
“الثقافة ليست ترانيم بريئة.. إنها ساحة معركة تُفرض فيها إرادة المُهيمِن، وتُقهر فيها أحلام المُستَضعَفين.”
بسبب عدم رضاه عن إخفاقات الثورة في البلدان الأوروبية وخيبة أمله من الماركسيين التقليديين في ذلك الوقت، سعى أنطونيو غرامشي إلى شرح سبب عدم حدوث الثورة في البلدان الرأسمالية المتقدمة وكيف يمكن تحقيق ذلك. ومن الأمور المركزية في هذا التفسير فكرته عن الهيمنة الثقافية، المنتشرة في كل مكان في المجتمع المدني، ومن خلال مؤسسات المجتمع المدني، تنشر الطبقة الحاكمة قيمها الأخلاقية والسياسية والاجتماعية التي تغرسها الطبقة الحاكمة. ومن خلال الهيمنة، يستطيع جهاز الدولة إبقاء رعاياه بعيدًا دون استخدام القوة العنيفة.
خلفية أنطونيو غرامشي: عدم اكتمال النظرية الماركسية التقليدية
بعد أن كشف ماركس أن الاقتصاد هو قاطرة التاريخ، جاء المناضل الشيوعي أنطونيو غرامشي ليُضيء على الجبهة الثقافية المنسية. لقد حذّرنا: الثورة لا تنتصر بالبنادق وحدها! فالبرجوازية تسيطر عبر:
- حرب المناورة: المواجهة المباشرة (الجيش، القمع).
- حرب المواقع: المعركة الخفية لغرس ثقافة الخنوع في المدارس، الإعلام، الفن، وحتى في وعي العامل وهو في ورشته!
وهنا تكمن الكارثة: حين يصدّق العامل أن فقره “قدر مقدور”، ويُؤمن المثقف أن الفن “محايد”، ويُكرّر الفلاح أن “السلطة لمن غلب”.
في أكتوبر من العام 1917، شهدت الثورة الروسية قيام البلاشفة أخذ سلطة الدولة من الحكومة المؤقتة التي تشكلت قبل بضعة أشهر، ما مثّل النهاية الرسمية للاستبداد القيصري القاسي الذي أبقى روسيا دولة إقطاعية فقيرة لعدة قرون.
كان من المفترض أن يسبق الاشتراكية تشكيل البروليتاريا في البلدان الرأسمالية المتقدمة، وبطريقة ما، خطت روسيا خطوة واحدة وانتقلت من الإقطاع مباشرة إلى الاشتراكية
وفقا لكارل ماركس؛ كان من المفترض أن يسبق الاشتراكية تشكيل البروليتاريا في البلدان الرأسمالية المتقدمة، وبطريقة ما، خطت روسيا خطوة واحدة وانتقلت من الإقطاع مباشرة إلى الاشتراكية، وفي الوقت نفسه، لم تتخذ أي دولة أخرى في أوروبا الخطوة من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وبدأ يتضح للماركسيين في ذلك الوقت أن التأطير الماركسي التقليدي للتاريخ قد يكون غير كامل.
لم يكن أنطونيو غرامشي، الذي كان يعيش في إيطاليا ما قبل الحرب العالمية الثانية، يرى أن المد المفترض للتاريخ يتحول لصالح العمال، بل على العكس من ذلك، كانت القوى الرجعية اليمينية آخذة في الصعود، وهي نفس القوى التي ألقت فيما بعد بغرامشي في السجن. في حين أولت الماركسية التقليدية قدرًا كبيرًا من الاهتمام للظروف المادية والموضوعية؛ سعى غرامشي إلى تنشيط الخطاب من خلال تمثيل الذاتية في النظرية الماركسية. وبالنسبة لغرامشي، لم تحكم الطبقة الحاكمة الطبقات المقهورة بحكم القوة المادية فحسب، بل أيضًا من خلال القيم الثقافية والسياسية والأخلاقية، وهذا ما سيطلق عليه غرامشي “الهيمنة”، عندما كتب أثناء سجنه من قبل نظام موسوليني الفاشي.
المجتمع المدني
ما هو المجتمع المدني الغرامشي؟ أو ماذا يعني غرامشي بعبارة المجتمع المدني؟ ما هي مكوناته وعناصره؟ جواب غرامشي: هناك «المؤسسات المسمّاة عادة خاصة» وهي التي تشكّل المجتمع المدني. ولكن ما هي هذه المؤسسات؟ يذكر غرامشي الكنيسة والنقابات والمدارس وغيرها. ويضع، بشكل عام، في المجتمع المدني جميع «أجهزة الهيمنة» وجميع الإيديولوجيات العملية التي تمارس نفوذها: الكنيسة والدين، والمدرسة والتعليم، والصحافة والمعلومات، والأحزاب السياسية، والنقابات… وعموماً كل أشكال الارتباط الحرّ بين المواطنين. ما موقع الاقتصاد من المجتمع المدني؟ مع أن البنية الاقتصادية ليست من المجتمع المدني، فهي من جهتها معنيّة مباشرة بدور المجتمع المدني، لأن الجدلية الغرامشية تجعل منه عنصر الوساطة بين هذه البنية الاقتصادية والدولة: «المجتمع المدني يتوسط بين البنية الاقتصادية والدولة بتشريعاتها وبسلطتها في الإكراه».
