
في مقاله الأخير المنشور في صحيفة القدس العربي بعنوان «طبالون ومكيودون وحائرون»، قدّم ياسين الحاج صالح تصنيفًا ثلاثيًا للسوريين بعد سقوط النظام الأسدي:
فئة «الطبّالين» الموالين للسلطة الجديدة، وفئة «المكيودين» الغاضبين منها، وفئة ثالثة سماها «الحائرين»، الذين يسعون إلى موقفٍ متوازنٍ بين الطرفين.
والسؤال الذي يطرحه هذا التقسيم: إلى أيّ فئةٍ ينتمي الكاتب نفسه؟
هل هو من الطبالين؟ قطعًا لا.
هل هو من المكيودين؟ أيضًا لا.
هل هو من الحائرين؟ لا يبدو ذلك تمامًا، فـنبرة المقال توحي بأنّه يتحدّث عن الحيرة من خارجها، لا منها.
إنه يقف خارج الخريطة التي رسمها، كمن يراقب المشهد من علٍ، ويصنّف الناس بينما يظلّ هو في منطقةٍ محايدةٍ فوق التصنيفات جميعًا.
يتعامل مع العالم لا بوصفه ساحةً للتغيير، بل موضوعًا للفهم، ويرى في الانفعال ضعفًا لا طاقة، وفي العاطفة خطرًا على صفاء الفكر.
لكنّ هذه المسافة التي يُبقيها بينه وبين الحدث ليست حيادًا بريئًا، بل تهرّبٌ متقنٌ ومموّه يلبس ثوب الموضوعية ليخفي عجزًا عن اتخاذ موقفٍ واضح.
في إدانته للطرفين — الموالين والغاضبين — يبدو وكأنه يوزّع اللوم بالتساوي ليبرّئ نفسه من التورط.
غير أنّ هذا “الإنصاف الشكلي” يتحول في النهاية إلى تبريرٍ للعجز، لأنّ من يدين الجميع لا يقف مع أحد، ومن يضع نفسه فوق الصراع، يعلن ضمنًا أنّه أذكى و أنقى من أن يتّسخ بالواقع.
وراء هذا الخطاب المتماسك ظاهريًا، يتخفّى تعالٍ على الانفعال واستبدادٌ للمنطق التحليلي البارد، الذي يجرّد المأساة من بعدها المشاعري، ويحوّل الألم إلى مادةٍ ذهنيةٍ صالحةٍ للنقاش.
وهنا تكمن المفارقة:فحين يتجرّد الفكر من المشاعر، يفقد حسّه الأخلاقي، ويغدو التحليل شكلًا آخر من أشكال الهروب.
وبما أنّه طالبنا بأن نقول الحقيقة «هنا والآن»، فربّما علينا أن نبدأ به هو نفسه.
فما يجسّده ياسين الحاج صالح اليوم ليس حكمة المثقف، بل نرجسية المثقف.
إنه المثقف الذي يعيد رسم ملامح العالم بحيث يبقى في مركز الصورة، فوق الجميع، بعيدًا عن الغضب والدم والتراب، يستمتع برؤية الآخرين يتجادلون، بينما هو يتأمل “المسافة الآمنة” التي تفصله عنهم.
إنه يرفض أن يغامر باتزانه ورزانته في سبيل موقفٍ واضح، ويفضّل أن يحافظ على توازنه حتى لو كان الثمن هو الصمت المتعالي.
ذلك التموضع ليس جديدًا، بل هو في جوهره موقفٌ هيدغري بامتياز. فالمثقف هنا يشبه هيدغر حين آثر التفكير على الفعل، والتأمل على الانخراط.
وهنا نتذكّر حنّة أرندت حين كتبت عن صمت هيدغر تجاه النازية، إذ لم ترَ في حياده حكمةً، بل عجزًا عن الشجاعة الأخلاقية.
لأنّ الفكر حين ينسحب من العالم يتخلّى عن مسؤوليته، ويتحوّل صاحبه من شاهدٍ على الحقيقة إلى شريكٍ في تغييبها.
ويبدو أنّ كثيرًا من مثقفينا، مثل هيدغر، يختارون التفكير بدل الموقف، لأنّهم معنيّون أكثر بجمال صورتهم من مواجهة بشاعة الواقع ..
من الواضح أنّ ياسين الحاج صالح، الذي استحقّ بجدارة في زمن سابق لقب حكيم الثورة، قد التحق اليوم بأحمد الشرع في قناعته بأنّ الثورة السورية انتهت… ويبدو أنّ الحَكيم قرّر أن يتقاعد، ويتفرّغ للتأمّل من بعيد !
عندما اخترت الرد على مقالة ياسين الحاج صالح “طبالون ومكيودون وحائرون” ، كنت أعلم أنني أمدّ يدي داخل عشّ الدبابير.
