
شهدنا في السنوات العشرين الأخيرة ، صعود سريع لأفكار ما بعد الحداثة ، و التي تكتسب يوما بعد يوم أرضا جديدة في الأوساط الأكاديمية ، و من خلال هذه الأوساط ، تعبر إلى بقية المجالات في المجتمع ، و أصبحت هذه الأفكار ، تشكل جوهر النظريات التقاطعية و نظريات ما بعد الإستعمار ، بل ووجدت هذه الأفكار لها مكانا حتى في أوساط اليسار الإصلاحي ، و الاوساط البرجوازية ، لا تكاد تمر فترة دون أن نشاهد أحد هؤلاء الذين يظهرون على الإعلام ، متبجحين بهجومهم على هذه الفلسفة
على كل ،عندما يأتي هذا الهجوم من التيار اليميني ،يفقد كل أهميته ،و يجب فضح هذا الهجوم و كشف حقيقته ، فهو هجوم على اليسار ككل ، و خاصة على الفئات الأكثر تعرضا للقمع ، و لذلك ، يجب أن نقدم نقد حقيقي لفلسفة الحداثة هذه ، نقد من منظور يساري ثوري حقيقي ، من أجل مصلحة النضال ضد الرأسمالية ،وهو ما سنقوم فيه في هذه المادة
لكن دعونا أولا نستعرض جذور الفلسفة ما بعد الحداثية و السياق التاريخي و السياسي الذي سمح بظهرها
أصل ما بعد الحداثة :
أدى الصعود المتمكن للقوى البرجوازية بين القرنين السادس عشر و التاسع عشر ، إلى بروز فلاسفة عظماء ، مثل ديكارت و سبينوزا و لاييبنتز و لوك و كانط ، بالإضافة طبعا إلى الماديين الفرنسيين في القرن الثامن عشر ، و بعيدا عن التفاوتات بين هذه الفلسفات ، فإنها عكست تفاؤل البرجوازية و ثقتها بقدرتها الذاتية ، و قد كانت هذه الثقة لحد ما مبررة ، خاصة في مرحلة صعودها ، و التي لعبت فيها تلك البرجوازية دورا تقدميا ، فمن خلال تدميرها للنظام الإقطاعي ، مهدت الطريق لنمو غير مسبوق للقوى الإنتاجية ، و بالتالي للثقافة ، و هذا ما أكد عليه ماركس في ( البيان الشيوعي)
لكن ماركس أكد أيضا، أنه في مرحلة معينة ، تتحول هيمنة البرجوازية ، إلى عائق أمام تقدم القوى الإنتاجية، و هنا تصبح البرجوازية في هذه المرحلة ، قوة مضادة للثورة، و هذا ما أصبح واضحا منذ القرن التاسع عشر ، ثم أصبح جليا بشكل مخيف في مجزرة الحرب الإمبريالية ١٩١٤-١٩١٨ ، و قد انعكس هذا الوضع على الفلسفة البرجوازية التي تخلت عن تفاؤلها السابق ، و أغمضت عيناها عن الواقع الموحش ، لتتجه نحو تأملات ذاتية أو لغوية كما تجلت في الظاهراتية أو الوجودية و غيرها من تلك الفلسفات .
