
بعد أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد لسوريا، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ البلاد تطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة النظام السياسي القائم وقيد التشكل ومستقبل الدولة السورية.
مع هروب بشار الأسد وسيطرة هيئة تحرير الشام على مقاليد السلطة بعد توافقات دولية، يبدو أن سوريا تدخل مرحلة يمكن وصفها بـ”الأسدية بدون أسد”. هذه المرحلة تتميز باستمرار آليات النظام الأمنية والسياسية والاقتصادية التي أرساها حافظ الأسد ووريثه بشار، ولكن دون الاعتماد على شخص الأسد كرمز مركزي للحكم. هذا المقال يهدف إلى تحليل هذه المرحلة من خلال دراسة التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها سوريا، مع التركيز على دور الطبقة الحاكمة الجديدة والأجهزة الأمنية والمجتمع الدولي في تشكيل مستقبل البلاد.
الأسدية بدون أسد: استمرارية النظام بوجوه جديدة
على الرغم من اختفاء بشار الأسد من المشهد السياسي، فإن الهياكل التي أقامها نظام الأسد لا تزال قائمة. الأجهزة الأمنية، التي كانت العمود الفقري للنظام، تحولت إلى أداة في يد القوى الجديدة التي تسيطر على البلاد. هذه الأجهزة، التي كانت تُستخدم لقمع المعارضة وإخضاع الشعب، تعيد الآن إنتاج نفسها تحت مسميات مختلفة، ولكن بذات الأدوات القمعية.
الطبقة الحاكمة الجديدة، المكونة من تحالفات بين قوى إسلامية متطرفة وعناصر من النظام السابق، تعتمد على نفس الأساليب البيروقراطية والأمنية التي كانت سائدة في عهد الأسد. الإعلان الدستوري المؤقت الذي صدر مؤخراً يكرس هذه الاستمرارية، حيث يحصر الصلاحيات بيد شخص الرئيس، مما يعيد إنتاج نظام الحكم الفردي والمركزي الذي كان سائداً في عهد الأسد. حتى مجلس الشعب، الذي كان يُستخدم كواجهة ديمقراطية زائفة، يعاد تشكيله ليصبح أداة طيعة في يد السلطة الجديدة.
المجازر الطائفية وسياسات القمع: استمرار العنف الممنهج
واحدة من أبرز مظاهر الاستمرارية في سياسات النظام الجديد هي استخدام العنف الطائفي كأداة للسيطرة. مجازر الساحل الطائفية بحق العلويين، والتي تمت تحت ذريعة ملاحقة “فلول النظام السابق”، تشبه إلى حد كبير سياسات النظام السابق في قمع المعارضة تحت مبررات مكافحة الإرهاب. هذه المجازر تعكس استمراراً لسياسة “فرق تسد” التي استخدمها النظام السابق لإدامة انقسامات المجتمع السوري.
كما أن سياسات القصف العشوائي للمدن والمناطق السكنية، والتي كانت سمة بارزة في حرب النظام ضد الشعب السوري، تعاد إنتاجها الآن من قبل القوى الجديدة. إلقاء البراميل المتفجرة على المدنيين واستهداف الأحياء السكنية أصبحت ممارسات يومية، مما يؤكد أن العنف الممنهج لم يتوقف بل تغيرت فقط الجهة التي تمارسه.
الإعلام والتضليل: استمرار سياسات الإنكار
والتضليل الإعلامي، الذي كان أداة رئيسية في يد نظام الأسد لتزييف الحقائق وتضليل الرأي العام، يعاد استخدامه الآن من قبل السلطة الجديدة. سياسات الإنكار والتضليل الإعلامي، التي كانت تُستخدم لتبرير جرائم النظام السابق، تعاد إنتاجها اليوم لتبرير جرائم السلطة الجديدة.
الخطاب الإعلامي الجديد يتبنى نفس الأساليب القديمة، حيث يتم تصوير العنف الطائفي والقمع على أنهما إجراءات ضرورية لـ”حماية الأمن القومي” و”مكافحة الإرهاب”. هذا الخطاب يعكس استمراراً لثقافة الإفلات من العقاب التي ميزت نظام الأسد، حيث يتم تبرير الجرائم تحت مسميات وطنية وأمنية.
الدور الدولي: التوافقات والاملاءات
المجتمع الدولي، الذي لعب دوراً رئيسياً في تشكيل المشهد السياسي السوري خلال سنوات الحرب، يستمر في التأثير على مسار الأحداث في مرحلة ما بعد الأسد. التوافقات الدولية التي أدت إلى سيطرة هيئة تحرير الشام على السلطة تعكس مصالح القوى الكبرى في المنطقة، والتي تفضل استقراراً نسبياً حتى لو كان على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان.
هذه التوافقات أدت إلى إعادة إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة، حيث يتم الحفاظ على المبادئ التي تقوم عليها الهياكل الأمنية والاقتصادية التي كانت قائمة في عهد الأسد. الدور الدولي، بدلاً من دعم التحول الديمقراطي، يعيد إنتاج الاستبداد تحت مسميات مختلفة.
الخلاصة: الأسدية بدون أسد
سوريا اليوم تدخل مرحلة “الأسدية بدون أسد”، حيث يتم الحفاظ على هياكل النظام القديم ولكن دون الاعتماد على شخص الأسد كرمز مركزي. هذه المرحلة تتميز باستمرار العنف الطائفي، والقمع الأمني، والتضليل الإعلامي، مما يعكس استمراراً لثقافة الاستبداد التي ميزت عهد الأسد.
الطبقة الحاكمة الجديدة، بدعم من التوافقات الدولية، تعيد إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة، مما يؤكد أن التغيير الحقيقي في سوريا يتطلب أكثر من مجرد إزاحة شخص الأسد. التغيير الحقيقي يتطلب تفكيك هياكل النظام القديم و تفكيك العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعيد إنتاج ذاك النظام وتلك المنظومة وبناء نظام ديمقراطي يعتمد على العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.
في النهاية، فإن سوريا ما بعد الأسد ليست سوى استمرار لجوهر النظام القديم الذي أعاد انتاج ذاته بشكل جديد يتناسب مع الوجوه جديدة، مما يطرح تساؤلات عميقة حول إمكانية تحقيق التحول الديمقراطي في ظل استمرار وجود منظومة الاستبداد.
يعقوب عبد المجيد
