الثورة الدائمة – العدد الرابع – كانون الثاني 2014
الغائب الحاضر الرفيق: باسم شيت
فهرس المحتويات

ما أوسع الثورة! – ما أضيقَ الرحلة!
ما أكبرَ الفكرة! – ما أصغرَ الدولة!
(محمود درويش)
الهوية والكيان
إحدى الإشكاليات الأساسية التي تهيمن على المنطق التحليلي والمنهجي لدى اليسار الستاليني والقومي في مقاربة الاحداث المتسارعة على الساحتين، اللبنانية والسورية، بشكل خاص، وعلى ساحة المنطقة، بشكل عام، تكمن في كونه يختصر الصراع القائم، في قوالب قومية وهوياتية طائفية بحتة ومجردة، من دون النظر إلى البنى الاجتماعية، والتناقضات التي تحكمها، والمحركات الأيدولوجية لهذه الهويات، والازمات التي تعيشها، خاصة تلك التي تطرحها عليها السيرورة الثورية المستمرة، على رغم التقلبات والانكسارات.
ومن خلال هذا المنهج يتم تصوير الواقع بلغة اضداد، أو في ثنائيات متناقضة، تتخذ، بشكل أساسي، من الهوية الثقافية القومية/الدينية مدخلاً لمقاربة المجتمع وتناقضاته، فيتم الحديث عن «فتنة سنية شيعية»، والثقافة الشرقية، والعرب، والغرب، والمشرقية، وازمة الهوية، وحكم الطوائف، والمسيحيين، والمسلمين، والشيعة، والسنّة، وغير ذلك من تعبيرات… ومن خلال هذا التوصيف، تتحوّل هذه الهويات إلى بنى مستقلّة وكائنات قائمة بحد ذاتها، تتفاعل فيما بينها، في علاقات تقارب وتباعد وصراع، في مسرح من توازنات القوة المتبدّلة، على شتى المستويات: المحلي منها، والإقليمي والعالمي.
يتم حينها تقييم حركة الجماهير، في المنطقة، بمدى اقترابها من حلف اقليمي/عالمي وابتعادها عن آخر؛ من محور «ممانع» يضمّ إيرانوسوريا، بدعم من روسيا، ومحور آخر: «اميركي – صهيوني – تكفيري»، تنطوي تحته أنظمة كالسعودية وقطر، مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية. فتعطى الشرعية أو تسحب عن حركة جماهيرية ما، بحسب موقعها من صراع المحاور هذا.
فالصراع القائم يصوَّر بكونه صراعاً ما بين كيانات، تأخذ شرعيتها من اللغة السياسية المستخدمة لتوصيفها، وليس من مدى واقعية هذه الكيانات نفسها، وخاصة في مواجهة التحولات الثورية التي تحكم واقعنا اليوم.
فالنظرة إلى الثورة التي يحتكم اليها هؤلاء، من خلال لغتهم هذه، لم ترَ يوماً أبعد من مسألة الصراع القومي أو التحرر الوطني كبعدٍ لها، على رغم اهميتهما وضرورتهما، في السيرورة الثورية، ولكنهما لا تختزلانها، وهنا تقع الإشكالية الأساسية ما بين قراءة واقع السيرورة الثورية، من خلال واقعها الفعلي، أي من خلال البيئة التي ولدتها، والتناقضات التي تحكمها، أو قراءتها من خلال افتراض نظري، لم يستطع يوماً الاعتراف بأن الإنسان العربي، أو اللا عربي، في هذه المنطقة، لا يمكن اختصاره/ا بحيّز الهوية القومية، على وجه الحصر.
فمركزية «الكيان القومي» والهوية الوطنية لا تزال هي الركيزة الاساسية في الفكر اليساري الستاليني والقومي السائد، ومن خلالهما يصبح هناك من هو «وطني» ومن هو «خائن» أو «عميل». فلغة التخوين ليست فقط ضرباً من ضروب انعدام الاخلاق، عند البعض، بل هي النتيجة الطبيعية للفكر القومي، اذا ما احتاج يوماً للدفاع عن كينونته، أو مكانته في البنية الفكرية المهيمنة.
بالطبع، هذا لا يعني أنه ليس هناك خونة أو قوى سياسية تنحاز إلى المنظومة الامبريالية، ولكن ما يعنيه هذا هو أن التخوين، كلغة سياسية للفكر القومي نفسه، تصبح في كثير من الاحيان اللغة السائدة لمناصري هذا الفكر، اذا ما دخلت هذه المنظومة في أزمة، أو وضعت في خانة الدفاع عن هيمنتها على اللغة السياسية السائدة في المجتمع.
وهذا ما نلاحظه في هذه الاحيان بفعل السيرورة الثورية التي تجتاح المنطقة. فالافتراض الاول الذي وضعه كثيرون من التيارين، الستاليني والقومي، في مقاربة الاحداث في بدايات ال٢٠١١، هو أن الانتفاضة التي شهدتها كل من مصر وتونس كانت بسبب علاقة النظام، في كل من البلدين، بالإمبريالية الأميركية، والعلاقات التي تجمعه بالكيان الصهيوني. ولكن سرعان ما انكسرت هذه النظرية امام صعود التحركات الجماهيرية في سوريا، التي يعتبر انصار التيار القومي والستاليني نظامها نظاماً ممانعاً، يشكل، كما يقول عديدون، «قلعة الصمود»، بمواجهة الصهيونية والامبريالية.
ومنذ اندلاع الثورة السورية، يحاول انصار هذين التيارين، القومي والستاليني، إعادة ترتيب سلّمٍ للصراع يمكن من خلاله الفصل ما بين معركتين، التحرر الوطني، والتحرر الاجتماعي، بحيث بطبيعة الحال، وبطبيعة الالتزام بمركزية الكيان القومي ذلك، ينصاع الثاني للأول، فتصبح معركة التحرر الوطني هي معركة كيانية، بينما الصراع الاجتماعي يصبح صراعاً اصلاحياً ينحسر ضمن سياسات ترتيب البيت الداخلي.
