
تشهد مناطق الساحل السوري، وخاصة محافظتي طرطوس واللاذقية، تصاعداً خطيراً في العنف الطائفي، يقود البلاد نحو حرب أهلية دموية. هذا التصاعد يأتي في ظل انتهاكات ممنهجة ترتكبها قوات الأمن التابعة للإدارة السورية الجديدة، وهجمات مسلحة تستهدف قوات الأمن، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف الطرفين وكانت الضحية الأكبر المدنيين في قرى الساحل السوري .
تصاعد العنف وانتهاكات الأمن
في الأسابيع الأخيرة، انتشرت بيانات عديدة تعلن تشكيل مجموعات مسلحة جديدة، أبرزها “لواء درع الساحل” و”المجلس العسكري لتحرير سوريا”، الذي وقّع بيانه عميد سابق في الجيش السوري. هذه المجموعات تهدف إلى محاربة الإدارة السورية الجديدة، التي تتهمها بالفساد والتبعية لقوى خارجية.
وتزامنت هذه التطورات مع حملات أمنية مكثفة شهدتها قرى ومدن الساحل، خاصة في حي الدعتور باللاذقية، حيث تم استخدام الرشاشات الثقيلة والدبابات في عمليات التفتيش، ونتج عن الحملة وقوع العديد من الشهداء في صفوف المدنيين بعضهم أطفال ومنع السكان من تشييع الضحايا أو إقامة مجالس عزاء. هذه الإجراءات القمعية زادت من حدة الاحتقان الشعبي، وأدت إلى خروج تظاهرات في طرطوس وجبلة وبعض مناطق دمشق، قوبلت باستخدام الرصاص الحي من قبل قوات الأمن لتفريقها.
تصاعدت الأحداث يوم الخميس في الساحل السوري لتدخل على الخط اشتباكات بين ما عرف “بفلول النظام” والأمن العام ليسقط ضحيتها 15 عنصر من الأمن العام
حملة “نفير طائفي عام” وحملة أمنية رسمية
منذ مساء يوم الخميس بدأت حملات التحريض الطائفي وإعلان النفير العام في الساحات والمساجد في عدة محافظات سورية ، وانتشرت عدة فيديوهات لمسلحين من الهيئة داخل المساجد والساحات يدعون الناس للنفير العام باتجاه الساحل السوري ، تخلل تلك الدعوات عبارات طائفية تحرض على جرائم الإبادة الجماعية
ترافقت تلك الدعوات مع غزو إعلامي بمنشورات وفيديوهات توثق توجه عشرات آلاف المسلحين من عدة محافظات باتجاه الساحل السوري
ليأتي صباح يوم الجمعة كاشفاً عن أكبر مجازر طائفية منظمة منذ سقوط نظام الطغمة
أشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن قوات مشتركة تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، نفذّت اليوم الجمعة، حملة أمنية واسعة في عشرات القرى في ريف اللاذقية وطرطوس وحماه، تخللتها مداهمات عشوائية للمنازل وإطلاق نار مباشر على الأهالي. كما تمّ خلال الحملة تنفيذ عمليات إعدام ميداني واسعة بحق شبان ورجال تراوحت أعمارهم من 18 عاماً فما فوق، من دون تمييز واضح بين المدنيين أو سواهم.
ووثّقت الشبكة الحالات التالية: مقتل نحو 40 مدنياً في قرية المختارية في ريف اللاذقية، وقد أُعدموا جماعياً في موقع واحد وتُركت جثثهم في المكان. بالإضافة إلى مقتل نحو 10 أشخاص في بلدة الحفة في ريف اللاذقية. وفي ريف مصياف في محافظة حماه، تم توثيق مقتل نحو 5 مدنيين في قرية بستان الفندارة، كذلك قتل نحو 10 مدنيين في بلدة أرزة في ريف حماة الغربي، وتُركت جثثهم في شوارع البلدة. وقد تركت جميع جثث القتلى في الشوارع والطرقات.
