
الخط الأمامي _ هيئة التحرير
في عالمٍ تنهار فيه منظومات “السيادة” الورقية وتتحكم فيه مخابرات الأقطاب الكبرى، تبرز أحداثٌ متلاحقة تفرض علينا، كيسار ثوري، وقفة نقدية جذرية. فبينما يشهد العالم فصلاً جديداً من فصول “البلطجة الدولية” بسقوط قادة وأنظمة بطرق مريبة، تثير التساؤل: هل نحن أمام تحرر للشعوب، أم أمام نظام عالمي جديد يكرس “القرصنة” كبديل للقانون الدولي؟
رحيل مادورو وسقوط “الورثة الفاشلين”
إن رحيل نيكولاس مادورو بطريقة مريبة، وهو الذي استلم إرث هوغو تشافيز الكاريزماتي ليحوله إلى سلطة نهب وأوليغارشية فنزويلية، يعيد التذكير بدرس تاريخي تكرر مع عبد الناصر وكاسترو: إن السلطة التي لا تنبع من تنظيم شعبي ديمقراطي حقيقي، وتعتمد على “القائد الملهم” أو “الوريث الأمني”، هي سلطة محكومة بالانهيار.
لقد نهب مادورو مقدرات فنزويلا، وساهم في إفقار الطبقة العاملة التي كان يدّعي تمثيلها، لكن طريقة رحيله –بمعزل عن عدالة الثأر منه– تضع سابقة خطيرة في “كسر قواعد سيادة الدول”. إن الفرح بسقوط الطغاة لا يجب أن يعمينا عن الوسيلة؛ فإذا كانت “القرصنة” هي من تُسقط الحكام، فإن من سينصب الحاكم القادم هو “القرصان الأكبر” وليس الشعب.
سابقة خطيرة: هل أصبح “الاختطاف” أداة سياسية؟
ما حدث مع مادورو يفتح الباب أمام تساؤلات مرعبة حول مستقبل ما يسمى “الدول المستقلة” في العالم الثالث:
- هل سنرى بوتين يطبق “عملية كوماندوز” لخطف زيلينسكي من قلب كييف؟
- هل ستمارس الصين “الإسقاط المظلي” لضرب ديمقراطية تايوان؟
- هل ستتحول طائرات الأباتشي الإسرائيلية إلى أداة لـ”سحب” المسؤولين من غرف نومهم (كما يُطرح في احتمالات تخص الواقع السوري)؟
هذه ليست مجرد فرضيات، بل هي ملامح نظام عالمي جديد حيث القوة العارية هي القانون الوحيد. وفي هذا النظام، يُدفع بالشرق الأوسط ودول العالم الثالث إلى “مؤخرة القافلة”، حيث تُقاس الشرعية بمدى التبعية للقطب المهيمن، وليس بالالتزام بدستور ديمقراطي أو قيم إنسانية.
لا عزاء للتبعية
إن الفرح بسقوط الطغاة (مادورو، لأسد، الجولاني، أو غيرهم) هو شعور إنساني محق، لكنه لا يجب أن يتحول إلى صك غفران للقوى التي أسقطتهم. إن “الشرعية” لا تُستمد من طائرة أباتشي أجنبية ولا من مباركة استخباراتية إقليمية، بل من الداخل الثوري المنظم.
عالمنا اليوم لا يحترم إلا الأقوياء المنظمين. وبدون بديل ثوري ديمقراطي، سنبقى مجرد “ساحات” لتصفيات الحسابات بين الأقطاب الإمبريالية، نتحول فيها من “احتلال ببدلة عسكرية” إلى “احتلال بالوكالة”، ومن ديكتاتورية “الوريث” إلى فوضى “القرصان”.