وهذا ما لمّح إليه سماح إدريس يوم الرابع من ديسمبر/ك1 ٢٠١٣، بأن: «مشكلتنا مع الأنظمة العربية مشكلة مع القمع والإجرام والفساد والمحسوبية. مشكلتنا مع «إسرائيل» مشكلة مع الكيان بأسره، نظاماً ودولة وجيشا ًومؤسسات، اقتصاداً وثقافة وسياحة وصناعة وزراعة، يميناً و «يساراً» ووسطاً،»1
لم يخطئ إدريس في قوله أن المشكلة مع الكيان الصهيوني هي إشكالية مع الكيان نفسه، ولكن الإشكالية التي لا يناقشها إدريس هي اذا ما كانت هذه المعركة، مع الكيان الصهيوني، يمكن أن تحسم فعلاً وواقعاً من ضمن خارطة كيانات الأنظمة العربية القائمة؟ أو حتى من خلال مفهوم الكيانات القومية تلك؟ أو انها فعلاً لا يمكن ان تحصل إلا من خلال إعادة تكوين هذه الكيانات بشكل جذري؟
وهذا ما شهد له التاريخ من قبل، بفعل الثورة الفلسطينية ومسار التحولات والتناقضات التي فرضتها في واقع الكيانات العربية القائمة، من سوريا، إلى لبنان والأردن ومصر والسعودية وغيرها. فالثورة الفلسطينية، في نموها، تصادمت موضوعياً ليس فقط مع الكيان الصهيوني، بل أيضاً مع البنية القومية والوطنية للأنظمة العربية جمعاء. وربما يكون ما حدث في أي لول الاسود، في العام .١٩٧، بين أبرز الاحداث التي اثبتت هذا التصادم مع «المصلحة السورية الوطنية»، مثلاً، أي بما هي مصلحة كيان نهائي سوري. فـلقد «عارض وزير الدفاع السوري (حينها) حافظ الاسد، الدعم العسكري للفلسطينيين، لخوفه من أن تدخل سوريا في حرب شاملة مع اسرائيل. ورفض إعطاء الدبابات السورية غطاء جوياً عندما بدأت تتعرض للهجوم من قبل الجيش الأردني، ويتم إجبارها على التراجع. هذا ترك الفلسطينيين معزولين، وأدى إلى ذبح الآلاف منهم في مجازر قامت بها قوات الملك حسين، بما أصبح يعرف بأيلول الاسود». 2
والتصادم هذا لم يقتصر على كل من الأردن وسوريا، بل أيضاً تناقض بطبيعة الحال مع بنية الكيان اللبناني، وما الحرب الاهلية اللبنانية إلا خير دليل على هذا التصادم، بما حملته من صراع أفكار حول الهوية، ونهائية الكيان. وهذا ما اثبته اتفاق الطائف، بعد ذلك بسنوات، لتعيد البرجوازية «الوطنية» تلك تأكيد نهائية الكيان اللبناني، بوجه عربي، برعاية سورية وسعودية. وينسحب مسار نهائية الكيانات هذا إلى مجمل الأنظمة العربية، الممانعة منها وغير الممانعة. ففي مصر «كانت معاهدة كامب دايفيد هي العنوان السياسي لتبدلات الواقع المصري، فقد كانت عناوين أخرى، كـ«فك الارتباط» و«العزلة العربية»، الاعلان الضمني والعلني عن اتجاه السلطة المصرية إلى اقتصاد السوق»3. فالعزلة العربية وفكّ الارتباط وغيرها من التعابير، كمصر أولاً، أو الأردن أولاً، أو لبنان أولاً، هي التعبير الضمني والعلني عن سياسات نهائية الكيانات القومية العربية، أي بما معناه الالتزام الفعلي بمشروع التقسيم الذي وضعته الكولونيالية الاوروبية، في بداية القرن الماضي.
ولا يمكن هنا الفصل ما بين الخطاب القومي للأنظمة العربية وسياساتها والخطاب القومي السائد اليوم ضمن اليسار التقليدي، وإن اختلفا في التفاصيل، ولكنهما كليهما يؤكدان بشكل قاطع مركزية تحديد الكيان والهوية، كمدخل للحراك السياسي والاجتماعي، وأن هذا الصراع بطبيعة الحال لا يمكن أن يتم إلا بانحياز هذه الكيانات إلى محور من المحاور المهيمنة على الساحة الإقليمية والعالمية. وليس من الخطأ أبداً القول إن هذه السياسة وهذا المنطق ليسا سوى تكرار لخطاب الحرب الباردة، التي اعتنق من خلالها اليسار القومي والستاليني ضرورة الانحياز إلى طرف ضد آخر، والتخلّي التام عن أي محاولة للخروج من ثنائية التنافس الامبريالي ذلك، نحو حركة جماهيرية ثورية فعلية، لا ترتهن استراتيجيتها بمناصرة جهاز امبريالي ضد آخر. وبالطبع تصاغ هذه السياسة بشكل دائم تحت ستار الهوية القومية، أو التحرر الوطني.
وهذا ما يؤكده أسعد أبو خليل مثلاً في مقال له في جريدة الاخبار، في ١٦ أكتوبر/تشرين الثاني ٢٠١٣، تحت عنوان «دعوة للعودة إلى الحرب الأهليّة اللبنانيّة» ، حيث يلخص أسعد أبو خليل ان الصراع الكامن والدفين في لبنان، والذي لم يحلّ حتى الآن، بعدة اشكاليات: «(١) هويّة لبنان. (٢) سياسة لبنان الخارجيّة وموقف الحكومة من الصراع الإقليمي. (٣) الموقف من القضيّة الفلسطينيّة. (٤) الخلاف حول العدل الاجتماعي. (٥) مسألة الغبن الطائفي. (٦) نوع نظام الحكم». ومن ثم يوصّف الطوائف اللبنانية بالآتي: «لم تثبت طائفة واحدة في موقعها في لبنان – وهذا برسم الذين واللواتي يروّجون لنظريّة التفوّق الأخلاقي لطائفة على أخرى، لأن الطوائف، بحكم النظام الطائفي، هي مثل قبائل أفغانستان والعراق: معروضة للإيجار، وتنتقل من موقع إلى آخر، بحكم الظروف. أي أن وليد جنبلاط هو الممثّل الحقيقي والفعّال للطائفيّة الضيّقة.»4
فأسعد أبو خليل، في نظرته تلك، يؤكد مسألتين: الأولى هي ان إشكالية المسألة اللبنانية تدور حول ذلك الحسم في مسألة «الهوية اللبنانية»، والثانية هي ان هذا يتم ما بين تلك الكيانات الطائفية القائمة (الطوائف اللبنانية) – التي هي، بحسب رأي أبو خليل، « مثل قبائل أفغانستان والعراق» – لحسم هذه المسائل.
ولا يبتعد هذا الخطاب، الذي يعتمده كل من أبي خليل وإدريس، بتاتاً، عما تقوله الأحزاب المتحالفة مع النظام السوري في لبنان، من حزب الله والتيار الوطني الحر، إلى الحزب القومي السوري وغيره، رغم تمايزهما بعض الشيء عنها، في نقدهما، بين الحين والآخر، للأنظمة الممانعة. ولكنهما يبقيان على اصطفافهما، من ضمن الخطاب العام لسياسة صراع المحاور، أو للتأثير في توازنات هذه الأخيرة، على الأقل، من دون الخروج منها، ومقاربة النسيج الفكري والأيديولوجي الذي يحركهما، أو ابراز أي محاولة لكسر ساحة صراع المحاور تلك.
فيقول الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، من خلال طلّته المتلفزة، في ٣٠ أبريل/ نيسان ٢٠١٣ ان: «لسوريا في المنطقة والعالم أصدقاء حقيقيين لن يسمحوا أن تسقط بيد اميركا أو اسرائيل أو يد الجماعات التكفيرية»5؛
وفي يونيو/حزيران ٢٠١٣: «القصة ليست قصة تدخل في سوريا (…) الجيش العربي السوري يقاتل على مختلف الأراضي السورية، ونحن نقوم بجزء من المسؤولية في مواجهة هذا المشروع الكوني، الذي يريد اسقاط المنطقة لا سوريا فقط، وهو المشروع الاميركي الاسرائيلي التكفيري»6.
ويبدو واضحاً في خطاب نصرالله اقتناعه الكامل بصراع المحاور هذا، الذي يتموضع فيه حزب الله إلى جانب النظام السوري وحلفائه الإقليميين والعالميين، بمواجهة «المشروع الاميركي الاسرائيلي التكفيري».
والعلاقة هنا ما بين موقف حزب الله واليسار التقليدي والقومي، ليست نتاجاً لصدفة، بل هي فعلياً تطبيقاً، لربما حرفياً، للنظرية الستالينية المراحلية، التي تدعو إلى تحالف تاريخي واستراتيجي مع البرجوازية الوطنية، لتحقيق ذلك الحكم الوطني الديمقراطي كمرحلة اولى، قبل الشروع من بعد ذلك في بناء نظام وجهاز دولة قوي يساهم في تطوير بنى الانتاج، لتستطيع ان تثور، في مرحلة لاحقة، لتحقيق الاشتراكية.