أما المرصد السوري لحقوق الإنسان فقد قام بتوثيق ارتكاب 5 مجازر بحق المدنيين في الساحل السوري راح ضحيتها 162 شهيد بينهم نساء وأطفال
مهاجمة قرى
وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان
أودت 5 مجازر متفرقة بحياة 162 مدنياً في محافظات الساحل السوري، اليوم الجمعة في السابع من آذار/ مارس، بينهم نساء وأطفال،وسقطت الغالبية العظمى من الضحايا في إعدامات ميدانية نفذتها عناصر تتبع لوزارة الدفاع والأمن الداخلي، في تصعيد يُضاف إلى سجل الانتهاكات ضد المدنيين.
- مدينة بانياس (ريف طرطوس) 60 مدنياً بينهم 10 نساء و5 أطفال، أُعدموا رمياً بالرصاص في هجوم مكثف.
- دوير بعبدة بيت عانا (ريف جبلة/اللاذقية):
-7 مدنيين قتلوا بإطلاق نار مباشر. - قرية الشير (ريف اللاذقية):
– 24 مدنياً سقطوا خلال إعدام جماعي. - قرية المختارية (منطقة الحفة/اللاذقية):
– 38 مدنياً أُطلق الرصاص عليهم من مسافات متقاربة. - بلدة الحفة (اللاذقية):
– 7 مدنيين توفوا جراء إصابات بالغة في الرأس والصدر. - يحمور (ريف طرطوس):
– شابان قُتلا أثناء محاولتهما الفرار من المنطقة. - سلحب (ريف حماة):
– الشيخ شعبان منصور وابنه أُعدِما بعد اعتقالهما من منزلهما. - قرية قرفيص (اللاذقية):
– 22 مدنياً سقطوا في هجوم استهدف منازل القرية.
الهجمات المسلحة والرد الأمني العنيف
في المقابل، نفّذت مجموعات مسلحة هجمات خاطفة على حواجز أمنية ومراكز حكومية، أبرزها الهجوم على قافلة أمنية قرب قرية بيت عانا، والذي أسفر عن مقتل وإصابة عدد من عناصر الأمن. كما استهدفت الهجمات حواجز في مدينة جبلة ومقر الكلية الحربية.
وردت قوات الأمن على هذه الهجمات بعنف، باستخدام الحوامات والمدفعية في ريف اللاذقية، مما أدى إلى تصاعد حدة المواجهات. وفي الوقت نفسه، تم تداول تسجيلات مصورة لقيادي في “لواء درع الساحل”، يدعى المقداد فتيحة، يعلن فيها عن “ساعة الصفر” ويدعو إلى انتفاضة شاملة لطرد ما وصفها بـ”عصابات الجولاني” من الساحل السوري.
تدخل روسي ورسائل تهديد
مع تصاعد الأحداث، لفت انتباه المراقبين تكثيف الطائرات الحربية الروسية لتحليقاتها في أجواء المنطقة، على علو منخفض، في ما يبدو أنه رسالة واضحة من موسكو بأنها لا تزال تتابع الأحداث عن كثب وتدعم الإدارة السورية الجديدة.
بيانات وتصريحات متضاربة
من جهتها، أصدرت الإدارة السورية الجديدة قراراً بحظر التجول في طرطوس وجبلة وحمص، في محاولة لضبط الأوضاع الأمنية. وفي تصريح مصوّر، أكد المسؤول الأمني في جبلة، ساجد الديك، أن “الأمور تحت السيطرة”، داعياً إلى الابتعاد عن التجييش الطائفي.
في المقابل، دعا “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر”، الذي يزعم تمثيل الطائفة العلوية، إلى اعتصامات سلمية رداً على الانتهاكات الأمنية، مؤكداً أن “الطائفة العلوية ترفض العنف وتدعو إلى الحكمة وضبط النفس”.
