتفقد اللغة سيطرتها على الجسد وتصبح الإيماءات الجسدية والحركات الانفعالية ولحظات الصمت، والحركات المكررة، وسيلة التعبير الرئيسية، فكانت الغاية شعورية عاطفية بدلاً من أن تكون لغوية عقلانية.
فمثلاً حركة الشخصية/الممثلة التي تتخذ نمط اللازمة الموسيقية تتركز داخل عقلها الباطن، معبَّراً عنه بديكور يطغى عليه البياض ليعكس الفراغ العميق الذي يضم كل المشاعر القاسية التي تعايشها الشخصية، فالمرآة المكسورة التي تعكس انكسار الروح وتشظي الذات والهوية التي تسعى مراراً الوصول إليها _دون جدوى_ ،والشرائط التي تتدلى بأسلوب سريالي من معظم الأدوات التي وُظفت لتمثل خيبات وعُقد لم تحل، والخربشات التي بدأت تطفو على السطح أخذت شكل رمز السلام الذي كان الصرخة المقهورة نحو خلاص لا يمكن إدراكه، كانت أدوات رمزية استبدلت المرئي الظاهر بالشفهي الموصوف، أما الموسيقا فقد كانت صاخبة بهدف توسيع خشبة المسرح وإيصال المعاناة للجمهور وإثارة القلق والغضب المكبوتين بداخله، أما الشاشة التي نقلت الجمهور إلى أعماق اللاوعي فحملت بمضمونها استعارات تقنية من أسلوب السينمائي السويدي الشهير انغمار بيرغمان، فاللقطات المقربة (Close-ups) والغوص في النفس البشرية التي تبحث عن معنى في حيز يفتقر إليه، كان وسيلة للتنقل بين الوعي واللاوعي.
وفي ظل غياب مونولوج مترابط، وظّف المخرج الإيماءات الحادة وحركات الجسد الغير مألوفة لكسر الجدار الرابع وتمرير مشاعر للجمهور الذي كان يرضخ لكم مكثف من العنف والقسوة _السمعية منها والبصرية_ ليتشارك مع الشخصية ذلك الألم الدفين ويلتقي معها عند نقطة عميقة من الانكار المستمر للذات وهشاشتها، وقرر إنهاء العرض بأسلوب رمزي يفتح باب التأويل على مصراعيه حيث يفقد المعنى قيمته، والكلمة قدرتها على التعبير.
لم يفتقر مخرج العمل لنص قوي، بل كان موفقاً بتجسيد هذا النوع من النصوص على مسرح المونودراما، وكان متمكناً من أدواته الفنية والمسرحية، لكن المشاكل التقنية المتعلقة بالإضاءة والصوت وجهاز الاسقاط التي خلقت نوعاً من الوقفات القصيرة (Pauses) بين كل نقلة من حالة الوعي إلى اللاوعي، وكل شخصية من الشخصيات التي تتصارع داخل العقل الباطن (كتجسيد للانفصام)، كانت العثرة الرئيسية أمام تفوقه على بقية الأعمال المشاركة بالمهرجان، ومع ذلك يعتبر تجربة تميزت بجرأتها على كسر النمطية السائدة، ما قد يفتح المجال أمام محاولات جديدة قد تستضيفها خشبات مسرح مدينة حلب.
رغم الاختلاف الكبير في أسلوب العرض ومدارسه الفنية التي تبناها مخرجا العملين المسرحيين، وفي حين فضّل الأول تقديم حالات وجودية وصراع داخلي بلغة بسيطة ومونولوج مباشر، ومحاكاة الحياة اليومية بأوضح أشكالها، وظّف الثاني الجسد والرمزية السريالية بأشد أشكالها، لتجسيد قلق مكبوت وضياع مؤجل دون الحاجة للغة واضحة ومونولوج متماسك. إن هذا التناقض بأسلوب الطرح عبّر بدقة عن جوهرية الفن وكيفية الخوض فيه، فالفن لا يتمحور حول المحتوى والماهيّة (ماذا)، بل الأسلوب والشكل (كيف).
– إعداد الرفيق إدوراد