ولقد رأينا أين أوصلتنا هذه الوصفات، في الزمن غير البعيد، من إرث الحركة الوطنية في لبنان، وتحالفها التاريخي مع البرجوازية «الوطنية/المسلمة»، بمواجهة البرجوازية «الانعزالية/الرجعية/المسيحية»، ابان فترة الحرب الاهلية، والى ماذا انتهى ذلك، من نظام حكم الطائف في لبنان إلى معاقبة الفلسطينيين «لإفسادهم لبنان». وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أيضاً النظر إلى ما آلت اليه منظمة التحرير الفلسطينية، بعد التزامها بمشروع «الدولة»، أي الالتزام بنهائية الكيان الفلسطيني والقومي، وتحجيمه، وما عناه ذلك من تحجيم المسألة الفلسطينية، من مكانتها العربية والعالمية، كحركة شعبية عابرة للهوية، إلى حدود قوالب نظام برجوازي بيروقراطي «وطني»، سيكون أحد «انجازاته» الأهم، في الفترة اللاحقة، هو أبو مازن وحاشيته.
وهذه هي الاستراتيجية نفسها التي لا يزال يتبعها اليوم اليسار الستاليني بمجمله، فيقول الحزب الشيوعي المصري مثلاً في برنامجه السياسي: «يؤمن الحزب بأن ثورة ٢٥ يناير هي الحلقة الأهم من حلقات الثورة الوطنية الديمقراطية وانها في جوهرها ثورة شعبية ديمقراطية ذات آفاق وطنية واجتماعية قامت من أجل القضاء على الاستبداد والفساد وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي وإنهاء التبعية وتحقيق التنمية المستقلة المعتمدة على الذات وإعادة بناء جهاز الدولة على أسس شعبية وديمقراطية وتصفية الاحتكارات وبناء الصناعة الوطنية وإجراء تحولات عميقة في القطاع الزراعي وتحقيق الديمقراطية السياسية والاجتماعية واحترام كرامة وحقوق الإنسان المصري وحماية الحريات العامة.»7
ومن هذا المنطلق، يبرر اليسار التقليدي المصري تصويته بنعم على دستور العسكر، واعتباره أن الخطر الاكبر على الثورة هو الأخوان، وذلك من دون الاشارة إلى خطر العسكر، وكذلك يبرر وقوفه إلى جانب «النظام السوري، والجيش العربي السوري»، بمواجهة المخطط الامبريالي ضد المنطقة العربية، وخاصة ضد سوريا.
واستكمالاً لهذا النهج، وإن بنكهة مختلفة، وبشكل أكثر جهوراً، يقوم ناهض حتر وجماعته باستنباط مزج قومي أقل ما يمكن أن يقال عنه انه اعادة انتاج الفكر القومي السوري ذي الأصول الفاشية، بغطاء يساري جديد/قديم يسهل هضمه من قبل جمهور اليسار التقليدي. وهو يقول حول المسألة السورية التالي:
«وقد وقفنا، بوضوح، إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد ضد البربرية الخليجية الوهابية، القطرية والسعودية، كما ضد النيوعثمانية. نحن لا «نحابي» النظام السوري، كما يصفنا صاغية (حازم صاغية)؛ كلا بل نحن، في الحرب القومية، نقاتل في خندقه. وفي رأينا أننا اخترنا الخندق الصحيح. لدينا، بالطبع، تحليلنا النقدي المنهجي لهذا النظام، ولدينا برنامجنا المعلَن للنضال داخل سوريا من أجل بناء دولة وطنية تنموية مقاومة فيها. غير أنّ ذلك صراع سياسي سوري مشرقي داخلي لا يؤثر على وحدة القوى المتصارعة الداخلية في مواجهة العدوان الخارجي، الغربي الصهيوني الوهابي العثماني.»8.
فالمسألة بالحصيلة، المشتركة ما بين كل هؤلاء هي أن التحرر الوطني، أي بناء تلك الدولة القومية، في أي شكل من أشكالها، أو قطريتها، يتطلّب أولاً تحريراً وطنياً، يحدد حدود الخارج والداخل، التي من خلالها تناقش مشاكل هذا الداخل، العربي، المشرقي، اللبناني، السوري، أو غيرها من التكوينات الهوياتية. وهذا ما يؤكده خالد حدادة، في مقاله الأخير في النداء، حيث يربط ما بين الطبيعة الطائفية للنظام اللبناني، الذي يجعل من التناقضات الإقليمية جزءأ من السياسة الداخلية اللبنانية، بحيث أن واقع هذه التدخلات لا ينتفي إلا بـ«بناء الدولة العلمانية المدنية الديمقراطية المقاومة»9. وهو يقول: «ولا بد أن تتأمن شروط المعالجة الأعمق المتعلقة بإعادة تأسيس الدولة اللبنانية، بما يتجاوز طبيعتها المولّدة للحروب والحاملة لعوامل الانقسام والتبعية، باتجاه مؤتمر انقاذي يؤسس لبناء الدولة العلمانية المدنية الديمقراطية المقاومة.». وذلك الطرح، بالطبع، لا يمس بتاتاً الطبيعة الطبقية لجهاز الدولة ذلك. فمن هنا نرى كيف أن هذا التيار الفكري، من اقصى يمينه إلى أقصى يساره، لم يتعدَّ يوماً مسألة مركزية وهيمنة الدولة البرجوازية القومية، إما في حالتها القومية المتشددة، أو في حالتها القومية المحصِّنة لشعوبها، أي في كونها تستطيع أن تشكّل حلفاً طبقياً، يؤمن تصالحاً طبقياً، برجوازياً-عمالياً، من جهة، ومن جهة أخرى يضمن وحدة وطنية، من خلالها تواجَه اخطارُ الخارج، أو تحدد علاقات التنافس والتقارب مع ذلك الخارج.
الامبريالية، والرأسمالية، والدولة القومية
الدولة البرجوازية القومية، أو الوطنية، هي إحدى البنى الأساسية التي وضعتها الكولونيالية الغربية، كشرط من شروط توسعها الرأسمالي في المستعمرات، في وجوهه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أي بما شكلته من كسر أو قطع مع النمط شبه الاقطاعي السائد حينها. وإن اعتبار الفكر القومي هو حالة تتناقض مع الفكر الرأسمالي هو محض خيال. فضرورة نشوئه، أي الفكر القومي، تأتي مشروطة بتطور البنى الاقتصادية والاجتماعية نحو النمط الرأسمالي، وبابتعاده عن البنى ما قبل الرأسمالية فيه، وتحطيمها. ومن هنا فإن مفهوم «الكيان» و«الهوية الوطنية»، ونهائية كيان ما، وعلاقته بالكيانات الأخرى، هو مفهوم يستحيل وجوده، بطبيعة الحال، من دون عملية فرض مركزية لجهاز الدولة البرجوازي، في إدارة المجتمع، تحت ظلّ «هوية قومية» ما، أكانت قومية عربية أو مشرقية أو لبنانية أو سورية، اسلامية، أو مسيحية أو غيرها. فكل هذه تعبيرات عن لباس أيديولوجي لنظام السيطرة البرجوازي نفسه.
