
إن عدم ثقة الأناركيين بالسلطات والهرميات أمر مفهوم. لكن، كما يكتب توماش تينغلي-إيفانز، رغم أن روح هذا الموقف صائبة، فإن منهجه يعاني من نقائص جوهرية.
ما الذي يتبادر إلى ذهنك عندما تسمع كلمة «الأناركية»؟ الحرية، الفردية، التعاون المتبادل، الفوضى، والعمل المباشر.
وماذا عن الماركسية؟ الطبقة، الجماعية، السلطوية، والدولة، وربما الملل أيضًا.
كانت هذه بعض الإجابات في اجتماع حزب العمال الاشتراكي (SWP) بعنوان «الأناركية – نقد ماركسي» الذي عُقد في إزلنغتون، شمال لندن، الشهر الماضي. وأظهرت المناقشة أن الرأي السائد هو أننا بحاجة إلى مزيج من الماركسية والأناركية.
ولماذا ذلك؟ أولًا، هناك خوف من أن الماركسية تميل إلى التنظيم الهرمي من الأعلى إلى الأسفل، بما يعيد إنتاج البنى السلطوية نفسها التي تسعى إلى إلغائها. أما الأناركية، فرغم تنوع معانيها، فتسعى عمومًا إلى تنظيم غير هرمي.
ثانيًا، الصورة الشائعة عن الماركسية أنها «دولتية» أو تميل إلى سلطة الدولة، في حين أن الأناركية تعبّر عن مطالب مثل إلغاء جهاز الشرطة.
إن الشك العام في التنظيم والقيادة له ما يبرّره تمامًا. فمن مديرك في العمل إلى السياسيين و«الخبراء» في نشرات الأخبار، تُحكم حياتك بهياكل سلطوية وقادة لا يخضعون للمساءلة. وفوق ذلك، ما الذي أنجزته الأحزاب التقليدية فعلاً؟ في الحقيقة، ليس الكثير، بما في ذلك أحزاب اليسار.
لكن الماركسيين يمتلكون فهمًا أوسع لمعنى «القيادة». فالقيادة موجودة سواء اعترفت بها أم لا: إن واجهت في مكان العمل شخصًا يكرر أكاذيب اليمين عن المهاجرين، فذلك بحد ذاته شكل من أشكال القيادة. وإذا كنت أنت من ينظم إضرابًا في العمل، فذلك يعني تقديم القيادة داخل الطبقة العاملة. وبالتالي، فإن العفوية والقيادة ليسا مفصولين بحاجز من حديد.
هناك مشكلة أعمق في النقد الأناركي للقيادة والسلطة. فحين تتجنب الهياكل الديمقراطية نفسها التي تُلزم الناس بالمساءلة، لا تكون النتيجة تنظيمًا «أفقيًا» أو «بلا قادة».
تأملت الكاتبة النسوية الأميركية جو فريمان تجاربها مع مجموعات النساء الراديكالية المتأثرة بأساليب التنظيم الأناركية خلال ستينيات القرن العشرين. وكتبت في كتابها «طغيان غياب الهيكلية»: «على عكس ما نودّ أن نصدقه، لا وجود لمجموعة بلا هيكل». وبدلاً من الهياكل الرسمية، وصفت «تكوين هياكل غير رسمية» تشكل قاعدة النخب داخل المجموعات.
هذا يعني أنه، رغم كل حديثها عن مكافحة النخب، يمكن للأناركية أن تتحول إلى نهج نخبوي. طبعًا هناك مخاطر من أن تتحول المنظمات الاشتراكية الثورية إلى نخبوية. لكن أفضل طريقة لازدهار الديمقراطية داخل حزب ثوري هي أن تكون متجذرة في صراعات العمال اليومية.
على المنظمة الثورية أن تجمع بين الديمقراطية والمركزية: حوار كامل وصريح، وربما حاد، حول ما يجب فعله—ثم وحدة في العمل لاختبار ما إذا كانت رؤية سياسية معينة صحيحة أم لا.
