
جوزيف شونارا _ مجلة الإشتراكية الأممية، العدد 186
ترجمة: الخط الأمامي
في المصطلحات العسكرية التقليدية، كان مصطلح “الكادر” يشير إلى نواة الضباط التي يمكن بناء وحدة من الجنود حولها. وكغيرها من المصطلحات العسكرية، تبناها الثوريون في فترة ما بين الحربين: فقد أصبح الكادر يشير إلى نواة النشطاء في حزبٍ ما، يروّجون لأفكار تنظيماتهم ويؤمّنون القيادة والتوجيه ضمن الحرب الطبقية.
إن مسألة تأسيس الكوادر، أي تحويل الأشخاص الذين ينجذبون إلى السياسة الثورية إلى كوادر، هي مسألة جوهرية لكل من يؤمن بأن التنظيم السياسي ضروري للإطاحة بالرأسمالية وجعل المجتمع الاشتراكي ممكنًا. وعلى الرغم من أن النمو العددي للتنظيم الثوري عبر التجنيد أمر مهم، إلا أنه من غير المرجّح أن يتجاوز هذا التنظيم حدود زمرة دعائية ما لم يكن لديه نواة من الأعضاء القادرين على التعبير عن الأفكار الثورية بوضوح وقيادة النضالات. علاوة على ذلك، وبما أن الأفكار الثورية الجذرية تُعد، خارج اللحظات الثورية، ملكًا لأقلية وتتناقض مع الأفكار السائدة في المجتمع، فإن هذه النواة يجب أن تكون واثقة بما يكفي من تصورها للعالم لتقاوم الضغوط الاجتماعية الكبيرة التي تدفع نحو التماهي مع السائد.
مثل هذا الكادر لا يتكوَّن بشكل عفوي. صحيح أن الظروف التي تتسم بمستوى عالٍ من الصراع الطبقي يمكن أن تُسرّع وتُسهّل هذه العملية. ومع ذلك، حتى في هذه الحالات، فإن مجرد الخبرة العملية في النضال لا تؤدي تلقائيًا إلى نشوء ثوريين متكاملين قادرين على بناء تنظيم على المدى الطويل. فالنضالات المحددة قد تنحسر أو تنتهي بالهزيمة، وتبرز مشكلات وقضايا جديدة، مما يفرض على الاشتراكيين أن يطوّروا نظريتهم، ويقدّموا تفسيرات جديدة، ويعيدوا التفكير في تكتيكاتهم. وما بعد نقطة معيّنة، لا بد حتى من أفضل المناضلين الميدانيين أن يجدوا طرقًا لتأطير نشاطهم نظريًا بشكل منهجي باستخدام أدوات الماركسية، وتنقيح تلك الأدوات عند الضرورة. ويتطلب هذا الأمر أكثر من مجرد علاقة يتلقى فيها الأعضاء الجدد الرعاية من ذوي الخبرة؛ إنه يتطلب تطوير ثقافة يكون فيها كل عضو جزءًا من عملية مستمرة لتطوير نظريته وممارسته، والعمل على توحيدهما.
إن تأسيس الكوادر ليس فقط بعيدٌ عن أن يكون تلقائيًا، بل لا يمكن تصوّره كعملية ميكانيكية. فحتى دورة تعليمية تتكوّن من عشر لقاءات، مهما كانت ذات قيمة، لن تؤدي إلى إنتاج كوادر كما تُنتج المعلبات في مصنع تعليب. بدلاً من ذلك، يتطلب تأسيس الكوادر جهدًا واعيًا في مجالات نشاط متعددة، واهتمامًا بالتفاصيل، وفهمًا نظريًا لطبيعة الأحزاب الثورية.
الإرث البلشفي
من المفيد أن نبدأ بفهم مفهوم تأسيس الكوادر داخل البلشفيين بقيادة لينين. يظل البلشفيون التنظيم الوحيد في التاريخ الذي قاد العمال، إلى جانب مجموعات مضطهدة أخرى، إلى النصر في ثورة اشتراكية على نطاق وطني. وحتى لو لم تستطع تلك الثورة البقاء أمام الانتكاسات التي واجهتها في عهد ستالين، فهي تظل إنجازًا بارزًا. وهذا لا يعني أن الأحزاب التي نُنشئها اليوم ستكرر البلشفية أو تواجه نفس القضايا الثابتة — نحن لسنا في نشاط إعادة تمثيل تاريخية. ومع ذلك، فإن بعض المشكلات العامة التي عالجها البلشفيون ليست خاصة بالمجتمع الذي نشأوا فيه، بل هي متجذرة في العلاقات الاجتماعية للرأسمالية وظروف العمال الذين يعيشون ويناضلون تحت هذا النظام. وتشمل هذه المشكلات: الوعي غير المتكافئ للطبقة العاملة، وإمكانية المواجهة مع دولة رأسمالية مركزية للغاية، والحاجة إلى النضال من أجل الإصلاحات دون الانزلاق إلى الإصلاحية، والعلاقة بين استغلال العمال وأشكال الاضطهاد الأوسع.
الجوهري في نهج لينين هو الفكرة القائلة بأن الحزب، خارج لحظات الانتفاضات الثورية، ليس هو تنظيم الطبقة العاملة ككل؛ ولا ينبغي له أن يعكس الوعي النموذجي أو المتوسط للعمال. بل هو تنظيم العمال الطليعيين، أولئك الذين قطعوا مع التصورات الرأسمالية للعالم، والذين يسعون إلى الإطاحة بهذا النظام. ومن خلال توحيد هؤلاء العمال، يستطيع الحزب أن يتدخّل بشكل أكثر فاعلية في النضالات، فيعزّز من الروح النضالية والثقة لدى الطبقة العاملة، وفي الوقت نفسه يغرس بعمق أكبر التصورات الثورية للعالم، ويجذب شرائح أوسع من العمال إلى صفوف التنظيم. وفي الحالة الثورية، يمكن أن تتحول دائرة العمال “الطليعيين” الضيقة إلى محيط، مما يتيح للحزب أن يركّز طاقات الطبقة العاملة وقوتها الجماعية لمواجهة الدولة الرأسمالية، وتحطيمها، واستبدالها بأجهزة ديمقراطية لحكم الطبقة العاملة. ويمكن لحزب من هذا النوع أن يستند إلى، ويطوّر، جسدًا نظريًا يبدأ من فهم كارل ماركس للرأسمالية، وهو فهم متجذّر في إمكانية تحرّر الطبقة العاملة بذاتها، ويسعى إلى تلخيص وتطبيق الدروس التاريخية لنضالات العمال.
هذا الطرح الموجز للعلاقة بين الحزب والطبقة لا ينبغي أن يوحي بوجود تفاعل ميكانيكي مباشر بينهما. فمن الأثمان التي دُفعت نتيجة الثورة المضادة الستالينية في أواخر العشرينيات، كان اختلاق أسطورة “اللينينية” المتراصة، التي تسير بالعمال نحو نصرهم الحتمي، أما الواقع، فكان مختلفًا تمامًا.
العمال-البلشفيون في عام 1917
عندما اندلعت الثورة في روسيا في فبراير 1917، كان معظم الماركسيين البارزين لا يزالون في المنفى بالخارج. وكانت قيادة البلاشفة المحلية في العاصمة بتروغراد، إلى حد كبير، إما معتقلة أو مشلولة بفعل الانفجار المفاجئ للانتفاضة. ومع ذلك، لم تكن الانتفاضة عفوية بمعنى كونها بلا قيادة تمامًا؛ فقد كانت هناك طبقة واسعة من الكوادر العمالية المناضلة، غالبًا ما صقلتها أشكال من التدريب الاشتراكي الثوري، وقد وفرت التوجيه المباشر على الأرض. وكانت الكوادر العمالية البلشفية من بين أولئك الذين لعبوا دورًا في تشجيع تفكك جهاز الدولة، مما أتاح الإطاحة بالديكتاتورية القيصرية. يقدّم ليون تروتسكي مثالًا على ذلك في كتابه “تاريخ الثورة الروسية”:
“يَروي عامل بلشفي يُدعى كايروف، وهو أحد القادة الحقيقيين في تلك الأيام، كيف أن المتظاهرين تفرّقوا في أحد المواقع أمام أنظار فرقة من القوزاق تحت ضربات سياط الشرطة الراجلة… كايروف، وعدد من العمال معه… خلعوا قبعاتهم واقتربوا من القوزاق قائلين: “أيها الإخوة القوزاق، ساعدوا العمال في نضالهم من أجل مطالبهم السلمية؛ أنتم ترون كيف يعاملنا الفراعنة [شرطة القيصر]، نحن العمال الجياع. ساعدونا!” يا لها من حساب نفسي دقيق! ذلك الأسلوب المتواضع المقصود، وتلك القبعات في الأيدي — إنها لفتة لا تُضاهى! إن تاريخ المعارك في الشوارع والانتصارات الثورية يعجّ بمثل هذه الارتجالات… وبعد دقائق قليلة… كانت الحشود ترفع على الأكتاف قوزاقيًا كان قد قتل أمام أعينهم ضابط شرطة بسيفه.”
كانت شخصيات مثل كايروف، العامل في مصنع إريكسون في بتروغراد والبلشفي منذ تأسيس التنظيم عام 1903، “”يتولون السيطرة اليومية على الثورة في الشوارع””. يُجيب تروتسكي عن سؤاله البلاغي – “”من قاد ثورة فبراير؟”” – بقوله: “العمال الواعون والمحنّكون الذين تمّ تثقيفهم في الغالب على يد حزب لينين””. لقد استند هذا التثقيف إلى فهم لـ “”أساليب الماركسية””، وفهمٍ “”يتغذّى باستمرار من التجربة الحية للجماهير””، بما في ذلك دروس ثورة 1905 السابقة. ورغم أن ذلك لم يكن ضمانًا للنصر، إلا أنه من دون البلشفية، ما كان ممكناً إنجاز الثورة في أكتوبر 1917، ولا تفكيك الحكومة المؤقتة التي تشكّلت بعد فبراير، ولا استبدالها بديمقراطية سوفييتية بُنيت من الأسفل من خلال نضالات العمال والمضطهدين. ومع ذلك، فقد كان هذا انتصارًا تقوده تقاليد حيّة، كان فيها لينين، إلى جانب تروتسكي الذي انضم إلى البلشفيين في عام 1917، في حوار خلاق دائم مع العمال الذين كانوا يقودون العملية الثورية.