و مع ذلك ، لم يفقد إرث الفلسفات البرجوازية الكبرى ، فالماركسية (المادية الجدلية) هي امتداد لها ، و تضرب جذورها في المادية الفرنسية ، و جدلية هيغل ، و لكن في نفس الوقت ، تشكل الماركسية حالة نفي لهذه الفلسفات البرجوازية ، لأنها سلاح في يد طبقة ثورية جديدة ( الطبقة العاملة )
في أعقاب الثورة الروسية عام ١٩١٧ ، كان تأثير الماركسية قوي جدا لدرجة حاز على تعاطف الكثير من مثقفي الطبقات الوسطى و البرجوازية (السورياليون خاصة ) لكن انحراف الثورة الروسية الستاليني ، ابتداء من منتصف عشرينيات القرن الماضي ، أصاب الشيوعية الأممية بأكملها ، و حول الماركسية ( الرسمية ) إلى خليط دوغمائي ، وبعد الحرب العالمية الثانية ، كانت السلطة الستالينية أقوى من أي وقت مضى ،و بقيت النظرية الرسمية للأحزاب الشيوعية مثل ما كانت عليه قبل تلك الحرب ، مجرد أداة للدفاع عن مصالح امتيازات البريوقراطيات الستالينية
هذا هو السياق العام الذي أدى لظهور فلسفة ما بعد الحداثة في ستينيات القرن العشرين ، فقد شعرت شريحة من مثقفي اليسار ( و لديهم أسبابهم بالطبع ) بالنفور من الماركسية بصيغتها الرسمية ، وبدأت بالبحث عن طريق جديد بين الستالينية من جهة و لا فلسفات البرجوازية من جهة أخرى، مع أنه لم يكن من الضروري البحث عن طريق جديد ، كان يكفي العودة إلى الماركسية بصيغتها الأصلية ، و لأن هؤلاء المثقفين لم يكونوا قادرين على اتخاذ هذه الخطوة ، فقد طوروا فلسفة ، بالرغم من مظهرها الراديكالي التغييري ، فإنها تشكل تراجع كبيرا ،ليس عن الفلسفة الماركسية فقط بل حتى عن الفلسفة الهيغلية ، نظرا لرفضهم مبدأ الدياليكتيك، و قد عززت هزائم الحركات العمالية في السبعينات من ظهور هذه الفلسفات.
جرت العادة على تصنيف بعض المثقفين على أنهم ما بعد حداثيين ، مثل فوكو و دولوز ، دريدا ، ليوتار ، بوديار، و بالرغم من أن أعمالهم ليست متجانسة تماما ، لكن لن نتطرق لهذه الاختلافات في هذه المادة ، و بالنهاية يتشاركون فيما بينهم ببعض الأفكار، و هو ما سنعمل على نقاشه ونقده هنا ، وذلك من خلال الفصول التالية
أولا : مفهوم التاريخ
تتبنى فلسفة ما بعد الحداثة فكرة استحالة وجود علم حقيقي للتاريخ ، ففي كتابه عن ميشيل فوكو ، كتب المؤرخ بول فاين – و هو ما بعد حداثي بامتياز – ( في الطبيعة الفيزيائية التي تفحصها العلوم الدقيقة ، يظهر انتظام في الخطاب العلمي ، لكن وعلى النقيض من ذلك ، لا يوجد في العلوم الإنسانية ، و لا يمكن أن يوجد إلا حالات فردية في كل لحظة تاريخية ، لأن مسار البشرية بلا أساس ولا رسالة و لا جدلية تنظمه ففي كل عصر لا نجد إلا فوضى من الحالات الفردية العشوائية الناتج أساسا عن ترابط فوضى سابقة )
هنا بالطبع بقصد المؤلف الماركسية ،فلقد أسس ماركس علما للتاريخ ، هو المادية التاريخية، و أثبت في علمه هذا أن تطور وسائل الإنتاج هو محرك التاريخ ، و صلاحية أي نظام اقتصادي أو اجتماعي، تتحدد بقدرته على تطوير وسائل الإنتاج ( التكنولوجيا، العلم ، إنتاجية العامل البشري ) و عندما يشكل نظام معين ، بعلاقات إنتاجه و بنيته الفوقية السياسية و القانونية ، عائق أمام تطور قوى الإنتاج ، فإنه يقع في أزمة لا حل لها ، لهذا السبب اجتاحت البرجوازية الصاعدة النظام الإقطاعي و تغلبت عليه ، وللسبب نفسه ، تهدد الطبق العاملة النظام الرأسمالي ،تشكل جدلية قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج الخيط الناظم الذي يتيح لنا فهم مسار التاريخ ، بل و التنبؤ به ، مما يتيح لنا التدخل في هذه المسارات.