دائمًا ما توجد معركة على القيادة داخل الحركات. وإذا امتنع الاشتراكيون الثوريون عن المشاركة، فإن الفراغ لا يُملأ بالعفوية أو التنظيم الأفقي. الإصلاحيون، الذين يسعون للحد من التغيير داخل النظام القائم، يتنافسون على القيادة. وأما الطبقة العاملة، في خضم الثورة، فهي لا تتخلى فورًا عن كل الأفكار الإصلاحية أو المتخلّفة.
الحركات ذات الإمكانات الثورية الهائلة يمكن أن تلجأ في النهاية إلى قيادة إصلاحية—وهو ما يؤدي إلى هزيمتها. ويمكن مشاهدة مدى كارثية ذلك في الثورة الإسبانية عام 1936: فقد حظيت الأناركية بدعم شعبي واسع، وتم اختبارها، لكنها لم تصمد.
كانت للنقابة العمالية الأناركية CNT نحو مليون عضو، وكانت التيار السائد بين الطبقة العاملة المنظمة في إسبانيا. اندلعت الثورة الإسبانية بعد أن شن الجنرال فرانسيسكو فرانكو انقلابًا فاشيًا ضد حكومة الجبهة الشعبية المنتخبة، التي كانت تتألف من شيوعيين واشتراكيين ورأسماليين ليبراليين دعموا الجمهورية الإسبانية. كانت الدولة الإسبانية مشلولة إلى حد كبير، لكن العمال انتفضوا لوقف الفاشيين في مدريد وبرشلونة، فسيطروا على المدن وأسسوا لجانًا لإدارة المجتمع من القاعدة، من الرعاية الصحية والنقل والغذاء إلى الدفاع.
كان مستقبل الدولة الإسبانية على المحك: هل ستنتصر ثورة العمال أم الفاشية؟ وقد اختار قادة الأناركية الانضمام إلى حكومة الجبهة الشعبية. لكن المشكلة أن هذه الحكومة دَعَت إلى وحدة عابرة للطبقات بين «القوى الديمقراطية» ضد الفاشية. وعلى أرض الواقع، كان ذلك يعني سحق ثورة العمال من القاعدة للحفاظ على دعم الرأسماليين الليبراليين. القوة الوحيدة التي كان بإمكانها إيقاف تقدم الفاشية كانت الطبقة العاملة المتمردة، لكن القادة الأناركيين سلموا القيادة لأولئك الذين قضوا على هذه القوة نفسها.
قال قادة CNT:«إما أن نتعاون أو نفرض دكتاتوريتنا». وأضافوا: «لا شيء أبعد عن الأناركية من فرض إرادتها بالقوة». «لم نستولِ على السلطة ليس لأننا لم نكن قادرين، بل لأننا لم نرغب في ذلك، لأننا نعارض كل أشكال الديكتاتورية.» والنتيجة كانت أن وجهت الجمهورية الإسبانية بنادقها نحو العمال، وانتصرت الفاشية. هذا الفشل الجسيم نابع من ضعف التحليل الأناركي للدولة والقيادة.
إن الاتهام الموجَّه إلى الماركسية بـ«الدولتية» اتهام قديم ومفهوم. فالاشتراكية المرتبطة بالدول الشيوعية الرسمية، مثل الاتحاد السوفييتي السابق أو الصين، وكذلك الأحزاب اليسارية الإصلاحية أو الاجتماعية الديمقراطية، هي اشتراكية دولتية. لكن هناك تقليدًا آخر يُعرف بـ«الاشتراكية من الأسفل»، وهو ما ناضل من أجله كارل ماركس، فريدريك إنجلز، فلاديمير لينين، وروزا لوكسمبورغ.
في هذا السياق، تعني الاشتراكية مجتمعًا يُدار من الأسفل إلى الأعلى عبر هيئات ديمقراطية شعبية. وهي لا تقتصر على إدارة العمال لأماكن عملهم أو تخطيط الاقتصاد فحسب، بل تتعلق أيضًا باستئصال جذور الاضطهاد. ولا يمكن تحقيق ذلك من دون سحق الدولة الرأسمالية التي تدعم النظام في إطار ثوري.
