
فهرس المحتويات
الطبقة العاملة مجزأة من حيث مواقفها السياسية، بما في ذلك دعمها لأحزاب مختلفة أو لعدم دعم أي حزب على الإطلاق. ولا تُعَدّ هذه الانقسامات مصادفة تاريخية يمكن تجاوزها بالتمني، بل هي انعكاس لتيارات أيديولوجية نابعة من التفاوت في وعي وتجارب العمال. في الفترات غير الثورية، يهيمن عادة أولئك الذين يدافعون عن الإصلاح ويتحدثون بلغة الوعي السائد على أولئك الذين ينادون بالثورة. ويكمن هدف الحزب الاشتراكي الثوري في كسب تأييد أغلبية العمال لمشروعه، وأن يقوده، مستندًا إلى هيئات ديمقراطية نابعة من قاع المجتمع العمّالي، نحو مواجهة ناجحة مع الطبقة الحاكمة والدولة الرأسمالية. ومع ذلك، فإن مدى ترسخ الحزب الثوري وتأثيره قبل نشوب وضع ثوري هو عامل حاسم في تحديد فرص نجاحه. ولهذا، حتى في غياب وضع ثوري، ينبغي على الأحزاب الثورية السعي لتوسيع نفوذها داخل الحركة العمالية.
في حياتها اليومية، تواجه الطبقة العاملة فرصًا لانتزاع حقوق جديدة، بينما تتعرض حقوق أخرى كانت قد انتُزعت منذ زمن بعيد للتقويض، مما يخلق إمكانية للمقاومة. ومن خلال هذه النضالات تحديدًا يمكن التصدي لتفتّت الطبقة العاملة. إن القوة الكامنة لدى العمال تستند إلى عاملين: قوتهم العددية والموقع الذي يشغلونه ضمن علاقات الإنتاج الرأسمالية، غير أن هذه القوة لا يمكن ممارستها إلا بشكل جماعي، وهو ما يجعل من وحدة الحراك أمرًا بالغ الأهمية.
إن تفتّت الطبقة العاملة بين مؤيدين لأحزاب مختلفة يمكن أن يشكّل عائقًا أمام تحقيق هذه الوحدة. وهناك من يردّ على ذلك باعتبار الأحزاب نفسها هي المشكلة. وهناك من يردّ بطرح حزبه الخاص (حتى وإن كان، كما هو الحال غالبًا مع الجماعات الثورية، مجرد تنظيم صغير) كأداة للعمل يجب على الآخرين الانضواء تحتها. أما الرد الأكثر جدوى، فهو تبني تكتيك “الجبهة المتحدة”، الذي ابتكره البلاشفة في روسيا، ثم طوّره نظريًا أبرز الماركسيين خلال الفترة بين الحربين العالميتين. ولا يزال هذا التكتيك يشكّل إطارًا يُسترشد به في نضال منظمات ثورية مثل “حزب العمال الاشتراكي “(SWP) في بريطانيا حتى اليوم.
تتناول هذه المقالة نظرية “الجبهة المتحدة”، وتهدف إلى تسليط الضوء على الكيفية التي يمكن بها بناء وحدة نضالية للطبقة العاملة حول القضايا المفصلية التي تواجه الحركة اليوم، كما تتناول مسألة مرتبطة بذلك، وهي: كيف يمكن للاشتراكيين الثوريين توسيع نفوذهم بين صفوف العمال في ظل فترة تتصاعد فيها الأزمات. وتستعرض المقالة أصول سياسة الجبهة المتحدة داخل الأممية الشيوعية (الكومنترن)، مع التركيز بشكل خاص على التجربتين الإيطالية والألمانية. ثم تبحث في الكيفية التي تخلّت بها القيادة الستالينية الرسمية للحركة الشيوعية عن هذا النهج، رغم وجود مقاومة وضغوط معاكسة من جانب شخصيات بارزة في التيار الثوري، مثل كلارا زيتكن، أنطونيو غرامشي، وليون تروتسكي. وتتناول أيضًا النهج البديل للوحدة، والمتمثل في “الجبهة الشعبية”، الذي تبنّته الأحزاب الستالينية بعد انتصار النازية في ألمانيا، والذي لا يزال يحظى ببعض التأييد حتى اليوم. وأخيرًا، تستعرض المقالة بعض الأمثلة المعاصرة على استخدام تكتيك الجبهة المتحدة من قبل الثوريين لتعزيز وحدة العمل، وتخلص إلى استنتاجات حول كيفية تطبيق هذا النهج في الوقت الراهن.
أصول سياسة الجبهة المتحدة
كان مصير الثورة الروسية عام 1917 مرتبطًا بانتشارها إلى الدول الأوروبية الصناعية المتقدمة، التي كانت تمتلك طبقات عاملة أكبر بكثير ووسائل إنتاج أكثر تطورًا من روسيا. ولم يكن هذا الطموح ضربًا من الخيال، بالنظر إلى الفوضى التي رافقت نهاية الحرب العالمية الأولى. ففي مارس 1919، بادر قادة البلاشفة إلى تأسيس الأممية الشيوعية (الكومنترن)، وهي منظمة أممية سعت إلى تعميم دروس ثورة 1917. كان لينين قد دعا إلى إنشاء أممية جديدة تقوم على أسس ثورية واضحة منذ عام 1914، عندما تواطأت الأحزاب الاشتراكية الجماهيرية المنضوية تحت لواء الأممية الثانية مع الحرب الإمبريالية. وقد كشفت هذه الخيانة عن عمق التيار الإصلاحي داخل تلك الأحزاب. وجاءت موجة التمردات التي اجتاحت أوروبا بعد الحرب، وشاركت فيها ملايين من العمال، لتؤكد الحاجة الملحّة إلى القطيعة مع الاشتراكية الديمقراطية، لكن هذه الموجة أُحبِطت بفعل القيادة الإصلاحية التي كانت مهيمنة في معظم البلدان. وقد شكلت الهزائم التي وقعت في ألمانيا وإيطاليا، والتي سنناقشها لاحقًا، دروسًا محورية. وبحلول عام 1921، بدأت تظهر مؤشرات متزايدة على أن الأزمة الثورية في أوروبا قد تم احتواؤها – ولو مؤقتًا – وأن الطبقات الحاكمة بدأت تستعيد ثقتها بنفسها وتشنّ هجومًا مضادًا لتقويض المكاسب التي حققها العمال في السنوات السابقة.
خلال الموجة الثورية، نما العديد من الأحزاب المنضوية تحت لواء الكومنترن لتصبح منظمات كبيرة، تضم عشرات الآلاف وأحيانًا مئات الآلاف من الأعضاء. لكن هذه الأحزاب وجدت نفسها تعمل الآن في واقع لم تعد فيه الثورة احتمالًا وشيكًا. وإلى جانب ذلك، لم تنجح الأحزاب الشيوعية الجديدة في إزاحة المنظمات الإصلاحية التابعة للأممية الثانية، بل ظلت في معظم البلدان متعايشة مع أحزاب إصلاحية أكبر حجمًا، والتي كانت تحظى عادة بولاء غالبية العمال. هذا التفتت في صفوف الطبقة العاملة واجه تهديدات متصاعدة، من بطالة متنامية وهجمات على الأجور، إلى المؤشرات الأولى على تعبئة فاشية موجَّهة ضد منظمات العمال واليسار. وفي كتابه عن تاريخ الكومنترن، الذي سيُنشر للمرة الأولى بالإنجليزية، يوضح بيير بروي ما الذي كان يعنيه ذلك:
“بالنسبة للشيوعيين الروس، لم يكن احتمال الثورة قد تلاشى، حتى وإن أصبح الأمر يتطلب ربما سنوات لتحقيقه. غير أن ذلك استلزم مطالب جديدة. فلكي يتمكنوا من كسب أغلبية البروليتاريا والحصول على التعاطف الواسع من الشرائح الاجتماعية المقهورة – وهو أمر لا غنى عنه لانتصار الثورة – كان المطلوب أولًا أن تنتصر الأفكار والتنظيمات الثورية بشكل حاسم على نظيراتها الإصلاحية. لكن هذا الانتصار لم يكن ممكنًا عبر مجرد تغيير في القناعات من خلال الجدل أو الدروس المستخلصة من التاريخ والفلسفة والتعليم أو حتى عبر التحريض والدعاية. بل كان مرهونًا بقدرة الثوريين على إقناع الجماهير من خلال الفعل، وعبر التجربة المباشرة التي يخوضها الناس بأنفسهم.”
انخرط القادة الثوريون الروس، لينين وليون تروتسكي، بكل ثقلهم في النقاشات التي نشأت عن ذلك. فقد جادلا بأنه من أجل كسب أغلبية الطبقة العاملة، يتعين على الثوريين أن يتعلموا كيفية العمل ليس فقط في ظروف تصاعد النضال، بل أيضًا في فترات التراجع، حيث يُضطر العمال إلى خوض معارك دفاعية. وكان هذا درسًا استقاه البلاشفة بعد أن سُحقت الثورة الروسية الأولى عام 1905، وما تلاها من فترة قمع سلطوي. فقد صقلت سنوات طويلة من النضالات الدفاعية الشاقة والإضرابات المحلية أعضاء الحزب، ومنحتهم خبرة عملية في كيفية التدخل وقيادة أشكال متعددة من الصراعات.
