الثورة الدائمة – العدد الثاني – حزيران ٢٠١٢
الغائب الحاضر الرفيق: باسم شيت
فهرس المحتويات

ما شهدته الساحة السياسية اللبنانية، في الأسابيع القليلة الماضية، من تطورات سياسية وأمنية في الشمال وبيروت1، هو مؤشر لا يمكن تجاهله، بما له من دلالات على مدى تأزم الواقع السياسي القائم، والتناقضات التي تحكم موازين القوى داخله، وبخاصة في ظلّ سيرورة الثورات العربية، ولا سيما منها الثورة السورية، مع ما تطرحه من مشكلات، أمام الطبقات الحاكمة العربية، عموماً، واللبنانيةً، بوجه خاص.
وقد يحاول البعض تفسير هذه الأحداث كأنها حصلت عن سابق تصميم، من قبل المخابرات السورية، من جهة، أو من قبل المخابرات السعودية، من جهة اخرى، في محاولة منهم لتهميش الدلالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الحوادث.
فكل من قوى ١٤ و٨ آذار تبنّت بشكل واضح الحلّ الامني، وإن اعتمد كلّ منهما لباساً مختلفاً، فمثلاً دعت قوى ١٤ آذار، في بيانها، تعقيباً على أحداث طرابلس، الحكومة الحالية للاستقالة، معتبرةً «أن الهدف من الاستقالة ليس الاقتصاص من حكومة ميقاتي، وانما المجيء بحكومة إنقاذية تستطيع ان تقدم معالجة جذرية للانكشاف السياسي والامني في البلاد.»2
بينما كان ردّ الوزير جبران باسيل الأكثر تعبيراً عن موقف ٨ اذار العام بهذا الشأن، حيث قال: «لماذا يريدون إسقاط الحكومة، حتى تحل محلها حكومة التكفيريين، ومشاهد الفلتان والتسيب وحكومة تهديم الجيش وحكومة «الجيش السوري الحر»»؟3
فالمنطق الذي تعتمده القوى الحاكمة، بمواليها ومعارضيها، والذي يختزل معظم المسائل في البلد في مقاربات مؤامراتية، يرتكز على مقاربة سياسية تعتبر ان اسباب هذه الانفجارات الموضعية، في الواقع السياسي اللبناني، هي نتيجة التصرّف اللاعقلاني للأهالي. إنه، كما يصفونه: «غضب الاهالي»، أو كما وصفه وزير الداخلية مروان شربل: «فشّة خلق».
وبالطبع، فالأهالي هم بطبيعتهم «لا عقلانيون»، بحسب طريقة الرؤية هذه، ينجرّون إلى ايعازات ومؤامرات الدول الاقليمية المؤثّرة، كالنظامين، السوري والسعودي. بينما هم، أي القوى الحاكمة، يظهرون دائماً في الزّي العقلاني، المدني، الذي يتسلّح بسلطة الدولة والقضاء والمؤسسات المدنية والعسكرية (لتهدئة الاوضاع ومعاقبة هؤلاء الاهالي اللاعقلانيين!). وهذا هو فحوى مواقف كل من جماعتي ٨ و١٤ اذار في مطالبتهما بحماية البلاد من خطر «الانكشاف الامني والسياسي».
هنا لا ننفي تدخّل الدول الاقليمية والعالمية في أحداث لبنان، وخاصة كلاً من النظامين السوري والسعودي خاصةً، ولكن هذا التدخّل لا يأتي من دون بيئة تؤمّن له منفذاً، وهو بطبيعة الحال ناتج بشكل مباشر من سياسات الطبقة الحاكمة القائمة، وليس نتاج «لاعقلانية الاهالي» المزعومة، أو «انتصار التقاليد والعادات على الدولة»، وخاصة أنه كلّما تحصل هكذا حوادث، أكان في الضاحية الجنوبية لبيروت أو في البقاع أو في الشمال، وغيرها من المناطق، يبدأ أنصاف المثقفين حينها بترديد عبارات «كالتمرّد على هيبة الدولة» و«الهجوم على المؤسسات» الخ…
وهذا الخطاب هو السلاح الأبرز من أجل تجاهل الخلفية الطبقية، والعمق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لهذه الحوادث، وما تعكسه من تناقضات، على مستوى الساحة السياسية اللبنانية، فضلاً عن التناقضات الطبقية القائمة في واقعنا اللبناني، والعربي بشكل عام.
فمن جهة، هو يشكل محاولة لمعاقبة من يحاول «إفساد» حالة الانضباط داخل صفوف «الطوائف» – حيث ان هكذا احداثاً تقلل من هيمنة الأحزاب الطائفية في قدرتها على ضبط الشارع – ومن جهة اخرى، هو ايضاً يضفي طابعاً «جاهلاً» على التعبير الطبقي الذي يتخذ هنا من الطائفية والدين مسرحاً للتعبير عن نفسه. ومن هنا تعمد السلطة إلى اخفاء أو تهميش البعد الطبقي والاجتماعي والسياسي لهذه الحوادث، في محاولة منها لإعادة الانتظام، في الانضباط الطبقي- الطائفي، في آن واحد.