حول وظيفة المجتمع المدني، يؤكد غرامشي، على خصوصية العلاقة (أو العلاقة الوثيقة جداً) في المجتمعات الغربية منذ مطلع القرن العشرين بين الدولة والمجتمع المدني. ففي ظلّ دولة مترنّحة في المجتمعات البرجوازية الغربية غداة الحرب العالمية الأولى، سرعان ما تمّ اكتشاف بنية قوية للمجتمع المدني. لم تكن الدولة غير خندق متقدّم خلفه سلسلة قوية من القلاع والتحصينات يشكّلها هذا المجتمع المدني وتحمي الدولة. وليست هذه «التحصينات» التي تعزز «الخندق المتقدم» للدولة غير تلك المؤسسات التي ذكرناها قبل قليل («أجهزة الهيمنة») وفاعليتها في «خدمة الدولة».
لا يستنفد سياق ثنائية المجتمع المدني/الدولة دور وفاعلية المجتمع المدني. ثمة سياق آخر لكشف هذه الفاعلية، هو بالأحرى سياق ثالوث: المجتمع المدني/ المجتمع السياسي/ الدولة. ففي هذا الثالوث نجد حجر القاعدة لنظرية غرامشي في السياسة. والمجتمع المدني هو القطب الأساسي في هذا الثالوث وأهم شيء في أصالة غرامشي. فيه يتم تعريف المجتمع المدني بوصفه يضمّ جميع العلاقات الاجتماعية والمنظمات التي لا تشارك في الإنتاج الاقتصادي (المشاريع الرأسمالية) ولا في اشتغال الدولة. وعموماً، تصوّر غرامشي المجتمع المدني كمجال اجتماعي فيه تنشأ وتدور بين الأفراد والجماعات الصراعات والخلافات ذات الطابع الإيديولوجي. هو حقل مفتوح للنقاش والحوار باتجاه خلق إقناع ورضا الطبقات المغلوبة بهيمنة الطبقات السائدة والسلطة القائمة، أو بخلق الاعتراض على هذه الهيمنة واستبدالها بهيمنة نقيضة.
وبعكس المجتمع المدني، فإن المجتمع السياسي هو ميدان القسر، والإرغام، وممارسة القوة التي يمكن أن تكون عسكرية أو قانونية – إدارية، وذلك لتـأمين سيطرة البرجوازية (سيطرة عارية عند الضرورة). ومن ثم، فإن المجتمع السياسي، تبعاً لتعريفه بطابعه القسري، يقابل جانباً معيناً من الدولة، يكمن في وظائفها في الإدارة والقمع، هذه الوظائف التي تخوّلها «احتكار العنف الشرعي» (وفق تعبير ماكس فيبر). أما نظام التعليم الرسمي مثلاً، فلا يقع ضمن المجتمع السياسي كما ورد تعريفه، والذي يعادل تقريباً ما يُسمّى الصلاحيات «الملكية» للسلطة العامة، أو ما سماه بيير بورديو «اليد اليمنى للدولة» (مقابل «يدها اليسرى» التربية، الدولة الاجتماعية).
بدلاً من اتجاه العمّال لإحداث ثورة تخدم حاجاتهم ومصالحهم الجماعية، استسلموا لتعبئة النزعة القومية والاستهلاكية والترقّي الاجتماعي
الضلع الثالث لثالوث غرامشي هو الدولة ذاتها. وهي موضوع اجتماعي لا يمكن تجنّبه، وموضع إشكالٍ بلا حدود في نفس الآن. وتعريفه غير مستقرّ في نظرية غرامشي وعرضة لانزلاقات صعبة في استخدامه. ولكن يبقى للدولة معنيان يمكن التوقف عندهما.
1) الدولة جهاز متماسك بشكل صارم في المجتمع السياسي، وهذا يعني أنه مجرد جهاز للإدارة والقمع.
2) الدولة هي الوحدة العينية للمجتمع السياسي (السيطرة) والمجتمع المدني (الرضا، الهيمنة)، ما يعني «الدولة المتكاملة» أو «تمامية» الدولة.
وبهذا المعنى يعتبر غرامشي الدولة بوصفها مجمل الأنشطة السياسية والنظرية التي بفضلها لا تنجح الطبقة السائدة بتبرير سيطرتها والمحافظة عليها فحسب، بل بالحصول أيضاً على رضا (موافقة) المحكومين الفعّال. إن مفهوم الدولة الغرامشي هذا يخدم في كشف وجود علاقات سياسية للسلطة داخل المجتمع المدني بالذات، كما أن هذا المفهوم للدولة يرفض على الفور الفرضية الليبرالية القائلة بالحياد السياسي للمجتمع المدني (رفض فرضية هذا الحياد). وهذا ما يعكس تأكيد غرامشي على الجوهر السياسي لكل الحياة الاجتماعية.
المجتمع المدني: نجاح الثورة في الشرق وفشلها في الغرب
من المعروف أن الماركسية اعتبرت أن نمو الرأسمالية الصناعية سينتج طبقة عمّالية عملاقة وركوداً اقتصادياً دورياً. هذا الركود، إضافة إلى التناقضات الأخرى للرأسمالية، سيقود الغالبية العظمى من العمّال والسكّان، إلى الثورة للإطاحة بالرأسمالية، والبدء في التحوّل إلى مجتمع شيوعي. وبالتالي انطوى منطق الماركسية على أن التغيير في البنية الاقتصادية ينطوي على انقلاب في البنية السياسية والثقافية.