في السنوات التي سبقت عام 1917، كان لينين يؤكد مرارًا على ضرورة أن يكون البلشفيون منظمة مركزية قادرة على العمل بتماسك لقيادة نضالات العمال. وكان هذا أمرًا أساسيًا لانتصار أكتوبر 1917، بحلول ذلك الوقت حيث حقق البلشفيون وزنًا حاسمًا في المراكز الصناعية الرئيسية، بالإضافة إلى كسب الدعم الأغلبية في المدينة الرئيسية بتروغراد. ومع ذلك، فإن الصورة الكاريكاتيرية الستالينية للآلة الفعالة والموحدة كان مبالغًا فيها بشكل كبير. فالواقع كان عبارة عن جهاز حزبي يعاني من نقص التمويل وقلة الأفراد، مع فترات متقطعة من القمع التي كانت تعطل التنظيم، وقد تزامن ذلك في عام 1917 مع تدفق هائل من المجندين الجدد نسبياً، ناهيك عن النقاشات الحادة وأحيانًا الفوضوية. والأهم من ذلك، أن لينين اضطر، في حرارة الثورة، إلى فصل تنظيمه للحزب من الارتكاز على الأرثوذكسية السابقة التي كانت ترى أن الثورة ستقتصر على مهام “ديمقراطية” فقط، بدلًا من التقدم نحو ثورة اجتماعية ضد الرأسمالية. وكما جادل تروتسكي لاحقًا، تمكن لينين من خوض هذه المعركة بنجاح لأنه:
“لقد كان يُمثِّل الطليعة العمالية أكثر مما كان يُمثِّل جهاز الحزب. لقد كان… مقتنعًا بأن آلاف العمال… سيقفون إلى جانبه الآن. كانت الجماهير في تلك اللحظة أكثر ثورية من الحزب، وكان الحزب أكثر ثورية من جهازه التنظيمي… لم يكن تأثير لينين نابعًا من شخصه بقدر ما كان تجسيدًا لتأثير الطبقة على الحزب، وتأثير الحزب على جهازه التنظيمي.”
لكن لينين كان فردًا واحدًا. ولو لم يكن هناك عدد كبير من كوادر البلاشفة القادرين على استيعاب طرحُه، وقياسه على نيات ومزاج العمال الذين كانوا على تواصل معهم، ثم التفاعل معه، لضاعت تلك اللحظة التاريخية. وكما يجادل توني كليف، فرغم التقلب الهائل وعدم الاستقرار، فإن “السبب وراء بقاء الحزب بكل ما امتلكه من حيوية هو جذوره العميقة في الطبقة، وكونه حزبًا عماليًا جماهيريًا حقيقيًا… بالنسبة لحزب يعمل في ظروف غير قانونية، وفي بلد لا يزيد عدد بروليتاريته الصناعية عن 2.5 مليون عامل، فإن وجود هيكل كوادر يضم عدة آلاف ويستمر لسنوات طويلة يُعد إنجازًا رائعًا”. وكما يلاحظ تروتسكي، فإن الأحزاب قد تنمو بسرعة أثناء فورة ثورية، لكن “عملية تثقيف الكوادر تتطلب فترة زمنية طويلة، والثورة لا تمنح هذا الوقت”. إن إنشاء حزب لا يُعَدّ بديلًا عن النشاط الذاتي للجماهير، لكن من دون وجود مسبق لحزب كوادر، فإن أي ثورة على الأرجح لن تنجح في إزاحة التصورات الإصلاحية أو في مواجهة الدولة الرأسمالية وتحطيمها.
الكوادر في سياقها
كتب لينين مرارًا وتكرارًا قبيل عام 1917 عن مسألة تطوير الكوادر. وتتمثل إحدى التحديات في قراءة هذه الكتابات في التمييز بين ما هو خاص وما هو عام. فكل ما كتبه لينين تقريبًا كان جدليًا، ويعكس مناقشات محددة كانت تدور داخل الحركة الاشتراكية. ويمكن توضيح ذلك من خلال بعض الأمثلة.
قبل ثورة عام 1905، ركّز لينين في أعمال مثل “ما العمل؟” على بناء شبكة من “الثوريين المحترفين” مترابطة بشكل متماسك، ومرتبطة ببعضها من خلال صحيفة وطنية، وقادرة على تجنّب الارتجالية التي كانت قد سمحت للقمع البوليسي بتقويض المحاولات السابقة. وقد أصرّ لينين على أن الثوريين يجب أن يتجاوزوا مجرد التفاعل مع المعارك الاقتصادية الضيقة التي يخوضها العمال، وهو ما وصفه بالاقتصادوية، وأن يتبنّوا القضايا السياسية الأوسع المرتبطة بالاضطهاد، وهي قضايا كان العمال الروس الأكثر نضالية قد بدأوا بالفعل في الانشغال بها. وربط لينين ذلك بالحاجة إلى نظرية واضحة، فقال: “من دون نظرية ثورية، لا يمكن أن توجد حركة ثورية. لا يمكن التأكيد على هذه الفكرة بما يكفي، في وقت يسير فيه الوعظ الرائج للانتهازية جنبًا إلى جنب مع الافتتان بأضيق أشكال النشاط العملي “.ثم يواصل قائلًا:
“الشخص الذي يكون… متذبذبًا في المسائل النظرية، ضيق الأفق، يتذرع بعفوية الجماهير لتبرير خموله، ويُشبه سكرتيرًا نقابيًا أكثر مما يُشبه ناطقًا باسم الشعب، غير قادر على تصوّر خطة واسعة وجريئة تُكسبه احترام حتى خصومه، عديم الخبرة وأخرق في فنه المهني – فن مجابهة الشرطة السياسية – فمثل هذا الرجل ليس ثوريًا، بل هاوٍ بائس!”
يُتَّهم لينين في تلك الفترة كثيرًا بأنه كان يحاول تشكيل حزب من صفوف المثقفين، مستندًا إلى مجموعات مثل الطلاب، ومتجاهلًا مبادرة العمال أنفسهم. غير أن الواقع مختلف تمامًا. فمن ناحية، كانت المنظمة الثورية التي اقترحها تهدف إلى أن تكون في مركز شبكة أوسع بكثير من العمال، والذين سيكونون القوة الدافعة الديناميكية في النضال. علاوة على ذلك، كان لينين واضحًا بشأن ضرورة تجنيد هؤلاء “الثوريين المحترفين” من صفوف العمال أنفسهم. وكان ساخرًا ولاذعًا تجاه أي نزعة تعالٍ أو استعلاء على العمال في هذا الصدد، فقال:
“أول واجب لنا، وأكثرها إلحاحًا، هو أن نُسهم في تدريب ثوريين من الطبقة العاملة يكونون على نفس المستوى، من حيث النشاط الحزبي، مع الثوريين من بين المثقفين…
لذلك، ينبغي أن يُكرَّس الاهتمام بالدرجة الأولى لرفع مستوى العمال إلى مرتبة الثوريين؛ وليس من مهامنا أبدًا أن ننزل إلى “مستوى الجماهير العاملة”، كما يرغب الاقتصاداويون [أي أتباع النزعة الاقتصادية]، أو إلى مستوى “العامل العادي”… نحن متأخرون لأننا لا نعترف بواجبنا في مساعدة كل عامل كفء ليصبح محرضًا محترفًا، ومنظمًا، ومروجًا، وموزعًا للمنشورات، وما إلى ذلك… حاول أن تضع كل عامل قادر في ظروف تمكّنه من تطوير قدراته وتطبيقها بأقصى ما يمكن: فيُصبح محرضًا محترفًا، ويُشجَّع على توسيع نطاق نشاطه، من مصنع واحد إلى الصناعة بأكملها، ومن منطقة واحدة إلى البلاد كلها. فيكتسب الخبرة والمهارة في مهنته؛ ويوسّع أفقه ويزيد من معارفه؛ ويشاهد عن قرب القادة السياسيين البارزين من مناطق وأحزاب أخرى؛ ويسعى لأن يرتقي إلى مستواهم، وأن يجمع في ذاته بين المعرفة ببيئة الطبقة العاملة وحيوية القناعات الاشتراكية، مع المهارة المهنية التي لا يمكن للبروليتاريا من دونها أن تخوض نضالًا عنيدًا ضد أعدائها المدربين تدريبًا ممتازًا.”
لقد نجح لينين في إنشاء شبكة تعتمد على ما يُعرف بـ “رجال اللجان” البلاشفة —وهم ثوريون يتمتعون بأعلى درجات النزاهة والبطولة، ينظمون الاجتماعات السرية، ويثيرون الوعي بين صفوف العمال، وينسقون المظاهرات في الشوارع، وغالبًا ما يواجهون فترات من السجن أو النفي. لكن مع اندلاع ثورة 1905، تخلّف العديد من هؤلاء الرجال، الذين صقلتهم أساليب المرحلة السابقة من النضال، عن مواكبة الجماهير المستيقظة حديثًا. ومن هنا بدأ لينين يسعى إلى جذب العناصر الأكثر تقدمًا في الطبقة العاملة إلى صفوف التنظيم، لتجاوز أي ميل محافظ داخله. لقد ولّى زمن الأساليب التآمرية والعمل السري:
“يجب علينا أن نزيد بشكل كبير من عدد أعضاء جميع منظمات الحزب… لكي نتمكن إلى حدّ ما من مواكبة تدفّق الطاقة الثورية الشعبية… لكن هذا لا يعني أن يتم إهمال التدريب المنهجي والتعليم المنظم على حقائق الماركسية… يجب أن نتذكّر أن “إيماننا العقائدي” بالماركسية اليوم تعزّزه مسيرة الأحداث الثورية، التي تقدم في كل مكان دروسًا واقعية للجماهير… وبالتالي، فنحن لا نتحدث هنا عن التراخي في موقفنا المتشكك والحذر تجاه المثقفين الغامضين أو الثوريين ضيّقي الأفق. على العكس تمامًا… إننا نؤكد على أهمية استغلال دروس الأحداث الثورية العظيمة في زمننا الراهن… لننقل—ليس إلى حلقات الدراسة كما في الماضي، بل إلى الجماهير—دروسنا القديمة و”العقائدية”…”
كانت ثقة لينين في أن البلاشفة لن يذوبوا ببساطة في تيار العمال الجدد المتطرفين نابعة من قناعة راسخة بأن الثورة أثبتت صحة نظرية البلاشفة، المغروسة في بنية التنظيم، والتي مفادها أن العمال “سيتحركون، ويحوّلون النظرية الجافة إلى واقع حي”. كان بالإمكان كسب أفضل عناصر الكوادر الموجودة بالفعل إلى المنظور الجديد، من خلال الجدل، والتجربة، والضغط القادم من الجماهير.