وهذا المنطق لا يبتعد بتاتاً عن المقاربة التي اعتمدها جزء لا يستهان به من الناشطين اليسارين واليسار الستاليني والقومي خصوصاً، والتي تنبئ بمنهج عصبوي لا يختلف عن العصبية الطائفية، التي تروّج لها الطبقة الحاكمة نفسها. فأمام كل تكرار لأعمال شغب، أو أحداث أمنية مماثلة، يصيح هؤلاء «اليساريين» بشعار، مثل «الجيش خط أحمر»، الذي اعتمده الحزب الشيوعي اللبناني، كردّ على أعمال الشغب التي جرت في الـ٢٠٠٤ في حيّ السلم، احتجاجاً على الوضع المعيشي، وفي حرب نهر البارد التي أدت إلى تدمير منازل اكثر من ٣٠،٠٠٠ لاجئ فلسطيني. واليوم يستخدم في بعض الاحيان لتبرير الدعوة المباشرة لقتل «المجموعات الإسلامية في الشمال»، حيث يكتب أحد الناشطين «اليساريين» المزعومين على الفايسبوك، رداً على الأحداث الاخيرة في طرابلس: «السلفي الممتاز هو السلفي الميت.»
وهنا من الضروري بالنسبة إلينا، كماركسيين ثوريين، أن لا ننجرّ إلى هذا الخطاب العصبوي، وأن ننظر إلى الابعاد الطبقية والاجتماعية والتاريخية، التي تنتج هكذا حركات سياسية، ونهتم بمواجهة هذا الواقع من منظور ثوري، يخدم مصلحة المجتمع ككل، وليس من منطق الاصطفاف الفئوي والعصبوي، الذي يعيد إنتاج النظام الطائفي والعنصري القائم، والذي يساهم في تعزيز محاولات السلطة لاعتماد المقاربات الامنية البحتة، كما ذكرنا سابقاً (في محاولة لطمس ما تنبئ به هذه الأحداث، بخصوص مستوى الاحتقان الطبقي القائم، وتناقضاته، التي ادت إلى نمو هذه التيارات السياسية الإسلامية). هذا مع العلم بأن الحلّ الامني كان دائماً خيار السلطة البرجوازية الطائفية القائمة، من اجل إعادة إنتاج مسببات وجودها السياسية، وإعادة إنتاج خطابها الطائفي والطبقي.
1. في الظروف التاريخية للتعبير الديني والطائفي
إن الحركات الدينية (والطائفية)، في العالم، صعدت في واقع مجتمعٍ تكسّرت قواعده الاجتماعية والاقتصادية، بفعل التحوّل الرأسمالي – أولاً، بفعل فرضه من قبل الهيمنة الامبريالية، وبعد ذلك بفعل التحوّل الحاد للعلاقات الاجتماعية الداخلية، ما أدى مع الوقت إلى صعود طبقة برجوازية محلّية، ونشوء دولة رأسمالية برجوازية».4
طبقات جديدة حلت محل طبقات قديمة، ولكن هذا التحوّل الرأسمالي لم يكن واضح المعالم، بل إنه تمّ بشكل متفاوت ومركب، بنفس الوقت. وقد أوضح ليون تروتسكي هذه السيرورة، على الشكل التالي:
«بالرغم من كونها مضطرّة إلى اللحاق بالدول المتطورة، فالدولة المتخلّفة في تطورها لا تدخل في نفس تسلسل المراحل التي اتبعتها الدول المتقدمة في انتقالها إلى الرأسمالية، فإن امتياز التخلّف التاريخي يدفع إلى اعتماد ما هو متوافر في الدوّل المتقدمة، متخطية سلسلة من المراحل»5
هكذا يرمي الفلاحون/ات أدواتهم/ن الزراعية، وينتقلون/ن إلى العمل في المصانع والمشاغل الصغيرة، أو في المحلات والمؤسسات التجارية، أو يمتهنون قيادة سيارات الاجرة، من دون المرور بالطريق الطويل، الذي ادّى إلى تحوّل وتطوّر أدوات الانتاج هذه.
ففعل الصدّمة هذه إثر التحولات الرأسمالية الحادة، كان الحافز الاساسي مثلاً لهجرة سكان جبل لبنان ما بين ال١٨٦٠ وال١٩١٠. ويعلّل اكرم فؤاد خاطر كيف أن الأزمات الاقتصادية التي مرّت بالجبل، حينها، وضعت الفلاحين أمام معضلة، وهي:
«كيف يمكن أن تُجنى الأموال بشكل سريع حتى يضمنوا لأنفسهم مكانة «مالك للأرض»، لا أن ينزلقوا إلى صفوف العمال المعدمين (أي معدمي الملكية)، وكانت الهجرة الخيار الوحيد الذي يبدو ممكناً في الأفق الاقتصادي».6
لكن قانون التطوّر المتفاوت والمركب إذا كان يفسر، بشكل أساسي، السيرورة الاقتصادية – الاجتماعية في البلدان المتخلفة، فهو ليس حكراً على التحوّل الرأسمالي في دول العالم الثالث فقط، بل قد ينطبق على جوانب من عملية تطور بلدان ما يسمى الشمال أيضاً، من بعض النواحي. فمثلاً هو الذي يمكن أن نفهم بواسطته واقع تقدّم كل من المانيا والولايات المتحدة رأسمالياً على بريطانيا، في مطلع القرن الماضي.
على أن الدول الرأسمالية الكبرى، ذات التطلعات الاستعمارية، عند بلوغ درجة متقدمة، نسبياً، من تطورها الرأسمالي، وازدياد حاجتها إلى المواد الاولية، وإلى اليد العاملة الرخيصة، والأسواق المفتوحة؛ هذه الدول ومن أجل تسهيل سيطرتها، سعت دائماً من خلال سياساتها لاستغلال التعددية الدينية والطائفية القائمة في البلدان التي احتلتها، وتصنيفها كـ «انقسامات» طائفية ودينية، وما يتلازم مع هذه السياسات من نتائج ادّت إلى تفاوت في العلاقة بالثروة والنمو الاقتصادي، في ما بين المنتمين إلى هذه الأديان أو الطوائف، في المستعمرات وأنصاف المستعمرات. لا بل باتت تلك الانقسامات، وما نتج عنها من صراعات داخلية متفاوتة احتداماً، ذريعة سهلة لتدخلها فيها، لا بل لاحتلالها، تحت شعار «التدخّل الانساني» بحجة نقلها إلى الحضارة والتمدن والحداثة!