يُقرّ غرامشي أن الاقتصاد يوفّر قاعدة لتكوين الطبقات: العمّال، الفلاحون، البرجوازية… وأن الاقتصاد يحدّد القوة الموضوعية لكل طبقة ويؤسس في نفس الآن للحدود في العلاقات بينها. ولكن الصراعات والتحالفات التي تدور بين الطبقات تجري في ميدان السياسة والإيديولوجيا، وهو ميدان له منطقه الخاص، وليس مجرد انعكاس آلي لمنطق العلاقات الاقتصادية. ولهذا على الرغم من توقّع ماركس وإنجلس، في «البيان الشيوعي»، سيناريو الثورة البروليتارية بالاستناد إلى آليات النمو الاقتصادي الرأسمالي، فإن العمّال في البلدان الصناعية لم ينجزوا هذه «المهمة» حتى بعد عقود على هذا التوقّع.
لقد شغلت مسألة عدم نجاح الثورة في البلدان الرأسمالية الغربية عموماً حيزاً كبيراً في مناقشات قيادات الأحزاب الشيوعية، خصوصاً في مؤتمرات الأممية الشيوعية، بعد انتصار الثورة البلشفية. وبينما كان البعض من قادة «الأممية الثالثة» يبحثون عن تفسير فشل الثورات الأوروبية في سياسة ونهج القوى العمالية هناك، اتجه غرامشي لفهم الوضع السياسي والاجتماعي في مجتمعات الشرق (روسيا القيصرية) وفي المجتمعات الغربية ودولها ولأسباب صمود أنظمتها، كما لفهم الأخطاء التي ارتكبها الشيوعيون بالذات. رداً على تساؤل غرامشي: لماذا فشلت الثورة في أوروبا الغربية في عشرينيات القرن الماضي، مقابل نجاحها في «الشرق» الروسي؟ جاءت إجابته على الشكل الآتي: «في الشرق، كانت الدولة هي كل شيء، وكان المجتمع المدني بدائياً وهلامياً gélatineuse. أما في الغرب ففشل الثورة يعود إلى تبلور قوي للمجتمع المدني بالذات».
انطلق غرامشي في موقفه من التحليل الذي تقدّم به لينين. أوضح لينين في «خطاب دفاعاً عن تكتيك الأممية الشيوعية في أول تموز 1920» (في المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية، 22 حزيران/12 تموز 1921) أسباب نجاح الثورة البلشفية في روسيا وأسباب فشل الثورات في الغرب الأوروبي. وذلك في سياق مناقشته لمنطق النضال الهجومي الذي اعتمده الحزب الشيوعي الألماني والنمساوي والإيطالي، واعتراضها على الموضوعات التي عرضها الوفد الروسي، ومن ضمنها رفض التكتيك الهجومي بدون توفر شروط معينة له… (لينين، المختارات في 10 مجلدات، المجلد 10 (1920- 1923)، ترجمة الياس شاهين، دار التقدم، موسكو، 1978).
كان لينين في اقتراحاته يطالب الأحزاب الشيوعية بضرورة حصولها على «القيادة الفعلية لأغلبية الطبقة العاملة» كشرط للقيام بالثورة (ص 403). «من لا يفهم أنه ينبغي لنا أن نظفر بأغلبية الطبقة العاملة في أوروبا – حيث البروليتاريا كلها تقريباً منظّمة… فهو لن يتعلّم أبداً أي شيء إذا لم يكن بعد قد تعلّم هذا في سياق ثلاث سنوات من ثورة كبرى» (ص 404)… «لقد كنا في روسيا حزباً صغيراً، ولكنه كان معنا، بالإضافة، أغلبية سوفييتات نواب العمّال والفلاحين في عموم البلاد… فأين هذا عندكم؟ وكان معنا حوالى نصف الجيش الذي كان يضم آنذاك 10 ملايين شخص على أقل تقدير. ترى هل أغلبية الجيش معكم؟ دلّوني على بلد كهذا!» (ص 405)…
«لقد انتصرنا في روسيا وانتصرنا بفائق السهولة لأننا حضّرنا ثورتنا إبّان الحرب الإمبريالية. وهذا هو الشرط الأول. كان عشرة ملايين من العمال والفلاحين مسلحين عندنا، وكان شعارنا: الصلح الفوري، بأيّ ثمن كان. وقد انتصرنا لأن مزاج أوسع الجماهير الفلاحية كان مزاجاً ثورياً مناهضاً لكبار الملاكين العقاريين… دلّوني في أوروبا على بلد تستطيعون فيه أن تجتذبوا إلى جانبكم أغلبية الفلاحين في سياق بضعة أسابيع؟» (ص 408)… «لأجل إحراز النصر، لأجل الاحتفاظ بالسلطة، لا تنبغي أغلبية الطبقة العاملة وحسب… بل تنبغي كذلك أغلبية المستَثمَرين والكادحين من سكان الريف. فهل فكّرتم في هذا؟» (ص 412).