بحلول عام 1908، ومع صعود الثورة المضادة ونجاحها، بدأ الانجراف بعيدًا عن السياسة الاشتراكية. وقد لاحظ لينين أن فئات من المثقفين الذين كانت الماركسيّة شائعة بينهم في أيام التمرّد الحماسيّة بدأوا ينسحبون بأعداد كبيرة، في حين ظلّت أقسام مهمّة من الطبقة العاملة ثابتة في مواقعها. يقول لينين: “لقد دخل الحزب… الطريق المباشر لقيادة الجماهير العاملة من قِبل “المثقفين” الطليعيين الذين خرجوا من صفوف العمّال أنفسهم.” وفي وقت لاحق من ذلك العام، جادل قائلاً:
“لقد رفعت الثورة شرائح شعبية عميقة الجذور إلى الحياة السياسية، وأخرجت إلى السطح في كثير من الأحيان عددًا كبيرًا من العابرين، و”فرسان اليوم الواحد”، والوافدين الجدد، بحيث كان من المحتم أن يفتقر الكثير منهم إلى أي نظرة متكاملة للعالم. ومثل هذه النظرة لا يمكن أن تتشكل في… بضعة أشهر من النشاط المحموم… ولذلك، فإن عملية فرز جديدة بين هذه الشرائح الاجتماعية الجديدة، والمجموعات الجديدة، والثوريين الجدد الذين أيقظتهم الثورة، هي أمر لا مفر منه…”
في سياق هذه الفرز الجديد، فإن تعزيز العمل النظري أمرٌ أساسي. إن “اللحظة الراهنة” في روسيا هي تحديدًا لحظة يُملي فيها العمل النظري للماركسية، وتعميقه وتوسيعه، ليس بسبب الحالة الذهنية لهذا الفرد أو ذاك، ولا نتيجة حماسة هذه المجموعة أو تلك، ولا حتى بفعل الظروف البوليسية الخارجية التي حكمت على كثيرين بالإقصاء عن “الفعل العملي” — بل بسبب الوضع الموضوعي العام في البلاد. فعندما تكون الجماهير بصدد هضم تجربة جديدة واستثنائية الثراء من النضال الثوري المباشر، يصبح النضال النظري من أجل رؤية ثورية — أي من أجل الماركسية الثورية — هو شعار الساعة.
عاد لينين إلى هذه النقطة بعد عام، مؤكدًا على ضرورة “إعادة تثقيف” أولئك الذين انجذبوا إلى التنظيم في “أيام الحرية”:
“تم استيعاب بعض هذه العناصر تدريجيًا في أنشطة الطبقة العاملة، وتشربوا النظرة الماركسية للعالم. أما الآخرون، فقد اكتفوا بحفظ بعض الشعارات دون أن يفهموا معناها، وكانوا يرددون عبارات قديمة غير قادرين على تكييف المبادئ الثورية القديمة للاشتراكية الديمقراطية مع الظروف المتغيرة.”
أي نوع من الكوادر؟
تاريخ البلاشفة، إلى جانب التاريخ المبكر للأممية الشيوعية الثالثة (الكومنترن) تحت قيادة شخصيات مثل لينين وتروتسكي، الذين سعوا إلى تعميم عناصر من التجربة الروسية على الصعيد الدولي، يزودنا بكم هائل من المواد التفصيلية حول مسألة بناء الكادر في لحظات مختلفة. ومع ذلك، تُرك للآخرين مهمة استخلاص الدروس وصياغتها ضمن إطار نظري عام. سأركز هنا على رؤى اثنين من الماركسيين الآخرين: المجري غيورغ لوكاتش، لا سيما في عمله عام 1924 “لينين: دراسة في وحدة فكره”، والإيطالي أنطونيو غرامشي، مع التركيز على “دفاتر السجن” التي ألّفها في أحد سجون بينيتو موسوليني. لكن من الضروري أولًا تقييم إرث تروتسكي كما تطور بعد أن انضم إلى البلاشفة في عام 1917.
الإرث المزدوج لتروتسكي
بعد الثورة المضادة الستالينية في أواخر عشرينيات القرن العشرين، لعب تروتسكي دورًا حاسمًا في التفكير في تجربة البلاشفة، والسعي للحفاظ على أفضل ما في هذا التقليد ضد سيل من الأساطير والتشويهات. ولولا جهوده، لما بقي من هذا الإرث الثوري الكثير على حاله. ومع ذلك، لا يمكن لأي فرد، مهما بلغ من العبقرية، أن يتجاوز كليًا القوى الاجتماعية والتاريخية التي يصارعها. فالعزلة القاسية والقمع الشديد الذي تعرض له تروتسكي وأتباعه—سواء على يد أنصار الرأسمالية الغربية أو رأسمالية الدولة الستالينية—أنتجت إرثًا مزدوجًا. فمن جهة، واصل تروتسكي إنتاج كتابات لامعة وفترات متكررة من الإلهام الفكري؛ ومن جهة أخرى، ظهرت جماعات من أتباعه الانشقاقيين، ظلوا غالبًا على هامش الطبقة العاملة، وأخذوا في مرحلة ما بعد الحرب يضخمون أهمية تنظيماتهم بشكل يتناسب طرديًا مع عجزها العملي.
في ثلاثينيات القرن العشرين، كما أشار توني كليف، كان تروتسكي يكرر التأكيد على أن أتباعه في تلك المرحلة كانوا أقوى وأكثر عددًا من أنصار لينين عند اندلاع الحرب العالمية الأولى. لكن مثل هذه المقارنات لم تكن واقعية. ففي عام 1912، أعاد البلاشفة ستة نواب إلى البرلمان القيصري (الدوما) من دوائر انتخابية ذات كثافة عالية من العمال الصناعيين. وكانت صحيفة البلاشفة اليومية “البرافدا” تطبع ما بين 40,000 و60,000 نسخة، رغم ظروف القمع الشديد. وفي عام 1914، ساهمت 2,873 مجموعة عمالية من مختلف أنحاء روسيا بتبرعات مالية لدعم الصحيفة. أما القوى التي استطاع تروتسكي حشدها فكانت أضعف بكثير، ومبعثرة عبر بلدان مختلفة، وتفتقر إلى الجذور الفعلية داخل الطبقة العاملة. ورغم ذلك، أعلن تروتسكي في عام 1938 تأسيس الأممية الرابعة، في محاولة لسد الفجوة بين متطلبات اللحظة التاريخية—وخاصة تصاعد الفاشية وسط أزمة اجتماعية هائلة واقتراب اندلاع حرب عالمية جديدة—وبين القاعدة الضيقة التي تمتع بها التيار التروتسكي في الواقع.
تأسيس الكوادر وبناء القيادة هو فكرة جيدة، لكن أي فكرة جيدة إذا دُفعت إلى أقصى حدودها بشكل غير منطقي، ومن دون تقييم دقيق للسياق الاجتماعي، ستؤدي إلى نتائج عبثية. وقد جادل تروتسكي قائلاً: “إن الوضع السياسي العالمي ككل يتميز، بالأساس، بأزمة تاريخية في قيادة البروليتاريا”. ومع ذلك، فإن القوى التي جمعتها الأممية الرابعة لم تكن في موقع يؤهلها لتقديم هذه القيادة. تمتلئ كتابات تروتسكي في ثلاثينيات القرن العشرين بالدعوات إلى “انتقاء” و”تأسيس” الكوادر. ولكن “التأسيس”، من دون ارتباط عضوي بالصراعات الفعلية للطبقة العاملة، لا يمكن أن يُنتج كادراً قادراً على توليف النظرية والممارسة أو تقديم اتجاه حقيقي للطبقة العاملة، يتجاوز التعميمات المجردة.
والأسوأ من ذلك أن التشخيص قصير الأمد الذي قدمه تروتسكي—والذي رأى أن النظام الرأسمالي في سكرات الموت، وأن كلًا من الرأسمالية الغربية والبيروقراطية الستالينية تقفان على حافة الانهيار—لم يكن مقنعًا على الإطلاق في ظل الطفرة الاقتصادية الطويلة التي أعقبت الحرب. ولو لم يُغتل تروتسكي على يد عميل ستاليني في عام 1940، لربما كان قد أعاد النظر في هذا الحكم. ولكن في غيابه، تحجّر هذا التشخيص وتحوّل إلى تروتسكية أرثوذكسية جامدة، لم تحتفظ إلا بالقليل من عبقرية تروتسكي الأصلية.
لينين عند لوكاتش
كان أحد أوائل الأعمال الرئيسية التي تناولت بشكل منهجي ما أضافه لينين إلى التصور الماركسي للحزب هو دراسة لوكاتش، التي نُشرت في عام 1924، وهو العام الذي توفي فيه لينين.
