
ميشيل لووي – 1999
ترجمة : غياث نعيسة
(أخذ من الحوار المتمدن – العدد: 767 – 2004 / 3 / 8)
اغتيلت روزا لوكسمبورغ قبل 80 عاماَ ( * ) في ظل حكومة الاشتراكية – الديمقراطية الألمانية . لكن إرثها السياسي يبقى غنياَ بالنسبة لنا لأنه يربط ما بين الالتزام الثوري والأممية والديمقراطية الاشتراكية.
اغتالت وحدات “النخبة العسكرية” روزا لوكسمبورغ مؤسسة الحزب الشيوعي الألماني (رابطة سبارتاكوس) . هذه الوحدات من عصابات الضباط والجنود المعادين للثورة (والتي شكلت لاحقاَ أرضية الدعم المستقبلي للحزب النازي) كانت قد قدمت إلى برلين بطلب واستدعاء من الوزير الاشتراكي – الديمقراطي غوستاف نوسكي بغرض سحق الانتفاضة السبارتاكوسية.
لقد كان مصير روزا لوكسمبورغ ، مثل مصير ايميليانو زاباتا في العام نفسه ، أنها وقعت “ضحية للتاريخ”. لكن جلاديها لم يستطيعوا محو رسالتها الحية دوماَ في “تقاليد المُضَطهدين” ، إن إرثها ، وبشكل شديد الالتحام ، هو إرث ماركسي وثوري وانساني.
تتجلى الإنسانية – الاشتراكية لروزا كخيط أحمر يتخلل مجمل كتاباتها السياسية (مثل مراسلاتها ورسائلها المؤثرة في السجن التي قُرأت أعيد قراءتها من أجيال متعاقبة من المناضلين) في نقد الرأسمالية ، والنظام اللاإنساني ، والنضال ضد النزعة العسكرية، وضد الاستعمار والإمبريالية، ورؤية لمجتمع متحرر، ولعالم خال من الاستغلال والاستلاب والحدود …
السؤال هو : لماذا تستجوبنا دوماً هذه الشخصية التاريخية؟ ولماذا تبقى، بعد أكثر من ثمانين عاماُ على وفاتها، قريبة منا؟ وماذا يجعل من فكرها راهنياُ بشكل مذهل؟
إنني أرى ثلاثة أجوبة على هذه التساؤلات:
الروح الأممية
1- في عصر العولمة الليبرالية الجديدة ، والهيمنة الكونية لرأس المال الكبير ، تبدو قضية ضرورة رد عالمي على هذه التحديات وضرورة عولمة المقاومة ، أو باختصار ضرورة نزعة أممية جديدة أكثر إلحاحاَ اليوم وعلى جدول الأعمال مما كانت عليه في الماضي.
والحال، فإن القليل من الشخصيات التاريخية تعبر بشكل جذري يضاهي روزا لوكسمبورغ عن الفكرة الأممية والدعوة إلى الضرورة الشديدة للوحدة ولتجمع وتعاون وروح الأخوة بين المُستغَلين والمُضطهَدين في كافة البلدان. لقد كانت روزا مع كارل ليبكنخت واحدة من القيادات النادرة الاشتراكية – الديمقراطية الألمانية التي عارضت ” الوحدة المقدسة” خلال التصويت على ميزانية الحرب عام 1914 . وقد دفعتها السلطات الإمبراطورية (بدعم من اليمين الاشتراكي –الديمقراطي) ثمناَ باهظاً على موقفها هذا بزجها في السجن.
حلمت روزا ، في مواجهة الفشل المأساوي للأممية الثانية ، بتشكيل جمعية عمالية عالمية جديدة. والموت وحده هو الذي منعها من المشاركة مع جميع الثوريين الروس في تأسيس الأممية الشيوعية عام 1919 . لقد كان قليل عدد الذين مثلها أدركوا مدى الخطر القاتل على العمال الذي تشكله النزعة القومية والشوفينية والعنصرية وكره الاجانب والنزعة العسكرية ونزعة التوسع الاستعماري والامبراطوري.
بإمكاننا أن ننتقد هذا الجانب أو ذاك من رؤيتها للقضية القومية ، لكننا لا يمكننا أن نشكك بالقوة النبوئية لتحذيراتها واستخدم هنا كلمة “نبوئي” بالمعنى التوراتي الأصيل للكلمة (الذي حدده بشكل واضح دانيال بنسعيد في كتاباته الأخيرة) ، أي ليس بمعنى الادعاء “بالتنبؤ بالمستقبل” بل بمعنى الإعلان عن توقع (استباق) مشروط ، مثل الذي يحذر الشعب من كارثة محققة إن لم يأخذ الشعب طريقاً آخراً.