وليس غريباً أن يكون الجزء من اليسار، الذي يمتثل لهذا الفكر القومي، أو ذاك، يضع مسألة اللباس القومي لهذا الحكم البرجوازي على رأس اجندته السياسية، لكونه، بطبيعة الحال، لا يعبر في حركته السياسية عن تناقض مع النظام البرجوازي القائم، بقدر ما يعبر عن تماثله معه، إذ ينطلق من البنية الفكرية نفسها للنظام البرجوازي.
وكما يقول مهدي عامل في كتابه «مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني»:
«ونقصد بالبنية الفكرية هنا هذا الحقل الفكري الذي يتحدد فيه فكر الفرد، بنية وتطوراً، أي هذه التربة الواحدة التي تنبت عليها أفكار متعددة قد يبلغ الاختلاف بينها حدّ التناقض، إلا ان جذورها تمتد في تربة واحدة هي التي تحدد لها طبيعة نشأتها ومجال تطورها. ووجود التناقض بين هذه الأفكار لا ينفي وجودها في تربة فكرية واحدة، بل يكون دليلاً عليه، اذ لا تناقض أطياف تضمنها وحدة بنيوية واحدة.»10
من هنا فإن المنطلقات الفكرية والأيديولوجية التي ينطلق منها الفكر القومي، لمواجهة التبعية للإمبريالية، لا تتناقض جذرياً مع الامبريالية، اذ انه يشاركها البناء الفكري ذاته، وهو نظام الحكم البرجوازي، بل هو يتماثل ويتماهى معها. لذلك نرى أن الأنظمة القومية التي قامت في العقود الاخيرة من القرن الماضي في المنطقة العربية، والتي اعتبرها حينها، ولا يزال، جزء واسع من اليسار التقليدي والقومي، انظمة تقدمية ووطنية، اثبتت عبر الوقت انها لا تختلف عن نظام الهيمنة البرجوازية «التابع»، كما يتم وصفه، بل هي جددت علاقتها وتماثلها مع المصالح الامبريالية، وان اختلفت درجات هذا التماثل. بل إن اختلاف درجاته، كما بين السعودية وسوريا مثلاً، يثبت استمرار نمط العلاقات هذا، وانتفاء استقلالية هذه الأنظمة، أو تحررها من الهيمنة الامبريالية.
ومجدداً نعود إلى مهدي عامل، في تحليله مثال «الأنظمة التقدمية»، التي تحوِّل البرجوازية الصغيرة المسيطرة إلى برجوازية كولونيالية متجددة، حيث يقول:
«نلاحظ هنا، على سبيل المثال، ان التغيير في القوى الطبقية المسيطرة، في ما يسمى «بالأنظمة التقدمية»، كمصر وسوريا، كان يتم دوماً في اطار هذا الشكل الانتباذي بالذات لحركة الصراع الطبقي. وهذا يساعدنا على فهم الطبيعة الخاصة بالممارسة السياسية للبرجوازية الصغيرة.» )…( «فالبرجوازية الصغيرة المسيطرة مدعوة بالضرورة إلى تجديد علاقات الانتاج هذه، أي إلى اعادة انتاجها باستمرار، في ممارستها السياسية لصراعها الطبقي ضد البرجوازية الكولونيالية بالذات، لأن تجدد علاقات الانتاج هذه شرط ضروري ومطلق لاستمرار وجودها كطبقة مسيطرة. الا ان ضرورة صيرورتها طبقة مهيمنة، في اطار علاقات الانتاج القائمة، كشرط لتجدد سيطرتها الطبقية، تدفعها إلى التمثل بالطبقة المسيطرة التي استبدلتها والتي هي في صراع طبقي معها، وبالتالي، إلى التماثل معها، وليس إلى التفارق عنها.» (…) فوجود قطاع دولة لا يغير من الطبيعة الطبقية لعلاقات الانتاج هذه…»11
لذلك فإن المهام الوطنية لا يمكن ان تنجز فعلياً، بينما يتم طرح هذا الواقع على أساس كونه يعبر عن ازمة هوية أو قومية، بحيث تتم إعادتنا إلى إشكالية الكيان والهوية، من دون مقاربة البنية الرأسمالية الطبقية، وتطورها المتفاوت، الذي من خلاله تنتج علاقات التبعية للإمبريالية. وهنا المشكلة الاساسية في المنطلقات الاستراتيجية لليسار التقليدي والتيارات القومية، بشكل عام. ومن الواضح أن افضل ما يفعله الخيار الذي يتبناه هذا اليسار هو تحسين شروط التنافس الرأسمالي القومي ما بين الكيانات القائمة، من دون ان يتحدى البنية التي تسمح لهذا التنافس بالوجود، والتي تتيح حصول تدخلات اجنبية واقليمية، أو هيمنة اقليمية أو عالمية على بلد ما.
من هنا فالمسألة لم تعد اذا ما كان التحرر الوطني هو مرحلة تسبق التحرر الاجتماعي، والنضال الطبقي، بل هو، في واقع الحال، جزء لا يتجزأ من المعركة الاجتماعية الطبقية الواحدة، أي ان التحرر الوطني ليس مرحلة ما قبل الثورة الاجتماعية، بل هو نتاج لها، هو سيرورة من سيروراتها، لأنه لا يمكن انجاز استقلال ضمن نظم علاقات التبعية والهيمنة والتنافس الرأسمالي، التي تحكم عالمنا. بل ان الاستقلال أو التحرر الوطني الناجز والحقيقي يستحيل تحقيقه، فعلاً، في ظروف عالمنا الحالي، من دون الانخراط الجدي في سيرورة الثورة الاشتراكية، بالذات.
ولذلك نرى أن حركات التحرر الوطني، في فعل خوضها صراع التحرر الوطني، من خارج الصراع الطبقي، تتجه لتتماثل مع البرجوازية المهيمنة، ولتصبح لاعباً آخر في بنى التنافس والتقارب، ضمن المحاور البرجوازية الرأسمالية المهيمنة. وهذا يمكن رصده لدى كل من منظمة التحرير الفلسطينية، أو حماس، أو حزب الله، وما يشهده من تحولات، في المرحلة الاخيرة، في تشكيلات بناه الاجتماعية-الاقتصادية، وبنائه التنظيمي، وفي تموضعه المحلي والإقليمي.
فليست النظم الطائفية، بحد ذاتها، هي التي تؤسس للتبعية، وارتباط الداخل بالخارج، بل انها الغطاء الأيديولوجي لهذه التبعية الرأسمالية، ما بين الداخل والخارج، ولا يمكن كسر هذه التبعية، من ضمن البناء الرأسمالي ذاته، لأن الدولة البرجوازية ليست فقط جهاز حكم طبقي داخلي، بل بنفس الوقت هي جهاز تنافس رأسمالي قومي، اقليمي وعالمي.
وبالتالي، فإن الغطاء القومي والوطني للدولة البرجوازية ليس سوى تركيب واعادة تركيب لمحاور التنافس الرأسمالي ذلك، ومساحات الهيمنة، وقدرتها على مواجهة الصراعات التي تتحرك في مجتمعاتها، بفعل التناقضات البنيوية للنظام الرأسمالي.