يرى بروي أن جوهر المشكلة كان يتمثل في أن “العمال لا ينخرطون في النضال إلا إذا اعتقدوا أن لديهم فرصة معقولة للانتصار”. وقد أوجد الانقسام داخل الأممية الثانية وضعًا أصبح فيه “من الواضح تقريبًا للجميع أنه لا توجد أي فرصة ملموسة للانتصار ما لم تكن النضالات موحدة — أي ما لم تتوحد المنظمات الإصلاحية والثورية في السعي نحو الهدف نفسه”. وهنا استطاع قادة البلاشفة الاستفادة أيضًا من خبراتهم في صيف عام 1917، خلال محاولة انقلاب يمينية ضد الحكومة المؤقتة بقيادة ألكسندر كيرينسكي، التي تشكّلت بعد الإطاحة بالقيصر في ثورة فبراير 1917. فعندما واجهت الثورة خطر انقلاب الجنرال كورنيلوف، الذي سعى إلى تفكيكها والتراجع عن المكاسب التي حققها العمال والمقهورون، حوّل البلاشفة تركيزهم من التحريض لإسقاط الحكومة المؤقتة بوسائل يسارية إلى تنظيم نضال دفاعي ضد الانقلاب. وفي كل مكان، بادر البلاشفة إلى إنشاء لجان للدفاع الثوري، رغم أنهم كانوا أقلية داخلها. وقد لقي اندفاعهم نحو العمل الموحّد استجابة هائلة، وإن لم تخلُ من بعض الارتباك داخل صفوفهم.
يتذكر تروتسكي أن بحّارة بلشفيين من الطراد “أورورا” زاروه، بعد أن أُرسلوا للدفاع عن كيرينسكي، وسألوه ما إذا كان من الأفضل استغلال الفوضى التي أعقبت محاولة الانقلاب لاعتقال الحكومة. فأجابهم تروتسكي: “لا، ليس بعد. استخدموا كيرينسكي كمسند للبندقية لإطلاق النار على كورنيلوف. وبعدها سنتدبّر أمرنا مع كيرينسكي”. كانت أهمية هذه التجربة مزدوجة. أولًا، إن مبادرة البلاشفة إلى خوض نضال موحّد ضد كورنيلوف نجحت في هزيمة الجنرال، حيث كان من المؤكد أن حركة عمالية مجزأة ستفشل — وقد جرى تحييد الانقلاب خلال أربعة أيام فقط. ثانيًا، ازدادت شعبية البلاشفة بين العمال، وكثير منهم كانوا في السابق من مؤيدي أحزاب أخرى، مما أدى إلى وضع مكّنهم من الفوز بالأغلبية داخل السوفييتات قبيل انتفاضة أكتوبر. وقد قال تروتسكي عن بحارة أورورا: “في نهاية أغسطس، كانوا المدافعين الموثوقين عن قصر الشتاء ضد أنصار كورنيلوف، وفي نهاية أكتوبر، سيكونون هم من يقصف قصر الشتاء بمدافع الأورورا”.
وضع تروتسكي، وبأوضح صورة، ما أصبح يُعرف لاحقًا بسياسة الجبهة المتحدة في النقاشات داخل الكومنترن. فقد شدّد على أن الثوريين ليسوا محايدين إزاء مسألة وحدة العمال: “أي حزب يضع نفسه آليًا في مواجهة حاجة الطبقة العاملة إلى وحدة العمل، سيُحكم عليه دون شك بالإدانة في عقول العمال”. وعليه، يتوجب على الثوريين السعي إلى صياغة وحدة في الممارسة، تتجاوز الانقسامات القائمة على الانتماءات الحزبية. فذلك هو أفضل ضمان لانتصار النضالات، وهو أيضًا السبيل لرفع مستوى النزعة الكفاحية والوعي الطبقي لدى العمال — بما يهيّئ ظروفًا أكثر ملاءمة أمام الثوريين:
“كلما انجذبت جماهير أوسع إلى الحركة، ارتفع مستوى ثقتها بنفسها، وكلما زادت هذه الثقة الجماعية، ازدادت قدرة الحركة على التقدّم بحزم أكبر… وهذا يعني أن نمو الطابع الجماهيري للحركة يميل إلى دفعها نحو مزيد من الراديكالية، ويُهيّئ ظروفًا أكثر ملاءمة للشعارات، وطرق النضال، والدور القيادي العام الذي يضطلع به الحزب الشيوعي.”
إن الحزب الذي يفشل في استيعاب ضرورة بناء وحدة في الممارسة سوف “ينحدر ليصبح مجرد جمعية دعائية شيوعية، لكنه لن يتطور أبدًا إلى حزب يسعى إلى الاستيلاء على السلطة”. وقد شبّه تروتسكي الثوريين الذين يخشون النضال الجماهيري الموحّد بـ “سبّاح أقرّ بأطروحات حول أفضل أسلوب للسباحة، لكنه لا يجرؤ على القفز في الماء”.
إن التعامل بجدية مع مسألة وحدة العمل ينطوي على أمرين أساسيين: أولًا، أن الدعوة إلى الوحدة يجب أن تُطلَق بحسن نية، عبر تحديد أهداف مشتركة تجمع بين الثوريين والإصلاحيين. فقد يعني ذلك، على سبيل المثال، حصر الدعوة إلى التحرك في خوض معركة حازمة ضد البطالة، من دون الإصرار على أن تشمل أهداف الوحدة الإطاحة القسرية بالدولة الرأسمالية — حتى وإن كان هذا هو الطموح النهائي للثوريين. وبناءً عليه، ينبغي أن تدور التحالفات المؤقتة بين الثوريين والإصلاحيين حول قضايا أو أهداف محددة، لا أن تقوم على اتفاقات برنامجية شاملة. ثانيًا، إن الدعوة إلى الوحدة يجب أن تشمل قادة الأحزاب الإصلاحية، وليس قواعدها فحسب. فجوهر هذا التكتيك يتمثل في أن كثيرًا من العمال ينظرون إلى تلك المنظمات الإصلاحية وقادتها، ومن ثَمّ فإن احتمالية انخراطهم في النضال تصبح أكبر بكثير إذا جرى تشجيعهم من قِبل هؤلاء القادة.
أدرك تروتسكي أن محاولات الثوريين الصادقة لإطلاق جبهات متحدة قد تفضي أحيانًا إلى اتفاقات جزئية فقط، أو قد تُقابل بالرفض التام. ومع ذلك، فإن قيمة هذا النهج تكمن في أنه كان “من الضروري أن تُمنح الجماهير المناضلة دائمًا فرصة لتقتنع بنفسها أن عدم تحقق الوحدة في الممارسة إنما يعود… إلى غياب الإرادة الحقيقية للنضال لدى الإصلاحيين”. فحتى إذا رفض القادة الإصلاحيون دعوات الوحدة، فإن ذلك يخلق مع ذلك أرضية أفضل للثوريين من أجل جذب القواعد العمالية إلى النشاط، مقارنةً بما لو لم تُطلَق مثل هذه الدعوات أصلًا.
إن السعي لبناء الوحدة يخضع لمشروع الحزب الثوري الأكبر المتمثل في أن يصبح القوة المهيمنة داخل الطبقة العاملة. وأي جبهة متحدة تفترض وجود حزب ثوري يتمتع بحجم كافٍ، وتنظيم متماسك، ووضوح أيديولوجي. ولهذا شدّد تروتسكي على أن الثوريين يجب أن يحافظوا دائمًا على استقلاليتهم السياسية حتى أثناء التحالف مع قوى أخرى، وأن يرفضوا أي “اتفاق تنظيمي يقيد حرية النقد والتحريض”، وأن يشاركوا في الجبهة المتحدة دون أن يندمجوا فيها لحظة واحدة، وأن يعملوا داخل الجبهة المتحدة ككتلة مستقلة.
كان هذ الإصرار مهمًا لسببين. أولًا، لا يمكن للثوريين أن يصبحوا محور جذب للعمال الإصلاحيين الذين يخوضون معهم النضال إلا إذا حافظوا على هويتهم. وكان تروتسكي حازمًا في قوله: يجب على الحزب “أن يعلن بوضوح وبشكل محدد في كل لحظة ما هي رغباته، وما يسعى إليه، وأن يقدّم تعليقًا موثوقًا أمام الجماهير على خطواته ومقترحاته”. ثانيًا، فإن تصاعد الصراع الذي تمكّنت منه الجبهة المتحدة كان قادرًا نفسه على اختبار هذه التحالفات. فقد يدعم القادة الإصلاحيون تطوير النضال حتى حدّ معين، ثم يشعرون بالتهديد منه فيتدخلون لإيقافه جزئيًا. ومثلما ينبغي على الثوريين أن يُظهروا “استعدادهم، ضمن حدود معينة وعلى قضايا محددة، لمواءمة أفعالهم عمليًا مع منظمات إصلاحية”، يجب عليهم أيضًا “الحفاظ دائمًا على حقهم في قيادة النضال حتى نهايته”، أي التصرف بشكل مستقل إذا أصبح التحالف مع الإصلاحيين عقبة بدلًا من أن يكون محفزًا لتقدم النضال.
لقد انتصر كفاح لينين وتروتسكي لإعادة توجيه الحركة بحلول عام 1922، على الأقل من حيث تبني الأممية الشيوعية رسميًا للسياسة الجديدة. وعند تطبيق هذا التكتيك بشكل متسق، أثبت فعاليته، إلا أنه ظل مصدر جدل بين الأحزاب الشيوعية الجديدة. وتقدّم التجارب في إيطاليا وألمانيا بعض الأمثلة على ذلك، سواء من الناحية الإيجابية أو السلبية.