لذا فإن الماركسيين، مثل الأناركيين، يسعون إلى مجتمع بلا طبقات وبلا دولة. نحن نؤيد إلغاء جهاز الشرطة ونتقاطع مع حركة الإلغاء في رؤيتها للشرطة ومجمع السجون الصناعي والدولة الرأسمالية.
لكن هناك اختلافات أساسية بين الماركسية والأناركية بشأن الدولة. فقد رأى ماركس ولينين وآخرون أن هناك حاجة إلى دولة عمالية جديدة عقب الثورة، لتكون مرحلة انتقالية نحو مجتمعٍ بلا دولة وبلا طبقات. هذه الدولة العمالية الجديدة، القائمة على تنظيم ديمقراطي شعبي من القاعدة، ستكون مختلفة تمامًا عن الدولة الرأسمالية التي تخدم أقلية. ورغم أنها قد تحتفظ بأدوات قمعية مثل ميليشيا عمالية، فإنها ستكون خاضعة للمساءلة أمام الأغلبية. والسؤال هنا: لماذا ستكون بحاجة إلى هذه الأدوات؟
ميخائيل باكونين، أحد أبرز الأناركيين في زمن ماركس، ندد بتوصية ماركس بإنشاء دولة عمالية، وقال ساخراً: «وفق تفسيرهم، لن تكون سوى الطبقة العاملة المرفوعة إلى مرتبة الطبقة الحاكمة». وأضاف: «فلنسأل: إذا أصبحت الطبقة العاملة طبقة حاكمة، فمن الذي ستحكمه؟ باختصار، سيبقى بروليتاريا آخر يخضع لهذه السلطة الجديدة، لهذه الدولة الجديدة».
لكن حُجة ماركس كانت مختلفة تمامًا. فالسؤال الرئيسي كان: ماذا سيحدث للطبقة الحاكمة القديمة فور انتهاء الثورة؟ هل تعتقد أن جيف بيزوس أو إيلون ماسك سيرفعان يديهما ويقولان: «حسنًا، فزتم في قتال عادل، خذوا ملياراتنا»؟ لا، سيقاتلان بكل قوة لاستعادة رأسمالهما. وهذا يعني أن دولةً عماليةً قادرةً على الدفاع عن الثورة وقمع خطر الثورة المضادة أمرٌ ضروري.
سيسأل الكثيرون: «ألم يحدث هذا في روسيا؟» لكن صعود ستالين لم يكن النتيجة المنطقية لأفكار ماركس أو لينين. فالثورة الروسية عام 1917 شهدت سيطرة مجالس العمال (السوفيات) على السلطة، وبدأت بإدارة مجتمع جديد من القاعدة إلى الأعلى. لكن موجة ثورية أوسع فشلت في الامتداد، وغزت الجيوش الإمبريالية البلاد؛ فدمّرت الحرب الطبقة العاملة وأفرغت السوفيات من محتواها. أصبح حزب البلاشفة، الذي قدّم القيادة للثورة، معزولًا، فأُنهِك بقيادة بيروقراطية الدولة التي حاولت منع الانهيار الاجتماعي. وبحلول نهاية العقد، كانت البيروقراطية تتحول إلى طبقة حاكمة جديدة.
اليوم، نتقاسم مع الأناركيين الرغبة في هدم النظام. نحن مناصرون للعمل المباشر وندعم كل مَن يقف في وجه الدولة. لكن التحرر لن يتحقق عبر أقليات «مستنيرة»، سواء أكانوا من يرغبون في الفوز بالانتخابات أو مجموعات صغيرة تمارس العمل المباشر. القدرة على تعطيل الدولة ونظام الربح تكمن لدى العمال، وقد رأينا لمحات من ذلك في الإضرابات العامة الإيطالية تضامنًا مع فلسطين.
الأناركية صحيحة في روحها، لكن طرقها لا تستطيع تحطيم الدولة والنظام. نحن ماركسيون لأننا نريد الانتصار.
ترجمة واعداد هيئة التحرير