عبقرية لينين، كما جادل لوكاتش، تمثلت في قدرته على التعرف على الاتجاهات الكامنة نحو الثورة البروليتارية، حتى حين تكون تحت السطح، وعلى استناده إلى النظرية الماركسية بوصفها تعبيرًا عن “الوجود الاجتماعي” لبروليتاريا “تناضل من أجل التحرر”، وتطبيقه لهذه النظرية على قضايا عصره. وقد عنى ذلك، بحسب لوكاتش، أن لينين وضع ما أسماه “راهنيّة الثورة” في صميم فكره، بحيث تُقيَّم “كل مسألة يومية فردية” ضمن “ارتباط ملموس مع الكل الاجتماعي-التاريخي”، وترتبط بالإمكانية الكامنة لتطور الثورة. على الرغم من أن البلاشفة أظهروا مرونة هائلة في تطوير تكتيكات محددة لتعزيز هذا المجال أو ذاك من مجالات النضال، فإن لينين ظل يوظف هذه التكتيكات دائمًا ضمن استراتيجية ثورية أوسع، تجمع “مزيجًا من التكتيكات التي، عبر ترابطها وتطورها، تقود إلى استيلاء الطبقة العاملة على السلطة”. قد تميزت مرونة التكتيك لدى البلاشفة عن الانتهازية والمرونة غير المبدئية التي ميزت الأحزاب الإصلاحية، التي كانت تعتبر التكتيك غاية في ذاته. وكما جادلت روزا لوكسمبورغ، فإن الماركسيين يرون أن هناك “رابطًا لا ينفصم بين الإصلاحات الاجتماعية والثورة”، بينما بالنسبة للإصلاحيين، فإن “الهدف النهائي، أياً كان، لا يعني شيئًا… فالحركة هي كل شيء”.
لقد تمحور النهج الثوري للينين حول تسخير كل أدوات الماركسية لمعالجة القضايا الراهنة، وتطبيق النظرية لفهم “واقع العملية الكلية، وكلية التطور الاجتماعي”، والعمل على تحويل هذا الفهم النظري الجذري إلى ممارسة عملية. وكما يعبّر لوكاتش: “التحليل الملموس للوضع الملموس ليس نقيض “النظرية الخالصة”، بل هو تتويج كل نظرية أصيلة… النقطة التي تنفجر فيها النظرية إلى ممارسة”. كان هذا النهج على النقيض تمامًا من الجمود العقائدي وتكرار الحقائق الأبدية. وكما قال لينين نفسه أثناء محاولته تغيير منظور منظمته في أبريل 1917:
“من لا يعرف كيف يطرح مسألة التكتيك الجديد بطريقة جديدة، يجب أن يُبعَد عن القيادة”. قال ماركس وإنجلز دائمًا: “نظريتنا ليست عقيدة ثابتة، بل هي دليل للعمل”، مستهزئين بحفظ وتكرار “الصيغ الثابتة” التي لا تستطيع في أحسن الأحوال سوى تحديد مهام عامة، والتي لا بد أن تتغير بتغير الظروف الاقتصادية والسياسية الملموسة لكل فترة معينة من المسار التاريخي.”
لوكاش يقترح بالمثل: “أفضل تدريب نظري يصبح عديم الفائدة تمامًا إذا اقتصر على العموميات فقط.” ويؤكد أن الحزب يجب أن يتمتع بـ”وضوح نظري وصلابة كافية” للحفاظ على مبادئه عندما يتردد العمال، حتى وإن خاطر الثوريون بـ”العزلة المؤقتة”. ولكن في الوقت نفسه، يجب أن يكون الحزب مرنًا للتعلم من نضالات الجماهير، وللتعرف ضمنها على “إمكانيات ثورية ظلوا هم أنفسهم غير واعين بها”.
ما يتضح من لوكاش هو حجم التحديات الهائل، بل المهيب، التي تواجه الثوريين الحقيقين الحاضرين في منظمة. يجب على الحزب، وأعضائه، السعي لامتصاص أغنى وأكمل فهم للماركسية، وتوجيهه نحو تحليل ملموس للمجتمع بكليته، ومن ثم توجيه الممارسة، مع استيعاب الدروس لتطوير النظرية بشكل أكبر. في هذا المفهوم، كتب لوكاش في مكان آخر: “التنظيم هو شكل الوساطة بين النظرية والممارسة”.
ومع ذلك، هناك حدود لفهم لوكاش للينين والبلشفية. ففي بعض الأحيان، يبالغ في التأكيد على تجانس الحزب أو تماسكه، ويخلط بين نموذج التنظيم المركزي المنضبط والواقع، الذي كثيرًا ما كان أكثر فوضوية. وكما أُشير سابقًا، لم يلتزم البلاشفة دائمًا بـ”أشد درجات الانضباط الحزبي” كما يوحي لوكاش. ففي لحظات حاسمة، مثل عام 1905 وبداية عام 1917، لم يكن الحزب دائمًا “خطوة أمام الجماهير المناضلة”، كما يرى لوكاش أنه يجب أن يكون. هناك أيضًا خطر كامن في النظر إلى الحزب باعتباره “التجسيد الملموس لوعي الطبقة العاملة”، نظرًا لأن أي حزب يتكوّن من بشر معرضين للخطأ بطبيعتهم. في دراسته عن لينين، يعلّق لوكاش باختصار على أن أي حزب يتشكّل من أفراد، وأن بناء حزب فعّال هو عملية تتكرر فيها “علاقة التفاعل المثمرة بين الحزب والطبقة—ولو بشكل مختلف—في العلاقة بين الحزب وأعضائه”. ومع ذلك، لا يذهب لوكاش في هذا الاتجاه أبعد من ذلك.
غرامشي والمثقف العضوي
عند غرامشي، نجد رؤية أعمق وأكثر اكتمالًا لنوع الثوريين الذين يمكن أن يُبنى منهم حزب ثوري فعّال. أحد المفاهيم المركزية في هذا السياق هو مفهوم “المثقف العضوي”. ظهرت هذه الفكرة، إلى جانب مفاهيم أخرى، في “دفاتر السجن” التي كتبها غرامشي تحت رقابة سجّانيه الفاشيين. ولهذا السبب، جاءت لغة هذه الدفاتر مشفّرة ومراوغة، حيث تُخفى النقاشات الحادة حول مشكلات الاشتراكيين الثوريين تحت غطاء تأملات عامة في قضايا اجتماعية وتاريخية وثقافية أوسع. ولم تكن مناقشة المثقف العضوي استثناءً من هذه القاعدة. فمن خلال هذا المفهوم، لم يكن غرامشي يقدّم فقط وصفًا لنمط جديد من المثقفين، بل كان يعيد تعريف الدور القيادي للثوريين، بوصفهم أشخاصًا ينبثقون من قلب الطبقة العاملة، ويعبرون عن وعيها ومصالحها، ويشاركون في تنظيمها وتوجيه نضالها السياسي والثقافي، لا كمعلّمين من خارجها، بل كأعضاء فاعلين فيها.
إلى حدٍّ ما، يرى غرامشي أن جميع الناس “مثقفون”: حتى أبسط أشكال العمل اليدوي تتضمّن نوعًا من “النشاط الفكري الخلّاق”، وكل شخص يمتلك نظرة فكرية معيّنة للعالم، تُسهم إما في الحفاظ على التصورات السائدة أو في تغييرها. لكن الطبقة الاجتماعية التي تطمح إلى قيادة المجتمع – كما كان الحال مع الطبقة البرجوازية الصاعدة في المجتمعات ما قبل الرأسمالية، أو كما هو مطلوب من الطبقة العاملة اليوم – عليها أن تذهب أبعد من ذلك. يجب عليها أن تُنتج شخصيات قادرة على منحها “الانسجام والوعي بوظيفتها، ليس فقط في المجال الاقتصادي، بل أيضًا في المجالين الاجتماعي والسياسي”. وقد يشمل ذلك استيعاب بعض “المثقفين التقليديين” الذين سبق وجودهم، ولكن الأهم هو إنتاج مثقفين عضويين: أشخاص ينبعون من قلب الطبقة نفسها، ويظلون مرتبطين بها وملتزمين بقضاياها. هؤلاء المثقفون العضويون لا يكتفون بتحليل الواقع، بل يشاركون في تغييره، ويمثلون عنصرًا أساسيًا في بناء الهيمنة الثقافية والسياسية للطبقة التي ينتمون إليها.
في حالة الطبقة العاملة، يرى غرامشي أنه من الضروري “العمل دون كلل لرفع المستوى الفكري… للعنصر الجماهيري… من أجل إنتاج… مثقفين من نوع جديد ينشؤون مباشرة من بين صفوف الجماهير، لكنهم يبقون على تواصل دائم معها، ليصبحوا بمثابة الدعامة الصلبة في مشدّ الجسد”. ويضيف غرامشي: “أن يُعتَبَر جميع أعضاء الحزب السياسي مثقفين… قد يبدو مادة للسخرية… ولكن لا شيء يمكن أن يكون أدق من هذا”. صحيح أن الأحزاب تمتلك هياكل داخلية ودرجات قيادية، لكن جميع أعضائها يؤدون وظيفة “توجيهية وتنظيمية”، وبالتالي، فهم “مثقفون” بهذا المعنى.
إن إعداد المثقفين العضويين لا يعني فصل العمال عن نضالاتهم وإرسالهم إلى المكتبة ليتأملوا الكتب بمعزل عن النشاط العملي. فقد كانت محدوديات هذا النهج في تأسيس الكوادر معروفة جيدًا في زمن غرامشي. ففي بداياته، أي قبل تأسيس البلاشفة بسنوات، كان لينين – مثل معظم الماركسيين الروس – يسعى إلى بناء حلقات دراسية بين العمال. ووفقًا لأحد العمال المشاركين في إحدى هذه الحلقات، فقد أُبلغوا بأنهم: “يجب أن يكونوا قادرين على شرح أصل الكون وأصل الأنواع، وبالتالي عليهم أن يعرفوا نظريات كانت ولابلاس وداروين ولايل”. وكان لينين نفسه يقوم بتلاوة وشرح مقاطع من كتاب رأس المال للعمال، وهو ما أقر تلامذته لاحقًا بأنه كان صعبًا بعض الشيء. وكما يلاحظ نيل هاردينغ: “كان عدم الفهم أمرًا متوقعًا تمامًا. فهذا كان أول احتكاك لمثقف في الثالثة والعشرين من عمره مع عمال في بلد كانت الفجوة بين هاتين الفئتين فيه أكبر من أي مكان آخر في أوروبا”. ورغم أن هذه الاجتماعات زوّدت لينين بالفعل بمعرفة أولية بظروف العمال، إلا أن الأسلوب التلقيني كان – حين ينجح – يشجع العمال على التميّز عن رفاقهم في العمل من خلال ما اكتسبوه من معرفة، بدلًا من أن يُدمجهم أكثر في النضال الجماعي.