التجربة في إيطاليا
شهدت إيطاليا خلال عامي 1919-1920 ما يُعرف بـ Biennio Rosso ، أي العامين “الأحمرين”، والتي بلغت ذروتها في احتلال المصانع الذي انتشر في جميع أنحاء البلاد، لا سيما في صناعة المعادن بشمال إيطاليا. وقد تزامن ذلك مع اضطرابات في الجنوب الريفي وتمردات بين الجنود، مما طرح احتمال اندلاع انتفاضة عمالية ضد الدولة الإيطالية. كان الحزب الاشتراكي الإيطالي (PSI) حزبًا واسع النطاق، يضم اشتراكيين تتراوح مواقفهم بين الثوريين مثل أنطونيو غرامشي، والإصلاحيين الصريحين مثل فيليبو توراتي. وكان غير الثوريين هم المسيطرون على الحزب، وقد قرروا أن مصير احتلال المصانع مسؤولية النقابات العمالية، وليس الحزب. ومن جانبها، أجرئ الاتحاد النقابي الفيدرالي تصويتًا ورفض الدعوات إلى الثورة، وبدلاً من ذلك توصل إلى اتفاق مع أصحاب العمل بشأن زيادات في الأجور وإصلاحات أخرى.
بعد سنوات، وفي إحدى سجون بينيتو موسوليني، تذكّر غرامشي النصيحة النموذجية التي قدّمها لينين للثوريين الإيطاليين: “افصلوا أنفسكم عن توراتي، ثم اصنعوا تحالفًا معه”. لقد جسدت هذه الرسالة، رغم ما تبدو عليه من تناقض، الطبيعة المزدوجة للجبهة المتحدة، التي تتطلب من الثوريين تكوين تيار مستقل ومتميز داخل الحركة العمالية على شكل حزب متماسك ومبدئي، مع السعي في الوقت نفسه لبناء وحدة مع الآخرين خارج هذا التيار. لقد تجاهل الثوريون الإيطاليون الجزء الأول من نصيحة لينين، وكان الثمن باهظًا. وعندما ظهر الحزب الشيوعي الإيطالي (PCI) أخيرًا كقوة مستقلة، أدى الاستياء تجاه الحزب الاشتراكي الإيطالي (PSI) إلى ترددهم في متابعة الجزء الثاني من نصيحة لينين. وقد وجد الحزب نفسه تحت قيادة اليسار المتطرف اماديو بورديغا، الذي رفض الجبهة المتحدة وكان معارضًا لأي تسويات مع الإصلاحيين، حتى على أساس تكتيكي. وكان هذا الأمر خطيرًا بشكل خاص، إذ أن هزيمة احتلال المصانع خلقت سياقًا يمكن فيه للفاشيين بقيادة موسوليني أن يكتسبوا قوة — ويقدّموا أنفسهم كأداة للطبقة الحاكمة للقضاء على تهديد العمال. وكما يشير بروي:
“في الأشهر الستة الأولى من عام 1921، بلغ عدد ما تم تدميره 19 مطبعة وورش طباعة عمالية، و59 دارًا شعبية، و119 غرفة عمل، و83 رابطة فلاحين، و151 ناديًا اشتراكيًا وكل ما يرتبط بها، و151 ناديًا ثقافيًا. ونغفل هنا عدد الأشخاص الذين قتلوا أو جُرحوا، من رجال ونساء سحقهم العنف والخوف والإذلال والدمار والشعور بالعجز.”
رفض الحزب الشيوعي الإيطالي (PCI) قيادة الحركة، ووقّع الحزب الاشتراكي الإيطالي (PSI)، الذي تعرّض لأقصى أشكال العنف، “ميثاق المصالحة” مع موسوليني. وعلى الرغم من هذا الضعف القيادي، ظهرت إمكانية المقاومة الموحدة للعمال الإيطاليين في شكل Arditi del Popolo (شجعان الشعب)، وهي منظمة أنشأها مجموعة من الضباط السابقين الذين رغبوا في مقاومة الفاشية. وكان أعضاء الأرديتي يمثلون منظمات دفاعية واسعة ضد الفاشية:
“ضمّت المجموعة الأولى أيضًا عددًا من الأناركيين… وربما بعض المغامرين. لكن من انضموا كانوا رجالًا من خلفيات متنوعة جدًا، يرغبون في القتال. شمل ذلك ليس فقط الشباب الاشتراكيين، بل أيضًا الشيوعيين وأشخاصًا بلا انتماء حزبي، كانوا ببساطة ديمقراطيين. وفي عدة مناطق، بدأت هذه المجموعات بالفعل بالتصدي للمعتدين، وإجبارهم على الفرار، مما فتح آفاقًا لمواجهة إرهابهم.”
يصف توم بيهان البدايات الهامة لالأرديتي كما يلي:
“التقى 3,000 عضو من الأرديتي في أول تجمع وطني لهم في الحديقة النباتية في روما. وكانت رسالتهم بسيطة: لقد تشكلوا كمنظمة عسكرية لهزيمة العنف الفاشي. لكن الأمر لم يقتصر على كونهم مجموعة صغيرة تمارس أعمالًا فردية من الإرهاب ضد الفاشيين. بل كانت حركة تحمل إمكانية أن تصبح كبيرة جدًا، وتنظم فعاليات عامة وتنشر صحيفة بشكل متقطع. وقد دُعي التجمع كجزء من مظاهرة وطنية ضد العنف الفاشي، وحضر أكثر من 50,000 شخص. وبعد يومين، كتب رئيس شرطة روما في تقرير أن حجم وطبيعة المظاهرة “صدم قائد الحركة الفاشية المحلية، الذي بدأ يشعر بالقلق إزاء الوضع الجديد الذي بدأ يظهر داخل الطبقة العاملة الرومانية”.
ومع ذلك، “منع الحزب الشيوعي أعضائه من الانضمام إلى Arditi del Popolo (شجعان الشعب)، والتي اعتبر إنشاءها ‘مناورة من البرجوازية’ “. وأعلنت صحيفة بورديغا أن “الشيوعيين… لا يمكنهم ولا يجب أن يشاركوا في أنشطة تنظمها أحزاب أخرى، أو تنشأ خارج الحزب بأي حال من الأحوال”، وبدأت في تشكيل فرق شيوعية “نقية” خاصة بها تتنافس مع الأرديتي. على المستوى المحلي، رفض العديد من أعضاء الحزب الشيوعي الإيطالي (PCI) هذا النهج الانغلاقي، وانخرطوا في الأرديتي، أحيانًا في أدوار بارزة. وفي العديد من المناطق، أثبتت الأرديتي أنه من الممكن صد الفاشية. وأبرز مثال جاء من بارما، حيث تم صد 20,000 فاشي مسلح كانوا يتجهون نحو المدينة بواسطة الأرديتي المحليين. ومع ذلك، بقيت هذه الأمثلة محدودة على المستوى المحلي، دون وجود تنظيم وطني يسعى لتعميمها. وقد قال موسوليني لاحقًا لسيرته: “لو تم تطبيق نموذج بارما في أماكن أخرى ونجح، لكانت حقائق سيطرة قدامى المحاربين [الفاشيين] على الحياة العامة قد تعرضت للتشكيك”.
من خلال موقفه الانغلاقي، فشل الحزب الشيوعي الإيطالي (PCI) في بناء جبهة متحدة ضد الفاشية. كما أضاع الفرصة لكسب عمال الحزب الاشتراكي الإيطالي (PSI) إلى صفوفه، من خلال تقديم بديل للزعماء الاشتراكيين الذين تخلوا عن النضال ضد موسوليني. وحتى رئيس الكومنترن غريغوري زينوفييف، الذي كان بلا شك يفتقر إلى وضوح لينين وتروتسكي في نظرية الجبهة المتحدة، والذي قاد لاحقًا بعض الحجج ضدها، لم يتوانَ عن انتقاد أداء الـ PCI بشدة:
“قال الحزب الشيوعي الإيطالي (PCI): “هل يجب أن ننخرط حقًا مع هؤلاء الناس المربكين؟ لم يقرأوا حتى المجلد الثالث من رأس المال لماركس”. وهذا صحيح إلى حد كبير؛ فربما لم يروا حتى المجلد الأول، ناهيك عن قراءته. ومع ذلك، كان هؤلاء أشخاصًا مستعدين للقتال ضد الفاشية.”
التجربة في ألمانيا
دارت الكثير من النقاشات الأولية حول تكتيك الجبهة المتحدة حول “الرسالة المفتوحة”، التي كتبها بول ليفي، عضو قيادي آنذاك في الحزب الشيوعي الألماني (KPD)، ونُشرت في صحيفة الحزب Die Rote Fahne (العلم الأحمر) في يناير 1921. نشأت هذه المنظمة الجماهيرية، التي تجاوز عدد أعضائها 300,000 عضو، من اندماج حديث لمجموعتين. المجموعة الأولى كانت الجناح اليساري للحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل (USPD)، وهي منظمة انفصلت عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) خلال الحرب العالمية الأولى، واحتوت على مزيج مربك من ثوريين وإصلاحيين و”وسطويين” مترددين بين الاثنين. وتحت ضغط الثورة الروسية واندلاع الثورة في ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الأولى، شعر قادة (USPD) بأنهم مضطرون لعقد مؤتمر في هاله لمناقشة الانضمام إلى الكومنترن، والذي كان شرطه طرد أبرز القادة الإصلاحيين في الحزب. أما المجموعة الثانية، فكانت الحزب الشيوعي الألماني الأصلي (KPD)، الذي تأسس في يناير 1919، واستند إلى الثوريين المنظمين بشكل مستقل ضمن (USPD)في مجموعة سبارتاكوس التي قادتها روزا لوكسمبورغ والتيارات الأخرى. وقد احتوى هذا الحزب الشيوعي المبكر على تيارات يسارية قوية، طُردت إلى حد كبير بمبادرة من ليفى، وأسست لاحقًا الحزب الشيوعي العمالي الألماني الخاص بها.