وهنا تقع الازمة البنيوية للفكر القومي، من يمينه إلى يساره، في كونه يعتاش من تلك التناقضات نفسها، التي تسيّر النظام الرأسمالي، ولا يستطيع القطع معها، لكونه، هو نفسه، تعبيراً صريحاً عن محاولة هذا البناء الفكري البرجوازي، بأن يستنبط هويات جديدة، للحفاظ على هيمنته الأيدولوجية، بألبسة أيدولوجية مختلفة. وما يثبت ذلك اكثر واكثر، هو صعود ازمة الهوية تلك، في كلّ مرة تمر فيها الطبقة الحاكمة البرجوازية بأزمة، أو تبدأ تتكسّر هيمنتها الايديولوجية، التي من خلالها تبرر حكمها الطبقي.
أزمة الحكم البرجوازي، والأزمة الجديدة للرأسمالية
لا يمكننا فهم هذه التحولات، والصراعات الهوياتية، وحركة استنباط الهويات التاريخية تلك، من دينية وقومية، ومناطقية، وطائفية، إلا من خلال ادراكنا الفعلي بأن هذا الصراع لا يتم من خارج التحولات والتناقضات داخل البناء الرأسمالي، لكونه تعبيراً عن ازمة النظام الرأسمالي نفسه.
يقول فريديريك إنجلز: «بناءً على الفهم المادي للتاريخ، في نهاية المطاف، العنصر المحدد في التاريخ هو الإنتاج وإعادة إنتاج الحياة الحقيقية. ولم نقم لا انا ولا ماركس يوماً بتأكيد أكثر من ذلك. لذا فإذا قام أحدهم بتحوير هذا ليقول أن العنصر الاقتصادي هو العنصر الوحيد المحدد في التاريخ، فهو بطبيعة الحال يحوّل ما قلناه إلى عبارة مجرّدة لا معنى لها ولا قيمة. إن الواقع الاقتصادي هو البنية التحتية، ولكن العناصر المختلفة المكوّنة للبنية الفوقية للمجتمع – الأشكال السياسية للصراع الطبقي، ونتائجه، لصياغة دساتير تؤسسها الطبقات الرابحة، بعد معركة ناجحة، الخ.، والنظم القضائية، وحتى انعكاسات هذه الصراعات في عقول المشاركين/ات، والنظريات السياسية، والقضائية والفلسفية، كما المعتقدات الدينية، ونموها كنظم دوغما – تؤثر أيضاً في مسار النضال التاريخي، وفي كثير من الأحيان لها الارجحية في تحديد شكلها…» فريديريك إنجلز، رسالة ٢١/٢٢ أيلول ١٨٩٠. 12
من هنا نرى أن هناك ترابطاً وثيقاً ما بين الأيدولوجية الحاكمة، والبناء الطبقي المهيمن، وتغييب هذه العلاقة في خضم مساحات النقاش الهوياتي، أو الجيواستراتيجي المهيمن، في خطاب هذا التيار القومي، ويساره، ليس سوى محاولة للهروب من مواجهة التناقضات الطبقية المتفجرة، في واقعنا الحالي، العالمي والإقليمي والمحلي، على حد سواء، في محاولة لترميم هذه التصدعات، وتأجيل انفجارها، أو تحويرها بشكل يحافظ على الهيمنة الطبقية القائمة، بأي شكل من الاشكال الممكنة، الطائفية، الوطنية، وغيرها.
ولكن التغيرات والتحولات التي تحصل في العالم اجمع، وتأخذ شكلاً تصادمياً فجاً في المنطقة العربية، تأتي لتتناقض مع هذا البناء الفكري، وليس فقط مع الفكر الليبرالي كما يصوّر لنا كثير من انصار التيار القومي هذا. فما يجمع الفكرين، القومي والليبرالي، هو علاقة تنافس، في البناء الفكري البرجوازي المهيمن نفسه، ولا يتناقضان معه، بل هما في منطقتنا على الأقل يشكلان الوجه الاكثر وضوحاً لمسرح التجاذبات التنافسية تلك، ما بين القطبين، في محاولة لحسم هيمنة واحد على آخر، أو انسجامهما في حلف مشترك للتصدي للأخطار المشتركة، التي هي في واقع الامر تلك التناقضات والصراعات والتكسرات التي يشهدها نظام الهيمنة القائم للبنيان الرأسمالي، أي تلك الدولة البرجوازية القومية، في ليبراليتها أو وطنيتها، أو أي أوصاف مهترئة أخرى، تلبسها.
وإن هذه العلاقة تثبت أكثر وأكثر، يومياً من خلال الاتفاق السوري – الامريكي، مثلاً، حول الاسلحة الكيميائية التابعة للنظام السوري، والاتفاق الإيراني – الأميركي أيضاً حول ملف إيران النووي، والذي تلاه التلاقي ما بين النظامين السعودي والإيراني، وانسحاب هذا إلى اعتذار قناة المنار، إذاعة النور، التابعتين لحزب الله، من السلطة البحرينية، حول تغطيتهما للأحداث في البحرين، أي الثورة البحرينية.
فالاتفاقات هذه، التي تتم، ليست فقط تعبر عن انحسار الهيمنة الأميركية، في المنطقة، بسبب التقلبات في البيت الداخلي الامريكي، بل هي أيضاً تأتي لتمنح الأنظمة العربية والإقليمية، المهيمنة، مساحة اكبر من أجل مواجهة بيتها المتفجّر أيضاً، أي أن هذه الاتفاقيات تؤسس أكثر وأكثر إلى محاولة من الأنظمة لمحاصرة الحركة الجماهيرية العربية وغير العربية، في المنطقة، من مصر إلى سوريا والبحرين، وإيران وغيرها، وبنفس الوقت عزل الشعب الفلسطيني، والقضية الفلسطينية برمتها، عن الجماهير الثائرة في محيطها.
من هنا نعود لما يقوله إدريس حول أن المعركة مع اسرائيل هي معركة وجودية، بينما المعركة بوجه الأنظمة العربية هي معركة ضد الاستبداد، وغير ذلك من المسائل الداخلية، لنسأل مجدداً، كيف يمكن تحرر فلسطين أو حتى الحفاظ على نهج أو مشروع مقاوم من خلال هذا البنيان النظامي للأنظمة العربية، أو من خلال الجهاز البرجوازي القومي، في ظل تلك التحولات والاحلاف التي تُستنبط في المساحة السياسية الإقليمية، والعالمية؟
إن الحسم، هنا، يأتي من خلال سيرورة لا يريد أن يعترف بها أي من هذين اليسارين، القومي، والستاليني، هي الثورة، ليس بفعل كونها ثورة كيانية، أو قومية، أو حتى وطنية، بل لكونها ثورة دائمة تصعد من التناقضات البنيوية للمجتمعات العربية، وبطبيعتها الطبقية تلك لا يمكن إلا أن تحمل تناقضاً جذرياً مع نظام الهيمنة الطبقي القائم، ومع نظم علاقات التبعية الإقليمية والعالمية. فالمشاكل التي تطرح في الساحة السياسية، في أوجهها الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية، لا يمكن أن تحلّ من خلال أي نوع من الترميم البرجوازي للنظم القائمة، في حيزها الكياني، بل بالعكس تماماً تحلّ فقط عبر اسقاط نظام الحكم البرجوازي، ومن خلال تحدّي نظام الهيمنة الطبقي، بمجمله. فالكلمة اليوم التي يجب أن لا يخجل أحد في اليسار الثوري من البدء بتردادها هي الاشتراكية، ليست بكونها قفزة تاريخية تقوم بها الجماهير، نحو نظام آخر، بل بكونها السيرورة التي من خلالها يمكن هدم الأيدولوجية الحاكمة، وفضح التناقضات الطبقية التي تقوم عليها الدولة البرجوازية القومية، أي من أجل تخطي هذا الجهاز نحو جهاز نقيض، وهو السلطة العمالية الثورية، التي من خلالها يمكن فعلاً تخطي الطائفية، والاستغلال والاضطهاد، وعدم المساواة والقمع، وبالإضافة إلى ذلك، كسر حلقة التبعية الرأسمالية، والامبريالية.