في نقد “الاتساق” الصوري: سوسيولوجيا الوعي المأزوم
ينطلق الخطاب الليبرالي المنهزم من محاولة فرض “اتساق صوري” (Formal Consistency) يزعم أن الموقف السياسي هو مجرد مسطرة أخلاقية تُطبق بآلية عمياء على ظواهر تاريخية متباينة. هذا النوع من التفكير يمثل ذروة “التشييؤ” (Reification) بالمعنى اللوكاشي، حيث تُنتزع الظواهر من سياقها الطبقي وحركتها التاريخية لتصبح “أشياء” جامدة (مادورو، الأسد، ترامب). إن “الاتساق” الحقيقي في الاشتراكية الثورية لا يعني الوقوع في فخ المساواة الميكانيكية بين جلاد محلي يمثل أزمة “رأسمالية الدولة” وبين قوة إمبريالية تسعى لإعادة صياغة العالم وفق مصالح التراكم الرأسمالي العالمي. إننا لا نقايض استبداداً بآخر، بل نكشف أن هذا الاتساق المزعوم هو “فخ أيديولوجي” يهدف إلى نزع السلاح من يد الجماهير عبر إيهامها بأن رفض البلطجة الدولية يفرض عليها الصمت تجاه القمع المحلي، وهو منطق تبريري يخدم في النهاية القوى المهيمنة وحدها.
الإمبريالية كضرورة بنيوية: تجاوز التفسير السلوكي والاختزالي
تخطئ القراءات الليبرالية حين تعرّف الإمبريالية بوصفها “نزوة” سياسية أو “بلطجة” عارضة لزعيم ما، بينما هي في جوهرها العلمي، تمثل طوراً متقدماً من التراكم الرأسمالي. إنها نظام اقتصادي-سياسي عالمي يعتمد على تصدير الرأسمال والبحث الدائم عن مجالات حيوية لامتصاص الفائض. لذا، فإن التدخل الأمريكي في فنزويلا أو سوريا ليس “خياراً أخلاقياً” لتصحيح انتهاكات، بل هو استجابة لحاجة بنيوية لإخضاع المناطق التي خرجت عن السيطرة المباشرة أو التي تمثل عائقاً أمام تدفق الاستثمارات والنهب المنظم. عندما نرفض هذا التدخل، فنحن لا نرفضه كـ “سلوك” بل كـ “نظام” يهدف إلى سحق قدرة الشعوب على تقرير مصيرها الاقتصادي، وهو رفض لا يحتاج لموافقة المستبد المحلي ليصبح مشروعاً.
جدلية السيادة: من الدولة البيروقراطية إلى الإرادة الشعبية المستقلة
يتم استهلاك مفهوم “السيادة” في السجالات السياسية ككتلة صماء، فإما أن تكون “مقدسة” لحماية الديكتاتور، أو “هراءً” لتبرير الغزو. التفكيك الثوري لهذا المفهوم يكشف أن السيادة في ظل الأنظمة البيروقراطية هي “سيادة مغتصبة” من قبل نخب رأسمالية الدولة؛ غير أن نقض هذه السيادة لا يجب أن يأتي من “الخارج الإمبريالي” الذي لا يعترف أصلاً بسيادة الشعوب، بل بالسيادة من أسفل. إننا نرفض التدخل الخارجي ليس دفاعاً عن حدود الدولة القمعية، بل حمايةً لـ “المجال السياسي” الذي يجب أن تتحرك فيه الطبقة العاملة لتصفية حساباتها مع مستبديها. إن كسر “السيادة” من قبل الإمبريالية يعني بالضرورة تدمير إمكانية التنظيم الذاتي للجماهير وتحويل الصراع الطبقي إلى صراع وكالات دولية، مما يجعل الجماهير مجرد “كومبارس” في مسرحية إعادة تقسيم النفوذ.