كيف يحاول ما بعد الحداثيون دحض المادية التاريخية ؟
ينسبون إلى ماركس ، مفهوم هيغل للتاريخ ، و هو مفهوم غائي ، يفترض وجود ( نهاية للتاريخ ) أي بمعنى غاية له ، موجودة هذه الغاية في بدايته ، ففي فلسفة هيغل ، تكون المرحله النهائية للمعرفة المطلقة ، تكمن فعلا منذ البداية في ( الفكرة المطلقة ) التي تنكر تدرك نفسها و تنكرها في التاريخ، لتعود إلى ذاتها في نهاية المطاف
لكن ، وخلافا لما يؤكده الكثير من فلاسفة ما بعد الحداثة ، فإن هذا ليس هو المفهوم الماركسي للتاريخ ، فقد وضع ماركس جدلية هيغل على أسس مادية ، و هذا ما يغير كل شيء ، نعم في التاريخ هناك خيط ناظم و قوانين تتيح لنا فهم مساره ، لكن لا توجد لا ( فكرة مطلقة ) و لا غاية محددة سلفا لهذا المسار ،
نعم تتيح لنا الماركسية التنبؤ بالإتجاهات و الأحداث التاريخية ، لكن لا شيء مكتوب مسبقا ، و هذا جدا واضح في مقولة روزا لوكسمبورغ ( الاشتراكية أو البربرية )
يجب أن نشير هنا أنه في الستينات، كان المنظرون الستالينيون يخلطون أيضا بين مفهوم ماركس و مفهوم هيغل للتاريخ ، وقد استعانوا بهذا الخلط لتبرير أشياء كثيرة ، فقد أصبحت البيروقراطية و خيانة قيادة الحزب ( لحظات ضرورية ) بل و ايجابية في الجدلية الكبرى للتاريخ ، و لا مجال للاعتراض أبدا ،.هنا في هذه الحقبة ،لم يعرف فلاسفة ما بعد الحداثة ( و لم يرغبوا بالمعرفة أصلا ) بالماركسية الحقيقية ، فقد رفضوا بكل بساطة المادية التاريخية ، و لم يحاولوا أن يبحثوا عن خيط ناظم لحركة التاريخ ، وبالتالي لم يستوعبوه، بل أعلنوا بكل بساطة أن التاريخ مجرد سلسلة فوضى الحوادث الفردية
ثانيا : المثالية
بالنسبة للماركسيين ، إن تحليل معطيات معطيات أي مجتمع ، تتطلب دراسة معمقة لقاعدته الإقتصادية و لبنيته الفوقية ، و التفاعلات المتبادلة بينها ، و كذلك بين مختلف عناصر البنية الفوقية ( مثل النضال الإجتماعي، الأحزاب و النقابات المهنية ) و هذا يتطلب منهج جدلي ، لكي يحدد في لحظة تاريخية معينة العوامل الأساسية في تلك التحركات ، هي بالتأكيد مهمة شاقة مثل أي علم يستحق هذا الأسم
لكن الأمور بالنسبة لما بعد الحداثيين فهي أبسط بكثير ،فقد اختزلوا التاريخ إلى مجرد سلسلة من فوضى الحالات الفردية ، تتمثل مهمتهم فقط في ربط تلك الحالات معا بما يرونه هم مناسبا ، و لأنهم أهملوا وجود أي قانون أو خيط ناظم ، لذلك أمكنهم أيضا إهمال وجود أي علاقات إنتاج تشكل القاعدة المادية للبناء التاريخي بأجمعه لذلك سيقعون حتما في فخ المثالية الفلسفية
في هذا السياق ، يعتبر ميشيل فوكو ، ربما الأكثر واقعية ( على الأقل في بعض كتبه ) ، فمعظم كتاباته تبحث في تاريخ النظام العقابي ، و دور المؤسسات النفسية و الوثائق التشريعية والإدارية وما إلى ذلك في التعامل الاجتماعي مع الجريمة والجنون ، كل هذا مثير للاهتمام بالتأكيد ، لكنها تبقى قراءة ناقصة في ظل غياب تحليل شامل للديناميكيات الاقتصادية والسياسية التي حددت تطور تلك العوامل الإجتماعية في هذا التعامل ، فبدلا من التحليل المادي ، أعطانا تعميمات مبنية على مفهومي الخطاب والممارسات ، كمبادىء تفسيرية ، لكن من أين تأتي تلك الخطابات و التفسيرات ؟ الماركسيون يجيبون في التحليل الأخير بأنها تنبع من علاقات الإنتاج، أي من بنية الطبقات في المجتمع
لن نقول أن كتابة تاريخ ماركسي للنظام العقابي أو المؤسسات النفسية سيكون سهلا ، لكن المشكلة أن فوكو ينفي بالأصل ضرورة ذلك فهو يخبرنا بأن ( هناك خطابات كهذه و ممارسات كهذه ، وهذا كل شيء ) فهو لا يخبرنا كيف أن خطاب ما يخلف خطاب آخر ، بل يتجاهل هذا السؤال تماما و كأن لا صلة له بالموضوع .