لن أخوض معترك إثبات الأبعاد الطبقية للثورات العربية، فلقد كتب كثر عن هذه المسألة في الثورة الدائمة وغيرها، ولكن المسألة التي يجب طرحها هنا هي ترابط النضال الثوري، وانتقاله من بلد إلى آخر، وقدرته على تحدي توازنات القوة القائمة على مستوى محلي واقليمي، وهو بطبيعة الحال، وفي واقع الأمور، يتحدى بنية نهائية تلك الكيانات القومية، التي فرضت على شعوب المنطقة بفعل التقسيم الكولونيالي، ومن بعدها، وبتوافق وتماهٍ مع الامبريالية، فرضتها النظم البرجوازية والبيروقراطية الحاكمة، على مر العقود السابقة.
فالثورات، التي تعصف في منطقتنا، ليست تعبيراً عن أزمة هوية لدى الشعوب، كما يحب البعض أن يصوّرها، بل هي أولاً تعبيرٌ عن أزمة الدولة البرجوازية، القومية، والنظام الرأسمالي المهيمن. لذلك فإن مسألة المقاومة والتحرر من الامبريالية والاحتلال لا يمكن أن يتم تناولها من خارج هذا السياق، بل عليها أن تتماثل مع هذه الابعاد للثورات القائمة، لا أن تسقط عليها من خلال معلبات أيدولوجية قومية، تعاني هي الأخرى ازمتها، بفعل كونها تعبيراً عن نفس النظام البرجوازي المأزوم.
حزب الله، والمقاومة والثورة
- ومن هذا المنطلق يجب أن نقرأ حزب الله، ومسألة المقاومة والتحرر الوطني. والسؤال الذي يجب ان يطرح هو: هل يستطيع حزب الله في بنيته القائمة، وبطبيعته الطائفية، والبرجوازية، أن ينهي الاحتلال أو أن يحقق تحرراً وطنياً؟
- هناك الكثير من الأوهام التي يضعها جزء كبير من اليسار الستاليني والقومي حول حزب الله، فبالإضافة إلى القداسة التي يضع حزب الله نفسه فيها، هناك قداسة من نوع آخر يضفيها اليسار القومي والستاليني على الحزب، بتصويره على أنه جهاز أو حركة مقاومة، لا تحتكم للواقع أو للبنية الطبقية التي نعيش فيها، وبطبيعة الحال، وبسبب مركزية الهوية القومية، أو المسألة القومية، التي تتخطى أي اعتبار ثانٍ، في رأيه، يجرّد جهاز المقاومة من مكانته الطبقية في المجتمع، أو يعطيه قيمة بروليتارية، ليست بالضرورة صحيحة، أو واقعية. ومن خلال ذلك، يتم الدعم الاعمى لحزب الله، ليس فقط من منظور التحرر الوطني، بل أيضاً من منظور النضال الاجتماعي. فتلك المظلومية التي يُنشدها الكثير من الناشطين والناشطات اليساريات عن الضاحية الجنوبية أو عن الجنوب اللبناني، تغدو، في هذه الاحيان، محاولة أخرى لتبرير انحياز طائفي، بلغة طبقية.
- فإن كانت الأحزاب الطائفية تستخدم اللغة الطبقية لتشريع خطابها الطائفي (الحرمان الشيعي، الغبن المسيحي، الخ..)، فاليسار القومي والستاليني، الذي هو بمجمله متحالف مع حزب الله وحلفاء النظام السوري في لبنان، يستخدم نفس اللغة الطائفية، ويعطيها بعداً طبقياً، فتصبح عاشوراء رمزاً لمواجهة الظلم، أو تصبح الضاحية مثلاً رمز المقاومة والعنفوان، والخ… وكل هذه التعابير لا تفترق مع الخطاب الطائفي، بل هي تأتي لتعطيه شرعية اكبر، وتعزز شعوراً بالفخر الطائفي، الذي لطالما كان ميزة الخطاب الطائفي المهيمن. فكما سعت القوى الكتائبية مثلاً إلى تعزيز فخر مسيحي في فترة هيمنتها على النظام، بلباس قومي لبناني، يعود اليوم حزب الله ومن يدور في فلكه إلى تعميم الثقافة الطائفية «الشيعية»، على أنها تلك الثقافة الوطنية المهيمنة، ومن هنا فمقياس الوطنية هو أيضاً يتخذ قالباً طائفياً بامتياز. فمن السهل، حينها، أن يصل هذا المنطق بالناس إلى مداه الاقصى، ألا وهو اعتبار كل من هو سني خائناً، أو عميلاً، وكل من هو شيعي وطنياً أو مقاوماً.
- من هنا فإن الانفلات العنصري الأخير، الذي نراه في جمهور الممانعة، تجاه اللاجئين السوريين، الذين يصفهم بالخونة، أو يشمت بهم، فيقول أحدهم: «اليس من الأجدى أن تعطى الأموال إلى المقاومين في القلمون»، أو تقول أخرى: «كيف يمكننا أن نَحِن على طفل أو امرأة يتركها زوجها أو اخوها بالخيم ليذهب ويقتل اطفال ونساء بلده!»؛ هذا الخطاب يساعد في رواجه جهاز الدعاية والتشويش، الذي اعتمده التيار القومي ويساره، منذ بداية الثورة في سوريا.
- فبينما مثلاً في مصر يستطيعون التفريق ما بين الحركة السلفية، والأخوان المسلمين، والقوميين، والليبراليين، واليساريين، والانتهازيين، والعسكر، والثوريين، نرى كيف أن الكثيرين، هنا، غير قادرين بتاتاً على التفريق ما بين هذه القوى نفسها، في الواقع السوري، تحت تأثير مروجي ذلك الخطاب. فيصبح بعد حين كل من ناصر الثورة في سوريا هو «داعشي»، كما يقول أحدهم، أو الثورة تصبح «فورة»، وغيرها من الألقاب، حتى بات الصراع في سوريا يُصوَّر وكأنه فقط ما بين التكفيريين والنظام.
- الهدف هنا ليس نكران الجهات التكفيرية، أو ارتباطها بالأنظمة الخليجية، بل الهدف هو تبيان مدى التماثل، في اللغة التي بات يستخدمها هذان اليساران، القومي والستاليني، في مقاربة الواقع، مع اللغة التي تستخدمها تلك القوى التكفيرية نفسها لمقاربته. فبلغة التكفيريين، هناك مؤمنون وكفرة، وبلغة التيار القومي ويساره، المأزومين، هناك وطنيون وعملاء، فقط لا غير.
- وهذا ينطلق بطبيعة الحال من كون هذا «اليسار»، لا يستمد بناءه الفكري من الفكر اليساري الثوري، بل من الخطاب القومي نفسه، بلباس يساري، أي أنه أصبح جزءاً لا يتجزأ من الخطاب البرجوازي المهيمن نفسه، وليس نقيضه، ولا يرى نفسه في تناقض معه، بل على تماهٍ معه، ويقدم له المبررات، عبر تشويه الحقائق بشكل مباشر.
