
افتتحت السلطة الترميدورية معرض دمشق الدولي بدورته 62 في 27 آب/أغسطس، في مشهد يذكرنا بما حدث في مؤتمر الحوار الوطني الإقصائي والشكلي، وسط تغطية رسمية تسوّق لـعودة الاستقرار والعودة إلى الساحة الدولية، مع حضور أجنحة سعودية وتركية. استطاعت السلطة بهذه الخطوة، مع تغليفها الإعلامي، أن تُحوّل الحدث إلى منصة علاقات عامة سياسية، وفضّلت دعوة المؤثرين وشخصيات مختارة بعناية تمثل لونًا واحدًا، بدل استدعاء ممثلين حقيقيين عن الشعب السوري وفعاليته الاقتصادية والصناعية.
اختيار هذا التوقيت والحضور الكثيف للمؤثرين أثار تساؤلات حول نية السلطة، والقيمة التي تضيفها هذه الفئة كوسيط إعلامي، ودورها في المرحلة السياسية الحساسة، وما يفضي إليه ذلك من زيادة الانقسام المجتمعي وتصاعد النزعة الطائفية.
تحليل ظاهرة المؤثرين في سوريا
يرتبط ظهور المؤثرين بالتطور السريع للتكنولوجيا وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، ورغبة النظام الرأسمالي المستمرة في زيادة الاستهلاك وتصريف فائض الإنتاج. في السياق السوري، استُخدم المؤثرون منذ عام 2022 في حملات دعائية لتجميل الواقع، وتسويق صورة التطبيع، وطمس التصدعات الاجتماعية والإنسانية عبر تغطيات «سياحية» أو «احتفالية».
غالبًا ما ينتمي المؤثرون للبرجوازية الصغيرة، وتتلخص مهمتهم في الترويج للسلع والمنتجات، لكن ما يميزهم عن مندوبي المبيعات التقليديين هو كونهم أداة رأسمالية لإعادة إنتاج وهم الاستهلاك. فهم بذلك يمثّلون طبقة وسطى تمتلك القدرة على إنتاج محتوى مشوّه للواقع. بينما يكابد أغلب السوريين لتأمين الخبز والماء والكهرباء، يجدون أنفسهم في عالم تُقاس فيه قيمة الإنسان بمقدار ما يستهلك، ويُقاس نجاحه بقدرته على الإنفاق، بغض النظر عن حاجته الفعلية للسلعة.
عندما يستعرض المؤثرون حفلات زفافهم الباذخة أو رحلاتهم الفاخرة على أنها نموذج للنجاح، فإنهم يرسّخون أوهامًا طبقية تهدم الحدود بين الحاجات الأساسية والحاجات المصطنعة، وتعمّق شعور الاغتراب لدى الطبقة العاملة، لتصبح حياتهم اليومية مجرد خلفية لمسرح استهلاكي غير حقيقي.
وهكذا يظهر دور المؤثرين كجزء من استراتيجية السلطة الترميدورية لإلهاء المجتمع عن مصالحه الحقيقية.
الوظيفة السياسية للمؤثرين
مع تراجع دور الإعلام التقليدي من صحافة وقنوات تلفزيونية ووكالات أنباء، برزت مواقع التواصل الاجتماعي كبديل لدى الشباب كمصدر رئيسي للأخبار والمعلومات. ومع ذلك، فإن المؤثرين ليسوا ناقلين للأحداث أو الأخبار، بل مروجين لأفكار وأيديولوجيات مرتبطة بالرأسمالية ومن يدفع لهم مقابل خدماتهم.
فبعد سقوط نظام الطغمة، لعبوا دوراً بارزاً في اظهار جودة وجمالية الحياة في المناطق “المحررة” في ادلب مقارنة بالمناطق المحررة حديثاُ والتي كانت الى زمن قريب تحت سيطرة نظام الطغمة. وتوفر لهم الحماية والتمويل اللازمين لأداء هذه المهمة مع تسخير تام لقوات الأمن العام ومؤسسات الحكومية لتسهيل عملهم.