استند رد ليفى على هجوم الطبقة الحاكمة إلى تجارب الكوادر الشيوعية في نقابة عمال المعادن في شتوتغارت، حيث نجحوا في إقناع الحركة النقابية المحلية بضرورة الحملات المشتركة للمطالبة بتخفيض أسعار الغذاء، وزيادة إعانات البطالة، وخفض الضرائب على الأجور، وتجريد الميليشيات الفاشية من السلاح، والعديد من المطالب الملموسة الأخرى. بعد ذلك، وجهوا نقابة عمال المعادن والاتحاد النقابي الألماني لبدء نضال موحّد حول هذه القضايا لمواجهة هجوم الطبقة الحاكمة وحماية العمال. وقد نشر الحزب الشيوعي الألماني (KPD) هذه المطالب في صحيفة Die Rote Fahne إلى جانب الرسالة المفتوحة، التي أُرسلت أيضًا مباشرة إلى المنظمات العمالية الكبرى، مقترحًا العمل المشترك. وأوضح الحزب أنه لم يتخل عن أهدافه الثورية، بل كان يقترح بصدق النشاط المشترك حول هذه الأهداف الجزئية. وعلى المستوى الوطني، لم تستجب أي من المنظمات التي تلقت الرسالة بشكل إيجابي، لكن في أماكن العمل وفروع النقابات، لقيت الرسالة دعمًا هائلًا، مما أثار نقاشًا حول ضرورة العمل الموحد.
لكن للأسف، لم يدم النهج الفعّال للغاية الذي أعلنته الرسالة المفتوحة. فقد تم تهميش ليفى قريبًا ضمن قيادة الحزب الشيوعي الألماني(KPD) . ويُعزى ذلك ظاهريًا إلى حضوره مؤتمر الحزب الاشتراكي الإيطالي (PSI)، حيث انتقد عدم كفاءة ممثلي الكومنترن في التعامل التكتيكي. وأدى ذلك إلى تصويت داخل الـ (KPD) لتأييد موقف الكومنترن، وبعده تنحى ليفى وعدد من حلفائه الرئيسيين عن القيادة، مما ترك مجموعة يسارية أكثر تطرفًا تتولى الإدارة. وقد تعززت هذه المواقف بدخول أعضاء سابقين من (USPD)إلى الحزب الشيوعي الموحد حديثًا، الذين انفصلوا للتو عن العناصر الإصلاحية والوسطية في منظمتهم، مكونين تيارات يسارية متطرفة قوية. كما دعمت هذه المواقف أقسام من الكومنترن التي كانت تفتقر إلى الحس التكتيكي لدى لينين أو تروتسكي.
أعلنت القيادة الجديدة للحزب الشيوعي الألماني (KPD) صعود “نظرية الهجوم”. وعلى عكس ليفي، جادل مؤيدو هذه النظرية بأن أفعال أقلية متطرفة يمكن أن تخلق بشكل مصطنع الظروف اللازمة لاندلاع انتفاضة ثورية. وتم اختبار هذه الأفكار في “تحرك مارس” لعام 1921، عندما سعى الحزب الشيوعي لإطلاق انتفاضة مسلحة دون دعم جماهيري واسع من العمال. وكانت النتائج كارثية، إذ أدت إلى نفور جزء كبير من الطبقة العاملة بدلًا من جذبهم نحو الثوريين، وأسفرت عن فقدان أو إحباط عشرات الآلاف من أعضاء الـ (KPD)، كما وفرت أساسًا لقمع واسع للكوادر الثورية.
بعد تحرك مارس، دافع لينين عن الرسالة المفتوحة ضد الهجمات قائلاً: “الرسالة المفتوحة نموذجية كبداية للطريقة العملية لكسب غالبية الطبقة العاملة بفعالية”. لكن كان الأوان قد فات على ليفى، الذي طُرد من الحزب الشيوعي الألماني (KPD) في أبريل 1921. ومع ذلك، سعى الحزب لتعلّم دروسه، وبحلول صيف 1921، تبنى مبدأ الجبهة المتحدة. وقد مكّن هذا الـ (KPD) من التعافي من الكارثة، ليتوسع عدد أعضائه إلى 218,000 عضو بحلول أواخر 1922. وعلى المستوى المحلي، انخرط الأعضاء في ما يسميه بروي بـ “أجهزة الجبهة المتحدة”، أي الهيئات التي وُجدت بشكل دائم وجمعت جميع العمال في مصنع أو منطقة معينة بغض النظر عن انتمائهم السياسي. كما أكسبت مقترحات الـ (KPD)في النقابات الشيوعيين سمعة “أبطال الوحدة”.
ظهرت فرصة لاختبار هذا التكتيك على المستوى الوطني في يونيو 1922، عندما اغتال أعضاء من جماعة إرهابية يمينية متطرفة السياسي ورجل الأعمال اليهودي فالتر راثيناو. وكانت هذه أحدث حلقة في حملة متصاعدة من العنف من جانب اليمين، والتي أظهرت القوات الرسمية للدولة اهتمامًا ضئيلاً في قمعها. ويشير بروي إلى ذلك:
“اغتنم الحزب الشيوعي الألماني (KPD) الفرصة على الفور. وبعد ساعتين فقط من الاغتيال، كتب إلى الحزبين الاشتراكيين الديمقراطيين، مقترحًا عقد اجتماع لتحديد الإجراءات الواجب اتخاذها… وكانت الحالة متوترة جدًا لدرجة أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي قبل الاجتماع المقترح، وبدون انتظار، دعا إلى تظاهرة جماهيرية في 25 يونيو. وفي الوقت نفسه، قرر الاتحاد النقابي الألماني تنفيذ إضراب نصف يوم.”
شعر الاتحاد النقابي الفيدرالي وقادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي بأنهم مضطرون للانضمام إلى المبادرة التي أطلقها الحزب الشيوعي الألماني (KPD)، جزئيًا لأن المطالب المركزية التي اقترحها الثوريون كانت مقبولة لديهم، وتشمل تطهير الجيش، والوظائف المدنية، والمحاكم من العناصر اليمينية المتطرفة، والعفو العام عن السجناء السياسيين، وقمع فرق الفاشيين. ومع ذلك، ظل هناك توتر داخل هذه الجبهة المتحدة. ويصف بروي المفاوضات كما يلي:
“كانت الأحزاب الأخرى معارضة للإضراب العام غير المحدود، ولجان السيطرة، وأفق حكومة العمال. وطلب الاتحاد النقابي الألماني (ADGB) ألا تكون المطالب موضوعًا لمساومات متبادلة، وهو ما قبلته الـ (KPD)بشرط أن تُحقق المطالب الدنيا المتبقية بأي وسيلة متاحة—وتم الاتفاق على ذلك. أما ممثلو الـ (SPD)، فقد استخدموا ملصقًا اعتبروه مسيئًا كذريعة لمطالبة الـ (KPD)بالتعهد بعدم شن هجمات على الجمهورية أو على حلفائهم الحاليين. وقد أدى رفض الشيوعيين إلى دفع الاجتماع إلى حافة الانهيار.”
استمرت التظاهرات الموحدة، وشعرت الحكومة بما يكفي من الضغط لدخول مفاوضات لتقديم تشريعات تلبي هذه المطالب. ومع ذلك، وخلال أسبوعين، انشق قادة الـ (SPD)عن الجبهة المتحدة ليصبحوا جزءًا من ائتلاف حكومي يميني. ولم يكن هذا بمثابة تبرئة لأولئك داخل الحزب الشيوعي الألماني (KPD) الذين عارضوا الجبهة المتحدة مع الإصلاحيين. أما بالنسبة لآلاف أعضاء الـ (SPD)الذين انضموا إلى الاحتجاجات ضد اليمين المتطرف، فقد أظهرت الأحداث أي من الحزبين كان جادًا في مواجهة التهديد المتنامي. وقد مكّن هذا النهج الـ (KPD)من توسيع نفوذه داخل الحركة العمالية وزيادة حدة النضال بين العمال.
تعلم كيفية الانخراط في أعمال دفاعية لا يضمن أن الحزب سيغتنم المبادرة عند ظهور فرصة للانتقال إلى الهجوم. وبعد عام، أضاع الحزب الشيوعي الألماني (KPD) نفوذه الجديد، حين بلغ العملية الثورية في ألمانيا ذروتها في خريف 1923، وفشل في استغلال فرصة لمحاولة تحدٍ ثوري للدولة. ومع ذلك، تظهر تجربته كيف يمكن لحزب ثوري جماهيري أن يبدأ في منافسة الاشتراكية الديمقراطية على الهيمنة داخل الحركة العمالية.
الجبهات المتحدة المناهضة للفاشية: زيتكين، غرامشي وتروتسكي
بعد هزيمة الثورة الألمانية، ومع تلاشي إمكانية الثورة في أوروبا، تسارعت بيروقراطية الدولة السوفيتية، لتبلغ ذروتها في مواجهة الثورة وظهور طبقة حاكمة جديدة يقودها ستالين. وقد انعكس هذا التطور داخل الكومنترن، الذي انحدر ليصبح أداة من أدوات السياسة الخارجية الروسية. وبالتالي، تم التخلي عن نهج الجبهة المتحدة من قبل الأحزاب الشيوعية العالمية.