الفيتيشية التقنية والوعي بالتبعية: هل “كلنا إمبرياليون”؟
إن الادعاء بأن استخدام أدوات الإنتاج الرأسمالية (مثل منصات التواصل) يجعل الوعي المناهض للإمبريالية “عفناً” أو “متناقضاً” هو سفسطة تهدف إلى تمييع الفوارق الطبقية. هذا المنطق يخلط بين “الاندماج الموضوعي” في السوق العالمي وبين “الانحياز الذاتي” لمصالح الرأس مال. تاريخياً، استخدم العمال المكننة التي اخترعها الرأسمالي لتنظيم إضراباتهم، واستخدم الثوريون المطابع التي صُنعت في ظل الملكيات للإطاحة بها. إن تحويل “الناشطية” إلى مجرد “إنتاج بيانات” لصالح وادي السليكون هو قراءة تقنية سطحية تتجاهل كيف يمكن تحويل هذه الأدوات إلى منصات للتحريض العمالي. إن القول “كلنا إمبرياليون” هو صرخة اليائس الذي يريد تعميم شعوره بالعجز، محاولاً إخفاء الحقيقة المادية التي تقول إن هناك “ناهبين” يملكون السلاح والمال، و”منهوبين” يملكون فقط قوة عملهم وإرادتهم في التغيير.
ثنائية “الاستبداد واليمين المتطرف”: الابتزاز التاريخي لليسار
يمارس الخطاب الليبرالي نوعاً من الابتزاز الفكري عبر المقارنة بين “شر الأسد” و”شر الجولاني”، ليخلص إلى أن غياب البديل الديمقراطي يبرر القبول بالتدخل الخارجي أو التحسر على النظام القديم. التحليل المادي يثبت أن هذه القوى المتطرفة ليست نقيضاً للنظام، بل هي “ظله” المشوه. الاستبداد هو الذي يحرث الأرض لنمو التطرف عبر سحق المنظمات النقابية والسياسية المستقلة، والإمبريالية هي التي تمول هذه الفوضى لإضعاف المجتمعات. إن غياب “قوى السلام والديمقراطية” ليس صدفة تاريخية، بل هو هدف استراتيجي لثنائية (الاستبداد/الإمبريالية) لإقناع الجماهير بأنه لا خيار أمامها سوى “القبول بالجلاد الذي تعرفه” أو “الغازي الذي يعد بالحرية”. البديل الثوري يُبنى بالقطيعة مع الطرفين، وليس بالانضواء تحت عباءة أحدهما.
أوهام الديمقراطية الاجتماعية في المحيط: سراب الاستقرار الليبرالي
يتحدث البعض عن “الديمقراطية الاجتماعية” كأنها بضاعة يمكن استيرادها، متناسين أن هذا النموذج في الغرب كان نتاجاً لتسوية تاريخية بين الرأسمالية والطبقة العاملة، بتمويل جزئي من النهب الاستعماري لدول الجنوب. في سياق “الرأسمالية التبعية” في سوريا أو فنزويلا، لا تملك البرجوازية المحلية ولا النخبة البيروقراطية الفائض المالي أو الإرادة السياسية لتقديم تنازلات ديمقراطية حقيقية. إن المطالبة بـ “قوى ديمقراطية اجتماعية” وسط غابة من التدخلات الإمبريالية والتوحش الاستبدادي دون الدعوة لثورة اجتماعية جذرية هو نوع من “اليوتوبيا البرجوازية” التي تبيع الأوهام للجماهير بينما يتم سحقها تحت وطأة صندوق النقد الدولي أو براميل النظام المتفجرة أو مجازره المتنقلة.
المركزية الأوروبية ونقد “الحداثة” الإمبريالية
تختبئ خلف دعوات “واقعية النظام الدولي” مركزية أوروبية مقيتة ترى في الفعل الأمريكي “حضارة” حتى لو كانت “انتهاكاً”، وفي المقاومة المحلية “عفناً” أو “شعبوية”. هذا الخطاب يعيد إنتاج مقولة “الرجل الأبيض” الذي يأتي ليتدخل في شؤون “البرابرة” الذين لم يحسنوا إدارة بلادهم. لكن التحليل الاشتراكي الثوري يقول أن حداثة الإمبريالية هي حداثة الدم والنفط، وأن “شعبوية” مادورو أو غيره، برغم عيوبها البنيوية ورأسماليتها الدولتية، لا تُعالج بالعودة إلى حظيرة التبعية الكولونيالية، بل بتجاوزها نحو “أممية اشتراكية” حقيقية تعيد الاعتبار للإنسان الفرد كفاعل تاريخي وليس كمادة خام في صراع المحاور.