في سياق تصاعد النزعة الطائفية عموما التي ترافق المجازر الطائفية للسلطة والدعوات للحماية والادارة الذاتية للمناطق التي تعرضت لهذه المجازر، واختيار السلطة الترميدورية للعنف كوسيلة وحيدة للحكم بعد تحييد الحوار السوري-السوري، وبما أن هذه السلطة صادرت السردية الوطنية وحملتها شحنة طائفية وشوفينية، صار المؤثرون أدوات لتبرير العنف وليّ عنق الحراك الشعبي، عبر الترويج لفكرة «عودة الحياة» والاقتصاد، وإخفاء التناقضات والتمزق الواقع، بينما تُنكّل الصحافة المستقلة ويُكتم صوت المعارضين.
أمثلة من الواقع السوري
لم ترتكب المجازر في الساحل السوري والسويداء بالخفاء، بل كانت تُوثق علانيًا من قبل عناصر السلطة، وتُعرض مشاهد العنف على منصات مثل تلغرام مقابل مبالغ مالية. كيف يمكن لأولئك المجرمين أن يُصوّروا كأبطال، ويُقدّم فعل الإذلال والقتل والخطف على أنه عمل “مقدس”؟
قبل كل مجزرة، يشن هؤلاء المأجورون حملة ممنهجة لشيطنة الطرف المستهدف باستخدام لغة طائفية، مع تقديم نصائح للقتلة حول كيفية ارتكاب الجرائم. وبعد انتهاء المجزرة، تُروج ادعاءات طائفية وسياسية لتبرير الجرائم، ما يشتت نضال الطبقة العاملة ويحوّل الصراعات الداخلية إلى صراعات طائفية، خدمة لمصالح الزمرة البرجوازية الحاكمة.
البعد الدولي والنيوليبرالي
في المعرض ذاته، نرى تقارباً للسلطة مع رأسماليي الخارج يُبرر بـ “العلاقات التجارية” و”الاستثمار”، بمشاركة وفود إقليمية وعالمية، كما يتم التسويق للتطبيع مع كيان الاحتلال كضرورة استراتيجية لضمان ازدهار البلد رغم الاحتلال الاسرائيلي المستمر والمتمدد للجنوب السوري. ضمن هذه المنهجية، تظهر العلاقة بين المؤثرين والسلطة السورية كجزء من شبكة واسعة من أساليب التسويق الرقمي والإعلامي النيوليبرالي، حيث تُستخدم هذه الأدوات عالميًا لإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية، و”تبييض” لصورة السلطة ومسيرتها نحو تحقيق التوافق مع القوى الإقليمية والعالمية.
هذا النمط ليس محليًا فقط، فالمؤثرون السوريون يعكسون نفس المنطق الذي نُفذ في أوكرانيا وغزة: إنتاج سرديات توفر فرصًا لتنفيذ حملات إعلامية لإلهاء الجماهير والتلاعب بالرأي العام وتعزيز أجندات الطبقات المسيطرة، على حساب الحاضر المستحق للطبقات المهملة.
البعد الطبقي
توضح هذه الظاهرة أن أي نضال عمالي وجماهيري يجب أن يكون مستمرًا ومترابطًا. فمن منظور الثورة الدائمة، لا يمكن فصل المهام الديمقراطية (العدالة، العلم، حرية التعبير والحريات العامة..) عن المهام الاجتماعية (لقمة عيش وكرامة وفرص عمل وسلم متحرك للاجور…). الوعي الطبقي والنضال ضد الاستغلال الرأسمالي وضد الطائفية لا يتحقق عبر استهلاك وهمي أو خطاب طائفي، بل من خلال تنظيم جماهيري متكامل يسعى لتوحيد الطبقة العاملة حول مصالحها الحقيقية وتجاوز أوهام الاستهلاك.
الخاتمة
في الختام، المستقبل السياسي لسوريا لا يُكتب بالميديا المؤثرة أو باللقطات البراقة، بل يُبنى عبر التنظيم السياسي والاجتماعي الجماهيري المستقل، إعلام جماعي ينقل الحقيقة، رؤية وممارسة نضالية تربط المهام الديمقراطية والاجتماعية ومعاداة الامبريالية بالاشتراكية.
علينا بناء إعلام نقابي وسحب الشرعية من المؤثرين المدفوعين وربط كفاح العمال والفلاحين والطلاب وكافة المضطهدين/ات في شبكات مقاومة حقيقية، بعيدًا عن المسرح الإعلامي الذي تسيطر عليه السلطة الترميدورية، عبر نضال مستمر يراكم ويركز على مصالح الجماهير الشعببية السورية الفعلية.
