
بعد سقوط طغمة الأسد البائدة، لم يفتح الأفق أمام تحرر الجماهير الشعبية، بل شهدنا استيلاء فصائل الثورة المضادة بقيادة هيئة تحرير الشام على السلطة. هذا النظام التيرميدوري، الذي يحمل في أحشائه بذور الفاشية، لم يتردد في ارتكاب المجازر الطائفية، بينما يخنق مساحات الحرية بشعبوية أمنية تذكرنا بأسوأ أيام الأجهزة القمعية القديمة.
طبيعة السلطة الجديدة: وجه جديد لاستبداد قديم
تكشف تحقيقات صحفية عن مشهد مثير للاشمئزاز: ففي مكاتب فاخرة، يجلس “الشيخ أبو مريم” (الاسم المستعار لإبراهيم سكرية – الأسترالي المدرج على قوائم الإرهاب) بمسدسه على خصره، وهو يرأس “لجنة إعادة هيكلة الاقتصاد”. هذه الشخصية الغامضة، مع حازم الشرع (شقيق الرئيس أحمد الشرع)، يقودان عمليات سرية لنهب ما تبقى من الاقتصاد السوري المنهك.
ما وراء اللجنة السرية: نهب منظم تحت غطاء القانون
- الاستيلاء على المليارات: جمعت هذه اللجنة غير المسؤولة أمام الشعب أصولاً تقدر بأكثر من 1.6 مليار دولار، عبر مصادرة أموال وشركات، خاصة من رجال أعمال مرتبطين بنظام الأسد. هذه ليست عدالة، بل هي تحويل ممنهج للثروة من يد طغمة سابقة إلى طغمة جديدة.
- صفقات العار مع بارونات النظام السابق: بدلاً من محاكمة مجرمي الحرب والمرتبطين بجرائم النظام البائد، تتفاوض اللجنة معهم على “صفقات عفو” مقابل المال والتنازل عن حصص في شركاتهم. هذا ليس إصلاحاً، بل هو شرعنة لنهب الماضي وضمانة لاستمرار نفوذ البرجوازية الطفيلية تحت مظلة النظام الجديد.
- التأسيس لديكتاتورية اقتصادية جديدة: تتركز السلطة الاقتصادية في أيدي حفنة من الأشخاص الغامضين (أبو مريم/سكرية) والمقرّبين من عائلة الشرع (حازم الشرع)، بعيداً عن أي رقابة شعبية أو شفافية. إصدار القوانين الاستثمارية وإدارة الصناديق السيادية (مثل الصندوق الذي أعلنه الشرع في 9 تموز/يوليو) تتم خلف أبواب مغلقة وبيد هذه النخبة غير المنتخبة.
الاستمرارية في القمع والاستغلال:
- أمننة المجتمع: رغم تفكيك أجهزة الأسد القمعية الظاهرة، يمارس النظام الجديد تضييقاً أمنياً شعبوياً، مستخدماً خطاباً دينياً و ثورياً زائفاً لقمع أي معارضة حقيقية وتكميم الأفواه.
- ثورة مضادة: بدلاً من تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاسبة المجرمين وتوزيع الثروة، يسير النظام الجديد على نفس النهج الليبرالي المتوحش، بل ويضفي عليه طابعاً دينياً-أمنياً. صفقاته مع رموز الفساد السابقة هي طعنة في ظهر ضحايا النظام البائد والثوار الحقيقيين.
- إجهاض آمال الجماهير: وعود “الاستفادة الشعبية” من خصخصة الشركات أو الصناديق السيادية هي محض هراء في ظل هيمنة نفس الطبقة البرجوازية الطفيلية وأدواتها. السوريون العاديون لن يجنوا إلا المزيد من الفقر والاستغلال.
التواطؤ الإمبريالي:
المفارقة الكبرى تكمن في رفع العقوبات الأمريكية عن النظام الجديد. بيان الخارجية الأمريكية الذي يمدح “فرصة النمو” ويعفي الشرع من المساءلة، يؤكد أن هذا النظام هو وليد تفاهمات إقليمية ودولية تهدف لإعادة إنتاج التبعية واستغلال الشعب السوري تحت قيادة أكثر انصياعاً لمصالح رأس المال العالمي. رفع العقوبات ليس دعماً للشعب، بل هو فتح للسوق السورية أمام نهب جديد.
الخلاصة: الثورة المغدورة، نحو التنظيم
ما يحدث في سوريا اليوم هو نتيجة هزيمة ثورة الشعب وتجريدها من مضمونها التحرري والاجتماعي. نظام الشرع وحلفاؤه في هيئة تحرير الشام والبرجوازية الطفيلية القديمة-الجديدة، يمثلون ثورة مضادة تكرس الاستبداد والاستغلال تحت أسماء وشعارات جديدة. مهمة اليسار الثوري هي فضح هذه المسرحية، وتنظيم الجماهير ضد هذه الطبقة الحاكمة الجديدة وأسيادها الإمبرياليين، والسير قدماً نحو تحقيق أهداف الثورة الحقيقية: الحرية، والعدالة الاجتماعية، وتحرير الإنسان السوري من كل أشكال القهر والاستغلال.
الخط الأمامي