“بدلًا من التركيز على التعلّم النظري المجرد المنفصل عن النشاط، يُشدّد غرامشي، كما يفعل لوكاتش، على ضرورة توحيد النظرية والممارسة. ويتضمن ذلك “ضمان أن تصبح… الأنشطة العملية العامة، التي تبتكر باستمرار العالم المادي والاجتماعي، هي الأساس لتصوّر جديد ومتكامل للعالم”. ويضيف: “إن نمط وجود المثقف الجديد لا يمكن أن يقوم بعد الآن على البلاغة، التي ليست سوى محرّك خارجي ولحظي للعواطف والانفعالات، بل على المشاركة الفاعلة في الحياة العملية، بصفته بنّاءً ومنظّمًا ومقنعًا دائمًا، لا مجرد خطيب عابر”. ويعني هذا أن نطرح دائمًا سؤال لينين: “ما العمل؟”
والهدف هو أن يقدّم المثقفون العضويون، المتلاحمون ضمن حزب، القيادة والتوجيه لمن حولهم، وأن يعكسوا بصورة جماعية تأملاتهم حول هذه الممارسة. ويتطلب ذلك تحويل العمّال إلى “مثقفين سياسيين مؤهّلين، وقادة ومنظّمين” لكافة “الأنشطة والوظائف” في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.”
ومع ذلك، من الضروري تطوير فهم نظري ماركسي صارم، يتجاوز مجرد التعلّم من التجربة. وفي هذا السياق، يصف غرامشي التنظيم الاشتراكي الثوري بأنه “نقيض الكنيسة الكاثوليكية”، التي كانت تسعى إلى خفض المستوى الفكري إلى عقيدة موحّدة بسيطة. أما الماركسية، فعلى العكس، فإنها ترفض فكرة أن يُترك “البسطاء” في فلسفتهم البدائية القائمة على الحس المشترك، بل تُصرّ على جعل “التقدّم الفكري للجماهير، لا للنُخب الفكرية الصغيرة فقط، ممكنًا سياسيًا”. ولا يعني ذلك أن كل عضو في حزب ثوري يجب أن يعرف فورًا الإجابة على كل سؤال، ولكن، على الأقل، حين يواجهون أيديولوجيًا برجوازيًا، يجب أن يثقوا بأنه، ضمن مجموعتهم من المثقفين العضويين ذوي النظرة المشتركة، سيكون هناك من يستطيع أن “يجادل بشكل أفضل”. ويتطلب ذلك، بدوره، وجود ثقافة تنظيمية تقوم على النقاشات النظرية المنتظمة والصارمة، التي تُفكّك وتُراجع الأفكار السائدة في تجلياتها اليومية، وكذلك في صيغها الأكاديمية الأكثر تعقيدًا التي يروّج لها المثقفون التقليديون.
“دور الأحزاب الثورية هو، بالتالي، “تكوين قادة أكفاء”؛ فالحزب “يختار ويطوّر ويضاعف القادة الضروريين لكي يتحول أي جماعة اجتماعية معينة… من فوضى هائجة إلى جيش سياسي منظم وعضوي”. ولا يعني هذا أن تصورات العمال الثوريين منفصلة تمامًا عن وعي الطبقة العاملة الأوسع، بحيث يخلقون طليعة منفصلة عن غالبية العمال. فالطبقة العاملة، كما يؤكد غرامشي، يمكنها أن تنجذب نحو الأفكار الثورية؛ فهي تمتلك جوهرًا من “الحس السليم” الذي يتطور في شكل “جنيني”، يظهر “أحيانًا وبشكل وميضي” حين “تتصرف الجماعة كوحدة عضوية كاملة”. هذا التصور الجنيني للعالم هو “النواة الصحية التي توجد في ‘الحس المشترك’، الجزء منه الذي يمكن تسميته ‘الحس السليم’ ويستحق أن يصبح أكثر وحدة وتماسكًا”. ومع ذلك، فإن هذا التصور للعالم يعيش في حالة توتر مع أشكال أخرى “ظاهرية وصريحة لفظيًا… موروثة من الماضي وُمتَلقاة بلا نقد”. يمكن لهذا “الوعي المتناقض” أن يؤدي إلى السلبية، ولكن، وبالضبط بسبب التوتر بين التصورين، فإن تحولات مفاجئة في نشاط العمال ممكنة. وعندما تنبثق النضالات، يجب على المثقفين العضويين الذين يشكلون الحزب الثوري أن يحاولوا استنهاض الحس السليم المعبر عنه في النضال، موحدين بين النظرية والممارسة، وجاذبين في الوقت نفسه عمالًا جددًا إلى التنظيم:”
“تقوم الأحزاب بتجنيد أفراد من بين الجماهير العاملة، ويتم الاختيار بناءً على معايير عملية ونظرية في الوقت ذاته. وتزداد العلاقة بين النظرية والممارسة قربًا كلما كانت التصورات مبتكرة بشكل حيوي وجذري.”
“يعبر دانكن هالاس عن وجهة نظر مماثلة بلغة أكثر بساطة:
“مهمة الاشتراكيين هي ربط نظريتهم وأهدافهم بمشاكل وتجارب المناضلين بطريقة تحقق تراكبًا (تركيبًا) يكون دليلًا عمليًا للعمل ونقطة انطلاق للتقدم المستمر. ويكون هذا التراكب ذا معنى بقدر ما يوجه فعليًا أنشطة المشاركين ويتغير ويتطور بناءً على الممارسة والتغيرات في الظروف التي يساهم هو نفسه في إحداثها.”
“المُقنِعون الدائمون” اليوم
إِذَا طُبِّقَت هذه المُقاربات بِعِناية، فإنها تُثمر في التفكير حول كيفية المُضي قدمًا في عمليّة تأسيس الكوادر اليوم. فمن المؤكّد أن الحالة السياسية شديدة التقلب تتطلّب كادرًا فاعلًا، قادرًا على اتخاذ المبادرة، والرد بوضوح وفعاليّة على التطوّرات. وخُذ على سبيل المثال هجمات 7 أكتوبر 2023 الفلسطينية على إسرائيل؛ فلم يكن من البديهي أن يتوصّل العمال – حتى أولئك المتعاطفين مع القضيّة الفلسطينية – إلى الاستنتاجات الصحيحة بسرعة، أو أن يشعروا بالثقة الكافية للتحرك على أساسها، خاصة في ظل سيل الدعم الإسرائيلي من قِبَل السياسيين في المؤسسات الحاكمة وعبر وسائل الإعلام السائدة. ومع مرور الوقت، تغيّر المزاج العام نتيجة الحرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل، لكن رد الفعل الأولي من قِبَل أقسام من اليسار ونشطاء التضامن مع فلسطين لعب دورًا حاسمًا في تنشيط الحركة، ومهّد الطريق للاحتجاجات الجماهيرية في الشوارع وعلى حرم الجامعات. في بريطانيا، قامت جماعات مثل حزب العمال الاشتراكي (SWP) بإنتاج كمّ كبير من المواد، ولا سيما من خلال هذه المجلة (ISJ)، واضعة الهجوم في سياقه السياسي الأوسع: موضحة تاريخ القمع الطويل للفلسطينيين، ومتوقعة ردّ نتنياهو، ومحللة الأسباب التي تجعل النضال يتخذ الشكل الذي يتخذه، ودور الصهيونية والإمبريالية في تاريخ إسرائيل، والحاجة إلى حلّ الدولة الواحدة يتحقّق عبر نضال طبقي أوسع في المنطقة.
ومع ذلك، فإن الحزب الثوري سيكون رديئًا إن كان أعضاؤه يكتفون بالجلوس في انتظار توجيهات تصدر من “المقر المركزي” تُملي عليهم ما يجب التفكير فيه أو كيفية الرد. إن تصوّر الكادر كجنود طائعين ينفّذون خطة وضعها “الزعيم العظيم” هو اختراع ستاليني. كان على المثقفين العضويين في جماعات مثل حزب العمال الاشتراكي (SWP) أن يمتلكوا فهمًا نظريًا مستقلًا وعميقًا، يُمكّنهم من دحض الحجج التي واجهوها، وقيادة وتنظيم ردود فعل العمال أو الطلاب. النظرية التي اعتمدوا عليها لم تكن متجذّرة فقط في فهم لتاريخ المنطقة، بل أيضًا في الخبرة المتراكمة من نضالات سابقة بشأن فلسطين شارك فيها أعضاء الحزب، وفي تقييم أوسع للحالة السياسية في بريطانيا، وفي القدرة على فهم أشكال التنظيم والتكتيكات الأرجح نجاعةً في تعبئة شرائح من النشطاء، وغير ذلك. النظرية وحدها لا تضمن اختيار التكتيكات الصحيحة. فالساحة السياسية معقدة، لا يمكن التنبؤ بها، ومليئة بعدم اليقين، مما يجعل التدخل في النضالات فنًا بقدر ما هو علم. لكن تظلّ النظرية أمرًا جوهريًا في رسم الملامح العامة للوضع، وبالتالي في توجيه التدخل السياسي.