لنأخذ مثال آخر من كتاب ( الكلمات والأشياء ) ، يحاول هنا فوكو تتبع تاريخ العلوم في أوروبا منذ عصر النهضة، من منظر تعاقب (الإبستمات ) و هو مصطلح يشير بشكل عام إلى ( ظروف الخطاب ) العلمي في عصر محدد ، لكن في هذا الكتاب ، تغيب القاعدة الاقتصادية و الاجتماعية لتاريخ العلوم ، و هذا أدى إلى استنتاجات عبثية تافهة كما في الأسطر التالية
( على المستوى العميق للمعرفة الغربية ، لم تحدث الماركسية أي قطيعة حقيقية ، بل وجدت مكانها بسهولة كشخصية مكتملة بكل هدوء ، فقد وجدت مكانا لها بكل سهولة داخل نسق ابستمولوجي استقبلها بكل ترحاب ، فالماركسية في فكر القرن التاسع عشر ، كانت مثل السمكة في الماء، بمعنى آخر، أنها ستتوقف عن التنفس إذا خرجت من ذلك السياق )
لا يسعنا إلا الابتسام عند قراءة هذه السطور التي تحدث بها فوكو عن الاستقبال الحار للماركسية في القرن التاسع عشر ، فالاستقبال الجليدي ( على أقل تقدير ) الذي حظي به ماركس و رفاقه و كل من ناضل من أجل الاشتراكية معروف جدا ، لكن الأهم من هذا ، أن الماركسية توقفت عن التنفس خارج القرن التاسع عشر ، التي أدت إليها فلسفة فوكو المثالية ، فحيوية الماركسية لا تعتمد على نسق ابستمولوجي مبهم ، بل تنبع بالتحليل الاخير من علاقات الإنتاج الرأسمالية نفسها أي علاقات الطبقات التي حددت بزوغ الماركسية ، و طالما لم يتم الاطاحة بالرأسمالية ، ستبقى الماركسية أقوى سلاح تمتلكه الطبقة العاملة في العالم للقضاء على هذا النظام ، و أي سلاح آخر لن يحل محل الماركسية ، ربما تكون الماركسية الرسمية بصيغتها الستالينية التي اطلع عليها فوكو في التسعينات قد توقفت فعلا عن التنفس ، لكن هذا لم يكن نتيجة ( نسق ابستمولوجي ) جديد ، بل نتيجة الانحطاط البيروقراطي للثورة الروسية ، و تأثير هذا الانحطاط السلبي على الحركة الشيوعية العالمية ، فداخل الحركة العمالية ، تم تهميش الماركسية الأصلية ، لكنها لم تفقد شيء من حيويتها العلمية ، لقد كانت و ما زالت تتنفس بكامل رئتيها
ثالثا : النسبية و اللاعقلانية