الاشتراكية أو البربرية
مع نهاية هذا القرن ** الذي كان قرن “التطرفات” (وفق وصف إريك هوبسبوم) ، كما كان أيضاً قرن التجليات الأكثر بربرية في تاريخ البشرية، فإننا لا نملك إلا أن نعرب عن اعجابنا بفكر ثوري بسوية فكر روزا لوكسمبورغ، التي عرفت كيف ترفض الايديولوجية المريحة والامتثالية لمفهوم التقدم المستقيم والقدرية المتفائلة والنظرية السلبية للتطور التي تبنتها الاشتراكية- الديمقراطية ، إنه ذلك الوهم الكبير والخطير- والذي سبق أن تحدث عنه والتر بنجامين في “اطروحاته” لعام 1940 – الداعي ” للسباحة مع التيار” و ترك ” الشروط الموضوعية ” لحالها تحقق مفاعيلها. بإعلان روزا لوكسمبورغ في كراسها لعام 1915 (الموقع تحت اسم جونيوس) عن أزمة الاشتراكية الديمقراطية مع شعارها “الاشتراكية أو البربرية” فهي بهذا تقطع مع مفهوم -من أصل برجوازي أعادت الأممية الثانية تكييفه- يتعامل مع التاريخ باعتباره تقدم لا يمكن مقاومته وأنه حتمي و “مضمون” بفضل القوانين “الموضوعية” للنمو الاقتصادي أو التطور الاجتماعي. وهو المفهوم الذي اختزله جيداّ بليخانوف في قوله بأن” انتصار برنامجنا أكيد وحتمي مثلما هو أكيد وحتمي شروق شمس الغد”! إن هكذا مفهوم يقود إلى السلبية ، فلا يعقل أن يخطر على بال أحد النضال والمخاطرة بحياته من اجل إشراقة شمس الصباح الأكيدة!.
لكن دعونا نرجع قليلاً, لاستكمال الحديث عن مدى الأهمية السياسية و “الفلسفية” لشعار ” الاشتراكية أو البربرية” . فقد ورد مثل هذا الشعار في بعض كتابات ماركس و انجلز ، لكن روزا لوكسمبورغ هي وحدها التي قدمت صياغته الواضحة والصارمة. لان روزا فهمت التاريخ باعتباره سيرورة مفتوحة، سلسلة من “مفترق الطرق” يلعب “العامل الذاتي” – الوعي والتنظيم والمبادرة- للمضطهدين فيه دور حاسم. وبهذا المعنى ، لم يعد هناك داع لانتظار “نضج” الثمرة بفضل “القوانين الطبيعية” للاقتصاد والتاريخ، بل المطلوب هو النشاط والعمل قبل أن يفوت الأوان. لان البديل في الاتجاه الآخر من “مفترق الطرق” هو خطر داهم: انه البربرية. وبهذه الكلمة لا تقصد روزا نوعاً من النكوص إلى ماضي قبلي وبدائي أو “همجي”، بل هي تقصد بربرية حديثة محايثة، قدمت الحرب العالمية الأولى مثالاً صارخاً عنها. وهي بعد أكثر همجية ولا إنسانية من الممارسات الحربية للفاتحين “البرابرة” في نهاية عصر الإمبراطورية الرومانية.
ينقشع شعار روزا لوكسمبورغ على أنه نبوئي . فقد أدت هزيمة الاشتراكية في ألمانيا إلى فتح الطريق أمام انتصار الفاشية الهتلرية ، كما أدت إلى الحرب العالمية الثانية ، وإلى الأشكال الأكثر بشاعة من البربرية الحديثة التي مثلتها محارق اوشفيتز. ولذلك فإنه ليس من قبيل المصادفة أن تعبير “اشتراكية أو بربرية” كان هو راية واحدة من أكثر مجموعات اليسار الماركسي إبداعاً في فرنسا ما بعد الحرب. وهو اسم مجلتها التي أشرف عليها كورنيليوس كاستورياديس و كلود لوفور بين عامي 1950- 1960 .
ما يزال التحذير الذي أطلقته روزا لوكسمبورغ صالحاَ اليوم. فقد ترافقت الحقبة الطويلة لتراجع القوى الثورية – التي بدأنا نخرج منها رويداَ رويداَ- مع تفاقم الحروب والمذابح “وحروب النقاء العرقي”- من البلقان وصولاَ إلى افريقيا- وتنامي العنصريات والشوفينيات والسلفيات من مختلف الانواع التي وصلت إلى قلب اوربا “المتمدنة”.
لكن ثمة خطر جديد يطل برأسه أيضاً، وقد أشار إليه ارنست ماندل في كتاباته الأخيرة. إذ لم يعد البديل في القرن الحادي والعشرين مثلما كان عليه عام 1915 هو إما”الاشتراكية أو البربرية” بل اصبح اليوم هو بين “الاشتراكية أو الموت” نظراَ لمخاطر كارثة ايكولوجية وشيكة سببها التوسع الرأسمالي العالمي ومنطقه المدمر للبيئة. وإذا لم تقم الاشتراكية بوقف هذا السقوط المريع نحو الجحيم ، فإن بقاء البشرية نفسها لصبح معرضاَ للخطر.
