
بقلم هيئة التحرير
لم يكن الثامن من ديسمبر 2024 بالنسبة لجموع الكادحين والمهمشين في سوريا مجرد لحظة تقنية لسقوط رأس منظومة الإجرام الأسدي، بل كان استحقاقاً معمداً بدماء عقود من التضحيات في سبيل “الخبز، الحرية، والعدالة الاجتماعية”. إلا أن المشهد السريالي الذي تلا هذا السقوط كشف عن هوة سحيقة بين طموحات الجماهير في التحرر الشامل، وبين مساعي سلطة “الترميدور” الجديدة (هيئة تحرير الشام وحلفاؤها) لإعادة إنتاج أدوات القمع المركزية بعباءة أيديولوجية مختلفة.
لا يمكن فصل الاستعراض العسكري عن التوجهات الفعلية للسلطة. فهو لم يأتِ تعبيراً عن سيادة أو تجسيدًا لجاهزية وطنية، بل كفعل رمزي موجّه إلى الداخل السوري، في لحظة تتآكل فيها شرعية السلطة وتنكشف هشاشتها أمام التدخلات الخارجية.
إعادة تدوير الاستبداد تحت شعار “التحرير”
إن الفارق بين سقوط ديكتاتور وتحرير وطن وشعب ليس مسألة توصيف، بل جوهر التحول السياسي نفسه. ففي الحالة السورية، لا يمكن اعتبار إسقاط رأس النظام وقياداته تحرراً فعلياً ما لم يترافق مع تفكيك الدولة الأمنية، وبناء نظام ديمقراطي يضمن السيادة الشعبية، المساءلة واللامركزية. أما الإبقاء على البنية القمعية القديمة مع تغيير الواجهة، فلا ينتج إلا إعادة تدوير للاستبداد.
من هذا المنطلق، فإن رفض قوى اجتماعية وسياسية وعسكرية وازنة اعتبار الثامن من ديسمبر يوم “تحرير” يعكس تشكيكاً عميقاً في الرواية الرسمية التي تروّج لها السلطة الترميدورية. هذا الرفض يستند إلى واقع واضح: غياب أي مسار ديمقراطي أو مشروع لامركزي، مقابل سعي متسارع لفرض سلطة مركزية جديدة تستعيد خطاب “الدولة القوية” لتبرير السيطرة لا لبناء وطن حر. وهكذا يتحول خطاب “التحرير” إلى أداة لإضفاء شرعية شكلية على سلطة لم تستمد مشروعيتها من السوريين، بل من قدرتها على فرض نفسها بالقوة.
العنف الطائفي كأداة لفرض السيطرة
في الواقع الملموس، تكشف المجازر الدامية المرتكبة بحق أبناء الطائفة العلوية في مختلف مناطق تواجدهم في الساحل السوري وحمص وحماة كما في العاصمة دمشق، وبحق أبناء الطائفة الدرزية في جنوب البلاد بالاضافة الى العديد من الانتهاكات، عن فشل ذريع، بل أيضاً عن تواطؤ وخيانة صريحة من قبل الأجهزة الأمنية التي تزعم حماية “جميع المواطنين”. فقد لجأت السلطة إلى استخدام القوة العارية، متمثلة بغبارها البشري من الفزعات ودعوات النفير العام المشحونة عرقياً وطائفياً، في مختلف مناطق سيطرتها، لقمع كل من يرفض سلطة المركز، وبصورة خاصة ضد الأقليات القومية والدينية والمذهبية. وهو ما يفضح الطبيعة القمعية الممنهجة لهذه السلطة، ويؤكد أن العنف ليس انحرافاً عابراً في ممارساتها، بل جزءاً بنيوياً من هويتها السياسية.
بالتوازي مع ذلك، شهدت الأسابيع القليلة التي سبقت ذكرى سقوط نظام الأسد تصاعداً ملحوظاً في الدعوات إلى التظاهر والإضراب، قابلها تفاعل جماهيري واسع، بما يعكس تنامي الرفض الشعبي لهيمنة السلطة الترميدورية. فبينما تحاول هذه السلطة إظهار نفسها بوصفها “ممسكة بزمام الأمور في البلاد”، يتكشّف على أرض الواقع تصدّع عمقها الاجتماعي وعجزها المتزايد عن إنتاج أي شكل من أشكال الشرعية.
سلطة بلا سيادة: سوريا كساحة مفتوحة للهيمنة الخارجية
منذ وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة، لم تتوقف القوى الإقليمية والإمبريالية عن التدخل في الشأن السوري، سياسياً وعسكرياً، في سياق واضح لتقويض ما تبقى من السيادة الوطنية. فبينما يواصل جيش الاحتلال الصهيوني توسيع نقاط تمركزه في جبل الشيخ، ويكثّف غاراته على القرى السورية، وآخرها الاعتداءات على بيت جن ومحيطها، تمضي تركيا في سياساتها التوسعية في الشمال السوري، عبر الاحتلال المباشر أو عبر مرتزقتها من الفصائل الجهادية، وفرض وقائع ميدانية جديدة تخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية.