يضاف إلى هذه المثالية الفلسفية ، نزعة نسبية ذات تأثير رجعي واضح ، فالنسبة لما بعد الحداثيين ، ليس التاريخ مجرد سلسلة من (فوضى الحالات الفردية ) فقط ، بل لا يوجد أي معيار موضوعي يسمح لنا بالحكم على نظام اقتصاديا أو اجتماعي بأنه يمثل تقدما على نظام آخر، أي بمعنى آخر ، جميع العصور و جميع الأنظمة متساوية ، و التقديم ليس سوى فكرة قديمة لعقلانية وهمية و قمعية ، أي يميل ما بعد الحداثيون بوضوح إلى شكل من أشكال اللاعقلانية ، حتى لو كانوا يناقضون أنفسهم باستمرار ، لأنه حتى للحكم على ترهاتهم، لا بد من حد أدنى من العقلانية و المنطق ، و بالرغم من أنهم يدينون التعميمات، لكنهم لا يتوقفون عن صياغتها ، و هي تعميمات مبهمة و عشوائية
يرفض الماركسيون هذه النسبية ، و هذه اللاعقلانية ، لأن تاريخ البشرية شهد تقدما هائلا ، و معيار هذا التقدم ليس ذاتيا بل موضوعي ، هو نمو قوى الإنتاج، بالتأكيد رافق هذا التقدم حروب و استغلال و قمع ، من جميع الأنواع، لكنه و رغم ذلك سمح بتطور هائل في الثقافة و العلم و التكنولوجيا ، و هذا ما يشكل الشرط الضروري لبدء مرحلة جديدة من التاريخ ، أي الانتقال إلى مجتمع بلا طبقات بلا قمع لا استغلال ، و من هذا المنظور ، يمكن وصف كل ما يعزز النضال من أجل الثورة الاشتراكية بأنه تقدمي ، و كل ما يعيقه هو رجعي ، بالطبع في خضم التناقضات السياسية و الاجتماعية ، ليس من السهل دائما التمييز بين ما هو تقدمي و ما هو رجعي ، لكن على الأقل يملك الماركسيون معيار موضوعي قائم على أسس علمية
لنأخذ مثال الامبريالية ، يدعم الماركسيون في كل أنحاء العالم النضال ضد الامبريالية ، و ضد كل أشكال القمع القومي ، لأنه هذا جزء لا يتجزأ من النضال ضد الرأسمالية ، يختلف هذا الوضع تماما في نظريات ما بعد الاستعمار ، التي تستلهم من النسبية و اللاعقلانية فلسفتهم ما بعد الحداثية ، فالنسبة لهم ليس كل الأنظمة متساوية فقط ، بل إن العقلانية الغربية غير فعالة في الشرق ، و الأسوأ من ذلك أنهم يعتبرونها عقلانية قمعية ، و بالتالي يجب ألا يتدخل العمال في بلدان الإمبريالية الغربية ، بما يحدث في الشرق ، التي تقمعها تلك القوى الغربية ،لأنهم لا يستطيعون فهم أي شيء عنه ، غالبا ما ينتهي كل هذا الكلام الفارغ بتمجيد الحكومات الأكثر رجعية في البلدان التي تهيمن عليها الامبريالية ، لأنهم يقولون أن هذا على الأقل ( تقاليدنا ) و ( حكوماتنا) ، إلى هذا المستنقع وصلت الأمور ببعض ناشطي ما بعد الحداثة .