ويشرح أسامة مقدسي، في كتابه «الثقافة الطائفية»، هذه الظاهرة، بما يخص منطقتنا، في الأسطر التالية:
«الدين أصبح موقع التدخّل للقوى الاستعمارية في السلطنة العثمانية، ومن ضمن هذا الاطار عرّف الديبلوماسيون الأوروبيون معالم الاصلاح من خلال خطاب حداثي، مَصوغ بمصطلحات تعزز فكرة الصراع الحضاري الديني. كلا المشكلة (الإسلام) والحلّ (العقلانية المسيحية الاوروبية) حُدِّدا من خلال مصطلحات دينية متجانسة.
علاوة على ذلك، فإن ديبلوماسيين مثل كانينغ، لم يروا في الامبراطورية العثمانية كونها متعددة الأعراق والأديان والطوائف، بل كونها دولة مسلمة ذات اقليات واسعة من المسيحيين، منتشرة في مختلف المدن والمحافظات. وهذا الفهم للإمبراطورية بكونها فسيفساء، حيث أن المجموعات الاثنية والدينية تتواجد كوحدات ثقافية ومادية منفصلة ومستقلة بعضها عن بعض، كان شديد الوضوح في وصف كانينغ للمسيحيين المحليين على أساس كونهم طبقات مقهورة»7
وهذا لا يعني أن السياسة الأوروبية هي السبب الوحيد لنشوء الطائفية، بل قابلتها أيضاً السياسة التي اتبعتها السلطنة العثمانية، والبرجوازيات التابعة المحلّية. ولعل أكبر دليل على استكمال هذا النهج هو ما نسمعه اليوم (بعد أكثر من قرن من الزمن) من السياسيين اللبنانيين، الذين يستعملون مصطلحات كـ «الغبن المسيحي» – و«كرامة أهل السنّة» و«الحرمان الشيعي»، وما إلى ذلك. حيث أصبحت هوية التعبير السياسي عن النمو المتفاوت، في التحوّلات على المستوى السياسي والثقافي والاقتصادي، تتخذ من الدين مسرحاً لها، ولكنها وفي نفس الوقت لا تعبّر عنه (أي الدين) بل عن واقع اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي، ناتج من عدم التوازن في الانماء.
«فالغبن»، و«الحرمان»، و«الكرامة،» هي تعابير طبقية بامتياز، وهي تعابير جامعة في حالتها المجرّدة، بينما التعابير الطائفية المعتمدة تقلّصها من حالتها الطبقية الجامعة، لتحوّلها للخاصية الطائفية، كما أن هذه التعابير هي ترجمة للانصهار ما بين التعبير الطبقي الموضوعي، والخطاب والايديولوجية المهيمنة للطبقة البرجوازية/الطائفية الحاكمة.
وهذا ما يؤكده أيضاً اتفاق الطائف في العام١٩٩٠، حين أضيفت إلى مقدمة الدستور العبارات التالية: «الانماء المتوازن للمناطق، ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، هو ركن اساسي من أركان وحدة الدولة، واستقرار النظام». علما ًبأن هذا التعبير الديني والطائفي يتواجد ضمن بنى تحتية طبقية رأسمالية، وهذا ايضاً ما تعززه مقدمة الدستور، بالفقرة التالية: «النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة».
2. التعبير الديني/الطائفي كمسرح للصراع السياسي والطبقي
إن التيارات الطائفية والدينية، خاصة، القائمة اليوم، هي تعبير عن التناقضات التي حكمت هذه التحولات داخل المجتمع اللبناني. ومع انحسار القوى اليسارية والعمالية، إبان الحرب الاهلية، رأينا ظهور الاحزاب الطائفية، كتعبير اكثر حدة، مقارنة مع الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، عن هذه التحولات الرأسمالية. فرأينا تراجع الاحزاب العابرة للطوائف، وصعوداً للأحزاب ذات النقاء الطائفي، وذات الوجه الديني العقائدي.
النزوح إلى المدينة واندثار المجتمع القروي
لقد أفضت التحوّلات الرأسمالية، في لبنان، إلى تطوير بعض الصناعات الحديثة، وإن بشكل محدود، وهي تتواجد جنباً إلى جنب مع قطاعات واسعة من الورش والصناعات وأماكن العمل الصغيرة والتقليدية، التي لا يتعدى عدد العمال في معظمها الخمسة، والتي تشكّل حوالى ال٩٠٪ من أماكن العمل8. بينما الحروب المتتالية، وتوجّه الاقتصاد نحو القطاعات الخدماتية، ورفع الحماية عن القطاع الزراعي، أدت إلى حصر عدد كبير من الأراضي بأيدي الملاكين الكبار، أو الأوقاف والكنائس. كما تحوّل عدد واسع من الفلاحين المتوسطين إلى مزارعين صغار. ولكنّ هذا الواقع أدى أيضاً إلى نزوح أعداد كبيرة منهم إلى المدن والضواحي، خاصة، حيث يحصّلون لقمة عيشهم من خلال العمل المياوم، أو الأسبوعي، في المشاغل أو في المحال التجارية. وأدى التوّسع الكبير للقطاع التعليمي إلى تخريج أعداد كبيرة من طلاب الثانويات أو الجامعات، بينما لا يجدون في السوق أي فرص عمل تتيح لهم الترقي الاجتماعي، وحتى سد الرمق. فبعضهم يعمل كسائق اجرة أو هم من سائقي الفانات، أو يعملون في السوق غير الرسمية، أو غير الشرعية.