انطلق غرامشي من هذا الموقف اللينيني، ومن ملاحظته أن روسيا القيصرية كانت تفتقر إلى مجتمع مدني صلب وراسخ (مجتمعها المدني هلامي- gélatineuse) ليساهم بحماية الطبقة المسيطرة التي تقوم سيطرتها على أجهزة العنف والقمع فحسب، وعندما ضعفت هذه الأجهزة (انحياز نصف الجيش الروسي إلى البلاشفة وأسباب أخرى) انهارت الدولة الروسية وانتصرت الثورة. وذلك بعكس ما كانت عليه الحال في الغرب حيث شكّل المجتمع المدني (النقابات، الأحزاب السياسية، الإيديولوجيا، التجربة الديمقراطية و…) سلسلة قوية من «القلاع والتحصينات» تستند إليها الدولة البرجوازية في حماية سيطرتها. وخلاصة الأمر هنا: ضعف المجتمع المدني في روسيا سهّل انتصار الثورة، بينما قوة المجتمع المدني في الغرب ساهمت في إفشال الثورة.
شرح مفهوم الهيمنة
ما هي الهيمنة الثقافية؟
في قلب الصراع الطبقي، لا تقف البرجوازية مُسلَّحة بالبنادق وحدها، بل تُحكم قبضتها بسلاح أخطر: الهيمنة الثقافية. إنها آلية خبيثة تُحوِّل أفكارَ الطبقة الحاكمة إلى “حقائق مطلقة” تُقدَّم للشعب على أنها النظام “الطبيعي” و”الحتمي” للأمور. فتصبح استغلالَها الاقتصادي، وقمعَها السياسي، وتفاوتَها الاجتماعي، وكأنها قوانين طبيعية كالشمس والمطر! بينما الحقيقة المُرّة: إنها بنية مُصطنعة لسرقة ثروات الشعب وإخماد ثورته.
وفقا لغرامشي؛ تتجلى سيادة الطبقة الحاكمة بطريقتين مختلفتين، فهي تتجلى في الهيمنة والقيادة الفكرية أو الأخلاقية، وتشكل الأخيرة مفهوم الهيمنة.
في حين أن نمط الهيمنة يعمل على تقييد اختيارات الرعايا خارجيًا، فإن نمط الهيمنة ينحت قيم النظام الحاكم داخل الفاعل نفسه بحيث يتم اختبار خياراتهم على أنها حرة وليست مقيدة.
الهيمنة يتم تجسيدها في المجتمع المدني، والتعليم، والدين، ووسائل الإعلام، وكل مؤسسة في المجتمع
في حين أن الهيمنة تشمل الإكراه من قبل آلة الدولة، فإن الهيمنة يتم تجسيدها في المجتمع المدني، والتعليم، والدين، ووسائل الإعلام، وكل مؤسسة في المجتمع. يمكن أن تتفاعل هاتان المنطقتان وتشكلان بعضهما البعض؛ على سبيل المثال، يمكن لآلة الدولة أن تستخدم عالم المجتمع المدني للضغط من أجل رأي قد لا يحظى بشعبية، ولنتأمل هنا التعبئة التي قامت بها المؤسسات الإعلامية في الولايات المتحدة بين عشية وضحاها، ونشر المثقفين المناهضين للإسلام الذين تم تكليفهم بتبرير الحرب في العراق وجعلها جذابة في نظر الرأي العام. لقد انتشر القرار الذي اتخذته إدارة بوش عبر المجتمع المدني، الذي استُخدم لتبرير الحرب، التي لم يكن لها أي سبب مبرر أخلاقياً لشنها، ولكنها كانت رغم ذلك ذات حوافز اقتصادية وسياسية قوية.
فمن ناحية، يمكن للولايات المتحدة السيطرة على احتياطيات النفط الكبيرة في العراق، والتخلص من صدام حسين، الذي أصبحت سياساته غير ودية تجاه الغرب، وكذلك الانتقام من أحداث 11 سبتمبر من خلال مهاجمة هدف يمكن أن يستعيد قوتها. تمت ترجمة هذه المحركات لآلة الدولة بعد ذلك إلى محركات مختلفة في آلة الهيمنة، التي صورت صدام حسين أنه ديكتاتور يحمل أسلحة الدمار الشامل على بصمات أصابعه والمهمة الأمريكية هي جلب الحرية للشعب العراقي، وهذا مثال على كيفية استخدام آلة الدولة لحكم الهيمنة لتأمين استمراريتها.
يستنتج غرامشي أن فشل العمّال في الغرب في القيام بالثورة الاشتراكية يرجع إلى أن الثقافة المهيمنة البرجوازية تحكم إيديولوجياً الطبقة العاملة ومنظّماتها. بعبارة أخرى، فإن تصورات الطبقة السائدة الثقافية، أي الإيديولوجيا الليبرالية السائدة، أثرت في خيارات جماهير العمال أكثر مما كان باستطاعة ماركس أن يعتقد. ففي المجتمعات الصناعية «المتقدمة»، أنتجت البرجوازية أدوات ثقافية خالقة لهيمنة الطبقة السائدة، البرجوازية، وأضعفت التوجه الاشتراكي. وعلى سبيل المثال فإن التعليم الإلزامي ووسائل الإعلام والثقافة الشعبية خلقا «وعياً زائفاً» لدى عمّال المجتمعات الأوروبية المتقدمة صناعياً. ومن نماذج التعبئة الليبرالية: «المنافسة الواسعة الانتشار صحّية» و«السوق تنظم نفسها ذاتياً» إلخ… وعليه فبدلاً من اتجاه العمال لإحداث ثورة تخدم بالفعل حاجاتهم ومصالحهم الجماعية، استسلموا لتعبئة النزعة القومية والاستهلاكية والترقي الاجتماعي، وأُشبعوا بروح التنافس الفردي والنجاح الشخصي أو حتى الوقوف وراء القادة البرجوازيين.