هندسة الخراب: خديعة “تغيير الأنظمة” من الخارج
تثبت التجربة التاريخية المعاصرة أن “تغيير الأنظمة” بقيادة واشنطن لا يؤدي إلى تحرر طبقي، بل إلى “هندسة خراب” منظمة. الهدف من هذه التدخلات ليس إزالة الاستبداد، بل استبدال “النخبة غير المطيعة” بـ “نخبة وكيلة” تضمن فتح الأسواق وخصخصة القطاع العام وتفكيك القوانين العمالية. إن من يرحب بالتدخل الأمريكي بدعوى الخلاص من المستبد، إنما يدعو ذئباً لإنقاذ الغنم من الثعلب. إن ثمن هذا “الخلاص” هو رهن مستقبل الأجيال القادمة للديون الخارجية وللشركات عابرة القارات، وهو ما يشكل انتهاكاً أعمق وأطول أمداً من مجرد وجود حاكم دكتاتوري يمكن للجماهير أن تطيح به في لحظة ثورية.
في نقد “الناشطية النيوليبرالية”: اختزال السياسة في المشهد
لقد تحولت “الناشطية” في العقد الأخير إلى “مهنة” مرتهنة للمنظمات غير الحكومية (NGOs) التي تعمل ضمن سقف النظام الدولي. هذه الناشطية تفرغ الصراع من محتواه الثوري وتحوله إلى “قضايا” جزئية ومنفصلة عن صراع الطبقات. عندما ينتقد ناشط ليبرالي ما “يسار الفيسبوك”، فإنه يهاجم ظلاً ويترك الأصل؛ الأصل هو غياب التنظيم السياسي المرتبط بالمعامل والأحياء الشعبية. الناشطية الرقمية التي لا تستند إلى قاعدة مادية هي بالفعل مجرد “بيانات قابلة للبيع”، لكن الرد عليها ليس بالارتماء في أحضان الواقعية الإمبريالية، بل بالعودة إلى “الأرض” وبناء أدوات المقاومة الشعبية القادرة على مواجهة الرصاص، لا فقط خوارزميات وادي السليكون.
آفاق الفعل الثوري: نحو قطيعة معرفية وسياسية شاملة
إن المهمة الملحة لليسار الثوري اليوم هي إحداث “قطيعة معرفية” مع خطاب الهزيمة الذي يسوي بين المستعمر والمستبد. إن طريقنا ليس طريق “محور ضد محور”، بل هو طريق “التحت ضد الفوق”. إننا نرفض النظام الدولي لا لأنه “ينتهك السيادة” فحسب، بل لأنه نظام قائم على استغلال الإنسان للإنسان. الاتساق الحقيقي هو أن تكون عدواً لترامب وبشار ومادورو والجولاني في آن واحد، انطلاقاً من رؤية ترى في الجماهير العاملة هي القوة الوحيدة القادرة على تطهير العالم من “عفن” الرأسمالية، سواء تجلت في هيئة قنبلة ذكية أمريكية أو في هيئة سجن دكتاتوري مظلم. لذا إن الرد الفعّال الوحيد على الهجوم الأميركي سيأتي من الأسفل، وقبل كل شيء من جماهير الطبقة العاملة في فنزويلا وفي سائر المنطقة. إن معارضة هذه الهجمات لا تعني بأي حال دعم نظام مادورو الاستبدادي الفاسد. وحدها جماهير فنزويلا، ذات التاريخ الثوري الطويل، لها الحق في إزاحته. ويجب أن تحظى بدعم حركة تضامن عالمية مع الشعب الفنزويلي.
يا عمال العالم والمضطهدين.. إن خلاصنا ليس في استبدال الأسياد، بل في إنهاء عصر العبودية بجميع أشكالها!