هذا وإن واقع هذا النزوح يترجم بشكل مباشر بالكثافة السكانية الكبيرة في المدن، بينما تتقلص نسب السكان في القرى، بصورة كارثية. ففي العام ١٩٥٠ كان يقدّر عدد سكان المدن (في لبنان) بحوالى ٢٢،٧٪، بينما في العام ١٩٧٠، ازداد إلى ما بين ال٥٠ وال٥٩٪، وفي العام ٢٠٠٠ قدّر عدد سكان المدن ما بين ال٨٧ و٩٢٪. 9
وهذا الارتفاع في أعداد السكان كان يتمركز بشكل أساسي في الضواحي، فمثلاً «ما بين العام ١٩٢٥ والعام ١٩٦٩، نمت منطقة الشياح (عين الرمانة والشياح) من قرية مؤلفة من ٥٧٥ عائلة إلى ضاحيتين مؤلفتين من ٤،٥٨٧ منزلاً، موزعة على ٥،٠٥٤ عائلة نووية، ما قارب حينها ٢٨،٥٦٨ شخصاً. وكان يشكّل النازحون ٧٥٪ من السكان في تلك المنطقة»10
تضخّم الطبقات المتحوّلة أو الهجينة الرأسمالية
ومع تفاقم الازمات الاقتصادية على المستوى العالمي، تفاقمت هذه التناقضات، فوجدت الصناعات الحديثة الاقتصاد الوطني صغيراً جداً لها لتعمل بكفاءة، بينما ان الاقتصاد العالمي شديد التنافسية، فلا تستطيع ان تستمر هذه الصناعات من دون حماية الدولة (مثل برامج دعم الطحين مثلاً)، بينما الصناعات الصغيرة والورش غير قادرة على التطوّر من دون دعم الدولة، وغير قادرة على تعويض فشل الصناعات الحديثة في تأمين الوظائف للأعداد الكبيرة التي تقطن المدن والضواحي.
وهذا أدى من جهة إلى تزايد في حجم البرجوازية الصغيرة (أصحاب المحلات الصغيرة، ومن يعملون لحسابهم)، واتساع حجم السوق غير الرسمي، ما ادى طبيعياً إلى ازدياد نمط العمل العرضي (العمال المياومون، والأسبوعيون).
فيقدر مثلاً حجم البرجوازية الصغيرة في لبنان بحوالي ٢٣،٣٪ من مجمل القوى الناشطة اقتصادياً بينما تقدّر نسبة العمال العرضيين بحوالي ١٠،٣٪ من مجموع القوى العاملة في لبنان. 11
بالمقابل، فإن قطاعات اخرى، كالمصارف والعقارات والخدمات استطاعت ان تصنع لنفسها علاقات متينة مع الرأسمال الاقليمي والعالمي، وان تجد لها حلفاء سياسيين يؤمنون لها الظروف المؤاتية لتراكم ثرواتها. وفي نفس الوقت نرى تمركزاً كبيراً للثروة، ويبدو ذلك ساطعاً في الاسواق، في وسط المدينة، ولا سيما على مستوى ناطحات السحاب، ومظاهر الثراء الكبير، الواضحة تماماً، خاصة في بيروت. ما يؤدي، بشكل طبيعي، إلى خلق احتقان متنام، في ما بين الاثرياء الكبار، من جهة، والعمال العرضيين (المياومين، أو العمال الاسبوعيين، أو العاطلين عن العمل)، ناهيكم عن الشرائح العمالية العادية، من جهة أخرى، واحتقان آخر اقلّ حدية، في ما بين البرجوازية الصغيرة والبرجوازية الكبرى المهيمنة.
لكن سؤالاً بالغ الأهمية لا بد من ان ينطرح: على الرغم من هذا الواقع وما قد يخلقه من مشاعر العداء الطبقي، ما الذي يجعل هذه الفئات الدنيا بالذات تتقبل الخطاب الطائفي والديني، لا بل تلجأ إليه، في العديد من الاحيان؟
وهنا يمكن القول إنه مع غياب الخدمات والضمانات الاجتماعية والصحية، وفرص العمل، والاستثمارات في القطاعات المنتجة، وغياب الأمان الاقتصادي والاجتماعي لهذه الفئات، ومع تراجع الحركة العمالية، في الحرب الاهلية، ولا سيما في التسعينيات من القرن الماضي، على اثر الهجمة الشرسة التي قامت بها البرجوازية المحلية، وداعموها والمتواطئون معها، المحليون كما الخارجيون (كالنظام السوري، ومخابراته، والمكلفون بمتابعة الموضوع اللبناني بين مسؤوليه)، ضد التنظيمات النقابية والعمالية، التي كانت تشكل نقطة ارتكاز لحركة الشارع بمجملها، وللتعبير السياسي للعمال والطبقات المحرومة، وجدت تلك الفئات نفسها من دون صوت يمثّلها، وفي ظل واقع اقتصادي واجتماعي مُزْرٍ. وعندئذ بدت المؤسسات الدينية، كالجوامع والحسينيات والكنائس، تؤمِّن، ولا تزال، ما يشبه نقطة ارتكاز اجتماعية للقادمين «الجدد» إلى «المدينة»، وتقوم المؤسسات الرعائية الطائفية، في هذه الأخيرة، عبر تقديماتها المختلفة، من دور الايتام، إلى منظمات الرعاية الاجتماعية، والمستشفيات والمستوصفات والمدارس، بلعب الدور الاساسي في تأمين نوع من الحماية الاجتماعية، التي هي غائبة في هذه المناطق من قبل الدولة، مع ما يترتب على ذلك من انتاج لعلاقات تبعية بهذه المؤسسات، والفكر الذي تضخُّه في المستفيدين من تلك الخدمات.