حدث هذا على عدة مراحل. بعد أن رسخ ستالين سلطته في 1928، أعلن عن اندلاع موجة ثورية جديدة يكون فيها العدو الرئيس للعمال ليس الفاشية، بل الاشتراكية الديمقراطية، مما جعل أي تحالف مستحيلاً. لاحقًا، وبعد سحق الحركة العمالية الألمانية على يد النازية في 1933، عادت الأحزاب الشيوعية إلى بناء الوحدة. ومع ذلك، بدلاً من الجبهة المتحدة التي تصورتها الكومنترن في مرحلتها الثورية، أصبح هذا يعني الآن بناء “الجبهات الشعبية”، التي كانت عمليًا تجعل الثوريين يساهمون في استقرار الرأسمالية من خلال التحالف مع الأحزاب اليمينية. واستمر أهم الماركسيين المعاصرين في الدفاع عن الجبهة المتحدة الحقيقية. ويُعد تروتسكي أبرز شخصية مرتبطة بهذه الحجج، لكن تدخلات الثورية الألمانية كلارا زيتكين وغرامشي تستحق أيضًا النظر فيها.
الادعاء بأن الفاشية كانت مجرد شكل آخر من أشكال حكم البرجوازية، والارتباك المرتبط بين أساسها الطبقي وأساس الاشتراكية الديمقراطية، لم يُخترع على يد ستالين— مع ذلك، فقد اكتسب من خلاله وضع الخط الرسمي للحركة الشيوعية. فقد دافعت زيتكين بالفعل عام 1923 عن فهم أكثر تعقيدًا للفاشية ضد أولئك الذين قللوا من تهديدها. وفي كثير من النواحي، تمهد كتابات زيتكين جوهر حجج تروتسكي الأكثر شهرة بعد عقد من الزمن— وتكون أكثر تأثيرًا لأن خبرة الحركات الفاشية كانت آنذاك محدودة نسبيًا.
كانت زيتكين تسعى للاستفادة من هزيمة الحركة العمالية الإيطالية وتجنب تكرار نفس الأخطاء في ألمانيا. وربطت تحليلاتها للفاشية ظهورها كحركة جماهيرية بالأزمة العميقة للمجتمع الرأسمالي، التي كانت تهدد بدفع شرائح من الطبقات الوسطى إلى البروليتاريا. استخدمت الفاشية خطابًا مناوئًا للرأسمالية مزيفًا لجذب هذه الطبقات، لكن جوهر أيديولوجيتها كان استبدال الانتماء الطبقي بالانتماء للأمة. وبسبب هذا، كانت العنصرية، والعنف المنظم لقمع اليسار، والدفع نحو الحرب جزءًا لا يتجزأ من الحركة. وعلى الرغم من أنها حددت الطبقات الوسطى كأساس اجتماعي للفاشية، إلا أن زيتكين أدركت احتمال دعم أجزاء من الطبقة الحاكمة للحركة. ولضمان حكمهم، كانوا بحاجة إلى “أدوات قوة خارج القانون وخارج الدولة”، التي وفرها عناصر العاصفة الفاشية. أما بشكل أقل إقناعًا، فقد جادلت زيتكين بأنه بمجرد وصول الفاشية إلى السلطة، ستؤدي هذه التناقضات الطبقية إلى عودة النضال الطبقي. ومع ذلك، أصرت على أن الهدف من تحليل هذه التناقضات ليس التنبؤ بالسقوط الحتمي للفاشية، “بل تفادي الوقوع في دور المراقب الذكي والمتقن لعملية الانحلال هذه”.
بدلاً من ذلك، أظهرت التجربة الإيطالية أن الفاشية كانت تمثل تهديدًا عاجلًا لكامل الحركة العمالية. ولم تكن الفاشية تكترث إذا ما تأثر العمال بالإصلاحية، أو الاشتراكية الثورية، أو حتى النقابات الكاثوليكية: “كل ما يهم الفاشية هو أن يواجهوا بروليتاريا واعية طبقيًا، ثم يضربوها حتى تقع على الأرض”. وكان استنتاجها أن “على العمال أن يجتمعوا للنضال بغض النظر عن الانتماء الحزبي أو النقابي”. وأكد قرار كتبته زيتكين واعتمده الكومنترن في يونيو 1923 أن الشيوعيين يجب أن يتولوا النضال ضد الفاشية، ويتضمن ذلك إنشاء “هيكل خاص لقيادة النضال… يتألف من أحزاب ومنظمات العمال من كل وجهة نظر”.
في عام 1924، عندما بدأ الكومنترن بالتخلي عن سياسة الجبهة المتحدة، استمرت زيتكين في التأكيد على أن المفاوضات مع الإصلاحيين لا ينبغي رفضها كمسألة مبدئية. فقد تكون وسيلة لزيادة الضغط عليهم للتحرك، وكسب نطاق أوسع من مؤيديهم تحت رايتنا.
في إيطاليا نفسها، كان غرامشي واحدًا من القادة البارزين في الحركة الشيوعية الناشئة. وقد انتقد كلا من القادة الإصلاحيين الذين أدَّوا إلى فشل حركة احتلال المصانع والتعصب الانغلاقي الذي سيطر على قيادة (PCI) بقيادة بورديغا.
أثناء احتلال المصانع، كان صحيفته L’Ordine Nuovo (النظام الجديد) تحدد ديناميكية السلطة المزدوجة وإمكانية أن تصبح المنظمات العمالية التي تشكَّلت داخلها أساسًا لدولة عمالية. وأجرت L’Ordine Nuovo مقابلة مع قائد الأرديتي، وحاجج غرامشي بأن الثوريين يجب أن يدعموهم ويبنوا مقاومة مناهضة للفاشية موحدة.”
ومع ذلك، وعلى الرغم من تقديمه حججًا مقنعة، لم يوجه غرامشي نقدًا مستمرًا لفصيل بورديغا اليساري المتطرف. ولم يبدأ غرامشي ببناء جناح قادر على تشكيل قيادة جديدة للـ (PCI) وتحويلها عن أخطاء اليسار المتطرف إلا في السنوات التالية لانتصار موسوليني في خريف 1922. وبحلول عام 1926، كان بورديغا لا يزال يرى الفاشية غير مختلفة كثيرًا عن “الحكم البرجوازي الطبيعي”، وكان يجادل ضد أي جبهة متحدة مع الاشتراكية الديمقراطية. وكانت هذه الحجج أقل إقناعًا حين تم طرحها في مؤتمر ليون للـ (PCI) الذي عُقد في فرنسا لأن (PCI) وكل الأحزاب المعارضة كانت محظورة من قبل الفاشيين. ومع ذلك، بالنسبة لبورديغا، فإن “التحالفات السياسية، سواء كانت دائمة أو مؤقتة، إلى جانب اللجان التي تضم ممثلين لأحزاب سياسية مختلفة كوسيلة لتوجيه النضال”، يجب رفضها تمامًا، وكذلك “المفاوضات، والمقترحات للعمل المشترك، والرسائل المفتوحة للأحزاب الأخرى من قبل الحزب الشيوعي”.
قدّم غرامشي مجموعة من الأطروحات المعاكسة تمامًا لهذا النهج. فقد كتب أن “توحيد قوى البروليتاريا… على أرضية النضال” لم يكن مجرد أمر صحيح، بل كان “المهمة الأساسية للحزب” في تلك الظروف. وكان وحدة العمال في العمل تمثل “نتيجة واقعية وملموسة يجب تحقيقها”، وتستلزم من الشيوعيين أن يكونوا “قادرين على التقارب مع عمال الأحزاب الأخرى ومن دون حزب، متغلبين على العداء غير المبرر وسوء الفهم”. ويجب أن تهدف الجبهة المتحدة إلى “أن تكون منظمة… أي أن تستند إلى هيئات يمكن للجماهير كلها أن تعاود التجمع حولها وتجد فيها شكلاً” و”دون تبجيل أي شكل تنظيمي معين، مع مراعاة أن غايتنا الأساسية هي تحقيق تعبئة متزايدة ووحدة عضوية للقوى”. وعلى عكس مزاعم بورديغا بأن هذا يساوي التضحية باستقلالية الثوريين، أكدت الأطروحات أن تكتيك الجبهة المتحدة مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمسألة كيفية قيادة الحزب الشيوعي للجماهير وكيفية كسبه الأغلبية.
لكن للأسف مرة أخرى، وعلى الرغم من دعم مؤتمر الحزب لحجج غرامشي، إلا أنه بحلول نهاية العام، تم سجنه على يد موسوليني. وكانت الخطوط التي فرضها الكومنترن المُموّل ستالينيًا على الشيوعيين أقرب كثيرًا إلى الخط المرتبط ببورديغا. ولم يتبقَّ إلا تروتسكي، وخصوصًا في كتاباته عن ألمانيا في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، لتحدي هذا النهج. ففي عام 1928، أعلن المؤتمر السادس للكومنترن ما أصبح يعرف بـ “الفترة الثالثة”، مؤكدًا أن العدو الرئيسي هو الاشتراكية الديمقراطية وليس الفاشية. وهذا ألغى أي إمكانية للتحالف مع الأحزاب الإصلاحية أو النقابات المتأثرة بها. وقد أصبح مفهوم أن أحزابًا مثل (SPD) هي “فاشية اجتماعية” هو الموقف الرسمي للشيوعيين، ما يعني أن شكلاً من أشكال الفاشية كان قد أصبح سائدًا في ألمانيا بالفعل. والأسوأ من ذلك، أصبح شعار “بعد هتلر، نحن!” هو المردّد من قبل (KPD). فإذا كان الحزب الشيوعي الألماني قد بدا في 1922-1923 كأكثر المدافعين حماسة عن وحدة العمال، فإن الكثير من العمال صاروا يرونه الآن انغلاقيًا إلى حد اليأس. وبهذا، “عزلت الأحزاب الشيوعية نفسها، ثم صرخت بغضب من على الهامش”.
