
الموتُ والمسلخُ
لم يمت زياد الرحباني (1956-2025) مرّةً واحدة. لقد سُحِقَ جثمانُه في مسلخ التأويل:
- الإعلام اللبناني سلخهُ إلى “ابن فيروز” و”ملحّن التراتيل”، فجردوه من ثوريته.
- حزب الله اختزله في “داعم للمقاومة”، منزوعاً من سخرية “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”.
- خصوم الممانعة حبسوه في قفص “الفنان الشيوعي”، طاردين شبح مواقفه السياسية.
حتى خصومه اليساريون لم يرحموه: قسّموه إلى “فنٍّ نحمله” و”مواقفَ ندفنها”.
في صحّة النقدِ الذي لم يُفهم
لن نُدين زياد لموقفه من الثورة السورية – لا لأننا نوافقه، بل لأن نقده الجوهري كان دقيقاً:
- فضح تسليع الثورة: رأى قبل الجميع كيف تحوّلت بعض الأصوات إلى “بضاعة في أسواق النخاسة” تُموّلها أجنداتٌ غربية. سخر من “ثوار الشاشات” الذين باعوا دم الشهداء في سوق الإعلام.
- هاجم المؤسسات الفاسدة: في “فيلم أميركي طويل” تنبأ بـ”المنظمات الثورية” التي تتحول إلى بيروقراطية قمعية: “البلد ظابط متل ما هو.. باسم الأب وباسم الله!”.
- رفض الوصاية الخارجية: عرف أن بعض “تمويل الثورة” سيُنتج خونة جدداً، كما أنتجت “أموال إعادة الإعمار” في لبنان طغمة الحريري.
الحدادُ: خسارةٌ تتكاثر
رحيله ليس حدثاً منعزلاً. إنه القشة التي تفجّر سدود الذاكرة:
- خسارة المنفى: للمُهجّرين السوريين واللبنانيين والفلسطينيين، كان زياد صوت البيوت المدمرة. رحيله يُذكّرهم أن “ما دُمّر في غزة والغوطة وادلب والرقة والجنوب اللبناني لن يعود”.
- خسارة الثقة: أغنيته “عندي ثقة فيك” صارت مرثية لجيل خُذلَ بوعود التحرير.
- خسارة السؤال: موته يقتل جزءاً من قدرتنا على التشكيك. من سيرث جرأته في قول: “أنا مش كافر.. بس ما عندي دليل”؟
الرفيق الذي لم يُغلق الباب
رغم كل شيء، يظل زياد رفيقاً في تشكيل الوعي الثوري:
- ماركس الشارع: جعل الأفكار اليسارية تتدفق في “بوسطة” الأغاني. حوّل المادية التاريخية إلى نكتة في “العقل زينة”، والصراع الطبقي إلى حوار في “نزل السرور”.
- معلّم الشك: لم يقدّم إجابات جاهزة. أغنيته “بما إنه” علّمتنا أن نسأل: “بما إنه في ناس كثير ناس.. ليه ما فينا نكون نحن الناس؟”.
- جسر العبور: هو الذي دفع الآلاف من ضفة اليمين إلى ضفة اليسار، ليس بالخطب، بل بـ”بحبك بلا ولا شي” – حبٌّ يرفض توظيف المشاعر في خدمة السلطة.
“الموت أرحم أنواع الانفصال”.. لكن موتك يا زياد انفصالٌ قاسٍ. لقد تركتنا نواجه مسلخ التأويل وحيدين.
الخاتمة: وداعاً أيها العابر
نرفض أن نكون حرّاسَ قبرك. نرفض أن نسرق صورتك لنعلّقها في معابدنا الأيديولوجية. لقد كنتَ أعظمَ عندما شككتَ فينا، لا حين أجبْتَنا.سنستمرُّ بترديد “نمشي ونكفي الطريق”..
الخط الأمامي