الثورة والديمقراطية
لقد تعرضت التيارات السائدة في الحركة العمالية لاخفاق تاريخي : هو الانهيار المزري “للاشتراكية الواقعية” المزعومة، وهي الوريث، من جهة، للستالينية، وللخضوع السلبي – أو الالتحاق النشط ؟- للاشتراكية – الديمقراطية بقواعد اللعب الرأسمالي العالمي ، من جهة أخرى. في مواجهة هذا الوضع ، يبدو البديل الذي تمثله روزا لوكسمبورغ اليوم أنه صالح أكثر مما كان عليه سابقاَ، هذا البديل هو الاشتراكية التي تكون في الآن نفسه ثورية حقيقية وديمقراطية جذرياَ.
أسست روزا لوكسمبورغ ، باعتبارها مناضلة في الحركة العمالية داخل الإمبراطورية القيصرية، الحزب الاشتراكي-الديمقراطي لبولونيا وليتوانيا(حزب منضم لحزب العمال الاشتراكي-الديمقراطي الروسي). وقد انتقدت الميول التي كانت برأيها تسلطية ومركزية لمفاهيم لينين قبل عام 1905 . هذه الانتقادات تتفق في هذا المجال مع انتقادات تروتسكي الشاب في كتابه مهماتنا السياسية (عام 1904) .
في الوقت ذاته ، ناضلت روزا لوكسمبورغ ، باعتبارها قيادية في الجناح اليساري للاشتراكية- الديمقراطية الألمانية، ضد ميول البيروقراطية (النقابية و السياسية) و المجموعة البرلمانية لاحتكار القرارات. كما أنها رأت في الإضراب العام الروسي عام 1905 مثالاَ يجب الاحتذاء به في ألمانيا أيضاً. وهي كانت تثق بمبادرات القواعد العمالية أكثر من ثقتها بالهيئات القيادية للحركة العمالية الألمانية.
كما أنها أهابت في كراس لها كتبته في السجن بانتصار تشرين أول/أكتوبر 1917 ، معتبرته فعل محرر ووجهت تحية إلى قادته جاء فيها : “إن كل الجرأة والحيوية والعناد الثوري والمنطق الذي يمكن لحزب ثوري أن يبرهن عليه يعود الفضل فيها إلي لينين وتروتسكي ورفاقهما، مثلما أن كل الشرف وكل طاقة العمل الثوري ، التي افتقدت لها الاشتراكية –الديمقراطية الألمانية اجتمعت لدى البلاشفة. ولم تفلح انتفاضة أكتوبر حقاَ في إنقاذ الثورة الروسية فحسب، بل أنها أفلحت أيضاً في إنقاذ شرف الاشتراكية العالمية”.
الروح التضامنية التي عبرت عنها روزا لم تمنعها من توجيه النقد لما بدى لها خاطئاً أو خطيراً في سياسة البلاشفة. وذا كان البعض من انتقاداتها ( مثل قضية تقرير المصير الذاتي القومي أو توزيع الأرض) يبقى موضع نقاش وواقعيته ضعيفة. إلا أن البعض الآخر من انتقاداتها التي تناولت فيها قضية الديمقراطية ما يزال صالحاَ وراهنيته مدهشة.
بالرغم من إدراكها ، بسبب الظروف المأساوية للحرب الأهلية والتدخل الخارجي ، لاستحالة إقامة “أرقى أنواع الديمقراطية بضربة ساحر”، لكن هذا لم يجعلها تتردد في لفت الانتباه إلى مخاطر شكل من أشكال الانزلاق الاستبدادي. ولتعيد التأكيد على عدد من المبادئ الأساسية للديمقراطية الثورية: “إن إعطاء الحرية حصراَ لمحابي الحكومة ولأعضاء الحزب فقط- ومهما كان عددهم كبيراّ – هذا ليس بالحرية من شيء . إن الحرية دائماَ وعلى الأقل هي حرية من يريد أن يفكر بشكل مخالف(…) في غياب انتخابات عامة وبدون حرية صحافة واجتماعات غير محدودة ، وبغياب صراع الآراء الحرة ، فان الحياة لا تلبث أن تخبو من كافة المؤسسات العامة، وتتعثر. وتصبح البيروقراطية هي العنصر النشط الوحيد”.
من الصعب عدم الاعتراف بالطابع النبوئي لهذا التحذير. لأن البيروقراطية قامت بعد سنوات، من كتابتها له، بوضع يدها على كل السلطة ، وتخلصت تدريجياَ من كل ثوريي انتفاضة أكتوبر 1917 قبل أن تصفيهم جسدياَ بوحشية.
لا يمكن لإعادة تأسيس الشيوعية في القرن الحادي والعشرين أن تستبعد من أسسها الرسالة الثورية والماركسية والديمقراطية والاشتراكية والتحررية لروزا لوكسمبورغ.
ملاحظات
• كتب ميشيل لووي هذا المقال عام 1999.
** يقصد الكاتب هنا القرن العشرين





