
بقلم: هيئة التحرير – الخط الأمامي
بينما لم تجف دماء السوريين الذين أسقطوا بملاحمهم البطولية رأس النظام الفاشي في دمشق، تبرز على السطح ملامح سلطة جديدة، تسعى لوراثة أدوات القمع والإفقار ذاتها. إن ما نشهده اليوم من سياسات اقتصادية تتبناها “هيئة تحرير الشام”، ليس إلا “تيرميدوراً” سارياً يعيد إنتاج النظام الرأسمالي المحاسبي بعباءة أيديولوجية مختلفة، حيث يُستبدل “اقتصاد التشبيح” الأسدي بـ “اقتصاد الجباية والاحتكار” النيوليبرالي التيرميدوري.
الروزنامة الزراعية: كلمة حق يُراد بها باطل
أصدرت ما تسمى “اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير” قراراً بمنع استيراد قائمة طويلة من المنتجات الزراعية والحيوانية الأساسية (البطاطا، الحمضيات، زيت الزيتون، البيض، الفروج…) خلال شهر كانون الأول. وتحت ستار “حماية المنتج المحلي”، تمارس هذه السلطة تضليلاً اقتصادياً مكشوفاً.
إن الحماية الجمركية في الأدبيات الاقتصادية التقدمية تهدف إلى تمكين صغار المنتجين والفلاحين من الصمود أمام غزو السلع الأجنبية المدعومة. لكن في واقعنا اليوم، تتحول هذه “الحماية” إلى سكين في خاصرة الفقراء؛ فالسلطة التي تدعي حماية الفلاح هي نفسها التي تبيعه المحروقات والأسمدة بأسعار عالمية (أو أعلى) عبر شركاتها الاحتكارية.
البيانات العمياء.. هندسة النقص لخلق الثروة
يشير الخبر المسرب إلى أزمة إحصائيات حادة، حيث تعتمد “وزارة الزراعة” في دمشق على أرقام قديمة تعود لعام 2020. هذا ليس مجرد “ترهل إداري”، بل هو جزء من بنية النيوليبرالية المتوحشة التي تفضل العمل في “المناطق الرمادية”.
- تغييب الأرقام: عندما تجهل السلطة (أو تتجاهل) حجم الإنتاج الحقيقي من مادة “البطاطا” لعام 2025، فإنها تترك الباب موارباً أمام كبار التجار المرتبطين بالهيئة للتحكم في العرض والطلب.
- خلق الندرة المصطنعة: وقف الاستيراد بناءً على تقديرات وهمية يؤدي حتماً إلى نقص في الأسواق، وهو ما يرفع الأسعار جنونياً. هذا الارتفاع لا يذهب لجيوب الفلاحين الكادحين، بل يصب في صناديق “أمراء الحرب” الذين يمتلكون مخازن التبريد والقدرة على التحكم في توقيت طرح السلعة.
التحالف بين رأس المال والسلطة القمعية
يمثل نظام “الجولاني” اليوم رأس حربة الثورة المضادة من الداخل. فبعد الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح، باتفاق اقليمي ودولي لم يعد خافيا على أحد، انتقل إلى “تأميم الاحتكارات” لصالح نخبة ضيقة. إن السياسة التي تنتهجها هيئة تحرير الشام هي نسخة كربونية من “اقتصاد السوق الاجتماعي” الذي طرحه بشار الأسد في 2005، والذي أدى لتفقير الأرياف السورية وتهميش الفلاحين.
ففي الوقت الذي يُمنع فيه استيراد “الفروج” و”البيض” لتشغيل مداجن كبار المستثمرين المقربين من السلطة، يجد المواطن السوري الذي يعيش تحت خط الفقر نفسه عاجزاً عن تأمين البروتين الأساسي لأطفاله. إنها عملية إعادة توزيع ثروة معكوسة: من جيوب الفقراء والمستهلكين إلى خزائن الطبقة الحاكمة الجديدة.
الفلاح بين مطرقة التكاليف وسندان المنع
يتحدث الخبراء الزراعيون عن ضرورة دعم “مستلزمات الإنتاج” كأولوية تسبق منع الاستيراد. ولكن، كيف لسلطة تتربح من بيع الديزل والكهرباء والماء للفلاح أن تدعمه؟ إن الفلاح السوري اليوم في مناطق “السلطة التيرميدورية” يعاني من:
- احتكار المدخلات: بذار وأسمدة محصورة بشركات تابعة للهيئة.
- غياب المصارف الزراعية: لا توجد قروض مفروسة أو دعم حقيقي في الكوارث الطبيعية.
- نهب المخرجات: عند الحصاد، تتدخل السلطة لفرض أسعار شراء متدنية أو منع التصدير/الاستيراد بما يخدم شبكات التهريب المنظمة التي تديرها أجنحة داخل الهيئة نفسها.
رؤية اليسار الثوري: نحو اقتصاد شعبي مقاوم
إننا في حزب اليسار الثوري نرى أن التحرر من دكتاتورية الأسد لا يكتمل إلا بالتحرر من دكتاتورية “رأس المال الملتحي”. إن قرارات “حكومة الإنقاذ” هي قرارات معادية للطبقة العاملة وللفلاحين الفقراء، وهي تخدم بناء “دولة-عصابة” جديدة.
إن البديل الثوري يتطلب:
- كسر الاحتكارات: إنهاء سيطرة الشركات التابعة للهيئة على قطاع المحروقات والطاقة فوراً.
- الإدارة الذاتية للموارد: يجب أن تُدار المعابر والأسواق من قبل لجان شعبية تمثل المصالح الحقيقية للمنتجين والمستهلكين، لا من قبل “أمنيين” يحصون الأرباح.
- دعم الإنتاج لا حماية المحتكرين: يجب أن يكون منع الاستيراد مشروطاً بتوفير السلعة بسعر مدعوم للمواطن، مع تقديم دعم مباشر للفلاح في البذار والوقود.
إن السلطة التيرميدورية في دمشق تثبت يوماً بعد يوم أنها الوجه الآخر للعملة الأسدية. إن صراعنا من أجل “الخبز والحرية” يستمر ضد كل من يحاول تحويل تضحيات السوريين إلى سجلات تجارية وأرقام في حسابات مصرفية مشبوهة.