وجاء تعليق الجولاني “أحمد الشرع” في خطاب مصور ألقاه مساء يوم الجمعة مباركاً للعمليات الأمنية والعسكرية ومهددا ومتوعداً “الفلول” ومحرضاً على استمرار سياسات النظام الحالية ، بخطاب أشبه ما يكون بخطاب بشار الأسد في 2011 عندما وقف على ماء السوريين وأعلن حربه على “الأرهاب”
مخاوف من حرب أهلية جديدة
مع استمرار الاشتباكات وتصاعد الخطاب الطائفي، يبدو أن الساحل السوري على شفا حرب أهلية جديدة، قد تعيد إنتاج مشاهد الدمار والقتل التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية. وفي ظل هذا الوضع المتأزم، تبرز الحاجة إلى حلول سياسية تعيد الاستقرار إلى البلاد، وتضمن حقوق جميع السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية أو السياسية.
دعوات للوحدة الوطنية
أعربت الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، اليوم الجمعة، عن قلقها من تصاعد التوتر في المنطقة الساحلية، داعيةً إلى الحوار.
وأكدت، في بيان نشرته على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي، أن تصاعد حدة التوتر والاشتباكات في سوريا، وخاصة في الساحل سيجر سوريا إلى حافة الهاوية، وقد يكون سبباً في ارتكاب المجازر بحق الشعب السوري.
وناشدت الإدارة الذاتية الكردية كافة الأطراف بالتحلي بالحكمة وضبط النفس، ووقف التصعيد الذي سيساهم في زيادة الفجوة بين القوى الوطنية السورية، وسيكون الشعب السوري وحده من يدفع ثمن هذه التناقضات.
وقالت الإدارة الذاتية، في تعليقٍ على الأحداث، إنّ “السبب الذي أدى إلى هذا التصعيد هو القراءة غير الصحيحة للواقع السوري من قِبل السلطات في دمشق، وعدم الأخذ بعين الاعتبار حساسية الوضع في سوريا، وخاصة التنوع في المكونات والأطياف”.
وأكدت أن الحوار هو الطريق الوحيد لبناء سوريا تحقق آمال وتطلعات شعبها بكل مكوناته وأطيافه، موضحةً أنّ البلاد بحاجة إلى “حوار وطني حقيقي لمناقشة سبل الوصول بها إلى بر الأمان، وحل كافة التناقضات والمشاكل العالقة بين القوى”.
من جهة أخرى، أصدرت القوى والأحزاب الوطنية في سوريا، ,ومن ضمنها تيار اليسار الثوري في سوريا، تحت شعار “حيّ على السلم الأهلي والوحدة الوطنية”، بياناً تطرقت فيه إلى الأحداث في الساحل السوري.
وشدّد القوى والأحزاب والمنظمات على أنّ “دم السوري على السوري حرام”، مشيرةً إلى أنّ الأولوية هي لتحكيم العقل والخطاب الوطني الجامع المترفع عن الفتن الطائفية والدينية، لتفويت الفرصة على أعداء البلاد الخارجيين والداخليين.
ورفض البيان أي تدخل خارجي من أي جهة كانت، والدعوات لـ”حماية دولية”، كما رفضت أيضاً “التدخلات الصهيونية المعلنة وغير المعلنة وبمختلف أشكالها”.
وقالت القوى والأحزاب إنّ “الحلول الأمنية البحتة لم تشكل لا سابقاً ولا الآن، مخرجاً من الأزمات الوطنية، بل كانت تعمقها”، مؤكدةً أنّ الحل هو الحوار الوطني الحقيقي بين كل السوريين، والحل السياسي الجامع الذي “يمكن لحكومة وحدة وطنية وازنةٍ وواسعة التمثيل أن تكون مدخلاً حقيقياً نحوه”.
وأشارت إلى أنّ السوريون دفعوا ما يكفي من دمٍ وعذابات، ولن يسمحوا بجرهم لمقتلة جديدة، داعيةً إلى أنّ الأوان هو أوان الوحدة الوطنية ولم شمل أبناء الشعب السوري بمختلف انتماءاتهم، وإعادة بناء البلاد وإحيائها من جديد.
الخط الأمامي