ومع ذلك، رأيت أنّ مثل هذا المقال لا يجوز أن يُترك بلا ردّ، لأنّ التصنيفات التي يقدّمها خطيرة على الوعي العام، وعلى تحديد المواقع في الشأن السوري، خصوصًا في ظلّ المكانة الرمزية التي يحتلها ياسين — مكانة ربما لا يدرك ثقلها، وربما لم يعد يستحقها.
ورغم ذلك، فالقضيّة بالنسبة لي ليست شخصيّة، بل فكريّة أولًا.
فعندما يقدّم مثقّفٌ بهذا الحجم خريطةً للوعي السوريّ تقسم الناس إلى «طبّالين» و«مكيودين» و«حائرين»، فهو لا يصف الواقع بقدر ما يُعيد تشكيله على هواه، مطلقًا أحكامًا تُحاصِر الجميع داخل مربّعاتٍ مغلقة، بينما يُبقي نفسه خارج الخريطة، في موقعٍ فوقيٍّ آمن.
وبوصفي أحد المعارضين للسلطة، لم أجد في تصنيفات ياسين مكانًا لي سوى في خانة «المكيودين». وهو توصيف لا أقبله، ولا يمكن لأيّ معارضٍ حقيقيّ أن يقبله.
فاختزال كلّ من يقف ضدّ السلطة في هذه الخانة هو إهانةٌ مقنّعة، مهما كانت مكانة الكاتب الذي تصدر عنه، ومهما تنكّرَت بلغة التحليل أو الادّعاء بالحياد.
وهي إساءةٌ واعية لا تحتمل التأويل، لأنّ اختيار المفردات لدى كاتبٍ يجيد انتقاء كلماته لا يكون عبثيًّا.
وإن كنت أرى أنّ هذا الوصف ينطبق بدقّةٍ أكبر على أولئك «المعارضين» السابقين للأسد الذين صاروا اليوم مدافعين عن الشرع، وأثبتوا أنّ معارضتهم القديمة لم تكن موقفًا مبدئيًّا، بل كيدًا طائفيًّا أو طبقيًّا مقنّعًا.
ورغم أنّ بعض مريدي ياسين من المثقّفين، أصحاب الطريقة «الصالحيّة»، يحاولون شخصنة النقاش وتحويله إلى فزعةٍ عصبيّةٍ وشلليّة، فإنّ ما يجري في جوهره نقاشٌ فكريٌّ خالص، يتمحور حول سؤالٍ قديمٍ وجوهريٍّ في علاقة المثقّف بالمجتمع.
هل المثقف فاعلٌ ومحرضٌ وقائدُ رأيٍ يسعى إلى التغيير، أم مراقبٌ ومحللٌ يتمسّك بموقع الحياد الآمن ويكتفي بوصف الواقع من بعيد؟
هل وظيفة المثقف أن يشارك في رسم ملامح المستقبل وإنجازه على أرض الواقع، أم أن يكتفي بتحليل الماضي وفهمه وتفسيره بعد أن يفوته الفعل؟
هل يقيم المثقف في حاضرٍ يطلّ على الماضي فيسمح له أن يبرّر الواقع ويفسره، أم في حاضرٍ يطلّ على المستقبل يتيح له أن يفكّك الواقع ويغيّره ؟
في كلّ المجتمعات، وفي مختلف المراحل التاريخيّة، شغل المفكّرون والمثقّفون هذا السؤال عن دور المثقّف وموقعه، ولا أرى أنّ المشهد السوريّ استثناءً في ذلك.
وللأمانة، لست معنيًّا اليوم بالإجابة على هذه الأسئلة في بعدها النظريّ أو التحليليّ، فخصومي في الجهة الأخرى أبرع منّي في هذه التمارين الفكريّة الباردة.
أمّا أنا، فأنتمي بلا تردّد إلى الفعل والتغيير والانفعال والانخراط حتى الحدود القصوى، دون أن أبحث عن توازنٍ زائفٍ أو حيادٍ متعالي أو موضوعيّةٍ عقيمة.
أنا أنتمي لفكرة الحرية، ولمشروع مناهضة الاستبداد، ولذلك لست مراقبًا للحدث بل جزءًا منه، أعيش في قلبه وأكتب من داخله، لا من مقاعد المتفرّجين.
وأيًا تكن التصنيفات التي يحاول البعض وضعي ضمنها — «كِيدي» أو «حاقد» أو «ترول» — فأنا غير معنيّ بها ولا بمن يطلقونها.
بل إنني، في الحقيقة، متعاطفٌ معهم — وأكاد أقول عنهم «يا حرام» — لأنني أفهم تمامًا كم تستفزّهم كلماتي، فهي تفضح جبنهم، وتعرّي زيفهم، وتكشف حقيقتهم البائسة أمام ذواتهم اليوم، قبل أن يفضحهم التاريخ غدًا.
نقلًا عن منشورات أنس حمدون على فيسبوك