جانب مهم من جوانب القيادة في مثل هذه اللحظات يتمثل في السجل النضالي السابق للنشطاء. فإذا كان المثقفون العضويون هم، كما قال غرامشي، “المقنعون الدائمون” داخل الطبقة العاملة، فإن قدرتهم على القيادة تستند إلى الثقة التي اكتسبوها خلال مراحل سابقة من النضال في قضايا مختلفة. في هذا السياق، لا تعتمد ممارسة الهيمنة على كسب اتفاق تام بنسبة 100٪ من كل عامل في كل موضوع، بل يكفي أن يكون البعض مقتنعًا تمامًا، بينما يمنح آخرون الثوريين هامش الثقة—ببساطة لأنهم قدّموا في الماضي قيادة عملية وأيديولوجية فعّالة. في هذه الحالات، يميل العمال إلى تقييم نزاهة الثوريين ليس فقط من خلال قدرتهم على تقديم حجج تتماشى مع المزاج العام—وهو أمر يفعله كثير من النشطاء الإصلاحيين بسهولة—بل كذلك من خلال قدرتهم على الدفاع عن المواقف غير الشعبية. فعلى سبيل المثال، قاد العديد من كوادر حزب العمال الاشتراكي (SWP) نزاعات عمالية في أماكن العمل خلال موجة الإضرابات في 2022–2023.
ولم يقتصر ذلك على تنظيم وتنسيق الإضرابات، بل شمل أيضًا التحذير من حدود البيروقراطية النقابية، وانتقاد المسؤولين الذين فشلوا في تنظيم تحرّكات مستمرة كافية، أو أضعفوا النضالات، أو سعوا إلى تمرير اتفاقات سيئة. ورغم أن هذه المواقف لم تكن دائمًا موضع ترحيب واسع في ذروة موجة الإضرابات، إلا أن أعدادًا أكبر من العمال بدأت تتقبلها على ضوء تجربتهم المباشرة. ومرة أخرى، لم تكن هذه الحجج قائمة فقط على التجربة العملية، بل عكست أيضًا جهدًا نظريًا مستمرًا لفهم طبيعة النقابات العمالية والعلاقة بين القواعد والبيروقراطية النقابية.
مركزية النظرية
رغم أن التعلم النظري وحده لا يكفي لتشكيل المثقفين العضويين، فإن وجود ثقافة قراءة ونقاشات عالية المستوى يظل مكونًا أساسيًا لا غنى عنه في عملية تأسيس الكوادر. وعلى عكس التصوير الشائع للينين كشخصية ماكيافيلية توظّف النظرية لخدمة أهداف براغماتية، فإن محاولة تطوير وتطبيق النظرية الماركسية بشكل صارم كانت تلعب دورًا محوريًا في كل مرحلة من مراحل تاريخ البلاشفة. وقد عبّر أليكس كالينيكوس عن ذلك بدقة:
“ما ستكشفه سيرة فكرية جادة للينين ليس استخفافه بالنظرية، بل الأسلوب المنهجي الذي دفعه فيه كل تحوّل مهم في الأحداث إلى إعادة النظر في الكيفية المثلى لفهم الوضع من منظور نظري. فقبل ثورة 1905، قدّم تحليلاً صارمًا للبُنى الزراعية الروسية في كتابه تطور الرأسمالية في روسيا (1899)، وهو ما شكّل الأساس النظري لنقده لآمال الشعبويين في الاشتراكية الريفية… أما الأزمة التي أحدثها اندلاع الحرب العالمية الأولى في الحركة الاشتراكية الأممية، فقد دفعت لينين إلى إعادة التفكير بشكل أوسع في النظرية والاستراتيجية الاشتراكيتين، وقد تجلّى ذلك بوضوح في الكراريس الفلسفية التي جاءت نتيجة قراءته لهيغل، وكذلك في كتاب الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية. وبلغ هذا المسار ذروته في كتاب الدولة والثورة، النص غير المكتمل حول النظرية الماركسية للدولة، والذي كتبه أثناء اختبائه في صيف عام 1917 بين ثورتي فبراير وأكتوبر.”
حتى وإن كان من غير المحتمل أن يحقق قلة منا ما أنجزه لينين في مجال النظرية، فلا شيء يمكن أن يكون أكثر ضرراُ لتأسيس الكوادر الحزبية الثورية من جوّ معادي للنظرية. إن الاستسلام لمناهضة الذهنية الفكرية هو قبول لمنطق يمرّ عبر عمليات العمل الرأسمالية في أماكن العمل — حيث يكون فصل التفكير عن التنفيذ، مع ترك التفكير كأمر يخص فقط الرأسماليين ومديريهم المعينين. وإذا تم نقل هذا النهج إلى داخل الحزب، فإنه يترك النظرية لــ “المثقفين التقليديين” المتخصّصين، مما يقطع الصلة بين النظرية والممارسة.
إن ترسيخ الوضوح النظري بين الأعضاء أمر بالغ الأهمية، لا سيما بالنسبة لمجموعة ثورية صغيرة — وجميع الأحزاب الثورية الحقيقية اليوم، للأسف، تنتمي إلى هذه الفئة. رسالة كتبها توني كليف عام 1975 إلى الاشتراكي البرتغالي برونو دا بونتي، خلال الثورة في بلاده، توضح هذه النقطة في سياق الجبهة الثورية المتحدة التي أسستها إحدى مجموعات اليسار الجذري: “لن تكون لا فأساً صغيرة حادة، ولا فأساً كبيرة ثقيلة وإن كانت غير حادة. كلاهما يمكنه قطع الشجرة، ولكن لا يمكنك أن تقطع شجرة بفأس صغيرة غير حادة”. بمعنى آخر، إذا لم يكن لديك وزن تنظيمي جماهيري، فمن الضروري أن تقدم للعمال قدراً عالياً جداً من الوضوح السياسي.
“التشديد على أهمية القراءة لا يعني الدعوة إلى الانتقائية النظرية، وهي سمة شائعة في ما يُعرف بـ””الماركسية الأكاديمية”” التي، بسبب انفصالها عن النشاط العملي، نادرًا ما تختبر أفكارها في الممارسة. فمن الضروري بالطبع أن نقرأ على نطاق واسع وأن نفهم النقاشات الأساسية الدائرة في صفوف اليسار. لقد كان من المهم أن يقرأ الماركسيون كتاب نعومي كلاين “”لا لوغو”” في أواخر التسعينيات، و*””الإمبراطورية””* لمايكل هارت وأنطونيو نيغري في أوائل الألفينات، و*””رأس المال في القرن الحادي والعشرين””* لتوماس بيكيتي في العقد التالي، أو “”كيف تفجّر خط أنابيب”” لأندرياس مالم مؤخرًا. كلها كتب قرأها عدد معتبر من المشاركين في الحركات التي شارك فيها اليسار الثوري، وقد أثّرت أفكارها في النقاشات الدائرة على نطاق أوسع حتى من عدد قرائها الفعليين. لكن، لا بد من قراءة هذه الأعمال قراءة نقدية من منظور التقليد الماركسي الكلاسيكي. ما يجعل هذا التقليد “”كلاسيكيًا”” هو بالضبط تأكيده على إمكانية تحرّر الطبقة العاملة بذاتها من خلال الثورة. وهذا لا يعني أن الانتساب إلى هذا التقليد يُحصّن الماركسيين من النقد، فحتى “”المرجعية الكلاسيكية”” ليست صوتًا واحدًا، وتطورها لا يتوقف. فالرأسمالية وصراع الطبقات يطرحان باستمرار أوضاعًا جديدة وتحديات مستجدة، وغياب التطوير النظري المستمر يُفضي إلى الجمود العقائدي، الذي يشوّه الممارسة في نهاية المطاف.
ومع ذلك، إذا ما تم فهم التقليد الماركسي الكلاسيكي على أنه تقاليد حية ومتطورة، فإنه يُشكّل منصة تستند إلى منظور التحرر الذاتي للطبقة العاملة، يمكن من خلالها تقييم المناهج النظرية الأخرى.”
للأسف، لقد تم تهميش هذا التقليد الماركسي الكلاسيكي نتيجة سلسلة من العمليات التاريخية المتراكمة. من بين أبرز هذه العوامل: تأثير الستالينية منذ أواخر عشرينيات القرن العشرين، والتي قوّضت المشروع الثوري من الداخل عبر فرض البيروقراطية، وقمع الديمقراطية العمالية، وتحويل النظرية إلى عقيدة جامدة تخدم مصالح الدولة السوفييتية. انتعاش الديمقراطية الاجتماعية خلال الطفرة الاقتصادية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حيث وفّر الإصلاح التدريجي نوعًا من الرخاء والاستقرار للطبقات العاملة في الغرب، مما زاحم الطروحات الثورية وأضعف جاذبيتها. تراجع نضالات الطبقة العاملة منذ أواخر السبعينيات، في ظل سياسات النيوليبرالية، والتفكك التدريجي للبُنى الصناعية التقليدية، والضربات التي تلقتها الحركة النقابية. في هذا السياق، تلعب التنظيمات الثورية دورًا حاسمًا في الحفاظ على هذا التقليد الكلاسيكي وإعادة تفعيله، من خلال تعزيز الارتباط بين النظرية الثورية والممارسة النضالية، وتوفير إطار جماعي لتطوير الفهم، وصقل الكوادر، والتدخل الواعي في الصراعات الطبقية.
ثمة تحديات إضافية تواجه العمال الذين يسعون إلى تطوير فهمهم للماركسية، حتى بعد انضمامهم إلى منظمة ثورية. فالوقت يمثل عقبة واضحة، نظرًا للضغوط التي يفرضها النظام الرأسمالي علينا. ومع ذلك، فقد نجحت جماعات من العمال تاريخيًا في اقتطاع وقتٍ للقراءة عندما كانوا منخرطين سياسيًا ومتحمسين لذلك. فعمال البلدان الرأسمالية الأكثر تطورًا اليوم يمتلكون عمومًا وقتًا فراغًا أكبر بكثير مما كان عليه الحال قبل 160 عامًا، حين نُشر كتاب “رأس المال” لماركس. ففي ذلك الحين، كان “العمال في الاتحاد العام للعمال الألمان في نيويورك… يجتمعون أسبوعيًا في الجانب الشرقي الأدنى في ’غرفة واطئة سيئة التهوية في فندق الحي العاشر “لقراءته معًا”.
