
هيئة التحرير _ الخط الأمامي
لم يكد غبار المعارك يهدأ بسقوط الطاغية في دمشق، حتى بدأت ملامح “الثورة المضادة” تتكشف عن وجهها الأكثر قبحاً ورجعية. ففي الوقت الذي كان فيه الكادحون والكادحات ينتظرون بزوغ فجر الحرية والمساواة، تأتي “سلطة الأمر الواقع” الجديدة، ممثلة بهيئة تحرير الشام وجهازها القضائي، لتثبت أنها ليست سوى الوجه الآخر لعملة الاستبداد، ولكن بنسخة أكثر ظلامية وتشدداً.
إن التعميم الأخير الصادر عن وزارة عدل “السلطة التيرميدورية” بشأن حصر الولاية والوصاية بالذكور، ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو الإعلان الرسمي عن تدشين العصر “التيرميدوري” السوري؛ حيث تُغتال أحلام الثورة وتُصادر تضحيات النساء السوريات لصالح نظام بطريركي (أبوي) يسعى لضبط المجتمع بالحديد والنار والفتوى.
الانقضاض على إرث التحرر
إن إقصاء الأم عن الولاية على أطفالها وحصرها في “الولي العصبي الذكر”، هو طعنة في ظهر كل امرأة سورية صمدت، ناضلت، وأعالت أسرتها طوال سنوات الجمر. هذا “التفسير المتشدد” الذي تفرضه السلطة الجديدة ليس “تخفيفاً للأعباء” كما يزعمون، بل هو سياسة ممنهجة لإعادة إنتاج علاقات العبودية داخل الأسرة، وحرمان المرأة من أهليتها القانونية والإنسانية، لضمان تبعيتها المطلقة للمنظومة الذكرية التي تحمي سلطة “الهيئة”.
لقد كانت النساء السوريات في طليعة الثورة، واليوم يُراد لهن أن يعدن إلى “الحريم” بقوة القوانين التمييزية. إن ما نشهده هو “ترميم” لبنية الدولة القمعية بصبغة ثيوقراطية (دينية)، حيث يتم استبدال “المخابرات” بـ “الشرطة الأخلاقية”، وقوانين الأسد الجائرة بما هو أشد منها وطأة.
التحالف الطبقي والرجعي الجديد
إننا في حزب اليسار الثوري في سوريا نرى بوضوح أن هذه السلطة “التيرميدورية” تسعى لتحقيق استقرارها عبر التحالف مع الفئات الأكثر رجعية في المجتمع. إنها تشتري ولاء “رؤوس العائلات” والعشائر والقوى التقليدية عبر منحهم سلطة مطلقة على النساء والأطفال، مقابل الصمت عن هيمنة “الهيئة” على الموارد والاقتصاد والقرار السياسي.
إن هذا التعميم هو أداة “ضبط اجتماعي” تهدف إلى:
- تفتيت القوى الحية: عبر إشغال المجتمع بصراعات قانونية واجتماعية داخل الأسرة الواحدة.
- إخضاع النساء: بصفتهن الكتلة الأكثر تضرراً من الاستبداد والأكثر قدرة على التمرد.
- شرعنة التمييز: تحت مسميات “الشريعة” و”الخصوصية”، بينما الجوهر هو تأمين ديمومة السلطة الجديدة.
لا بديل عن الثورة الدائمة والمساواة التامة
إن سقوط نظام الأسد كان خطوة ضرورية، لكنها تظل منقوصة بل ومنكوبة إذا استُبدلت بديكتاتورية “أمراء الحرب” والظلاميين. إننا نحذر من أن التهاون مع تقييد حقوق الأم والوصاية هو تمهيد لمسيرة طويلة من سلب الحقوق المدنية والسياسية لعموم الشعب.
إننا في حزب اليسار الثوري نؤكد على ثوابتنا:
- رفضنا القاطع لهذا التعميم ولكل القوانين التي تكرس دونية المرأة.
- النضال من أجل قانون مدني ديمقراطي للأحوال الشخصية يضمن المساواة التامة والمطلقة بين الرجل والمرأة في كل شؤون الحياة والولاية.
- دعوتنا لتنظيم الصفوف لمواجهة “الثورة المضادة” المتمثلة في نهج هيئة تحرير الشام، والتأكيد على أن تحرر المجتمع السوري يمر حتماً عبر تحرر نسائه.
لقد أسقطنا “الأبد” الأسدي، ولن نقبل بـ “أبدٍ” جديد يرتدي عباءة الدين ليحرمنا من حقوقنا الأساسية. المعركة مستمرة، والخط الأمامي سيبقى صوتاً للكادحين والمهمشين والنساء في وجه كل مستبد.