يرى غرامشي، باختصار، أن نجاح السلطة البرجوازية بالاستمرار في السلطة والصمود، لا يقتصر على القبضة الحديدية التي تُخضِع بها البروليتاريا، بل يعود ذلك أساساً إلى هيمنتها على التصورات الثقافية (الوعي) المنتشرة لدى جماهير العمال. هذه الهيمنة الثقافية تؤدي بالمغلوبين إلى تبنّي وجهة نظر الغالبين عن العالم وقبولها كـ«بديهية». وهكذا فإن سلطة البرجوازية تتحقق وتستمر من خلال نشر القيم البرجوازية عبر المدارس والكنيسة والأحزاب والمنظمات العمالية والمؤسسات العلمية والجامعات والفن ووسائل الاتصال الجماهيري… فالعديد من المراكز الثقافية تروّج للتصورات التي تغزو شيئاً فشيئاً العقول وتسمح بالحصول على موافقة (رضا) العدد الأكبر. هذا هو معنى ممارسة الدولة للهيمنة بـ«الرضا»، أي بموافقة واقتناع الطبقات المغلوبة. وهذه الهيمنة الثقافية يقوم بمعظمها المجتمع المدني وتجري في المجال الثقافي، الثقافة. والثقافة مرتبطة «عضوياً» بالسلطة وبالصراع عليها. ومن هنا فالهيمنة الثقافية مفهوم يصف السيطرة الثقافية للطبقة الحاكمة، وكذلك الدور الذي تلعبه الممارسات اليومية والمعتقدات الجماعية في تأسيس أنظمة السيطرة.
ولكن هيمنة البرجوازية ليست مطلقة ومؤبدة وراسخة لا تتزعزع. بل هي عرضة للمواجهة على المستوى الثقافي داخل المجتمع المدني. فالثقافة ميدان صراع على الهيمنة داخل المجتمع المدني. وهنا يكون الأمر عبارة عن معركة لكسب المجتمع المدني. ولما كان هذا الصراع محصلة تفاعل بين الثقافة والسياسة، فالهيمنة هي البعد الثقافي لممارسة السياسية، هذا البعد الذي ينطوي على ديناميتين متعاقبتين. أولاً، عملية إعادة تركيب للثقافة تعتمد على الإقناع الفكري والمفاوضات السياسية بغية تشكيل «كتلة شعبية». ثانياً، الانتقال إلى خطة جديدة سياسية ناتجة عن مشروع اجتماعي في طريق تحققه. وهذا الصراع على الهيمنة (الثقافية) يقوم به بشكل أساسي من يسمّى بـ«المثقّف».
الحزب الثوري: «الأمير الحديث»، المثقف العضوي، المثقف الجماعي
من هو المثقّف؟ يعتبر غرامشي جميع الناس مثقّفين، ولكنهم لا يلعبون جميعهم الدور الاجتماعي للمثقف (وظيفته العملية). يتحدّد المثقف بوظيفته التي لا تقتصر على أنه مبدع للأفكار (وبالتالي المفكّر العظيم). يقيم غرامشي أكثر من تمييز بين الناس بالنسبة للثقافة. فهناك منتج الثقافة، ومروّجها ومستهلكها. كما يميز غرامشي صنفين كبيرين من المثقّفين:
1) «المثقّف العضوي» الذي يقوم بدور مربّي ومنظّم طبقة اجتماعية. وهو لا يكتفي بوصف الحياة الاجتماعية تبعاً للقواعد العلمية فحسب، بل يعبّر بالأحرى عن تجارب ومشاعر الجموع التي لا تحسن التعبير عنها بنفسها. يرتبط «المثقّف العضوي» بطبقة، من خلال ارتباطه بنقابة، أو بمؤسسة، أو بحزب… وكلما كانت الطبقة أقوى، كمياً ونوعياً، كلما اشتدت الصلات بين المثقفين والمنظمات التي ينشطون فيها. والحال فإن هذه المنظمات مرتبطة بالطبقات الاجتماعية بالطبع.
2) «المثقّف التقليدي» الذي يريد أن يكون خارج التاريخ ليشهد على قيم مفترضة عالمية. هذا الصنف يهمله غرامشي لأنه بدون فعالية اجتماعية.
ثمة صنف آخر: المثقف العضوي للطبقة العاملة، وهو الحزب الثوري الذي سمّاه غرامشي «الأمير الحديث»، بينما سمّاه توغلياتي (Togliatti، الأمين العام للحزب الشيوعي الإيطالي من 1927حتى 1934، ومن 1938 حتى وفاته عام 1964) «المثقف الجماعي»، ونُسبت هذه التسمية، بشكل غير صحيح، إلى غرامشي («المثقف الجماعي» عبارة كانت رائجة في أوساط الثقافة اليسارية في سردينيا). لكل طبقة اجتماعية مثقفوها، وهم مثقفون على شكل خاص بهم. الشكل الخاص للمثقفين العضويين للطبقة العاملة أو المضطهدين عموماً هو الحالة الجماعية، التي قد تكون حزباً أو ربما شيئاً آخر… المهم أن بُعْدَ الجماعية هو الأساس فيها.