أمام هذا التصعيد المتعدد الأطراف، يبرز الغياب الكامل لأي ردّ فعلي حقيقي من قبل السلطة الحاكمة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. إذ لم يصدر عنها سوى الصمت، أو الاكتفاء بخطاب فضفاض يبرر العجز تحت ذرائع “التكتيك” و”ضبط النفس”، في إعادة إنتاج فجّة لخطاب السلطة السابقة. أما ما يسمى بالأجهزة العسكرية والأمنية، أو حتى “غبارها البشري”، فلم يظهر لها أي دور في مواجهة الاعتداءات الخارجية. في المقابل، جاء الرد الوحيد من المقاومة الشعبية في المناطق المُنتهكة، حيث تحركت مبادرات محلية للدفاع عن الأرض والكرامة في ظل غياب السلطة المتعمّد. وهو ما يسلّط الضوء على حقيقة هذه السلطة بوصفها سلطة وظيفيّة، عاجزة عن حماية البلاد، وغير معنية أصلًا بالدفاع عن سيادتها، طالما أن بقاءها مرهون بتوازنات إقليمية ودولية.
استعراض القوة في مواجهة المجتمع
في هذا السياق السياسي والأمني المتهالك، يأتي ما سُمّي بـ«الانضباط» الذي ظهر خلال العرض العسكري ليكشف زيف خطاب «العناصر غير المنضبطة» الذي دأبت السلطة على التذرّع به لتبرير الانتهاكات. فالقوى ذاتها التي تُركت لتنفلت وتمارس العنف والقتل خارج أي مساءلة في مختلف أنحاء البلاد، تُظهر قدرة واضحة على الانضباط حين يكون المطلوب استعراض القوة. هنا، تنتفي سردية «التجاوزات الفردية»، وتنتقل المسؤولية مباشرة إلى مستوى القرار السياسي، لتتكشّف الأجهزة بوصفها أدوات قمع انتقائي، لا مؤسسات وطنية معنية بحماية المجتمع.
خلال هذا العرض، برزت كذلك هتافات وخطابات استهدفت قوى سورية داخلية، ووصفت مناطق سيطرتها بأنها «مناطق محتلة»، بما يضعها صراحة في خانة العدو. وهو ما يتناقض جوهرياً مع الخطاب الرسمي الذي يدّعي السعي إلى «السلام» و«التشاركية» وبذل جهود تفاوضية مع باقي القوى السورية، في ازدواجية فاضحة بين الخطاب والممارسة.
أما على مستوى العتاد العسكري الذي جرى استعراضه، فيبدو واضحاً تواضعه وضعفه، وعدم قدرته على مضاهاة القوى العسكرية الداخلية أو مواجهة التهديدات الخارجية الفعليّة. كما أن اختيار شوارع المدن، لا الثكنات أو الساحات العسكرية، مسرحاً لهذا العرض، يدل على أن الرسالة لم تكن موجهة للاحتلال أو للقوى الإقليمية المتدخلة، بل للداخل السوري نفسه، وتحديداً للمجتمع والقوى الرافضة لإعادة إنتاج المركزية القمعية.
بهذا المعنى، يغدو الاستعراض محاولة مكشوفة لتعويض العجز عن مواجهة الاحتلال والتدخلات الخارجية، عبر إعادة فرض صورة «الدولة الصلبة» على الداخل، في مسعى لإخضاع مجتمع يتنامى وعيه بطبيعة هذه السلطة وحدودها، وبأن ما يُعرض من قوة ليس إلا قناعاً هشاً لسلطة مأزومة.
غزة, شعار لا قضية
أما بالنسبة للهتافات المرفوعة لغزّة خلال الاستعراض، فهي أكثر عناصره تناقضاً. ففي الوقت الذي تسعى السلطة بشكل حثيث للتوصل إلى تفاهمات أمنية بينها وبين دولة الاحتلال الصهيوني، ويُترك الجنوب السوري مفتوحاً أمام التوغّل والقصف والاعتداءات المتكررة دون أي ردّ، يجري استدعاء غزّة كشعار تعبوي فارغ لتغطية العجز والتواطؤ. هذا الاستخدام الانتهازي للقضية الفلسطينية لا يعكس موقفاً مقاوماً، بل يكشف حالة ارتباك وعشوائية داخل صفوف السلطة، حيث يُستثمر الهتاف كأداة شعبوية لتلميع صورة مهترئة، بينما تُدار السياسات الفعلية بما يتناقض جذرياً مع مضمونه. وهكذا تتحوّل غزّة من قضية تحرر محقة إلى لافتة دعائية في استعراض موجّه لترهيب الداخل، لا أكثر.
إننا اليوم أمام لحظة مفصلية تتطلب تفكيكاً طبقياً وسياسياً للرواية الرسمية التي تحاول اختزال “التحرير” في تبديل الوجوه مع الإبقاء على جوهر “الدولة التسلطية”. فبينما يتم الاحتفاء بالانتصار في العروض العسكرية، نجد أن الانتهاكات الطائفية والعرقية تتصاعد، و السيادة الوطنية مستباحة، والتبعية للقوى الإقليمية ترهن قرار البلاد، مما يجعل من خطاب السلطة الحالية مجرد قناع جديد لاستبداد قديم، يسعى لتدجين المجتمع وإجهاض السيرورة الثورية قبل وصولها إلى محطتها الديمقراطية والاجتماعية المنشودة. ما يتطلب حشد القوى السياسية والاجتماعية الديمقراطية واليسارية لمقارعة هذه السلطة التيرميدورية، في كل موقع ومساحة من ساحات النضال الشعبي.
لا تحرر بلا سلطة الشعب وكنس الاستبداد الداخلي والخارجي
لا شرعية غير الشرعية المستمدة من الجماهير الواعية المنظمة
