
الخط الأمامي – هيئة التحرير
الجمعة، 9 يناير 2026
«لا تخافوا، نحن جميعاً معاً»؛ بهذا الهتاف الذي قادته شابة إيرانية متمردة، خلعت حجابها القسري وسط “البازار الكبير” في طهران، انطلقت شرارة موجة ثورية جديدة تهز أركان نظام الملالي. لم يكن هذا الهتاف مجرد صرخة في وجه القمع، بل كان إعلاناً عن عودة الجماهير إلى الشارع في مواجهة نظام غارق في أزماته البنيوية وتناقضاته الطبقية.
أدى الانهيار الدراماتيكي للريال الإيراني إلى اندلاع أكبر موجة احتجاجات منذ انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022. ففي 28 ديسمبر، انتفض كبار وصغار الكسبة في البازار، وأغلقوا محالهم التجارية احتجاجاً على سياسات الإفقار. وخلال 72 ساعة فقط، اتسعت رقعة الغضب لتشمل أكثر من 21 محافظة. ومن مترو مشهد إلى بلدة فرسان الصغيرة، توحدت الحناجر خلف شعار «الموت للديكتاتور»، مستهدفةً جوهر النظام القائم منذ 46 عاماً.
الجامعات: تحولت الى قلاع المقاومة والتحرر
لم يتأخر الطلاب، بوصفهم شريحة مقاومة نشطة، عن الالتحاق بركب الثورة. من طهران إلى تبريز، تدفقت المسيرات الطلابية مطالبةً بإنهاء الفقر والفساد السلطوي. وأعلن ناشطون في جامعة “خواجة نصير” بصريح العبارة: «سنمضي حتى إسقاط الديكتاتور».
هذه الانتفاضة هي الوريث الشرعي لنضالات النساء اللواتي يواصلن تحدي قوانين القمع الأبوي، رافعات شعارات «لا حجاب، لا نقاب، حرية ومساواة»، مؤكدات أن تحرر المرأة هو جزء لا يتجزأ من التحرر الاجتماعي والسياسي الشامل.
جذور التمرد: صراع طبقي لا يتوقف
إن ما تشهده إيران اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو استمرار لسلسلة من الانتفاضات التي خاضتها الطبقة العاملة والمضطهدون على مدار العقد الماضي:
2017-2018: انتفاضة الجياع والعمال الذين طالبوا بـ «الخبز والعمل والحرية»، وبروز المجالس العمالية في معامل قصب السكر (هفت تبه).
2019: انتفاضة الوقود التي واجهها النظام بمجازر دموية.
2021-2022: احتجاجات العطش في خوزستان وإضرابات عمال النفط، وصولاً إلى الانفجار الكبير عقب استشهاد الشابة الكردية “جينا (مهسا) أميني”.
اليوم، يعيش 70% من الإيرانيين تحت خط الفقر، في حين يراكم “أباطرة النفط والصلب” والنخب العسكرية في الحرس الثوري مليارات الدولارات من عرق العمال. إن النظام الإيراني ليس “مقاومًا”، بل هو نظام رأسمالية دولة ديكتاتوري بمسحة ثيوقراطية، يمارس أبشع أنواع التقشف ضد الفقراء لتمويل أجهزته القمعية ونزعته الإمبريالية.
نظام في مأزق
يعيش النظام أزمة غير مسبوقة. محاولته تلميع صورته عبر انتخاب “الإصلاحي” مسعود بزشكيان فشلت سريعاً؛ فميزانيته الجديدة لم تكن إلا إمعاناً في الحرب على لقمة عيش العمال، عبر رفع الضرائب وزيادة أسعار الوقود، مقابل ضخ الأموال في ماكينة البروباغندا الدينية.
علاوة على ذلك،تسببت حرب ال12 يوم التي خاضتها إيران مع الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية بتسارع الإنهيار الاقتصادي والذي بدء منذ عقود بفعل العقوبات الأمريكية والغربية التي تلت سقوط نظام الشاه وهزيمة الثورة الإيرانية وصعود الثورة المضادة 1979 ، تلقى النظام مؤخراً صفعات مهينة من الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني، اللذين استهدفا البنية التحتية والمنشآت النووية، مما زاد من معاناة الشعب الإيراني نتيجة الانهيار الاقتصادي.