وعبر تلك المؤسسات تجد الاموال القادمة من قبل من تتعارض مصالحهم بشكل جذري مع مصالح غالبية الشعب – كالزعامات البرجوازية الطائفية، المسيطرة على مواقع السلطة المحلية، والمسخِّرة جزءاً هاماً من أموال الدولة، لتقديم خدمات وتنفيعات غير شرعية لأزلامها والمرتبطين بها، ناهيكم عن السلطات الإقليمية الباحثة عن ولاءات شعبية لها في المجتمع اللبناني، سواء منها العربية الخليجية، كالسعودية، وقطر، وايران – تجد منفذاً لها، نقول، لتأمين ملاذ مادي وطائفي لهؤلاء الفقراء، وبالطبع في مقابل تأمين ولاء سياسي لها. وجميعنا يعرف مقدار التمويل العالي الذي تدفعه البرجوازية المحلية، وداعموها الاقليميون، في بناء مؤسسات رعاية طائفية ودينية، أو جوامع ومراكز عبادة الخ…
وهذا هو صلب العلاقة الاعتمادية أو التبعية التي يتم انتاجها ما بين هذه الفئات الشعبية (البرجوازية الصغيرة، والعمال العرضيين، والمعطلين عن العمل، وغيرهم من الفئات الشعبية المفقرة) من جهة، والزعماء أو الاحزاب الطائفية من جهة اخرى.
وهنا فإن القدرة (المادية) لحزب الله على ضبط الشارع هي فعلياً قدرته على تأمين علاقة تبعية، عبر الضمانات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذه الفئات، وهذا يبدو جلياً في تركيزه على بناء الحسينيات والجوامع والمؤسسات الرعائية، التي تؤمن له امتداداً جماهيرياً. وهذا ما قام به رفيق الحريري ومن ثم سعد الحريري، من أجل خلق هذه التبعية من خلال مؤسسات الحريري والمنح وما هنالك من خدمات اجتماعية، وتوظيفية. وبناء على كل ذلك، يتمّ توجيه الاحتقان الطبقي، توجيهاً يتخذ من الخطاب الطائفي والديني خلفيةً «فكرية» ونفسية للعمل، ومن الفئات الشعبية المعوزة، وقدرتها على التحرك، مسرحاً له، للتعبير عن ذلك الاحتقان.
والاثبات الاكثر وضوحاً على تمظهر هذا التعبير، ضمن هذه الفئات الاجتماعية، هو من خلال مراقبة المناطق التي تتخذ التحركات، فيها، من الخطاب الطائفي والديني مساحة لها، للتعبير عن اضطهاد ما، كالتحركات التي تحدث مثلاً في بعض مناطق الضاحية الجنوبية لبيروت، أو طريق الجديدة، وبربور ورأس النبع وبرج ابي حيدر، وباب التبانة، وجبل محسن وعين الرمانة، وغيرها من المناطق. فهذه المناطق هي التعبير المديني الاكثر وضوحاً عن هذه الفئات الاجتماعية، وما تتعرض له من تلاعب بعواطفها وأفكارها، وانحيازاتها، في إطار البنية الطائفية السائدة.
هذا وإن الأرضية الجغرافية لنشوء هذه التيارات من أكثر الدلالات على صحة هذا التحليل، ويبدو ذلك اوضح بكثير من خلال النظر إلى الأسباب المباشرة والراهنة، الخاصة بالشمال والبقاع، لنرى مدى استعداد هذه المناطق لصعود التيارات الإسلامية الاصولية والسلفية.
3. في الاسباب المباشرة والحديثة لنشوء الحركات الإسلامية، في الشمال والبقاع
ان الحركات الإسلامية في الشمال والبقاع ليست بجديدة، بل انها كانت تأخذ حيّزاً كبيراً من الحياة السياسية في هذه المناطق، منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وخاصة في ظل الهيمنة السورية على لبنان.
القبضة الحديدية للنظام السوري على المنطقة
كان كل من الشمال والبقاع قد عانى بشكل واسع من هيمنة النظام السوري على لبنان، حيث عمد هذا الأخير إلى اساليب قمعية ورقابة اشدّ عليهما، من حيث انهما المنطقتان اللتان تؤمّنان معبَراً إلى الداخل السوري.
فالسياسة السورية في شمال لبنان كان لها «اهتمامات محلّية خاصة بالداخل السوري، فالسيطرة على المدينة أعطت الأسد في سوريا مكاسب اقتصادية وسياسية. وإن سيطرة سوريا على السوق غير الرسمية في الشمال كانت شديدة الأهمية لعدم وجود الكثير من الخطوط الحمر في الشمال، وبسبب السياسة الخاصة التي اتبعها النظام على الشمال بسبب طابعه السنّي، ولذلك ابقيت المدينة تحت قبضة النظام السوري مباشرة.» 12
هذا ولم تختلف كثيراً سياسات السلطة اللبنانية الامنية تجاه الشمال والبقاع عن سياسات النظام السوري، حتى بعد خروج القوات السورية في ال٢٠٠٥، وقد تبنت شعار الحرب على الارهاب من بابه الواسع، حيث عمدت إلى قمع الحركات الإسلامية منذ التسعينيات، مع ما رافق ذلك من سياسات اعتقال تعسفية للكثير من الاسلاميين، من دون اي محاكمة. وشارك كل من ١٤ و٨ اذار في هذه السياسات، وخاصة في الاعتقالات التي تبعت احداث نهر البارد في ال٢٠٠٧ وال٢٠٠٨.
