يقول هوبل: لتصفية الشعوب … يُبدأ بانتزاع ذاكرتها وتُتلف كتبها، وثقافتها وتاريخها، فيكتب لها آخرُ كتباً أخرى ويعطيها ثقافة أخرى ،ويبتكر لها تاريخاً مغايراً, وبعدئذٍ تنسى الشعوب شيئاً فشيئاً ماهي عليه وما كانت ،وينساها بسرعة أكبرالعالم الذي يحيط بها ” ،بهذه العبارة المقتبسة من رواية الضحك والنسيان لـ ميلان كونديرا يرفع علي عبدالله سعيد الستار عن روايته {سكر الهلوسة}.
من الطبيعي جداً أنَّ تخضّر أرضٌ وتثمر شجرة بفعل الماء ،لكن الأكثر طبيعية أن ينبت في بلدٍ ما جثث بالمعنى الحي للكلمة بفعل طاغيتها ,وأن تتحول البلاد من أولها إلى أقصاها ,إلى سجن كبير؛فـ حكّام الدول برمتهم في شتى البقاع ,يفصّلون القوانين هنداماً لـ إخفاء عوراتهم وجرائمهم ,وتناسباً لـ جسد مصالحهم وأنظمتهم قبل مواطن دولتهم ,التي هي دولته أيضاً حسب الادعاءات البَّراقة ،ولعبة سن القانون باتت واضحة للعيان ,إنها ضحكٌ على اللحى ,هي في الخفاء من أجل حزبهم وقيادته ،لكن هذا كله لا يمر مرور الكرام في ذاكرة الشعوب لـ تصبح طي النسيان ,بعد أعوام قليلة سيأتي أحدهم ,ربما يكون ذلك الأحد شاعراً ,أو سينمائياً ,وربما يكون مسرحياً أو روائياً ,ويحيي الجثث المتفسخة على الورق ,يدوّنها بصيغته الأدبية حسب مجاله المعمول فيه ، إذ أن الكاتب الحقيقي ,إن جاز القول والتعبيركعادته لم يخونني ,ابنٌ لـ بيئته يكتب ما يراه ومايشعر به و”علي عبدالله سعيد” ابنٌ لـ بيئته ,وأقصد بالبيئة هي بلاده ,وطنه , سوريا الثمانينات ,والآن بكل كوارثه ومجازره.
الكتابة بوصفها رؤيا
كتب الروائي مارآه وماسمعه وعاشه ،إذ دوَّن أيامه بعناية فائقة كـ مُسنّة تنتقي الأحجار من بين فلقات العدس ،باحتراف وحرقة قلبٍ مفجوع ,يسرد تلك الأيام بصيغة اعترافية خطابية ندائية ” يا سلام” تتكرر كلازمة للروي المتسارع, كأنه بذلك يريد إيصال صوته أو كأنه يجتر ذكرى معينة خدشت روحه ,فالكتابة كثيراً من الأحيان تكون حدثاً ترك أثره فينا ومضى ،عن “سلام الجزائري” الموصوفة بـ البغلة المتعالية المغرورة ,وصاحبة إثارة فضائحية من ركبتها إلى عينيها ،هي إحدى شخصيات الرواية تتشكل بمفرداتنا ,المفردات التي نستخدمها في حياتنا العامة مع العوام,دون حاجة الالتجاء إلى بلاغة في التعبير وزخرفة في الجملة ,أوعبارات نستحوذ عليها من قواميس الآخرين .
تقول لي سلام الجزائري “لي” هذا الضمير المتصل عائد على الروائي الذي تجري جلّ الأحاديث على لسانه الحبري ((لا تسجنني في العلاك والتنظير السياسي, أنا امرأة تريد أن تطير في سماوات الكلام وغيره)) ، لكن السياقات الكثيرة ،سياق الأفكار والأحداث ,يستدعي أشخاصاً آخرين ،أشخاصاً ليس بالمعنى الحبري المجفف على الورق ,أو الضوئي الصناعي المجرد من الروح ,لاستكمال أحداث الرواية المبتدئة من الصفحة الـ 1 والمنتهية في الصفحة الـ 315.
أنا كاتبٌ مهوسٌ بالتذكر؛هذا ماقالهُ {إدواردوغاليانو} صاحب كتاب “المعانقات” وكتاب ” شرايين مفتوحة لأمريكيا اللاتينية” ،والتذكر الذي يقصده غاليانو هو ” التاريخ ” ،وكتابة الرواية من وجهة نظري الخاصة ,هي تحصيل حاصل لـ سنوات تآكلت بسرعة ,دون أن نشعر بها ، فجأة نجد أنفسنا على مشارف الموت بمجرد أن نبلغ الستين أوالسبعين من الحياة ،هي تذكرٌ واستحضارٌ لـ مواقف وأحداثٍ تركت أثرها فينا ومضت.الكاتب ــــ الروائي هو شبيه بـ البقال الذي يعود إلى دفتر دينيه نهاية كل شهر أو كل عام ,كي يجرد حساباته لـ يعرف ماله وماعليه ،و كاتب هذه الرواية يعود بذاكرته إلى حقبة زمنية من تاريخ الدولة السورية ,في معرض حديث لـ مجموعة من موظفي إحدى مؤسسات الدولة ،أحدهم يشتم اليهود لأنهم هجّروه من الجولان إلى الشام, ولم يأخذوه بزرقة عينيه معهم إلى تل أبيب.