في كتاباته من المنفى، قدّم تروتسكي تحليلاً ماركسيًا للفاشية شبيهًا بالذي روجت له زيتكين. فقد نشأت الحركة الفاشية الجماهيرية حول أوهام “النهضة الوطنية”، ولم تكن مؤامرة مدبرة من الرأسماليين. بدلاً من ذلك، في مواجهة أزمة عميقة بما يكفي، قد تدخل الطبقة الحاكمة في تحالف مع قادة الحركة الفاشية لإطلاق عنفهم القاتل ضد العمال وتدمير كل معقل للديمقراطية والتنظيم. وقد اعترف هذا التحليل بأن المنظمات الشيوعية والاجتماعية الديمقراطية، فضلاً عن النقابات والتعاونيات وما إلى ذلك، كانت تواجه خطر الإبادة التامة. وفي السياق الألماني، كان هذا يعني أن الحزب الشيوعي الألماني (KPD) كان مضطرًا مرة أخرى لخوض صراع الجبهة المتحدة للدفاع عن العمال ضد الفاشيين.
انتقد تروتسكي ما سمّاه “المطلقية” لدى الحزب الشيوعي الألماني (KPD)، الذي كان يقدّم مقترحات وحدوية نصف جدية، مصحوبة بكل أنواع الشروط والتهديدات، والتي تُسحب بسرعة بقدر ما تُقدَّم. وشبّه تروتسكي هذا الموقف بموقف ألكسندر بوغدانوڤ البلشفي ، الذي عند ظهور أول مجالس عمالية في الثورة الروسية عام 1905، طالب في مجلس بتروغراد بأن يضع العمال أنفسهم تحت قيادة البولشفيين، وإلا فسيغادر الاجتماع. وبنفس المنطق، تصرّف (KPD) كما لو أنه يمكنه “المطالبة بطاعة البروليتاريا مباشرة”. وأوضح تروتسكي سخافة هذا الموقف في تعليق ساخر:
“كل جبهة متحدة لا تضع نفسها أولًا تحت قيادة الحزب الشيوعي… فهي موجهة ضد مصالح البروليتاريا. ومن لا يعترف بقيادة الحزب الشيوعي فهو بنفسه “ثائر مضاد”. ويُفترض بالعمال أن يثقوا بالمنظمة الشيوعية مقدمًا، بناءً على كلمة شرفها”.
كان رفض السعي إلى جبهة متحدة ضد الفاشية بمثابة التخلي عن مشروع كسب أغلبية الطبقة العاملة:
“المشكلة التاريخية ذاتها التي لم يجرِ حلها بعد من قبل الحزب الشيوعي—وهي توحيد الغالبية العظمى من العمال تحت رايته— تحوّلها البيروقراطية إلى إنذار نهائي، إلى مسدس يضعه على صدغ الطبقة العاملة.”
لم يرغب قادة (SPD) واتحاد النقابات (ADGB) في خوض صراع نضالي ضد النازيين يستفيد من قوة العمال، وكانوا أيضًا يعيشون أوهامًا بأن الدولة الرأسمالية والدستور سيوقفان هتلر. ومع ذلك، بدأ عدد متزايد من مؤيديهم يدركون تهديد النازيين وكان من الممكن جذبهم إلى مبادرات موحدة. وكان ذلك يتطلب من (KPD) تكرار عرض الوحدة على قادتهم، كما فعلت في عام 1922. بدلًا من ذلك، قدّم قادة (KPD) فكرة “الجبهة الحمراء المتحدة” أو “الجبهة المتحدة من الأسفل”، والتي سخر منها تروتسكي باعتبارها جبهة (KPD) المتحدة “مع ذاتها”. وقد وفّر الموقف الإنغلاقي للحزب الشيوعي أعذارًا لقادة (SPD) لعدم تحركهم. وكانت هزيمة النازيين للطبقة العاملة الألمانية، التي كانت الأقوى عالميًا، ورعب معسكرات الاعتقال والحرب العالمية الثانية، هي الثمن الدموي لفشل السعي إلى مقاومة موحدة.
الجبهة الشعبية
الصدمة التي أحدثها انتصار هتلر، تلتها بسرعة القضاء على أحزاب العمال والنقابات، جعلت استمرار سياسة “الفترة الثالثة” غير ممكنة، لا سيما مع نمو الحركات الفاشية في أوروبا. هذا التوجه الجديد نحو الوحدة من قبل الكومنترن والأحزاب الشيوعية جاء بالتزامن مع المناورات الدبلوماسية للدولة السوفيتية لتأمين تحالفات مع بريطانيا وفرنسا، تحضيرًا لحرب محتملة بعد صعود هتلر. كانت التحالفات التي طُلب من الشيوعيين السعي وراءها، بين أحزاب العمال وأقسام من البرجوازية الليبرالية المحلية، مصممة بحيث لا تقوض هذه الجهود الدبلوماسية. في هذا الإطار، أصبح على الشيوعيين احتواء النضال مع التنازل عن بعض القضايا، مثل دعم حركات التحرر الوطني التي قد تصطدم مع القوى الإمبريالية الحليفة للاتحاد السوفيتي. كما يشير هالاس، أدى هذا التحول بالشيوعيين إلى “موقف يميني أكثر من الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وموقف تعاون طبقي… بالضبط الموقف الذي ثار مؤسسو الكومنترن ضده”.
في فرنسا، أدت محاولة اليمين لإجبار الحكومة الليبرالية الراديكالية بقيادة إدوار دالاديه على الاستقالة إلى إشعال مقاومة جماهيرية واسعة. أدى الإضراب العام إلى ضغط شعبي على قيادات كل من الحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الشيوعي، مما دفعهما إلى الاتفاق على تحالف انتخابي، الجبهة الشعبية، الذي شمل ليس فقط الحزبين العماليَّين، بل وأيضًا، وبإصرار من الشيوعيين، الراديكاليين بقيادة دالاديه، وهو حزب مؤسسي بامتياز. أدت الانتخابات التي فازت بها الجبهة الشعبية في يونيو 1936 إلى موجة واسعة من الإضرابات واحتلال المصانع. هذا أثار خوف الطبقة الحاكمة، فبادرت حكومة الجبهة الشعبية إلى اتخاذ إجراءات لتسوية الإضرابات. تفاوض قادة النقابات وأصحاب العمل على تقديم تنازلات للعمال، بينما حاول الشيوعيون إقناع المضربين بقبول هذه العروض المحدودة. أدى هذا إلى ارتباك الحركة العمالية، ومع تصاعد أزمة الرأسمالية الفرنسية، سرعان ما تآكلت هذه التنازلات بفعل الصعوبات الاقتصادية. الحكومة “اليسارية” استهلكتها تناقضاتها؛ فمن كونها حليفًا مزعومًا في تحالف مناهض للفاشية، عاد دالاديه ليشكل نظامًا سلطويًا، محظورًا فيه الحزب الشيوعي، مع دفع خطاب معاد للسامية. بعد الهجوم الألماني في مايو-يونيو 1940 واحتلال فرنسا النازي، صوّت البرلمانيون الراديكاليون والاشتراكيون لصالح النظام التعاوني مع النازيين بقيادة فيليب بيتان.
في إسبانيا، كانت الحكومة الأولى للجبهة الشعبية، المنتخبة في فبراير 1936، أكثر اعتدالًا. ومع ذلك، سرعان ما انقسمت الجمهورية الإسبانية الجديدة بين طبقة عاملة كفاحية ويمين متطرف متصاعد العدوانية. في يوليو من نفس العام، حاول فرانكو الانقلاب بدعم من الفاشيين، والكنيسة الكاثوليكية، وأقسام من الطبقة الحاكمة، وحتى بعض الشخصيات في حكومة الجبهة الشعبية. على الرغم من شلل أحزاب الجبهة الشعبية أمام الانقلاب، نهض العمال والفلاحون في مناطق واسعة من البلاد، واستولوا على الثكنات العسكرية لاقتناء الأسلحة وإيقاف تقدم اليمين المتطرف. شكل هذا بداية الثورة الإسبانية. في المناطق المحررة، توقفت المؤسسات التقليدية للدولة، وأصبحت الميلشيات العمالية هي المسيطرة. قام الفلاحون بتجميع الأراضي، وأنشئت لجان عمالية لتنظيم النقل والإمدادات والخدمات الصحية، وارتقت مكانة المرأة إلى مستويات غير مسبوقة في العالم في ذلك الوقت. أثار هذا الهجوم العمالي سؤالًا حاسمًا: هل يجب تجميد العملية الثورية حتى يتوقف تقدم فرانكو، أم أن تعميق الثورة الاجتماعية هو الضمان الأفضل لهزيمته، وتحويل النضال المناهض للفاشية إلى حرب ثورية شاملة وإطلاق قوة العمال ضد الدولة الرأسمالية؟ الخيارات الأولى كانت موقف جميع التنظيمات الرئيسية للعمال والجمهوريين الليبراليين في الجبهة الشعبية. أما الشيوعيون، تحت توجيه موسكو، فذهبوا إلى أقصى ما يمكن من هذا المنطق: استخدموا القوة لتفكيك الميلشيات العمالية، وطلبوا من العمال التنازل عن المكاسب التي حققوها، وإعادة الأراضي المجمعة إلى ملاكها، وقتل الأناركيين والثوريين الاجتماعيين، وإعادة بناء الدولة الجمهورية مع الجيش النظامي. هذه السياسات مهدت الطريق لانتصار فرانكو في 1939 وديكتاتورية استمرت لأربعة عقود.