الهيمنة الثقافية تؤدي بالمغلوبين إلى تبنّي وجهة نظر الغالبين عن العالم وقبولها كـ«بديهية»
يصر غرامشي على الربط بين مفاهيم تحرر الجماهير والمثقف العضوي والحزب السياسي. وهو يعطي في أعماله للحزب دور أداة بتصرف الجماهير العمّالية. هو الأداة القادرة على التعبير عن الإرادة والطموحات الجماعية لطبقة اجتماعية معينة وذلك لغرض محدد مفاده أن تبلغ الجماهير حالة الهيمنة السياسية، أي «بناء أداة هيمنة للطبقة العاملة، أو للحزب بوصفه: مثقفاً عضوياً، قيادة سياسية، مثقفاً جماعياً، أداة لتنظيم الطبقة والتوسع الاجتماعي لمشروعها ومحالفاتها، وللتقدم السياسي للكتلة الشعبية». هذا التصوّر للحزب كمنظمة عضوية للطبقة العاملة يندرج في نهج ماركس ولينين: «لا يمكن للطبقة أن تعي ذاتها كطبقة، أي إنها لا يمكنها إدراك ذاتها كمجموع متجانس إلا من خلال منظمة ما». إن نشوء هذه المنظمة يشجّع بناء الكتلة الشعبية، أي توحيد مجموع شرائح المجتمع الراغبين بتغيير قواعد الحياة الاجتماعية القائمة.
يرى غرامشي أن الحزب الثوري هو القوة القادرة على إعداد مثقفين عضويين من أجل العمّال، وهيمنة بديلة في المجتمع المدني. فالحزب يوحّد مثقفي البروليتاريا، يوحدهم مع بعضهم ويوحد ثقافتهم. وبذلك يكون هو «المثقف الجماعي» الذي يقوم بالتجارب ويواجه يومياً الوقائع السياسية، ويقيم بوتقة توحيد النظرية والممارسة. الحزب هو الأكثر قدرة على تغيير ميزان القوى الثقافية القائمة وفرض هيمنة طبقة اجتماعية، الطبقة العاملة. وإذا كانت البرجوازية يمكنها الانقسام على ذاتها، فالبروليتاريا وهي في الوضع الضعيف عليها أن لا تسمح لنفسها بذلك. وتكمن أهم مسألة في توحيد «الحزب الإيديولوجي» والحزب كـ «منظمة عملية» (باختصار: كبار المثقفين والمناضلين البسطاء)، وفي نفس الآن توحيد شتى فئات الطبقة العاملة.
يرى غرامشي أن الحزب المنظّم يتكون من «الجنود» و«الضبّاط» و«الرتباء». الجنود هم المناضلون البسطاء، هم الجمهور. يشكّل الضباط المنظرين والاستراتيجيين، وعليهم تقع مهام التربية والمركزة والضبط و«الإبداع». كما عليهم ينكبّ النشاط النظري والعملي داخل الفريق. وثمة أولوية تُعطى للضبّاط الذين «يسارعون إلى تشكيل جيش حيث لا يوجد أي شيء». أما «الرتباء» فيشكّلون أخيراً العنصر الوسيط المكلّف بنقل الأوامر، ولكنهم يقومون أيضاً بالتعليم والتنظيم والإعداد. على الرتباء أن يتمكنوا من الحلول بسرعة مكان القيادة العامة (الضبّاط) في حال انهيارها. وأهم ما في عمليات التربية الحزبية والإعداد الفكري: ربط التعليم بالأنشطة السياسية العينية، المدرسة الحزبية، الدروس بالمراسلة، العمل حول الجريدة الحزبية بوصفها أهم منظم في الحزب.
كيف تعمل الآلة؟
الهيمنة ليست شماعة يُعلَّق عليها كل شيء، بل نظامٌ معقَّد:
- تزييف الوعي: تحويل الاستغلال إلى “ضرورة اقتصادية”، والقمع إلى “استقرار”.
- شلّ التفكير النقدي: إغراق الناس بهمومهم اليومية (لقمة العيش) ليبعدوا عن السؤال الجذري: لمن يعمل هذا النظام؟
- صناعة المثقفين الخدّام: مثقفو النظام يكرسون الأوهام، أما المثقف العضوي (المناضل الذي ينبثق من صفوفنا) فيكسرها.
الموافقة والصراع في المجتمعات الرأسمالية
بعد أن خاب أمله في أن نار الثورة لم تنتشر في أي مكان آخر غير روسيا، وضع غرامشي مفهوم الهيمنة في المقدمة لتفسير هذه المقاومة، وتضع الماركسية التقليدية الصراع الطبقي في مركزها. والفكرة الرئيسية هي ما يلي: المجتمع الرأسمالي لديه تناقضات ستتفاقم في النهاية، مما يؤدي بالبروليتاريا (الطبقة العاملة) إلى صراع مع البرجوازية (الطبقة الرأسمالية)، وفي النهاية تصبح الدولة دولة عاملة، ومع ذلك، فإن هذه المواجهة التي طال انتظارها بين الطبقات لم تكن في الأفق، وعلى العكس من ذلك، شهد غرامشي صعود الإصلاحيين والنقابيين الذين كانوا سعداء بالاندماج في منطق الرأسمالية، طالما تم إجراء تغييرات معينة، تغييرات لم تهدد البنية الرأسمالية بل عززتها.