تدهور الواقع المعيشي للسكان
بالمقابل وبعد خروج الجيش السوري من لبنان في ال٢٠٠٥، تأثرت المنطقة بشكل كبير من خلال اغلاق الحدود مع سوريا، على اثر توتر العلاقات ما بين السلطة اللبنانية والسلطة السورية. ومن ثم اتت كل من الحرب الاسرائيلية في تموز من العام ٢٠٠٦، ومن ثم حرب نهر البارد في ال٢٠٠٧، مع ما أفضى إليه ذلك من تدهور اكبر للواقع المعيشي لمعظم الأسر، في الشمال.
ففي محاولة للتعويض عن الخسائر التي تكبدوها في حرب تموز ٢٠٠٦، قام بعض المزارعين باقتراض المال من أجل زيادة انتاجهم، ولكن مع اندلاع حرب نهر البارد، دمّر موسم حصاد آخر». بينما ان «٦٤٪ من الاسر التي تنخرط في العمل الزراعي عانت من تراجع في الانتاجية على اثر هاتين الحربين.» 13
بالإضافة إلى ذلك فإن الشمال يعدّ من المناطق الاكثر حرماناً في لبنان. «يضم الشمال كله نحو 17 ألف مؤسسة، في مقابل 73 ألفاً في جبل لبنان، و72 ألفاً في بيروت، وفق إدارة الإحصاء المركزي. كما أن حصّة طرابلس من تسليفات المصارف للقطاع الخاص لا تتجاوز 2%، في مقابل 83% في منطقة بيروت وضواحيها. وبالتالي فإن مقولة تقليص دور الدولة لمصلحة القطاع الخاص لا تجد صداها هنا، ولا يقوم «السوق» بتأمين فرص العمل للشباب، ما يجعلهم رهائن «الحاجة»، وهو ما تبرهنه معدلات البطالة الأعلى بالمقارنة مع المناطق الأخرى، وكذلك معدّلات التسرّب الدراسي والأمية بين النساء ووفيات الأطفال وضعف شبكات الحماية الاجتماعية (الضمان الصحي تحديداً)… ليصبح عدد كبير من أبناء هذه المدينة خاضعاً لمؤسسات اجتماعية خيرية تابعة للزعامات السياسية القائمة.»14
ومن ثم، ومنذ بداية الثورة السورية، تشهد الحدود الشمالية والشرقية اللبنانية السورية توتراً دائماً، وملاحقات امنية على طرفي الحدود للمعارضين السوريين، ما اضاف إلى ازمات الواقع المعيشي في الشمال والبقاع تعقيدات جديدة.
الثورات العربية والثورة السورية خصوصاً
ومع تمدد الثورات العربية، ونجاح الاخوان المسلمين في الانتخابات المصرية والتونسية، واستمرار الثورة السورية، رأت الحركات الإسلامية في الشمال عمقاً سياسياً جديداً لها، وخاصة في ظل امتناع جزء كبير من اليسار اللبناني في لبنان وفي سوريا عن دعم هذه الثورة والانخراط فيها، بسبب التحاقه بالأنظمة القائمة وخيانته لمصالح الجماهير اللبنانية والسورية، فاتيحت الفرصة للحركات الإسلامية لأن تأخذ زمام المبادرة على المستوى السياسي. فالانحسار القائم على مستوى الخطاب للثورة السورية، بفعل بطش النظام وهجمته الشرسة على القوى والاصوات اللاطائفية واليسارية في سوريا، التي دعمت الحراك الثوري وانخرطت فيه، وما فعله النظام من بث للطائفية، ومحاولاته ارهاب الاقليات الدينية والعرقية، لمنعها من دعم الثورة، هذا كلّه ادى إلى انحياز بعض قوى المعارضة السورية إلى الخطاب الطائفي والديني. – وهذا لا يعني ان الثورة السورية انحازت إلى الخطاب الطائفي والديني، حيث أن الكثير من التحركات التي تقوم بها الجماهير السورية تبرهن على اصرار هذه الجماهير على الوحدة والبقاء خارج المنطق الطائفي والعنصري، ولكن توحيد صف جميع المعارضين، في ظل حكم ديكتاتوري مجرم هو صعب، وبحاجة إلى الوقت -.
وبناء على هذه التغيرات السياسية رأت القوى الإسلامية في طرابلس في الحراك السوري عمقاً سياسياً اسلامياً لها، لم يكن موجوداً، في السابق، ما اعطاها حافزاً لتتوسع، ولأن يكون لها اثر اكثر فعالية، على المستوى السياسي، وذلك انطلاقاً من النافذة التي فتحتها الثورة السورية. فتظاهرة الحركة السلفية بقيادة «الشيخ الاسير»، تضامناً مع الثورة السورية، في ساحة الشهداء في بيروت، في 4 آذار ٢٠١٢، هي من الدلائل الكبرى على اتساع الحيّز السياسي لهذه القوى.
وما زاد من قوة الاندفاع لهذه التيارات هو حركة التهجير القسري إلى مناطق الشمال والبقاع، وذلك على صعيد الجماهير السورية التي تهرب من بطش النظام بها، علماً بأن الأئمة وشيوخ الجوامع، والقيادات المحلية البلدية، لعبت الدور الاساسي في عملية التضامن مع اللاجئين، ما ادى إلى ازدياد النقمة على موقف الدولة «النائية بنفسها» عن الأحداث السورية، وعن حاجات اللاجئين السوريين، والى ازدياد الاحتقان الموجود اصلاً ضد النظام السوري المجرم.