تُظهر هذه الأمثلة الفجوة الكبيرة بين سياسة الجبهة المتحدة وسياسة الجبهة الشعبية. ومع ذلك، لا يزال مبدأ الجبهة الشعبية يؤثر على التفكير المناهض للفاشية اليوم. على سبيل المثال، ردًا على اقتحام الكابيتول من قبل مؤيدي دونالد ترامب في 6 يناير 2021، دعا عضو حزب العمال بول ميسون إلى العودة للجبهة الشعبية باعتبارها “تحالفًا مؤقتًا بين المركز واليسار”. في فرنسا، يُسمى التحالف اليساري بقيادة جان-لوك ميلانشون، الذي يهدف صراحةً إلى إيقاف صعود الحزب الفاشي “التجمع الوطني”، Nouveau Front Populaire (الجبهة الشعبية الجديدة). اتباع نهج مشابه لمواجهة العنصرية المتطرفة لحزب Reform UK شجعته رئيس وزراء اسكتلندا، جون سويني، الذي دعا في أواخر أبريل إلى “تجمع حول الديمقراطية والاحترام” شارك فيه قادة جميع الأحزاب البرلمانية الأخرى وقطاعات من المجتمع المدني، مع دعوة حزب المحافظين على الرغم من دوره في تعزيز المناخ المعادي للهجرة الذي يزدهر فيه حزب فاراج. كما أشار أليكس كالينيكوس ردًا على حجج ميسون، فإن سجل الجبهة الشعبية في ثلاثينيات القرن الماضي:
“سجل الجبهة الشعبية يكاد لا يشير إلى أن “تحالفًا مؤقتًا بين المركز واليسار” هو الطريقة الصحيحة لهزيمة الفاشية. فالمركز لم يثبت على موقفه فحسب، بل خان القضية. هذا الحكم التاريخي يصبح أكثر وضوحًا إذا أخذنا في الاعتبار طبيعة المركز المتطرف المعاصر… وهم مدراء النظام النيوليبرالي الحالي. إن فشلهم هو المصدر الأساسي للأزمة الراهنة. وبالتالي، فإن التحالف مع أمثالهم يجعل من الأسهل من أي وقت مضى على اليمين المتطرف أن يظهر نفسه كالتحدي الحقيقي للوضع القائم.”
إعادة ابتكار الجبهة المتحدة
كانت بريطانيا واحدة من الأماكن التي سعى فيها الثوريون، بعد الحرب، لتطبيق تكتيك الجبهة المتحدة على مشكلات جديدة. أصبح ذلك ممكنًا بعد مرحلة جديدة من النضال العمالي الدولي، التي افتتحتها الإضرابات العامة في فرنسا في مايو 1968، والتي بدأت في تخفيف القبضة الستالينية على الحركة العمالية، مما أتاح لليسار الثوري جمع قواه الخاصة، وإن كان على نطاق أصغر بكثير مقارنةً بسنوات ما بين الحربين.
سيصف كتاب جديد لجيف براون، بعنوان تاريخ شعبي للرابطة المناهضة للنازيين، المقرر صدوره في صيف 2025، بالتفصيل كيف تمكن حزب العمال الاشتراكي (SWP)، أحد التنظيمات اليسارية المتطرفة التي بدأت تكسب قاعدة من الكوادر العمالية بعد انتفاضة 1968، من العمل مع الآخرين لبناء جبهة متحدة شعبية ضد التهديد المتصاعد من الجبهة الوطنية الفاشية في أواخر السبعينيات.
على المستوى المحلي، غالبًا ما واجه الفاشيون معارضة، لكن المقاومة المنظمة والموحدة على الصعيد الوطني كانت لا تزال بعيدة المنال. يقتبس براون الصحفي مارتن ووكر، الذي كتب في نهاية عام 1977، قائلاً: «كانت الانقسامات الأيديولوجية القديمة لا تزال تجعل من المستحيل تقريبًا أن يتجاوز اليسار المتطرف والمعادون للفاشية المعتدلون خلافاتهم ضمن جبهة مشتركة منضبطة». وقد قوبل خطاب مفتوح من قيادة حزب العمال الاشتراكي (SWP) إلى الحزب الشيوعي – الذي كان لا يزال أكبر تنظيم يساري إلى يسار حزب العمال – يقترح فيه «عقد اجتماعات مشتركة للجان الحزبية المسؤولة عن النشاطات المناهضة للعنصرية، بهدف إطلاق حملة مشتركة داخل حركة العمال لطرد الفاشيين من الشوارع» بالرفض من قبل الشيوعيين.
كانت معركة لويسهام في أغسطس 1977 نقطة تحول مهمة. خططت الجبهة الوطنية (NF) للتظاهر في منطقة متعددة الثقافات في جنوب شرق لندن. وقد جادل حزب العمال الاشتراكي (SWP) بأنه من الضروري إيقاف الفاشيين فعليًا، وقد لاقت هذه الفكرة صدىً لدى الشباب السود المحليين وغيرهم الذين شاركوا هذا النهج الأكثر تصعيدًا. في اليوم المحدد، وجد الفاشيون أن الطريق المخطط له محتلّ من قبل آلاف المتظاهرين السود والبيض. قام المعارضون للفاشية بتفريق تجمع الجبهة الوطنية، بينما عجزت الشرطة عن تمهيد الطريق للمسيرة. وكان الرد الرسمي على هذه الأحداث شبه موحد في إدانة حزب العمال الاشتراكي والمشاركين في الفعل، مستخدمين عبارات مثل «الفاشيون الحمر». يذكر براون أن الصحف مثل الـDaily Mail والـTimes والـGuardian والـMorning Star، إضافة إلى نواب حزب العمال البارزين ونائب الزعيم آنذاك مايكل فوت، وقادة النقابات، جميعهم انتقدوا تصرفات الـ(SWP) .على الأرض، كان المزاج مختلفًا تمامًا. يذكر بول هولبورو، عضو الـ(SWP)، قائلاً:
“عندما ذهبت إلى المكتب الوطني للحزب صباح الاثنين، كان الهاتف يرن بلا توقف، وكانت الرسائل متطابقة من جميع أنحاء لندن وأجزاء من البلاد. قال الناس إن ما فعلتموه يوم السبت كان رائعًا تمامًا، ونحن ندعمكم بالكامل، لكننا لا نتفق مع السياسات الأوسع للحزب”.
كان هولبورو أحد الشخصيتين الرئيسيتين في تأسيس رابطة مكافحة النازيين (ANL)، والأخرى كانت بيتر هاين من حزب العمال، الذي كان آنذاك ناشطًا معروفًا ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وسعت بيان تأسيس الـ(ANL) إلى «توحيد كل من يعارض نمو النازيين في بريطانيا، بغض النظر عن الاختلافات السياسية الأخرى». واستمرت الـ(ANL) ، جنبًا إلى جنب مع حركة “Rock Against Racism” (RAR)، لتشكل أساسًا لإحدى أكثر الحركات الجماهيرية تأثيرًا في بريطانيا بعد الحرب، وجذبت مئات الآلاف إلى تظاهرات مضادة ومهرجانات ثقافية جماهيرية ضد النازيين. وقد غيّرت هذه الحركات الأجواء السياسية ودفعت حجج مكافحة الفاشية والعنصرية بعمق داخل أماكن العمل والمجتمعات. يقدم الكتاب العديد من الأمثلة على النشاط الجماهيري والإبداع الذي أطلقته الـ(ANL) و(RAR)، مع التركيز على الحملات الانتخابية، مؤتمرات النقابات، الأنشطة في أماكن العمل، الموسيقى والمشهد الثقافي الأوسع، العمل حول ملاعب كرة القدم، وغير ذلك الكثير. وقد قلّص هذا النهج بشكل حاسم من قوة حزب النازيين الوطني (NF)، الذي كان في أواخر السبعينيات يتراجع. وكان تحقيق هذا ممكنًا لأن الـ(SWP)نجح في بناء جبهة متحدة حقيقية قادرة على العمل بشكل مستقل عنها.
كانت التهمة بأن رابطة مكافحة النازيين (ANL) كانت واجهة لحزب الـ(SWP)إهانة لذكاء عشرات الآلاف من المشاركين فيها. شمل أنصارها 50 فرعًا محليًا لحزب العمال، و25 مجلسًا نقابيًا، و13 لجنة لمندوبي المتاجر، و11 فرعًا لاتحاد عمال المناجم الوطني (NUM). كما كان هناك 30 فرعًا لنقابات عمال الهندسة منخرطين في الـ(ANL) ، بالإضافة إلى فروع منتسبة تنظم عمال السكك الحديدية، والموظفين المدنيين، وعمال النسيج، وموظفي الحكومة المحلية، وعمال الطباعة، والصحفيين، وتقنيي التلفزيون والراديو، وعمال البريد ورجال الإطفاء. كما صوتت 26 لجنة تنفيذية نقابية لدعم الـ(ANL) .