إننا في “حزب اليسار الثوري”، في الوقت الذي نرفض فيه بشدة الاعتداءات الصهيونية والإمبريالية على إيران، نؤكد أن حماية إيران لا تكون بالاستبداد والفساد، بل بتمكين الشعب من سلطته وثرواته.
إن سقوط ديكتاتورية بشار الأسد في سوريا -حليف طهران الأبرز-، رغم بشاعة بديله الترميدوري الذي نقاومه، قد زاد من عزلة النظام الإيراني وهشاشته، وكسر هيبة “محور القمع” الذي ساهم في ذبح ثورات المنطقة،.
قوى التغيير : نحو وحدة نضالية
تتميز الموجة الحالية بديناميات هامة:
انشقاق القاعدة التقليدية: انضمام “البازار” للاحتجاجات يعكس تصدع التحالف التاريخي بين التجار ورجال الدين، بعد أن ابتلعت الطغمة العسكرية (الحرس الثوري) مفاصل الاقتصاد.
ثورية الطلاب: استعادة الجامعات لدورها كساحات نضال واحتلال للمباني وتحدٍ لقوات الأمن.
الطبقة العاملة هي الطبقة القادرة على الحسم: يبقى عمال النفط والغاز في “عسلويه” وغيرها هم القلب النابض للثورة. إن إضراباتهم هي السلاح الأمضى لتركيع النظام. وكما رد اتحادهم المستقل على محاولات التهدئة الحكومية: «نحن العمال وأنتم الناهبون لسنا في قارب واحد».
ذاكرة الجماهير والدروس المستفادة من هزيمة الانتفاضات السابقة
لا يخفى على الطبقة العاملة الإيرانية بعد الانتفاضات العديدة التي خاضتها ، وجود تيارات للمعارضة الليبرالية ، والشاهية، المرتبطة بالإمبريالية الأمريكية والصهيونية ومحاولتها المستمرة للصعود على ظهر أي حراك جماهيري ، كما فعلت خلال كل الانتفاضات السابقة ، ولا يخفى عليها أن مشاريع هؤلاء انقلابية رجعية تهدف للحفاظ على النظام الرأسمالي واسقاط سلطة الملالي دون المساس بطبيعة النظام
وأيضاً لا يخفى عليها الترقب الأمريكي والصهيوني لأي فرصة مواتية لتوجيه ضربة قاضية ومدمرة تستهدف الشعب الإيراني وبناه التحتية والفوقية وقطع طريق التحرر في وجهه
ولكن انخراط شرائح واسعة من العمال والطلبة والفئات الكادحة هو الذي سيرسم الطريق نحو تجذير الانتفاضة ورسم أفق اشتراكي لها ، يحررهم من الاستبداد الداخلي ويحميهم من الثورات المضادة والعدو الخارجي ، مما يجعل من صراع الطبقة العاملة الإيرانية نحو التحرر صراعاً متعدد الجبهات، بمهام مركبة ديمقراطية واجتماعية وسياسية، بنفس الوقت لا يمكن خوضه والانتصار به إلا مع أعلى قدر من التنظيم السياسي العمالي الذي يراكم انتصارات الانتفاضات الجماهيرية المتتالية ويتعلم من دروسها، ويبني حد فاصلاً يحمي التغيير الثوري التحرري من أي انقلاب داخلي أو خارجي .
رؤيتنا في حزب اليسار الثوري في سوريا
إننا نقف بلا تحفظ إلى جانب كفاح الشعب الإيراني من أجل إسقاط نظام الملالي الرأسمالي. إن عدو الجماهير في طهران هو نفسه عدو الجماهير، من الانظمة الحاكمة والقوى الامبريالية، في دمشق وبيروت وعمان والقاهرة وفلسطين…
نرفض التبريرات التي يسوقها “يسار الاستبداد” بدعم النظام الإيراني تحت حجة “الممانعة”؛ فلا يمكن أن يكون المرء ثورياً وهو يبرر قمع العمال والنساء.
نحذر من محاولات القوى الإمبريالية واليمينية الموالية للغرب لركوب موجة الاحتجاجات لفرض أجندات تخدم مصالح واشنطن والشركات الكبرى.
إن خلاص الشعب الإيراني لن يكون إلا بأيدي عماله وكادحيه ونسائه وشبابه الثائر، من خلال بناء بديل اشتراكي وديمقراطي ينهي سلطة العمامة والرأسمال معاً.
عاشت نضالات الشعب الإيراني.. والموت للديكتاتوريات كافة!
