افتتاحية العدد 68 من جريدة الخط الأمامي ، لسان حال اليسار الثوري في سوريا
في سياق عالمي وإقليمي ومحلي ازداد اضطرابًا عما كان عليه، تمر الذكرى 12 للثورة السورية. هذه الثورة الشعبية العظيمة التي هزمها تكالب الأطراف المتعددة، والمقابلة فيما بينها للثورة المضادة، وأغرقتها في بحور من الدماء والخراب. وكان واضحًا جدًا هذا الاحتضار المتسارع للثورة السورية بحلول عام 2013.

تكلفة هزيمة الثورة السورية كان، وما يزال، باهظًا جدًا؛ خراب مهول لعدد كبير من المدن والضواحي والقرى، وتحطيم واسع للبنى التحتية التي كانت توفر حدًا معينًا لحياة الناس وملايين من اللاجئين والنازحين، وما يقارب المليونين من القتلى ومشوهي الحرب، وعدد لا يحصى من الجرحى، ونحو ربع مليون من المعتقلين والمخطوفين والمغيبين. وتحول الغالبية العظمى من السوريين إلى حافة العوز وتحت خط الفقر المدقع. وازدهار طغمة من أمراء الحرب والبرجوازية التي انتعشت بنهش ما تبقى من رمق للشعب السوري.
رغم أن تكلفة الثورة المهزومة، هائل ومروع. لكن يبقى حيًا وقائمًا نهوض احتجاج جماهيري، هنا أو هناك، وتزايد حماس عام للسوريين بالاهتمام بالشأن العام تحت أشكال متعددة: سياسية واجتماعية وإعلامية، وتقلص حاجز الخوف من التعبير عن الآراء إلى حدوده الدنيا، مع بقاء رغبة جامحة لدى غالبية السوريين للعيش بسلام وحرية وكرامة، إضافة إلى وجود مشروع الإدارة الذاتية في شمال شرق البلاد حاملًا بديلًا متقدمًا، ومختلفًا تمامًا عن غيره، مما هو قائم لدى نظام الطغمة أو مناطق الاحتلال التركي.
في مواجهة هذا الوضع المركب والتعامل معه، تنقسم مواقف بعض الأطراف اليسارية والديمقراطية السورية إلى ثلاثة أنواع:
الأول، انطلق من مقولة أن الوضع العام هو وضع هزيمة وردة رجعية. ومن ثم، لا يوجد ما يمكن فعله، فانكفؤوا، ووقفوا متفرجين، بانتظار تحسن الشروط.
أما الثاني، فيعد الثورة ما تزال حية ومستمرة، وبعضهم يعد أي حراك مدني، مثلًا، بوصفه حراكًا ثوريًا، ودليلًا عليه، فانغمس في الصدح الفارغ عن الثورة منفصلًا عن الواقع. والبعض، بوعي تام، يرتزق بأشكال عدة من هذا، بانتهازية ونفعية رخيصة.
في حين أن الموقف الثالث، الذي نتبناه، فهو يأخذ بعين الاعتبار الهزيمة القاسية للثورة وأننا نمر في مرحلة الردة الرجعية، لكنه يرى، رغم ذلك، أن هذا لا يعني أن نستسلم إلى هذا الواقع التعيس، أو ننحط إلى الأشكال الانتهازية الشائعة، بل يدعو إلى الانخراط في كل النضالات الشعبية مهما كانت جزئية ومطلبية، وتوحيدها، ورفع سويتها، والعمل على بناء الجبهات المتحدة، بالارتكاز على الإدارة الذاتية، للعمل المشترك في القضايا الأساسية التي نرى أن الواقع يطرحها علينا، وهي: السلام والقضايا الإنسانية، استعادة وحدة البلاد من طريق التغيير الديمقراطي وبناء نظام ديمقراطي لامركزي، إخراج جميع قوات الاحتلال واستعادة الشعب السوري لاستقلاله وحريته ومصيره، والعدالة الاجتماعية.
الحال، فإننا لا ننسى درسًا مهمًا هو ضرورة مواصلة العمل على بناء الحزب العمالي الثوري الجماهيري، وهو ما نقوم به في كل الظروف أيًا كانت.
في خضم هذا الصراع التحرري العظيم، ورغم قسوة الظروف الراهنة، تبقى شعلة الإرادة بالتحرر ملتهبة لدى عموم السوريين، فالشعب الكردي، أصبح يحتفل بحرية بعيد النوروز، بعد حرمان طويل. وتلتقي إرادة الجماهير السورية أيًا كان انتمائها القومي أو الديني أو المناطقي، على مواصلة كفاحها من أجل تحررها الشامل.
آذار / مارس 2023