انحسار دور تيار المستقبل في قيادة الشارع السنّي
من جهة اخرى، نلاحظ انحسار قدرة تيار المستقبل، بقيادة سعد الحريري، عن استيعاب هذه التيارات تحت رايته، وخاصة بعد الانتكاسة المالية التي تعانيها عائلة الحريري، وايضاً بعد هزيمته السياسية، بخسارته رئاسة الوزراء، وايضاً بعد خسارته في المواجهة في احداث ٧ ايار ٢٠٠٨.
هنا انتقلت هذه الفئات إلى التوجّه نحو بعض القيادات الإسلامية كبديل من تيار المستقبل، الذي وإن كان لا يزال يحافظ على ولاء واسع في هذه المناطق، لكن اصوات هذه التيارات تشكّل في واجهتها تحدّياً اساسياً امام احتكار تيار المستقبل القرار السياسي، على الساحة السنيّة، وهذا بدا واضحاً اثر الانتقادات التي يتلقاها تيار المستقبل من هذه التيارات، ومن قاعدته الشعبية.
ومن جهة اخرى، فإن وقوف حزب الله إلى جانب نظام الاسد، واحداث ٧ ايار ٢٠٠٨، التي ادخلت معادلة سلاح المقاومة إلى الداخل اللبناني بلباس طائفي، بالإضافة إلى استحالة تأمين اي اصلاحات جدية من ضمن النظام القائم، ادى ذلك كلّه إلى توجه جزء من هذه التيارات الإسلامية في الشمال إلى التسلّح، لضمان قدرتها على فرض واقع سياسي يضمن استمراريتها.
وهنا علينا التنويه بأن هذه الحركات الإسلامية ليست بجسم أو نسيج سياسي واحد، وهي تتمايز فيما بينها في السياسة واليات العمل، وهي ليست بالضرورة مسلّحة، بل هي كما اي قوى سياسية اخرى في لبنان، منها من يعتمد العمل الجماهيري السلمي، ومنها من يعتمد العمل الامني المسلّح، أو الاثنين في نفس الوقت. وهذا ليس غريباً فعلياً عن الساحة اللبنانية، فتاريخ نشوء حزب الله في الضاحية والجنوب مماثل، إذ إنه في بداياته اعتمد العمل المسلّح في الداخل، ومن ثم تراجع عنه ليحصر عمله في المقاومة في جنوب لبنان، حتى عودته مجدداً إلى العمل المسلّح في الداخل اللبناني، في ال٢٠٠٨.
وعلى اثر هذه الاسباب جميعها، يتنامى اليوم التيار الاسلامي الاصولي والسلفي، في الشمال والبقاع، ما يؤثر في توازن القوى السياسية القائمة، فيضيف معادلة جديدة إلى تركيبة التحالفات السياسية، في موقعيها الموالي والمعارض، أمام انحسار التمثيل الاحادي لتيار المستقبل للشارع السنّي.
4. الخاتمة
وهنا تقع المسألة الأساسية، التي على اليسار عموماً واليسار الثوري خصوصاً معالجتها، وهي كيف نستطيع ان نستقطب الجماهير – التي تنحاز اليوم إلى هذه التيارات الاصولية، من جهة، والى التيارات الطائفية القائمة، من جهة أخرى – إلى خارجها، وأن نكسبها إلى موقف طبقي لا طائفي. ذلك أننا لن نتمكن من مقاربة هذه المسألة وكأن المجموعات الأصولية هي آتية من زمن غابر، أو هي غريبة عن المجتمع، أو هي تعبير «لا حداثي»، وما يستعمله البعض من مبررات للدعوة إلى «القضاء على» و«اجتثاث» السلفية والاصولية من المجتمع. ومن هنا يتغاضى هؤلاء عن أن أي رد أمني على هذه المسألة من شأنه أن يحفّز الاقتتال الطائفي، ويساهم في خلق الظروف السياسية التي يستطيع النظام ان يجدد لنفسه من خلالها، إذ انها فعلياً تبرر الحرب على الفقراء، بينما تتم تبرئة من هو المسؤول الفعلي عن هذه الاوضاع، وعن تدهور الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، الذي اسس لوجود تلك التيارات.
ومن هنا فإن على اليسار، بشكل عام، واليسار الثوري بشكل خاص، ان ينظرا إلى معالجة هذه المسألة من خلال خلق البديل السياسي والعمالي الثوري، الذي يستطيع ان يستقطب هذه الجماهير، وهذه الفئات، إلى خطاب لا طائفي، وعلماني، لا أن يعمد إلى تجريم هذه الشرائح، بوصمها بالـ «طائفية» وبأنها جماهير «غبية»، لأن السبب الاول لانحياز هذه الجماهير إلى التعبير الطائفي والديني هو غياب الطبقة العاملة عن الصراع السياسي والاقتصادي. فالطبقة العاملة هي الوحيدة التي تستطيع ان تشكّل نقطة ارتكاز لهذا الاحتقان الطبقي القائم، وإلى خلق مواجهة لا طائفية وعلمانية ضد الطبقة الحاكمة، تجنباً للدخول في صراعات طائفية قد تؤدي إلى تدمير المجتمع بأكمله. وهو غياب كانت قد سعت البرجوازية المحلية وحلفاؤها الاقليميون، وخاصة السلطة السورية، إلى إحداثه بهدف تدمير الحركة النقابية، وافراغها من محتواها.