ولهذا السبب، بالنسبة لجرامشي، تحل الموافقة محل الصراع. إن العامل المتجذر في هياكل العلاقات الاجتماعية الرأسمالية، يفشل في رؤية استغلاله. من خلال الحكم المهيمن، لا تدرك الطبقة المقهورة أبدًا الصراع الذي من المفترض أن تكون جزءًا منه. الآن، بالموافقة، لا يعني غرامشي مفهومنا الفردي الحديث للموافقة، إن الموافقة، بالنسبة لغرامشي، تعني ببساطة أن سلطة الطبقة الحاكمة تتدفق إلى عقول الطبقات المحكومة دون مقاومة أو صراع.
يتم قبول أفكار الطبقة الحاكمة دون أي تدقيق، ويُنظر إليها على أنها بديهية، بل قد يتماهى الشخص العامل مع أخلاق الطبقة الحاكمة. فكر في عدد الأشخاص الذين يتباهون بالعمل لمدة 60 أو 70 ساعة في الأسبوع؛ إنهم يرتدون استغلالهم مثل وسام الشرف على وجه التحديد لأنهم، من خلال أعمال الهيمنة، تعلموا تجربة علاقاتهم ليس على أنها استغلالية، بل على أنها عادلة وطوعية. قد لا يحب الأشخاص الآخرون العمل كثيرًا، لكنهم ما زالوا يقولون “هذه مجرد حياة” ويتقبلون حالتهم على أنها أمر لا مفر منه.
لا تصبح الموافقة تأكيدًا طوعيًا لحالة الفرد، بل انعداما لمقاومة السلطة التي تنبع من المجتمع المدني
باختصار، لا تصبح الموافقة تأكيدًا طوعيًا لحالة الفرد، بل انعداما لمقاومة السلطة التي تنبع من المجتمع المدني، الذي يشكل مركز الإنتاج المهيمن. ومن الشائع في المجتمعات الليبرالية ألا يحضر أكثر من نصف الناخبين المحتملين على الإطلاق إلى صناديق الاقتراع أثناء الانتخابات، فكيف يمكن للحكومة أن تدعي أنها الإرادة الديمقراطية للشعب في حين أن أكثر من نصف الناخبين المحتملين لم يحضروا للتصويت في المقام الأول؟ ومع ذلك فإن عدم وجود مقاومة من قِبَل أولئك الذين لا يصوتون يُفسر على أنه موافقة على أي حكومة يتم اختيارها. وكما نرى، فإن هذا الشكل من الموافقة بعيد كل البعد عن كونه ختمًا ذا معنى لسيادة الفرد وحقه في الاختيار؛ إنه ببساطة عدم وجود مقاومة للقوى القائمة.
الوعي الطبقي
لماذا يخاف النظام من كلمة؟
لأن الهيمنة الثقافية هي آخر خنادقه.. فإذا انهارت، سيعرف الشعب أن:
“السلطة ليست حجراً مقدساً.. بل كرسيًّا فارغاً يمكن أن يشغله من يكسر القيود.”
“الثورة الثقافية ليست كتباً على رفوف.. بل شرارة تُشعل الوعي في كل كوخ، ورشة، وقلبٍ ينتصر.”
أفضل ما يوضح انفصال غرامشي عن الماركسيين الآليين/ الحتميين في ذلك الوقت هو غرامشي نفسه، الذي كتب في العام 1918:
“إن شرائع المادية التاريخية صالحة فقط بعد وقوع الحدث، لدراسة وفهم أحداث الماضي؛ ولا ينبغي أن تصبح رهنًا للحاضر والمستقبل”.
وقد دفع هذا الانقطاع العديد من المعلقين إلى تصنيف غرامشي، ليس باعتباره ماركسيًا، بل باعتباره مثاليًا. إن إنكار غرامشي للمادية التاريخية، وتصويره للعالم كعالم من الأفكار التي تحل محل بعضها البعض، مرحلة بعد مرحلة… أليست هذه هي الهرطقة الهيغلية القديمة التي قلبها ماركس رأسا على عقب؟
إن فكرة غرامشي عن الهيمنة هي بمثابة امتداد للنظرية الماركسية، وليس تناقضا معها
بل على العكس تماما؛ إن فكرة غرامشي عن الهيمنة هي بمثابة امتداد للنظرية الماركسية، وليس تناقضا معها، وإن إدخال الوعي لا يعني التقليل من أهمية الظروف المادية، بل على العكس من ذلك – إنه استنتاجه الضروري. بالنسبة لغرامشي، يمكن للمادية التاريخية أن تستوعب الوعي في إطارها دون أن تفقد جوهرها الاقتصادي الأساسي. في الواقع، بدون الوعي الذاتي، تصبح المادية التاريخية مجرد مادية، وبالتالي غير تاريخية.
إن القراءة المادية المبتذلة لماركس لا يمكنها تفسير ما كان يحدث في زمن غرامشي. لقد حاولت اللجوء إلى الدقة العلمية من خلال تبني نظرية المعرفة الوضعية، والحفاظ على الحتمية الاقتصادية الصارمة، والأهم من ذلك، المفهوم الغائي للتاريخ الذي سمح بالتنبؤات؛ هذا المفهوم أنتج بالضرورة السلبية. إذا كان المرء يعتقد أن الرأسمالية سوف تسحق بالضرورة تحت وطأة تناقضاتها، فلا داعي للقيام بأي شيء سوى الجلوس وانتظار حدوث ذلك، ومن خلال إعادة الوعي الإنساني إلى المحادثة والتركيز على الكيفية التي يمكن بها للهيمنة أن تشكله، أعاد غرامشي إحياء الخطاب الذي كان عمليًا ينكر فشله، والتاريخ لا يذهب إلى أي مكان من تلقاء نفسه، نحن بحاجة إلى حملها، فكما أننا نتاج التاريخ، فإن التاريخ أيضًا نتاجنا.