- وهذا مثلاً ما يقوم به أمثال أسعد أبو خليل. ففي مقال آخر له في الاخبار، حول ««النظريّة النقديّة» وتجديد اليسار العربي»، يقول: «يكثر مروّجو الرأسماليّة في بلادنا، وهم أنفسهم أعداء المقاومة في لبنان» . فأبو خليل، هنا، أول ما يفعله هو تبرئة المقاومة من صفة الرأسمالية، ومن ثم يضيف في نهاية المقال: «لكن القدرة على فعل ذلك تنطلق من رفض قاطع لكل النظم المعرفيّة للرأسماليّة (بات عبد الكريم مروّة يرى أنّ الدولة الرأسماليّة قادرة على حمايتنا منها ـــ أي الرأسماليّة، أو من شططها، بالنسبة إليه) ولكل البنى الفوقيّة لها، والمدعومة من دول النفط والغاز الخليجي، والتي تحدّد لنا مذاق الشعر والفن والثقافة والإعلام والرقص والجماليّات.». فأبو خليل هنا أيضاً يضع تلك الصفة الرأسمالية في محور واحد من توازنات القوى الإقليمية، الخليجية بالتحديد، بينما لا يذكر أبداً البنية الرأسمالية للنظام الايراني مثلاً وحلفائه في لبنان وسوريا، ويصوّر، من خلال هذا التشويه المقيت للواقع، كأن المعركة ضد الرأسمالية اصبحت فقط تختزل بالمعركة مع الأنظمة الخليجية، وأعوانها، بينما «المقاومة»، أي حزب الله وايران، في نظره، إنما يصورها، بإغفاله ذكر طبيعتها الرأسمالية، كما لو كانت تنضوي في حلف بروليتاري شعبي، مثلاً!؟
- لا ضرورة كبرى لإثبات الطبيعة البرجوازية لحزب الله، أو النظام السوري، فلقد كتب الكثيرون عن هذا الأمر من قبل. فطبيعتهما البرجوازية تثبت حتماً، من خلال دورهما الاقتصادي، وبخصوص حزب الله من خلال السياسة الاجتماعية والاقتصادية، التي انتهجها، في الأعوام القليلة الماضية. فمن جملة نصرالله الشهيرة منذ سنوات: «لن نقف وراء رغيف الخبز»، أو مثلاً مناصرة حزب الله لمشاريع الخصخصة، أو وقوفه بمواجهة المطالب العمالية لهيئة التنسيق، أو مثلاً الاتفاق الذي ابرمه حزب الله مع التيار الوطني الحر وحركة أمل، القاضي بكسر مطالب عمال شركة الكهرباء، وغير ذلك من المواقف المخزية بحق الطبقة العاملة في لبنان، بالإضافة إلى الأموال الطائلة التي يستثمرها الحزب في قطاع العقارات والاراضي، والذي جعل من الضاحية إحدى المناطق الأغلى بأسعار الشقق، مثلاً، بالمقارنة مع مناطق أخرى، في بيروت الكبرى. هذا إذا لم نتكلّم على تعرفة الأقساط، في مدارس حزب الله، كالمهدي وغيرها، التي اصبحت بطبيعة الحال تستجيب لحاجات الطبقة الوسطى الشيعية، وليس للفقراء الشيعة، أو مثلاً المبالغ الطائلة التي يحصلها من خلال المؤسسات الصحية التي يديرها كمستشفى الرسول الاعظم وغيره. كل هذا يثبت أن حزب الله هو حزب الطبقة الوسطى والطبقة البرجوازية الشيعية، وانه يتقاسم النفوذ مع حركة امل عليهما، ولكنه بدون أدنى شك ليس بحزب الفقراء والمحرومين، كما يحاول تصويره الكثيرون، في اليسار القومي والستاليني.
- وبفضل هذه الطبيعة الرأسمالية للحزب، وخاصة بعد الحرب الاسرائيلية على لبنان، في يوليو/تموز ٢٠٠٦، دخل الحزب بشكل فاضح في طور من النمو البيروقراطي البرجوازي، يتمثّل في كثير من الاحيان بمظاهر الغنى التي يظهرها أعضاؤه وكوادره، والفوائد التي يستفيدون منها بالمقارنة مع باقي الناس، من إعانات اجتماعية واقتصادية وصحية ومدرسية وغيرها، ما سيؤدي، بطبيعة الحال، إلى عملية انفصال ما بين هذا الجهاز البيروقراطي، المصلحي، والجمهور الأوسع الذي يعتمد عليه حزب الله، لتأكيد شرعيته السياسية، في الانتخابات، أو في مهرجانات المبايعات السياسية الشعبية. وقد يبدو ظاهراً في بعض الاحيان، وخاصة في الكلام المستتر الذي يقوله مناصروه (غير المستفيدين منه)، ويعبرون فيه عن امتعاضهم من مظاهر الغنى تلك، أو من سياسات التسلّط التي يمارسها أفراده على باقي الناس، في الاحياء التي يسكنونها.13
- وإن هذا الانفصال أو الافتراق ما بين الطبيعة الطبقية لمناصري الحزب وجزء من أعضائه، والكوادر المشكّلة لجهازه القيادي، وخاصة الوسطية والعليا منه، هو التناقض الاساسي، الذي سيواجهه الحزب في المرحلة الحالية واللاحقة. وهذا ما يؤكده، من جانب آخر، استثمار الحزب القوي في اعطاء سياساته غطاء دينياً جهادياً، من خلال بناء الحسينيات، ومن خلال اللباس الطقوسي الذي يُلبسُه لتدخله في سوريا، إلى جانب النظام، هناك، كما من خلال الشعار التحريضي الزائف: «لن تسبى زينب مرتين». إن هذا الاستخدام المكثّف لهذه الطقوس، التي بدت أكثر ظهوراً، هذا العام، مما في الأعوام التي سبقته، يؤكّد ضرورة ضبط القاعدة، من خلال انضباط أيديولوجي وديني يبدو أنه يصبح أكثر فأكثر ضرورة، في واقع محلي واقليمي وعالمي أكثر تفجراً، على المستوى الطبقي.
- وربما، لا يسعنا الجزم بشكل مطلق هنا، بأن القضية الأخيرة التي أثيرت حول اعتذار قناة المنار من السلطات البحرينية، وتنصّل حزب الله من المسؤولية، وطرده لمدير المحطة لاحقاً، قد تكون دليلاً أعمق على مدى تأثير هذا الواقع الطبقي المأزوم، في تشقق الانضباط البيروقراطي للحزب، بما أظهرت من تناقض قائم، ما بين الجهازين السياسي والدعائي للحزب.
- وهذا ما لا يلحظه الكثيرون من اليسار القومي والستاليني، وهو أن الظروف التي شكّلت مساحة تنطلق منها الثورات في المنطقة، هي نفسها الظروف التي تحكم العمل المقاوم، والمناهض للإمبريالية، وأن استمرار هذا العمل ونجاحه، ليس مبنياً فقط على مدى الحماسة التي يتغنى بها البعض بالسلاح، بل يجب أن يتم النظر، أيضاً، إلى مدى قدرة الجهاز الحامل لذلك السلاح على أن يتخطى موازين المصالح التي تحكم هذا السلاح وتوافره، واذا ما كان سينجو، بفعل انحيازه البرجوازي، من التفجرات الطبقية الحاصلة، في بنية المجتمعات العربية والإقليمية.