كان نجاح رابطة مكافحة النازيين (ANL) ملكًا للجميع، لكن الفهم النظري للجبهة المتحدة، الذي طوره تروتسكي وآخرون، وتطبيقه الإبداعي، شكّل مصدر إلهام للثوريين. وقد استندت نفس المقاربة في المنظمات اللاحقة للـ(ANL)، مثل “التوحد ضد الفاشية” (Unite Against Fascism)، أو منظمات الحملة مثل “ائتلاف وقف الحرب” (Stop the War Coalition) الذي تأسس لمعارضة حرب الإرهاب في أوائل الألفية الثانية. وشجعت هذه التجارب الثوريين في أماكن أخرى على تبني نهج مماثل، بما في ذلك الحركة اليونانية الناجحة للغاية ضد العنصرية والفاشية، الحركة المتحدة ضد العنصرية والتهديد الفاشي (KEERFA)،” التي لعبت دورًا محوريًا في معارضة منظمة النازيين الفجر الذهبي (Golden Dawn) .
يعتمد نفس الفهم على قف لمناهضة العنصرية (Stand Up to Racism – SUTR)، الذي نشأ عن رابطة مكافحة الفاشية (UAF)، والذي، مع استمرار دوره في التعبئة ضد الفاشية، يسعى أيضًا لمواجهة التشكيلات اليمينية المتطرفة غير الفاشية، مثل حزب إصلاح المملكة المتحدة (Reform UK)، والعنصرية المؤسسية التي تغذي نموها. يساهم الحزب الاشتراكي العمالي (SWP) في جهود بناء هذه الجبهة المتحدة، بالتعاون مع الآخرين الذين يعتبرون العنصرية تهديدًا ويوافقون على ضرورة مكافحتها بطريقة موحدة. تشمل المبادرات الحديثة الأخرى، مثل حملة نطالب بالتغيير (We Demand Change)، التي أُطلقت في لندن في مارس 2025 ضمن حدث حضره 2,000 شخص، مجالًا آخر يمكن للثوريين وغير الثوريين أن يتحدوا فيه، في هذه الحالة، لبناء معارضة لهجمات كير ستارمر على الطبقة العاملة، مع مناقشة واختبار أفكار ومقاربات مختلفة عمليًا.
الجبهة المتحدة اليوم
تُقدَّر قوى اليسار الثوري في دول مثل بريطانيا اليوم، في أفضل الأحوال، بعدة آلاف فقط. ميزان القوى يميل بقوة أكبر نحو الإصلاحية مقارنةً بسنوات ما بين الحربين، حتى وإن كانت الاشتراكية الديمقراطية قد شهدت أيضًا فترة طويلة من التراجع. هناك شيئان يجعلان الجبهة المتحدة لا تزال تكتيكًا ذا صلة بالثوريين رغم التغيرات العميقة التي طرأت على الحركة العمالية: أولًا، وعي الإصلاحية لا يزال مسيطرًا، وهو واقع يواجهه الثوريون يوميًا. ثانيًا، يظل مشروع كسب غالبية العمال للثورة هو الاستراتيجية الوحيدة القابلة للتطبيق لأولئك الذين يرغبون في تجاوز الرأسمالية، ولا يمكن تحقيق ذلك بمجرد النقاش المجرد حول الأفكار. تستمر الجبهة المتحدة في لعب دور مهم في هذا السياق. تظهر التجارب المستعرضة في هذا المقال كيف أن النضالات الدفاعية يمكن، من خلال رفع ثقة الطبقة العاملة في قوتها الجماعية، أن تخلق أيضًا أرضية أكثر ملاءمة لدفع العمال نحو الهجوم والمبادرة.
ينبغي أن يتضمن هذا دائمًا تقييمًا لما إذا كان تكتيك الجبهة المتحدة قابلًا للتطبيق وكيفية ذلك، بما يشمل مراعاة ميزان القوى المعني. فحزب صغير مثل الـ(SWP) لا يمكنه مخاطبة كامل حزب العمال كما كان بإمكان الـ(KPD )مخاطبة الـ(SPD) في ألمانيا قبل مئة عام. ومع ذلك، يمكنه أن يقترح مثل هذه التحالفات لأجنحة محددة من يسار حزب العمال، أو لقادة نقابات معينة، مع توجيه الجهود نحو استخدام تلك الاتفاقيات الوطنية لتعزيز تحالفات على المستوى المحلي، وتشجيع الناشطين في أحزاب مختلفة أو من دون حزب على المشاركة في العمل المشترك. قد يكون الحلفاء في جبهة نضالية ما خصومًا في جبهة أخرى، وقد تتغير أسس التحالفات بمرور الوقت. على سبيل المثال، سيختلف شكل المقاومة المتحدة ضد سياسات التقشف تحت حكومة حزب العمال الحالية عما كان عليه تحت حكومة حزب المحافظين السابقة. قادة النقابات الذين دعموا الاحتجاجات ضد التقشف في ظل حكم المحافظين قد يكونون أكثر ترددًا الآن عندما تستهدف الاحتجاجات حكومة حزب العمال. وبالمثل، يحتاج المشاركون في الجبهة المتحدة ضد العنصرية إلى النظر في أن حزب (Reform UK) هو في طليعة سياسات الكيل باللوم العنصرية، بينما حكومة حزب العمال بقيادة كير ستارمر تتبنى الآن عناصر من خطاب نايجل فاراج وتستخدم أجهزة الدولة لتصعيد عمليات الترحيل، مما يثير استياء أجزاء أخرى من حزب العمال.
ميزان القوى بين الثوريين والإصلاحيين اليوم يجعل من مشروع جعل الحزب الثوري قطبًا جذابًا ضمن أنشطة الجبهة المتحدة أمرًا أقل بساطة. حجة تروتسكي بأن الثوريين لا يكسبون إلا من خلال النضالات في الجبهة المتحدة التي ترفع من قتالية الطبقة صحيحة شكليًا، لكن تحويل هذا إلى نمو عددي للمنظمة الثورية بعيد عن أن يكون تلقائيًا. ففي عشرينيات القرن الماضي، كانت الطبقة العاملة تشارك في صراعات جماهيرية، وكانت مستويات الوعي الطبقي والنشاط الذاتي مرتفعة، وهو أمر بعيد كل البعد عن الواقع اليوم.
كان حزب العمال هو الذي انضم إليه الكثير من الأشخاص الذين أصبحوا سياسيين حديثًا في حركة الجبهة المناهضة للنازية (ANL) وRock Against Racism (RAR)، إذ بدا الانضمام إلى تنظيم إصلاحي بدلًا من تنظيم ثوري خطوة منطقية تالية. ويمكن قول الشيء نفسه عن ائتلاف Stop the War Coalition في أوائل الألفينيات، وهي الفترة التي لعبت فيها (SWP) دورًا هيمنيًا ضمن اليسار الراديكالي البريطاني بينما كان عدد أعضائها يتراجع. يبرز هذا أهمية أن يطابق الثوريون التزامهم بالعمل في الجبهة المتحدة مع جهد واعٍ ومستمر لإقناع من يعملون معهم بضرورة كسر قيود الإصلاحية والانخراط في الثورة، موضحين ومبرهنين على تفوق تكتيكاتهم. ومن المهم أيضًا ألا يعتمد الثوريون على نشاط الجبهة المتحدة وحده للنمو؛ فطرق النضال والتنظيم الأخرى، من الدعاية في الشوارع إلى خلق مساحات للنقاش الأيديولوجي الماركسي، تبقى ضرورية. تمامًا كما أن استيعاب النظرية بمعزل عن الانخراط في النضال الواقعي لا يُنتج عادة كوادر ثورية قادرة على التدخل في الواقع، فإن النشاط العملي الذي لا يُنظر إليه بشكل منهجي ويُدمج في جسد النظرية الثورية سينتج، في أحسن الأحوال، ناشطين جيدين سيكون وقتهم في صفوف الثوريين قصيرًا.
إيجاد التوتر مع القوى الإصلاحية ضمن الجبهة المتحدة يصبح أكثر تعقيدًا بسبب انخفاض مستويات النضال والوعي الطبقي في الفترة الحالية، ما يجعل العبء غالبًا على الثوريين للحفاظ على وحدة الجبهة. هذا الوضع يمكن أن يمارس ضغطًا معتدلًا، يثني المشاركين عن التعبير عن آرائهم أو إثارة الخلافات الحادة. التنقل في هذه المياه المعقدة هو فن أكثر منه علم، وأولئك الذين يأملون في العثور على صيغ جاهزة للمشاكل التي تطرحها الصراع الطبقي اليوم في كتابات تروتسكي من عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي من المرجح أن يضلوا الطريق. ينبغي على الثوريين أن يكونوا صريحين بأفكارهم أثناء حملاتهم مع الآخرين، وأن يجادلوا علنًا حول طرق النضال، حتى عندما يعلمون أنهم في أقلية. يجب أن يسعى الثوريون دائمًا ليكونوا القطب اليساري ضمن الجبهة المتحدة، دافعين نحو العمل النضالي والحجج الراديكالية.
بناءً على ما سبق، كلما نجح اليسار الثوري في التوسع خلال السنوات القادمة، زادت إمكانية الضغط على الإصلاحيين للمشاركة في إجراءات مشتركة يمكن أن تجذب عددًا أكبر من العمال للنشاط. يتطلب بناء يسار ثوري الانخراط الفعّال في صراعات الطبقة العاملة. وفي هذا الإطار، ستظل الجبهة المتحدة نهجًا مثمرًا طالما ظل الثوريون أقلية داخل صفوف العمال.
Héctor Sierra :هو عضو في اللجنة المركزية لحزب العمال الاشتراكي ويقيم في غلاسكو. كما يشغل منصب سكرتير منظمة Stand Up to Racism في إسكتلندا ويعمل ناشطًا في Stop the War Scotland.
ترجمة الرفيق أبو جاد