الطريق الديمقراطي إلى الاشتراكية عند أنطونيو غرامشي
نرى كيف أن غرامشي ليس مهتمًا فقط بالوصف أو التنظير حول كيفية فرض النظام الحالي علينا، ولكن أيضًا في كيفية مقاومته. في حين كان غرامشي من أشد المعجبين بثورة لينين، فمن خلال مفهومه للهيمنة، كان يعبر دائمًا عن الشعور بأن التحول الجماهيري في الوعي الطبقي يجب أن يسبق الثورة، ولا ينبغي فرض الثورة على الناس عبر الدولة البوليسية. إن تغيير الظروف المادية سيساعد في عملية الوعي الطبقي، لكنه وحده قد لا يكون كافيا.
على سبيل المثال، لا يمتلك العديد من الأشخاص من الدول الشيوعية السابقة أي فهم نظري للنظام الذي يعيشون في ظله؛ لقد فهموا ذلك عمليا فقط، ولقد رأوا أشخاصًا جددًا يخبرونهم بما يجب عليهم فعله، وهو ما حل ببساطة محل الأشخاص القدامى. ومن ثم، من دون التحول الواعي، فإن الثورة تخاطر بتقويض نفسها. تطلب طريق غرامشي إلى الاشتراكية تبادلًا حرًا للأفكار، والمناقشات، والديمقراطية التشاركية المباشرة، وكانت الوسائل لا تقل أهمية عن الغاية، ربما كان من الضروري أن يتولى حزب طليعي السلطة في روسيا، لكن هذا لن ينجح في الدول الأوروبية، كان لا بد من شق طريق جديد، طريق المشاركة الفعالة ضد نظام الهيمنة والهيمنة، طريق لا يرغب في أن يصبح قوة مهيمنة أخرى.
خارطة تحرير الوعي
الثورة الثقافية ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية:
- رفض “الحس السليم” المزيف: حين يقولون “هذا طبيعي”، قل: “بل هذا مُصطنع لخدمة من يسرقون خبزنا”.
- بناء ثقافتنا البديلة: تعليم شعبي، فنون ثورية، إعلام نضالي.
- تخريج “مثقفينا العضويين”: من عمال المصانع، فلاحين حرثوا الأرض، شباب الثورة الذين عرفوا الحقيقة بدمائهم.
كيفية بناء الهيمنة الثقافية
كيف يمكن للحزب الثوري أن يواجه الهيمنة البرجوازية السائدة والمسيطرة على عقول الطبقات المغلوبة، وبالتالي ما العمل ليبني هيمنة ثقافية تستقطب الطبقة العاملة وجمهور الفئات الفقيرة؟ استناداً إلى غرامشي، عليه أن يعمد بداية إلى بلورة الأفكار التقدمية، الاشتراكية والبديلة عن أفكار الليبرالية. ثم العمل في الأوساط الهامشية وفي الفجوات الاجتماعية التي لا تسيطر فيها الهيمنة البرجوازية. عليه القيام بعمل صبور ومثابر. هذا ما يسميه غرامشي عمل «النمل الأبيض» (أو «دود الخشب»، أو «أرضة»)، العمل الهدّام الخفي، المؤدّي لممارسة التآكل التدريجي لجميع قواعد المجتمع الرأسمالي التقليدي. ويكون الهدف هنا هو هزيمة مثقفي الطبقة المسيطرة. مهمة خصصها غرامشي للمثقفين بالمعنى الواسع، المرتبطين عضوياً بالعمّال «المثقف الجماعي»، الحزب، «الأمير الحديث». للقيام بذلك، من الضروري اقتحام وسائل الإعلام الجماهيري، واجتياح اللغة اليومية، أو السعي لفرض مواضيعهم ومفاهيمهم في النقاش الأكاديمي والشعبي. كما يجب وضع مفاهيم النيوليبرالية ومفرداتها موضع النقد والتساؤل لتسفيهها ورفضها ووضع مواضيع ومفاهيم أخرى مكانها مثل: «كارثة بيئية»، «الراتب الأعلى»، «إعادة التوطين»، «المجانية»، «السلام الاقتصادي»، «الخدمات الجماعية»، «الشعب»، «تخلّف النمو»، «العمل المؤقت»، «المساواة الحقيقية»، «البحث عن الرفاهية»، إلخ. إن الطبيعة المعقّدة للمجتمع المدني الحديث تعني أن هزيمة الهيمنة البرجوازية وبلوغ الاشتراكية أمر مستحيل بدون «حرب مواقع» مجالها الثقافة وغرضها تحقيق الهيمنة البديلة لهيمنة البرجوازية أو هيمنة أفكار ممثليها داخل دائرة المجتمع المدني.
نأمل أن يكون هذا العرض السريع مساعداً للثوريين في بلادنا في هذه المرحلة التي اتسع فيها نفوذ الطبقة السائدة في أوساط الجماهير الشعبية، والتي خبا فيها أفق الثورة الاجتماعية وبات بعيداً، ومعه ابتعدت المعارك المباشرة بين الطبقات الاجتماعية، ما يجعل الثقافة الجبهة الأساسية للصراع الاجتماعي.
إعداد الخط الأمامي