ويستكمل حديثه مستاءً” يا أخي … كان بإمكانهم أن يأخذوني معهم ،أنا سئمت من العرب ،أكره احتيالاتهم وخداعهم ،الأطفال ،الشباب ، البنات الصغيرات والعجائز،كلهم خِداع… أمّا الحكومة على عيني ثم رأسي ،لا بدّ أن فيها كم بغلٍ مشوهين أخلاقاً وخلقاً ,ويشوهون المواطن بطريقتهم بالترهيب والترغيب بالحكمة والموعظة الحسنة بالحذاء وبالعصا “.
لم تكن غاية علي عبدالله سعيد من كتابة هذه الرواية.. زيادة نتاجه الأدبي المتجاوز لأصابع اليد الواحدة ,أو نيل جائزة أدبية ،بل الغاية كانت السخرية من المقدس واللامُقدس ،فالرواية من إبهامها إلى خنصرها ,ومن رأسها إلى أخمص قدميّها ,فيها طابع السخرية طاغٍ في مناخها ,سخرية من المقدس واللامقدس ,من الواقع بكائناته وأحزابه ” لو كان التاريخ هنا لـ تبوَّل في سرواله إمّا من الخوف وإمّا من الضحك سخرية منّا، من تاريخية تاريخنا العتيد، السخرية من الشعارات الرنانة ،”من يستطيع أن يأخذني من يدي إلى فيء قبلة كي أستظلّ في هذا الوقت المستحمّ بالحمى والإعلانات والشعارات والبيانات العاجلة أو المقتضبة عن آخر المستجدات أو التطوّرات بالغة الخطورة” ، “من القادة قيادات الدولة ” صورة رائعة ،تشبيهٌ بليغ، كناية خلاعية من ينزل رموز دواخلنا عن جدراننا كي نرميها في الغائط” ,”السخرية من العالم “كنت سأغيّر العالم يا سلام ،جاء العالم إلى مبولتي وغيّرني، كما أنه تحدث عن اللغة من الناحية الأيديوجية” لغتي الأم ــــ تعلمني كيف أتملصّ ،كيف أبّرر،إنها لغة تبريرية تبريئية تصنع من مجرم الحرب بطلاً قومياً ،هنا يكمن سّر المهزلة…كأن يقول: لو أعددنا جيّداً… لما هُزمنا تماماً ،بين “جيّداً وتماماً ” ندفن ألف مفردة في المزبلة ، تدفننا ألف جملة في الغائط ،ندفن ألف قتيل إضافي بين المزبلة ،كان يجب أن لا يقتلون هكذا بهذا الرخص، لو لم تكن لغتنا الأم محض لغة تبريرية تبريئية ،هكذا أبرر لنفسي وحسب تربيتي المتعلّقة أو المنسجمة مع انهزامية البورجوازيين الصغار “.
ماذا بعد تلك السخرية؟
أسئلة أخرى يطرحها ،أجوبة أخرى يقدمها تارةً ،يتساءل عن الوطن هل هو” فانتازيا أم مقبرة”,لكنه يجيب نفسه دون أن يترك للقارئ مجالاً للتفكير فيها ” الوطن وهمٌ لذيذ نبريه بالمبراة كقلم الرصاص ثم نرسمه على غبار البراري طيارة من الورق ” ،وتارةً أخرى يتساءل ببراءة “من الذي تعب كثيراً على هندسة هذا الخراب المريع ؟ الأفراد أم الموتى ــ المعارضون أم الحكومات والكوارث المتعاقبة جيلاً بعد جيل ؟
رواية “سكَّر الهلوسة”كُتبت بين{ 1983 ــــ 1986 } لكنها نُشرت عام 2023 , عن دار محترف أوكسجين ـــــ كندا. بعد أن هوجمت من قبل اتحاد الكتاب العرب كمخطوط ,ثم مُنعت من الطباعة لمرّات متعددة.
_نيجرفان رمضان _ الورشة _
هذا وقد صدرت أواخر شهر أيلول الفائت رواية للروائي السوري علي عبد الله سعيد بعنوان «سكّر الهلوسة» عن دار «محترف أوكسجين للنشر» في أونتاريو، بعد 37 عامًا من كتابته لها.

وجاء في كلمة الناشر التالي:
«تتجاوز هذه الرواية زمنَها الحقيقي بين عامي 1983 و1986، لتفرض زمنها الخاصّ، مديدًا وآنيًّا، مليئًا بالأحداث والشخصيات، في حبكة تتخطى فيها كل ما هو تقليدي، ليس تناغمًا مع موضوعها الشائك وعوالمها المركّبة فحسب؛ إنَّما لقدرةِ علي عبد الله سعيد على إحداث الدهشة منذ السطر الأول: (هاربًا من الجحيم اليوميّ). ولتمضي لعبة السرد على مدار تسعة فصولٍ يطارد فيها البطل هروبه إلى ما يتوق إليه وينفلت منه، إلى ما يجعلُه يصارع مصائره بضعفه وهشاشته، بتأمّلاته الفلسفية، بتوْقه المتجدّد للحبّ والامتثال الكامل للجسد، باقتحامات وتصادمات وهلوسات تتجلى في غرفٍ مظلمة، وفي شوارع تتربّص بالعابرين إلى خلواتهم في زمن الحرب، وفي دهاليز المؤسّسة بجدرانها الصمّاء ومكاتبها الضيّقة، وبموظّفيها وطقوسهم المجنونة، في محاولةٍ لدرء تصدّعات الحياة».
وواجهت الرواية الكثير من المنع والتغييب لكي تصل إلى مرحلة الطباعة، ولتخرج إلى النور طازجة، كما لو أن علي عبد الله سعيد انتهى من تأليفها توًا. لذا فإن البعض يصفها بأنها رواية عصيّة على الزمن.
الخط الأمامي