نقد العقلانية الغربية يقصدون بها غالبا نقد الماركسية ، فأفكار الألماني كارل ماركس غير فعالة بل و قمعية خارج الغرب ، و لدحض هذه السخافة يكفي طرح السؤال التالي :
لماذا لا تسمح لنا الماركسية التي تحلل و تحارب الرأسمالية في الغرب بتحليل و محاربة الرأسمالية في الشرق ؟
لن نجد أي جواب في فلسفة ما بعد الحداثة عن هذا السؤال
رابعا : تجزئة النضالات
نجد نفس المسلمات الفلسفية و نفس النتائج الرجعية لدى منظري و ناشطي التقاطعية و ما بعد الاستعمار ، فبدلا من وتوحيد جميع المستغلين و المستضعفين ، في نضال مشترك ضد الرأسمالية ، يجزئون النضال إلى عدد لا يحصى من النضالات د فلكل شكل من أشكال القمع نضالاته ، و التي تقتصر على هؤلاء الذين يتعرضون له ، فالنسبة لهم البيض لا يستطيعون فهم القمع الذي يتعرض له السود ، و الرجال لا يستطيعون فهم القمع الذي تتعرض له النساء ، والمغايرون لا يستطيعون فهم القمع الذي يتعرض له المثليين و هكذا لا يمكن تصور الا تحالفات مؤقتة بين الفئات التي تتعرض للقمع ، و هذا يلغي إمكانية وجود نضال مشترك وموحد للجماهير المقموعة ، البرجوازية بالطبع ترحب بهذا المشهد من تجزئة النضال ، في نفس الوقت الذي يسعى فيه اليمين المتطرف للعنصرية وكراهية النساء و المثلية
الماركسيون ينضالون كل كل أشكال القمع ، بما في ذلك بالتأكيد عندما يمارس عمال قمع عمال آخرين، لكننا نعارض كل ما يجزء نضالنا و كل ما يقسم الطبقة العاملة ، ذات ذريعة مكافحة القمع ، فنحن لن ننتصر إلا بتوحيد جميع الجهود ، نحن ندرك أنه يجب محاربة كل أشكال القمع و منذ اليوم ، لكن هذا يجب أن يكون جزء لا يتجزأ من النضال ضد الرأسمالية و يجب أن يتم بطريقة تعزز وحدة طبقتنا في نضالها ضد البرجوازية .
في غياب منظور طبقي يخضع مكافحة القمع لضرورة توحيد نضال الجماهير ، وقع الحراك التقاطعي في الممارسات الرجعية ، فعلى سبيل المثال ، خلال التعبئة ضد قمع السود ، يرفض التقاطعيون مشاركة الرجل الأبيض فقط لأنه ابيض بحجة أنه لديه امتيازات ، وهذا ليس مبالغة ، بل ممارسات يومية في ذاك الحراك وهو ما يؤدي دوما إلى شجارات و صراعات مستمرة فيما بينهم
خامسا : السلطة ، الدولة ، الحزب
تحدثنا سابقا عن غياب المنظور الطبقي في الفكر التقاطعي ما بعد الحداثي ، لكن يجب أن نكون ربما أكثر دقة لنقول أن هذه الفلسفة تعبر عن وجهة نظر طبقية ، وهي وجهة نظر البرجوازية الصغيرة ، المتناقضة بطبعها ، و التي هي عالقة بين الطبقتين الأساسيتين في المجتمع الرأسمالي ( البرجوازية والطبقة العاملة ) لأن المثقف ما بعد الحداثي غير قادر على ربط مصيره بمصير الطبقة العاملة د لذلك يرفض الأساليب و البرامج الثورية للنضال من أجل التحول الاشتراكي للمجتمع
لنأخذ مثال مسألة الدولة : تؤكد الماركسية على أنه يجب على العمال الاستيلاء على السلطة ، و تحطيم جهاز الدولة البرجوازية ، و استبداله بالدولة العمالية ( البروليتاريا طبقة حاكمة ) كما أكد ماركس ، و قد أكدت تجربة ال١٥٠ عاما الماضية ، أن العمال لا يستطيعون الوصول للسلطة و الحفاظ عليها إذا لم يكن لديهم حزب ثوري قوي منضبط بما فيه الكفاية
أما ما بعد الحداثيون ، فيتجاهلون هذه الدروس التاريخية القيمة ، و يقدمون بدلا من ذلك نظرية مجردة تماما من السلطة ، فهم يقولون بأنه لا حاجة للوصول للسلطة و لا حاجة لدولة عمالية و لا حاجة لحزب ثوري ، لأن كل هذا من الاستراتيجية الماركسية القديمة التي يجب استبدالها بنضالات محلية و لا مركزية بل و مفككة.
ترجمة الرفيق أحمد عسيلي