- وهنا تأتي مسألة الثورة لتعطي بعداً آخر للمقاومة، وتطرح معضلة أساسية على الحالات «المقاومة» الحالية، ومنها حزب الله وحماس وغيرهما، وهي هل يمكن للسلطة الصهيونية أن تتحطَّم، أو أن تتوقف التدخلات الأميركية في المنطقة، أو الاوروبية أو الروسية، وغيرها، من دون أن يكون هناك قطع أساسي مع البنى البرجوازية، التي تشرّع هذا التدخل وهذه الهيمنة؟
- هل سيتخلّى البرجوازي «العربي» عن المصالح التي تجمعه مع البرجوازي الاميركي أو الاسرائيلي، من أجل تحرير فلسطين، أو هل سيتخلى مثلاً النظام الايراني عن ضرورة اندماجه في السوق العالمية للنفط، مثلاً؟
- أو هل سيتخلى النظام السوري عن علاقاته مع النظم الاقتصادية الغربية؟
- أو هل سيتخلى كبار المتمولين السوريين، المدافعين عن النظام، عن علاقاتهم بمتمولين غربيين، أو روسيين، أو صينيين، من أجل تلك المصلحة العربية العليا؟
- بالطبع لا، لأنه لا يمكنهم ذلك، فنحن نعيش في اقتصاد عالمي شديد التشابك، وأسطورة الاكتفاء الذاتي لم تعد سوى أسطورة، فقط لا غير، واثبتت كل تجارب الاكتفاء الذاتي أن أصحابها، بطبيعة الحال، سوف ينحازون، عاجلاً أو آجلاً، إلى قطب من اقطاب الرأسماليات الكبرى في العالم. وهذا ليس بنتيجة انحطاط قيمي لهذه البرجوازيات، بل لأن هذا التشابك المصالحي فيما بينها، وخاصة في معترك الدفاع عن هيمنتها، بوجه صعود الصراع الطبقي، هو من بنية النسيج الرأسمالي العالمي، الذي نعيش في واقعه، الذي لا يزال مسيطراً، وإن يكن يترنح، بوضوح.
- لهذا، لا يمكننا النظر إلى مسألة التحرر من الامبريالية والاحتلال إلا على أساس كونها جزءاً لا يتجزأ من عملية التحرر الاجتماعي، أي أنها تدخل في سيرورة الصراع الطبقي، وليس في حيزه الاقتصادي فقط، كما يخيّل للبعض، بل في حيزه الاقتصادي والاجتماعي والأيديولوجي والثقافي. أي أن مشروعي التحرير والتحرر، ليسا خطوتين في برنامج متلاحق، بل هما جانبان من الصراع نفسه، أي ان تنظيم الطبقة العاملة في المنطقة بأطر مستقلة، وثورية، ليس فقط حاجة من اجل تطوير النضال النقابي/الاقتصادي البحت، بل هو أيضاً خطوة نحو تحقيق تحرير فعلي، وكسر الحلقة التي تعتاش عليها الامبريالية، لتمكّن سيطرتها على المنطقة، وهي تلك المنظومة الرأسمالية، التي تحكم حياتنا جميعاً.
- فالمقاومة الجماهيرية لم تعد مسألة نظرية يستبعدها الكثيرون من الحسبان، لعدم راهنيتها، كما يزعمون، بل اصبحت حاجة وضرورة تاريخية لتحرر شعوب المنطقة، ليس فقط من الاحتلال والامبريالية، بل أيضاً من الدكتاتورية والقمع والاضطهاد والاستغلال، ومن دونها، سيبقى حلم الخلاص الإنساني هذا مجرد أضغاث، لا مشروعاً واقعياً جدياً ينتظر استكمال شروط تحقيقه.
- إن الواقعية، اليوم، لا تكون بالارتهان لنفس البنى التي قامت منذ زمن ليس ببعيد، فدمّرت منظومات المقاومة السابقة، بل باستنباط بنىً تفترق طبقياً، وجذرياً، عن البنى التي أسست للهزائم السابقة. فلقد أنهى حزب الله الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان، ولكنه لن يستطيع أن يستكمل مهمة إنهاء «الاحتلال» و«الهيمنة الامبريالية»، بصورة ناجزة، بفعل طبيعته البرجوازية تلك. لذا ينطرح اليوم سؤال اساسي على كل من يعتبر نفسه/ا ثورياً (أو ثورية) أن يجيب عنه، ألا وهو:
- كيف نتحرر فعلاً من الامبريالية؟
- وكيف تتحرر فلسطين، بالفعل، وليس فقط في مساحات الأوهام المعلقة على أنظمة تخلت سابقاً، وسوف تتخلى لاحقاً، عن أي مشروع يصطدم بمصالح هيمنتها وهيبتها البرجوازية؟
- لذلك كله، إن دعم الثورات، في المنطقة، وفي العالم، ليس مجرد مسألة اخلاقية، بل هو موقف يتخذ من الواقعية اساساً له، لأنه فقط من خلال الثورة يمكن دحر الارتهان، والتبعية، والاحتلال، والقهر، والاضطهاد، والاستغلال، وما ينتجه ذلك من ثقافة مطابقة، وليس من خلال اوهام تبنى على امل ان يقوم جهاز برجوازي ما (عربياً كان أو غير عربي) بحملنا إلى واقع افضل. فنحن نعرف، مسبقاً، انه لن يفعل ذلك، لأن أي واقع شعبي أفضل سيتعارض مع هيمنته ومصالحه. ولن تصنعه، حتماً، بالتالي، إلا الجماهير الثورية، صاحبة المصلحة الجوهرية في التغيير.
الهوامش:
1.عبر صفحته على الفايسبوك، ٤ كانون الاول، ٢٠١٣.
2.- جان شاوول وكريس ماديسن، الارث المرّ لحافظ الاسد في سوريا، الموقع الاشتراكي العالمي، حزيران ٢٠٠٠،
3.احمد نور، يوميات ثورة، الثورة الدائمة، العدد الثالث، اذار/مارس ٢٠١٣
4.أسعد أبو خليل، دعوة للعودة إلى الحرب الأهليّة اللبنانيّة، جريدة الاخبار (اللبنانية)، ١٦ تشرين الثاني ٢٠١٣
5.نصرالله: أصدقاء سوريا لن يسمحوا بسقوطها، جريدة الاخبار (اللبنانية)، العدد ١٩٩٤ الأربعاء ١ أيار ٢٠١٣.
6.نصر الله: سنكون حيث يجب ونحن آخــر المتدخلين في سوريا، جريدة الاخبار (اللبنانية)، العدد ٢٠٢٩ السبت ١٥ حزيران ٢٠١٣.
7.موقع الحزب الشيوعي المصري: http://cp-egypt.com
8.ناهض حتّر، المشرقيّة… كما يراها ليبرالي من جبهة النصرة!، جريدة الاخبار (اللبنانية)، العدد ٢١٥٥ الثلاثاء ١٩ تشرين الثاني ٢٠١٣.
9.خالد حدادة، الاتفاق الإيراني- الغربي… بداية «حروب المساومات»؟، مجلة النداء عدد ٢٢٦، كانون الاول ٢٠١٣.
10.مهدي عامل، مقدمات نظرية لدراسة اثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني، دار الفارابي، ١٩٨٠.
11.المصدر نفسه.
12.Letter of 21/22 September 1890. Cf. also his letters to Schmidt of 5 August 1890 and 27 October 1890, and his letter to Mehring of 14 July 1893.
13.لمزيد من التفاصيل حول غرق حزب الله في المسألة الطائفية، يمكن مراجعة مقالة سيمون عساف، انعطافة حزب الله الطائفية، المنشور، ٢ تموز ٢٠١٣.