أما في بريطانيا، في أوائل القرن التاسع عشر، وفي وقتٍ كان نحو ثلث العمال فيه أميين بالكامل، ومعظم الباقين لا يمتلكون سوى تعليم أولي بدائي، فقد شهدت الأحياء العمالية حركة نشطة لبيع الدوريات الراديكالية، وتأسست أندية من النسّاجين لشراء الصحف ذات الميول اليسارية، وغرف قراءة أنشأها عمال الفخار، ومكتبات ومقاهٍ كانت تُقرأ فيها الأدبيات المناهضة للنظام، إلى جانب مجموعات قراءة في المدن الصغيرة والقرى. مع ذلك، فإن عائقًا أكبر من الوقت أمام القراءة يتمثل في الاغتراب الذي يتعرض له العمال، والذي ينتقص من قدراتهم الفكرية أو الإبداعية المحتملة. إن مواجهة هذه العوامل وبناء ثقافة الانخراط النظري هو مشروع سياسي بحد ذاته، لا بد من النضال الواعي من أجله وتجديده باستمرار. وجزء من وظيفة الاجتماعات التعليمية أو الدورات الدراسية القصيرة التي تنظمها أحزاب مثل حزب العمال الاشتراكي (SWP) هو، بالإضافة إلى تزويد المشاركين بمعرفة أولية بالماركسية، خلق توقع بمتابعة القراءة المستقلة والنقاش الجماعي للنظرية، ومنح العمال الثقة لمحاولة خوض هذه العملية.
لمساعدة الأعضاء على التحفيز على القراءة، ينبغي على التنظيم الثوري أن يسعى دائمًا إلى إظهار قيمة النظرية. ويُرجَّح أن يكون ذلك أوضح بالنسبة للأعضاء إذا كانوا يتدخلون في النقاشات داخل النقابات العمالية أو جماعات الحملات، أو يتحدثون في اجتماعات فروع الحزب أو فعاليات الحركة الأوسع، وما إلى ذلك، لا سيما إذا جرى استعراض هذه التجارب بشكل جماعي من قبل أعضاء الحزب. يمكن أن يلعب بيع المنشورات الاشتراكية، سواء من خلال المبيعات العلنية أو بطريقة منهجية أكثر داخل أماكن العمل، دورًا مشابهًا، حيث يضع الاشتراكيين في اتصال مع شرائح أوسع من العمال ويتيح اختبار أفكارهم. وقد عبّر روجر كوكس، وهو ناشط سابق في قطاع الهندسة وعضو في حزب العمال الاشتراكي وسلفه، الاشتراكيون الأمميون، عن ذلك بشكل جيد في مقابلة نُشرت في هذه المجلة:
“كنت أبيع 15 نسخة من العامل الاشتراكي في القسم… شيء أقوله كثيرًا للأعضاء الأصغر سنًا هو أن أفكارنا قد تبدو عديمة الجدوى لأن عليك تكرارها باستمرار. كنت أبيع هذه الجريدة، وكان الأمر دائمًا صعبًا. تذهب صعودًا وهبوطًا على خط الإنتاج، كما تعلم، “نسخة من العامل الاشتراكي؟”، وكان الناس يقولون: “تصرخون دائمًا دفاعًا عن السود والإيرلنديين؟” كان ذلك عذابًا، لكن عليك القيام به. في أحد الأيام كنت في المرحاض، أقضي حاجتي وأنا أقرأ الغارديان. ويدخل اثنان من الزملاء. أحدهم رجل عنصري تمامًا يُدعى جورج، يقول للآخر الذي كنت أبيع له الجريدة: “هؤلاء الزنوج الملعونون يأتون إلى هنا، إلخ.” فيلتفت إليه الرجل ويقول: “جورج، لمَ لا تصمت؟” ويدمّره باستخدام الحجج التي قرأها في الجريدة. حينها تدرك: إن استمراريتك هي ما يجري اختباره. كل أسبوع يختبرونك. لذا، كل أسبوع لديك هذا التوتر، وعليك أن تتجاوزه. هل ما تقوله الآن هو نفسه ما قلته الأسبوع الماضي؟ وإذا كان مختلفًا، فلماذا؟ عليهم أن يثقوا بك.”
الكادر والديموقراطية
لا يمكن فصل مسألة تأسيس الكوادر عن مسألة ديمقراطية الحزب. فمن المسلمات أن التنظيمات اللينينية تقوم على ما يُسمى بـ”المركزية الديمقراطية”. وغالبًا ما يُفسَّر هذا المفهوم بطريقة شكلية للغاية: نقاش ديمقراطي يليه وحدة منضبطة في العمل. غير أن الواقع يكشف عن علاقة أكثر عضوية بين هذين العنصرين، حيث تساعد الديمقراطية على دمج تجارب الطبقة العاملة في سياق النضال، بينما تتيح المركزية للحزب أن يختبر عمليًا الرؤية التي تم تطويرها نتيجة لذلك. ويشرح هالاس جيدًا الأهمية الجوهرية للنقاش الحقيقي:
“ن الحزب الجماهيري، بخلاف الزمرة، يتعرض بالضرورة لقوى جبارة هائلة… وهذه القوى لا بد أن تجد لنفسها تعبيرًا داخل الحزب أيضًا. ومن أجل الحفاظ على توجه الحزب (وعمليًا، من أجل تصحيح توجهه باستمرار في وضع دائم التغير)، فإن العلاقة المعقدة بين القيادة، والطبقات المختلفة من الكوادر، والعمال الذين يؤثرون ويتأثرون بهم، تعبّر عن نفسها – ويجب أن تعبّر عن نفسها – في شكل صراع سياسي داخل الحزب. وإذا ما جرى كبت هذا الصراع بشكل مصطنع عبر الوسائل الإدارية، فسيفقد الحزب بوصلته.”
يتردد صدى هذا الطرح مع المنهج الذي عرضه غرامشي:
“المركزية في الحركة، أي التكيف المستمر للمنظمة مع الحركة الحقيقية… الإدخال المستمر للعناصر التي تبرز من أعماق القاعدة الشعبية إلى الإطار الصلب لهياكل القيادة التي تضمن الاستمرارية والتراكم المنتظم للخبرة. المركزية الديمقراطية… تأخذ في الاعتبار الحركة، وهي الوضع العضوي الذي تظهر فيه الحقيقة التاريخية، ولا تتحول ميكانيكيًا إلى بيروقراطية؛ وفي الوقت نفسه تأخذ بعين الاعتبار ما هو مستقر نسبيًا ودائم.”
ويضيف أنه في أحزاب الطبقة العاملة، “عنصر الاستقرار ضروري لضمان أن الهيمنة لن تمارسها مجموعات مميزة بل العناصر التقدمية — المتقدمة عضوياً بالنسبة للقوى الأخرى التي… غير متجانسة ومترددة”
كما يشير ذلك، لكي تعمل المركزية الديمقراطية بفعالية، فإنها تتطلب كوادر ذات منهج نظري مشترك، قادرة على التدخل الفعّال والتفكير النقدي في الخبرات، مع استخدام ما يتعلمونه في النقاشات الداخلية للحزب. إن وحدة النظرية والتطبيق هنا أمر أساسي. فالنقاش المنعزل عن التطبيق يميل إلى الجدلية المجردة، بينما النقاش المنعزل عن النظرية يميل إلى الانطباعية والسطحية.
الاستبدال والتدعيم
كما يجب أن يكون واضحًا من ما ذُكر سابقًا، فإن التدخل النشط في نضال الطبقة العاملة هو شريان الحياة لمنظمة ماركسية. ومع ذلك، تنشأ صعوبة عندما تكون الطبقة العاملة في حالة خمول نسبي، كما كان الحال في بريطانيا خلال العقود الأخيرة. لقد قطعت موجة الإضرابات في 2022-2023 هذا النمط، مما وفر المزيد من الفرص للتعلم والتدخل، لكن بشكل عام، ظل مدى النشاط الذاتي المستدام للعمال من القاعدة محدودًا.
قبل انضمامه إلى الحزب البلشفي، حذّر تروتسكي من خطر “الاستبدال”، حيث يقوم الحزب بانتحال أو الاستيلاء على دور الطبقة العاملة. وذكر أن هذا قد يخلق نوعًا من التدفق الاستبدالي الذي فيه “تحل منظمة الحزب محل الحزب ككل؛ ثم تحلّ اللجنة المركزية محل المنظمة؛ وأخيرًا، يحل ‘الدكتاتور’ محل اللجنة المركزية”. بعد عام 1917، عكس تروتسكي موقفه ولم يتراجع بعد ذلك عن دعمه لإنشاء منظمات من نوع البلشفية. ومع ذلك، أقرّ كليف في مناقشته للمشكلة بالإمكانية الكامنة للاستبدال ضمن البلشفية، مجادلاً أن الترياق لذلك هو “نشاط الطبقة نفسها”. كما رأينا، سعى لينين للاستفادة من حيوية انتفاضات العمال في 1905 و1917 لمواجهة أي توجهات من هذا النوع داخل البلشفية.
في الوقت الراهن، من غير المرجّح أن يحاول حزب ثوري صغير مثل حزب العمال الاشتراكي (SWP) أن يحلّ محل الطبقة العاملة أو أن يستبدل بها قوى اجتماعية أخرى، لكن يمكننا أن نلاحظ، في سياق ضعف النضال، مخاطر عناصر أخرى من التأثير المتسلسل الذي تحدّث عنه تروتسكي. فضعف النشاط الذاتي للعمال يعني أنه من النادر أن يتم استقطاب مناضلين واثقين بأنفسهم، لديهم خبرة في قيادة النضالات، إلى التنظيم الثوري. وعلاوة على ذلك، وبما أن الماركسية بعيدة جدًا عن أن تكون “المنطق السائد” في المجتمع عامة، فإن كثيرين ممن ينضمون إلى المنظمات الثورية يفعلون ذلك دون امتلاك قدر كبير من الفهم العام الذي كان يميز اليسار الجذري تاريخيًا. حتى في أوساط الطلاب، وعلى الرغم من وجود انفتاح على تيارات فكرية راديكالية، بما في ذلك تلك التي تشير إلى الماركسية، إلا أن هذه التيارات غالبًا ما تكون بعيدة جدًا عن التقاليد الماركسية الكلاسيكية ونادرًا ما تسعى إلى توحيد النظرية والممارسة. تخلق هذه القيود إغراءً أمام الكوادر المتمرسة في الحزب لأداء وظائفه الأساسية بأنفسهم—كأن ينظموا الفروع مثلًا، أو يتحمّلوا مسؤولية صياغة أفكاره الأساسية أو قيادة تدخله في النضالات الأوسع. ويمكن أن يعيق ذلك تعلّم الأعضاء الجدد أو يمنعهم من المساهمة بإبداعهم في الأنشطة التي يشارك فيها اليسار الثوري. ومن الممكن في ظل هذه الظروف أن تنمو التنظيمات دون أن تجدد أو تطوّر كوادرها.
