
بقلم: هيئة التحرير _ الخط الأمامي
يسود في أوساط الناشطية السياسية، وجزء كبير من المعارضة الليبرالية والقومية، خطاب عاطفي يرفع من شأن “الشعب” الواحد والموحد إلى مرتبة القداسة. خطاب يرى في هذه الكتلة البشرية كياناً متراصا منزهاً عن النقد وعن الطبقات الاجتماعية المتناقضة المصالح ويتجاهل وجود قوميات متعددة، ويطالب بـ “احترام خيارات الشعب” و”عدم الاستعلاء عليه”. إلا أن هذه الرومانسية السياسية، التي تبدو في ظاهرها ديمقراطية، تخفي في جوهرها أداة من أدوات الهيمنة الأيديولوجية التي طالما استخدمتها الأنظمة القمعية والتيارات الفاشية لتمرير مشاريع الإبادة والحروب.
إننا في حزب اليسار الثوري، وانطلاقاً من منهجنا المادي الجدلي، نرى ضرورة ملحة لتفكيك مفهوم “الشعب” (Le Peuple) الذي يتمثل ” الشعب” ككتلة واحدة متجانسة، وفضح المخاطر الكامنة خلف “الوحدة الوطنية” الزائفة، لصالح فرز طبقي واجتماعي حقيقي يعيد للصراع السياسي معناه.
“الشعب” الواحد الموحد كأداة قمع أيديولوجية
إن “الشعب” ليس معطى طبيعياً، ولا هو كائن بيولوجي وجد منذ الأزل. إنه، في التحليل الأخير، بناء سياسي (Political Construct) ومفهوم تستخدمه السلطة -أي سلطة- لطمس التناقضات الطبقية. عندما تتحدث الأنظمة الديكتاتورية، أو حتى التيارات الشعبوية، عن “الشعب”، فهي تسعى لدمج الجلاد والضحية، الرأسمالي والعامل، الجنرال والمجند، في بوتقة واحدة تخدم مصالح الفئة المسيطرة، في حين انه يعني بالنسبة لنا الطبقات الشعبية المضطهدة والمستغلة الواعية والمنظمة.
التاريخ القريب والبعيد يعلمنا أن “الشعب” -ككتلة محشوة بالأيديولوجيا السائدة- لا يستحق الاحترام بالمطلق. فقد تكون هذه الجموع هي نفسها وقود الفاشية، وهي الهتافة للحروب القومية، وهي الأداة التي يُباد بها “الآخر”. ألم تكن الجموع “الشعبية” هي الرافعة للنازية؟ ألم يُسحق الكرد وغيرهم من القوميات في منطقتنا تحت هتافات “الشعب العربي الواحد”؟
من “الوطنية” إلى “الحرب الأهلية”: الدرس البلشفي
ثمة تراث ثوري عريق، يحاول الليبراليون طمسه، يقوم على نقد مفهوم الجموع والحشود وتحطيم أصنام الوطنية. لقد أدرك البلاشفة الأوائل، وعلى رأسهم لينين، أن “الوحدة الوطنية” في ظل الحروب الإمبريالية هي فخ للطبقة العاملة.
حين دقت طبول الحرب العالمية الأولى، ودعت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية (المرتدة) عمالها للدفاع عن “أوطانهم” وشعوبهم، رفع البلاشفة شعاراً صادماً ولكنه جذري: “تحويل الحرب الإمبريالية بين الشعوب إلى حرب أهلية ضد الطبقة المسيطرة”. كان هذا يعني بوضوح تدمير “وحدة الشعب” المفترضة والموهومة. فالسلام الحقيقي وإنهاء المجزرة لا يمر عبر الاصطفاف خلف راية الوطن الموحد، بل عبر تفكيك هذا الوطن طبقياً، وتوجيه السلاح إلى صدور الجنرالات والبرجوازية المحلية بدلاً من توجيهه لعمال الدولة الأخرى. إن تحطيم هيكل “الشعب الواحد” هو الشرط المسبق للتحرر.
ضد “الواحدية”: التعددية الثقافية وحق تقرير المصير
إن تقديس “الشعب” الواحد يقود بالضرورة إلى الشوفينية وإلغاء الآخر. في السياق السوري، استُخدم مفهوم “الشعب السوري الواحد” (الذي غالباً ما يُلحق بالهوية العربية حصراً) كأداة لقمع القوميات الأخرى، وفي مقدمتها الشعب الكردي.
إن البديل الثوري لا يكمن في الحفاظ على هذا الصنم، بل في الانتقال من فكرة “الشعب” إلى فكرة “الشعوب” والطبقات الشعبية. هذا هو الأساس المادي للتعددية القومية والثقافية وحق تقرير المصير. إن حق الشعوب في تقرير مصيرها ليس منحة من “الكثرة العربية” ولا الاسلامية، ولا هو أداة لبناء قوميات شوفينية جديدة، بل هو تفكيك للهيمنة المركزية للسماح ببروز تضامن أممي حقيقي مبني على الاختيار الحر والمصالح المشتركة، لا على القسر والإلحاق.
مهمة الثوريين: مواجهة “الزومبيز” لا مسايرتهم
إن القول بضرورة “تربية الشعب” وتنظيمه ورفع وعيه أو مواجهة النزعات التدميرية لقطاعات منه ليس “استعلاءً نخبوياً” كما يروج مثقفو الـ NGOs، بل هو جوهر العمل الثوري الطليعي. إن الوعي السائد في المجتمع هو وعي الطبقة المسيطرة، وبالتالي فإن “الشارع” غالباً ما يكون مشحوناً بالطائفية، والذكورية، والعنصرية.
إننا لسنا مضطرين لمسايرة “جموع الزومبيز” التي تحركها الغرائز الفاشية أو الطائفية بحجة “احترام الشارع”. إن حماية البشر الحقيقيين -المضطهَدين والمسحوقين- تتطلب حمايتهم من ايديولوجية “غول الشعب” وتصوراته القمعية.
خلاصة القول: نضالنا ليس من أجل “الشعب” ككتلة هلامية، بل هو نضال لفرز هذه الكتلة. نحن نسعى لإخراج الفئات المستغَلّة من سجن “الواحدية الوطنية” إلى فضاء “المشترك الطبقي والإنساني”. المشترك الذي يُبنى بين عمال وفلاحين وفقراء، بين نساء ورجال، بين كرد وعرب وسريان، ضد “الواحد” القمعي المجرد.
فليسقط صنم “الشعب” الذي يبرر الإبادة، ولتحيا وحدة المضطهدين العابرة للحدود والقوميات.
