
الخط الأمامي _ هيئة التحرير
يتجه الوضع في حلب، ومعه مجمل المشهد المرتبط بالإدارة الذاتية، نحو تصعيد خطير يهدد بفتح فصل جديد من الدم السوري. لكن قراءة هذا التصعيد لا يمكن أن تكون محايدة أو تقنية، بل يجب أن تنطلق من تحديد مواقع القوى ومشاريعها الطبقية والسياسية، لا من أوهام “الدولة” أو “الشرعية” الشكلية.
إن أي طرح يعامل سلطة الشرع كطرف مستقل، منفصل عن تركيا، إنما يزور الواقع. فالشرع وإدارته مرتهنان سياسياً وعسكرياً واقتصادياً للإرادة التركية، والفصائل التي تُدمج اليوم في مؤسسات “الدولة” ليست سوى إعادة تدوير لميليشيات هيئة تحرير الشام والفصائل التابعة لأنقرة، وهي نفسها التي ارتكبت مجازر الساحل والسويداء، وتمارس إرهاباً منظماً ضد العلويين والدروز وكل معارضي مشروعها.
من هذا المنطلق، لا يرى اليسار الثوري الصراع القائم بوصفه نزاعاً بين “ثلاثة أطراف متكافئة”، بل كصراع بين:
•مشروع سلطوي-طائفي جديد، ترعاه تركيا وتديره أدوات محلية،
•وبين قوى مقاومة وأمر واقع ترفض إعادة إنتاج الاستبداد، وفي مقدمتها الإدارة الذاتية، إلى جانب قوى شعبية في الساحل والسويداء ومناطق أخرى.
الشرع: ليس طرف تهدئة بل أمير حرب بلباس الدولة
القول إن الشرع لا يريد الحرب يتناقض مع ممارسات سلطته. فالسلطة التي:
•ارتكبت مجازر الساحل،
•وواصلت الاعتداءات على الدروز رغم اتفاقات التهدئة،
•ومارست الإرهاب والترهيب كأداة حكم،
هي سلطة لا تبحث عن تسوية ديمقراطية، بل عن تثبيت سلطتها عبر كسر الخصوم. ما يجري في الشيخ مقصود ليس استثناءً، بل حلقة في سلسلة واحدة، ولا يمكن فصله عن باقي الجغرافيا السورية.
تركيا: مركز القرار وأداة الحرب
تركيا لا تريد فقط إضعاف الإدارة الذاتية، بل تصفية مشروعها بالكامل، لأنها ترى فيه تهديداً مباشراً لمنظومتها القومية-الأمنية. وهي لا تكترث للفاتورة البشرية، لأنها لا تدفعها من دم جنودها، بل من دم السوريين.
لكن تحميل تركيا وحدها مسؤولية الحرب مع تبرئة أدواتها المحلية هو تضليل سياسي. الشرع ليس ضحية ضغط تركي، بل شريك كامل في المشروع.
الإدارة الذاتية: شرعية مقاومة لا ورقة دولية
من منظور اليسار الثوري، شرعية الإدارة الذاتية لا تُستمد من التحالف الدولي ولا من واشنطن. فالشرعية الدولية، في عالم الإمبريالية، ليست معيار عدالة ولا ضمانة حقوق.
شرعية الإدارة الذاتية نابعة من:
•كونها نتاج حركة مقاومة و تحرر كردية-عربية-سورية،
•ودورها المركزي في هزيمة داعش،
•وطبيعة مشروعها القائم على اللامركزية وحقوق المكونات،
•والتفاف قطاعات واسعة من السوريين حولها بعد سقوط الأسد وانكشاف الطابع الإبادي للسلطة الجديدة.
أما سلطة الشرع، فهي الأصيل الداعشي في هذه المعادلة، مهما غيّرت خطابها أو مسمياتها، ولا يمكن مساواتها بقوة نشأت أصلاً لمحاربة هذا الإرهاب.
موقف اليسار الثوري من الإدارة الذاتية: دعم نقدي لا اصطفاف أعمى
يقف اليسار الثوري في سوريا إلى جانب الإدارة الذاتية في مواجهة العدوان التركي ومشروع السلطة الإرهابية، ويعتبر الدفاع عنها دفاعاً عن:
•حق الشعوب في تقرير مصيرها،
•وعن إمكانية بناء سوريا لا مركزية، تعددية، وغير طائفية.
لكن هذا الدعم دعم نقدي واعٍ، لا يُلغي حق النقد، ولا يحوّل الإدارة الذاتية إلى كيان فوق المساءلة. فالإدارة الذاتية ليست معصومة من الأخطاء، ولا يُفترض بها أن تختزل كل آمال السوريين، لكنها اليوم قوة مقاومة فعلية في وجه مشروع استبدادي دموي، ولا يمكن الوقوف على الحياد في هذه اللحظة.
الحرب: خيار مفروض لا رغبة ذاتية
إذا وجدت الإدارة الذاتية نفسها مضطرة لاستخدام المواجهة كورقة سياسية، فذلك ليس نزوعاً للحرب، بل ردّ فعل على محاولة كسرها وتصفيتها. في مواجهة مشروع “تكسير الرؤوس”، يصبح الدفاع المسلح دفاعاً عن الوجود، لا مغامرة تفاوضية.
أما الشرع، فهو لا يخوض “معركة مصيرية” من أجل سوريا، بل حرب بقاء سلطوي، هدفها إخضاع ما تبقى من قوى رافضة، بعد فشله في استمالة الدروز والعلويين.
ضد خطاب الهزيمة والانبطاح
يرفض اليسار الثوري الخطاب الذي يبرر الحرب بحتمية “التفوق التركي” أو “الانحياز العشائري”، لأن هذا الخطاب:
•يبرر قتل السوريين مسبقاً،
•ويحوّل السلطة إلى قدر لا يُقاوم،
•ويعيد إنتاج منطق الاستسلام الذي ثار عليه السوريون أصلاً.
التاريخ لم يُكتب يوماً بمنطق موازين القوة فقط، بل بمنطق المقاومة والتنظيم والإرادة الشعبية.
إن دعم الإدارة الذاتية اليوم، من موقع يساري ثوري، ليس دعماً لقوة أمر واقع بقدر ما هو انحياز سياسي وأخلاقي ضد:
•إعادة إنتاج الاستبداد،
•وضد الإرهاب، مهما غيّر أسماءه،
•وضد تحويل سوريا إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.
وسيبقى موقفنا واضحاً:
لا لسلطة إرهابية جديدة، لا لوصاية تركية، نعم لمقاومة الشعوب، ونعم لدعم نقدي للإدارة الذاتية بوصفها جزءاً من معركة التحرر السوري المستمرة.