معالجة هذا الوضع تتطلّب جهدًا واعيًا. إن تثقيف الأعضاء الجدد أمر بالغ الأهمية، لكن لا يمكن فصله عن الحاجة إلى رفع المستوى النظري للحزب ككل—فالهدف لا يقتصر على إعادة إنتاج المستوى الحالي من الفهم النظري، بل يتعداه إلى الارتقاء به لدى الجميع، من خلال خلق نمط من الثقافة يقوم على النقاش المستمر والحوار، كما سبق وصفه. ويجب أن يكون هذا مرتبطًا بالممارسة، ومن خلال نهج أكثر تأنيًا لإشراك الأعضاء في هذه الممارسة. على سبيل المثال، ينبغي أن تُعقد بشكل منتظم اجتماعات لدوائر الأعضاء، سواء الجدد أو القدامى، لمناقشة ما يتم القيام به في حملة معينة، ولماذا يتم ذلك، وتقييم مدى نجاح أو فشل تلك التكتيكات. ينبغي تشجيع الأعضاء الجدد على تقديم اجتماعات الفروع وتحمّل المهام التنظيمية، مع مناقشة كيفية القيام بذلك بأفضل شكل مع الأعضاء الأكثر خبرة. إن العمل التنظيمي ينطوي دائمًا على “مهارات حرفية”، تتضمن عناصر من “الدهاء، والحكمة، ومعرفة الزوايا والخدع، والتكيّف الإبداعي”. ومثل هذه المعارف الحرفية يمكن نقلها، غالبًا من خلال “التلمذة” لا الوسائل الأكاديمية التقليدية.
يمكن أن يكون الإرشاد الفردي مفيدًا في هذا السياق، رغم أن التطور المتكامل للكوادر غالبًا ما ينطوي على التعلم من عدد من الأعضاء الأكثر خبرة، كلٌّ منهم يمتلك نقاط قوة ومناهج مختلفة. وتبقى واحدة من أكبر التحديات هي حاجة الأعضاء الجدد إلى تعلّم كيفية العمل ضمن علاقات مستدامة ولكنها غالبًا ما تكون صراعية، مع أشخاص يتخذون مواقف سياسية يمينية أكثر منهم—سواء من خلال نشاط الجبهة الموحدة أو العمل داخل النقابات العمالية. هذه المسائل تتطلب نقاشات معقدة، ولذا، وفي ظل غياب نضالات جماهيرية متجذّرة في مواقع العمل، فإنها تُعد ساحة أساسية يمكن للأعضاء أن يبدأوا من خلالها في تدريب أنفسهم على الاستراتيجية والتكتيك. أما الأعضاء ذوو الخبرة—والذين يمتلكون عادة ميزة السمعة التي بنوها بين نشطاء اليسار في منطقتهم، ما يسهم في بناء حركات أوسع—فهم عنصر حاسم في هذا العمل، ولكن ينبغي كذلك إشراك الأعضاء الجدد في كل فرصة ممكنة.
“للا ينبغي أن يكون الأمر مجرّد دفع للرفاق الجدد إلى مواقف صعبة ومعقدة لمعرفة إن كانوا سينجحون أم لا. بل يمكننا إعادة توظيف بعض الأفكار التي طورها عالم النفس والمربي الماركسي ليف فيغوتسكي. لقد جادل فيغوتسكي ومَن شاركوه التفكير بأن “حتى على مستوى التعلُّم… فإن “”العقل”” هو علاقة اجتماعية وليس خاصية فردية مخزنة في الرأس… يتعلم الناس من خلال الفعل في أوضاع ملموسة ومحددة تاريخيًا، في محاولات لخلق نوع من الاتساق وسط تناقضات اجتماعية”. يُعرف فيغوتسكي ربما أكثر ما يكون لدى التربويين بمفاهيم مثل “”منطقة النمو القريب””، وهي الفجوة بين ما يمكن للطفل إنجازه بشكل مستقل وما يمكن إنجازه “من خلال حل المشكلات بتوجيه من الكبار أو بالتعاون مع أقران أكثر كفاءة”. ومن خلال العمل في هذه المنطقة، مع توفير “”الدعائم”” المناسبة من قِبل الأقران أو المعلمين، يمكن للطلاب تطوير قدرة أكبر على إنجاز مهامهم بشكل مستقل، وفي الوقت نفسه تنمية أشكال نظرية من الفهم أكثر تجريدًا وعمومية، يمكن تطبيقها على مجموعة من الحالات الملموسة.
“سيكون من الخطأ أن نعامل الأعضاء الجدد في المنظمة باعتبارهم “أطفالًا”، أو الأعضاء المخضرمين باعتبارهم “بالغين” أو “معلمين” فقط. وكما جادلتُ سابقًا، ينبغي أن تكون عملية تأسيس الكوادر عملية مستمرة تشمل الحزب ككل، وكما أدرك لينين، ففي اللحظات الحاسمة يجب على الحزب أن يتعلّم من نضالات الطبقة — ويمكن أن يكون للأعضاء الجدد دور حاسم في استيعاب هذه الدروس. ومع ذلك، يمكن العثور هنا على تصور أوسع للوعي ولعملية التعلّم يتجاوز السياقات التعليمية الضيقة. لقد سعى الماركسيون بالفعل إلى تعميم أفكار فيغوتسكي لفهم عمليات التعلّم والتطور التي تحدث داخل الحركات الاجتماعية. وكما يجادل جون كرينسكي وكولن باركر:
“الوعي، بجميع جوانبه، ليس ببساطة شيئًا يحدث فقط من خلال تطور نفسي فردي شبه طبيعي، بل يُبنى ويتشكّل من خلال العلاقات الاجتماعية النشطة التي يقيمها الأفراد مع الآخرين. وينطبق الأمر ذاته على صياغة الاستراتيجيات داخل الحركات الاجتماعية: ففكرة التعلّم التعاوني والاجتماعي تمتد لتشمل أيضًا تعلّم البالغين، الذين تنطوي حياتهم، بطريقة ما، على عمل “استراتيجي” مستمر.”
لا أرى أي سبب يمنع من تعميم هذا النهج أيضًا على عملية التعلّم الجماعي التي تجري داخل الحزب الثوري أثناء سعيه للتدخل الاستراتيجي في العالم. فالجهود المشتركة للتدخل من خلال حزب ثوري ينبغي أن تدفع الرفاق الأقل خبرة إلى العمل بما يتجاوز ما يمكنهم إنجازه كأفراد، ولكن مع وجود “الدعائم” والدعم من الرفاق الأكثر خبرة، إلى جانب التأمل الجماعي في النتائج. وبعبارة أكثر بساطة: لا ينبغي لأي رفيق أن يقوم بما يمكن لرفيق أقل خبرة أن يقوم به إذا توفر له الدعم المناسب، ولا ينبغي لأي رفيق أن يقوم بمهمة بمفرده إذا كان بالإمكان إنجازها بالتعاون مع رفيق أقل خبرة. وينبغي أن يحدث هذا دون خلق أجواء يُنظر فيها إلى الرفاق ذوي الخبرة على أنهم مصدر كل حكمة أو معفيون من الحاجة إلى مزيد من التطور، ودون كبح إبداع المشاركين في الحزب، سواء أكانوا قدامى أم جددًا.
الخاتمة
تشير الأحداث الأخيرة على ما يبدو إلى أننا قد بلغنا نقطة انعطاف في التاريخ، لحظة يزداد فيها النظام الرأسمالي اضطرابًا، مُدمرًا العديد من المؤسسات والبُنى التي اعتمد عليها في إعادة إنتاج نفسه خلال تاريخه القريب، ومُطلقًا سلسلة من الأزمات.
لقد كان أبرز رد على هذا الاضطراب هو صعود اليمين المتطرف عالميًا، الساعي لاستغلال الفوضى، والذي يُجسّده قبل كل شيء عودة دونالد ترامب إلى منصب رئيس الولايات المتحدة. لا نعلم على وجه الدقة ما هي الفرص التي ستُتاح للنضال والمقاومة بقيادة اليسار الجذري في هذا السياق — لكن يمكننا أن نكون على يقين من أن المستقبل سيبدو مختلفًا بشكل لافت عن الماضي القريب. سنواجه نسخة متزايدة الحدة من خيار روزا لوكسمبورغ: بين الاشتراكية والهمجية. وإذا أردنا أن نغتنم بفعالية أي إمكانيات قد تنفتح أمامنا، فإن مسألة تجديد التقليد الاشتراكي الثوري تصبح مسألة حاسمة. فعملية إعداد الكوادر، وتطوير مثقفين عضويين قادرين على توجيه النضالات من حولهم، أمرٌ لا غنى عنه إذا أردنا أن نقدم أملًا في خضمّ هذا الرعب المتصاعد.
جوزيف تشونارا هو محرر مجلة الاشتراكية الدولية. وهو مؤلف كتاب “دليل القارئ لرأس المال لماركس” (Bookmarks، 2017) و”تفكيك الرأسمالية: دليل للاقتصاد السياسي الماركسي” (الطبعة الثانية: Bookmarks، 2017).
