
تعرض اعتصام مدني سلمي، نظمته الحركة المدنية الديمقراطية وتجمع سوريا الديمقراطية وجمعية سنديان واحزاب سياسية في طرطوس يوم الأحد 9 فبراير/شباط 2025، لاعتداء عنيف من قبل مجموعة “مجهولة” موالية للسلطة الجديدة. وقع الاعتداء أمام الحديقة الوطنية قرب “I Love Tartous”، حيث قام المعتدون بضرب المشاركين وتهديدهم، ومحاولة إغلاق كاميرات التصوير لمنع توثيق الانتهاكات. كما اتهموا المعتصمين بـ”التشبيح” ووصفوهم بـ”فلول النظام السابق”، في محاولة لتشويه سمعتهم وقمع أصواتهم المطالبة بالديمقراطية والعدالة.
رفع المعتصمون لافتات تحمل شعارات ديمقراطية منها: “لا للتسريح التعسفي”، و”الإجازات المأجورة الإجبارية غير قانونية”، و”معًا لبناء سوريا حرة ديمقراطية”، و”العدالة الانتقالية مطلبنا”، إلا أن المعتدين قاموا بتمزيقها، مما يؤكد نيتهم إسكات أي صوت معارض أو مطالب بحقوق العمال والمواطنين.
وشارك في الاعتصام قرابة 200 شخص، وفقاً لمشاهدات موقع “الخط الأمامي”.
في المقابل، تجمع عدد أقل من المؤيدين لـلسلطة الجديدة على بعد مسافة من المعتصمين، رافعين شعارات مثل “نفديك يا ثورة” و”قائدنا للأبد سيدنا محمد” و”الإعدام للشبيحة”. ومن اللافت أن بعض المعتصمين انضموا إلى هذه الهتافات، خاصة عند رفع شعار “الشعب السوري واحد”، مما يعكس حالة من القلق والارتباك والتوجس لدى السوريين/ات وفي المشهد السوري الحالي عموما.
نقاشات متوترة وصراعات مكبوتة
شهدت الساحة نقاشات بين ممثلي التجمع المضاد وممثلي الجهات المنظمة للاعتصام، تحولت من حوار عقلاني إلى مواجهة لفظية متوترة. طُرحت أسئلة مثل: “وين كنتوا لما كنا معتقلين ومذلولين؟”، و”الدولة محفاية (مفلسة)، طولوا بالكن عليها”. في المقابل، رد المعتصمون: “ثورتكن ثورة كرامة، خلوا الناس تعبر”، و”مطولين بالنا، بس الرواتب مطلب إسعافي”، و”العدالة الانتقالية بتاخد حقوقنا كلنا”.
اعتداءات واستهداف للناشطين
تصاعدت التوترات عندما ادعى أحد أفراد التجمع المضاد أنه سمع أحد المعتصمين يصفهم بـ”الإرهابيين”، ما أدى إلى هجوم عنيف على الناشط “يونس سليمان”، الذي اعتقل ثلاث مرات في عهد النظام السابق. يونس، الذي كان يعتبر يوم 8 آذار/مارس عيداً له بعد سقوط النظام، تعرض للضرب من قبل شخصين، بينما حاول آخرون من التجمع المضاد حمايته.
كما تعرض المصور “علاء موسى”، المعروف بمواقفه المعارضة للنظام السابق، للاعتداء بسبب تصويره لحظة الضرب. علاء، الذي كان أول طرطوسي يزور إدلب بعد سقوط النظام، تعرض لإصابة في رأسه بينما كان يحاول حماية كاميرته. وعلى الرغم من ذلك، تدخل عدد من الحاضرين لتهدئة الوضع وإنقاذ يونس وعلاء.
تهديدات وخطاب كراهية
لم تكن الاعتداءات الجسدية هي الوحيدة، حيث أطلق المتوترون من التجمع المضاد (الموالي للسلطة الجديدة) شعارات مهينة ضد امرأة منضمة للحركة المدنية، وهددوا بزيارة منزلها. هذه التهديدات تعكس استمرار خطاب الكراهية والعنف الذي يُستخدم لقمع الأصوات المعارضة، حتى من قبل من يدّعون هم وحدهم من بحتكرون تمثيل “الثورة”.
مشاهدات من الخلفية: النظام القديم يراقب
في خلفية المشهد، لاحظ مراسل “الخط الأمامي” وجود أشخاص من مؤيدي النظام السابق يراقبون الأحداث بعيون لامعة، وبدا عليهم الارتياح الخفي لما يجري. هذه المشاهدات تؤكد أن النظام القديم، وإن سقط سياسياً مازال له حضورا بعضه تم انتقائه في السلطة الجديدة وبعضه الآخر يترقب فرصته، مما يعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا.
خلاصة: عدم استقرار الاوضاع واستمرار المظالم
ما حدث في طرطوس ليس مجرد اعتصام يواجهه تجمع مضاد، بل هو تعبير عن صراع المصالح الاجتماعية والسياسية، وسلطة جديدة تعمل على ترسيخ سطوتها، فما تعيشه سوريا يأتي بعد سنوات من الثورة والحرب. إن استمرار العنف والتهديدات ضد الناشطين، سواء من قبل مؤيدي النظام القديم أو من يدّعون تمثيل “الثورة” من السلطة الجديدة، يؤكد أن النضال من أجل سوريا ديمقراطية وعادلة لكل السوريين/ات ما زال في بدايته. على الحراك الاجتماعي والديمقراطي أن يعيد ترتيب صفوفه، ويعزز التضامن بين جميع الفئات المهمشة، لمواجهة هذه التحديات التي تهدد مستقبل البلاد.
خاتمة:
هذا الاعتداء ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو مؤشر خطير على استمرار أساليب القمع التي ورثتها السلطات الحالية عن نظام الأسد الاستبدادي. فبدلًا من بناء دولة المواطنة التي ناضل من أجلها الشعب السوري منذ 2011، يتم تكريس نفس الأساليب القمعية التي تستهدف النشاط المدني السلمي وتقمع الحريات الأساسية.
من الواضح أن هذه الأحداث تُظهر الحاجة الملحة لتنظيم يساري ثوري شامل يدافع عن حقوق الشعب السوري ويواجه سياسات القمع والإقصاء. ويعمل على أن يعيد الحراك الاجتماعي والسياسي ترتيب صفوفه بما يعزز التضامن بين جميع الفئات المهمشة، بما في ذلك العمال والنساء والشباب، لمواجهة هذه الهجمة التي تهدف إلى إخماد صوت الحرية والعدالة. كما يجب على المنظمات الحقوقية والناشطين/ات الثوريين/ات التصدي لهذه الانتهاكات وتوثيقها، وفضح كل من يسعى لإعادة إنتاج نظام القمع بوجوه جديدة.
هذا الاعتداء يذكرنا بأن النضال من أجل سوريا حرة وديمقراطية مستقلة يعيش فيها شعب حر بكرامة وعدل لم ينتهِ، بل يتطلب تعبئة شاملة ومواجهة حازمة لكل أشكال الاستبداد، سواء كانت قديمة أو جديدة.
الخط الأمامي