وفي مقال نشره عدنان الحاج، مسؤول الصفحة الاقتصادية في جريدة السفير (بمناسبة الاول من ايار ٢٠١١)، يقول بخصوص توزع الاتحادات النقابية، حالياً:
«قلنا ان هناك حوالى ٥٨٠ نقابة عمالية يقدر عدد المنتسبين اليها بحوالي ٥٠ الف عامل والبعض يرى الرقم كبيراً ويقول ان الانتساب إلى النقابات العمالية لا يتعدى ٢ إلى ٣ في المئة في لبنان، وهو رقم قريب من الواقع في ظل النقابات الوهمية التي لا يعرف مسؤولوها اسماءها على حد قول احد المسؤولين في الاتحاد العمالي العام. هناك ٥١ اتحاداً تتوزعها القوى السياسية على الشكل الآتي: ١٥ اتحاداً لحركة امل، ٨ اتحادات للقوات اللبنانية، ٧ اتحادات لحزب الله، ٦ اتحادات للحزب الشيوعي، (وهي اتحادات مختلفة بعضها مع بعض اليوم حول العلاقة مع الاتحاد العمالي العام)، واتحادان للحزب القومي، و٣ اتحادات لحزب البعث، واتحاد واحد لكل من الحزب الاشتراكي وحزب الكتائب، اتحادان مستقلان، اتحاد لتيار المستقبل بالاشتراك مع حركة امل، وهو اتحاد الجنوب. إضافة إلى بعض الاتحادات المموهة ولكنها تصب لدى مرجعيات سياسية ولو كانت بأسماء مستقلة ومشتركة. وهي اقلية بعدما كانت القوة الفاعلة ايام الحركة النقابية الموحدة».
إن الطبقة العاملة اليوم تتعرض لمحاولات مستمرة لقوى النظام لتقويض صوتها، بل إخراسها، إما من خلال المحسوبيات السياسية في التوظيف في اجهزة الدولة، وبعض شركات القطاع الخاص، أو من خلال الامساك بالصوت العمالي من خلال اخضاع الاتحاد العمالي العام لقرار البرجوازيات القائمة. وهذا يبدو جليّا خاصة في السنوات الاخيرة الماضية، حيث ان كلاً من حركتي ١٤ و٨ اذار برهنت على أنها لن تكون يوماً حليفة للعمال والعاملات، ومطالبهم/ن. ومن هنا تصبح ضرورة إعادة بناء العمل النقابي وبناء حركة عمالية مستقلة ولاطائفية، وعلمانية، أمراً ملحاّ، بل في اعلى درجات الإلحاح، لأنها فعلاً هي الركيزة الأساسية لتصويب الصراع، ودرء خطر الانزلاق إلى الاقتتال الطائفي والمذهبي في لبنان.
وهناك نقطة هامة ايضًا، وهي ضرورة الوقوف بوجه الحلول الامنية، التي تروج لها السلطة والاحزاب الطائفية المهيمنة، ضد هذه التيارات، والمطالبة بدخول الدولة إلى المناطق اللبنانية كافة، بالضمانات الاجتماعية وفرص العمل، والعدالة والتنمية اولاً، وليس بالسلاح.
فاليوم، بات عناصر الجيش اللبناني، كما اهالي المناطق اللبنانية، يدفعون يومياً حياتهم ثمناً لألعاب القوى البرجوازية والامنية المهيمنة، ونتيجة لسياساتها الطائفية، والاقتصادية، القمعية، التي جعلت من البلد بأكمله يعيش في حالة حرب كامنة دائمة، وعنف اجتماعي متزايد. فلا مخرج لنا من هذه الدوامة إلا من خلال بناء حركة عمالية ثورية، هي الوحيدة القادرة على إعادة استقطاب الجماهير اللبنانية، لصالح مصالحها الطبقية الفعلية، هذه الجماهير التي تنسحب يوماً بعد يوم إلى مواقع طائفية ودينية، للتعبير عن الاحتقان الطبقي، وخاصة في غياب اي خيار آخر.
المعادلة، اليوم، اكثر من اي وقت مضى، هي: «إما الثورة الاجتماعية أو البربرية».
الهوامش
1.عاش لبنان في الاسبوعين الاخيرين من شهر ايار 2012 أحداثاً امنية خطيرة بدأت باعتقال احد قيادي التيارات السلفية في شمال لبنان وهو شادي المولوي، للاشتباه بعلاقته بتنظيم القاعدة (من دون ان يعرف حتى الساعة اذا ما كانت هذه التهمة فعلية أو ملفقة). وتبعاً لعملية الاعتقال بدأت اعتصامات تخللها حرق للدواليب واقفال للطرقات استمرّت لايام في طرابلس، مما ادى ايضاً إلى مواجهات ما بين مجموعات اسلامية متعددة والجيش اللبناني، وكما تخلل ذلك ايضاً مواجهات ما بين منطقتي باب التبانة (ذات غالبية سنية) وجبل محسن (ذات غالبية علوية). وتبع ذلك مقتل الشيخين أحمد عبد الواحد ومحمد مرعب على يد عسكريين من الجيش اللبناني على حاجز للجيش في عكار من دون ان تتضح حتى الساعة ملابسات الحادثة، مما ادى إلى حالة استنكار واسعة، وتحركات اهلية، وامتدت الشرارة إلى طريق الجديدة (في بيروت) حيث خرج شبان من تيار المستقبل يحتجّون على مقتل الشيخين، ومن ثم آلت الامور إلى حملة مسلّحة، وإلى اخراج شاكر البرجاوي رئيس «التيار العربي» (حليف قوى ٨ اذار) من محلة الطريق الجديدة. وبعد ذلك تم اطلاق سراح شادي المولوي بكفالة مالية، وصرّح الاخير ان اطلاقه «عزّة لطرابلس وللاصوليين».
2.جريدة الاخبار اللبنانية، الجمعة ٢٥ ايار، ٢٠١٢.
3.جريدة الاخبار اللبنانية، الجمعة ٢٥ ايار، ٢٠١٢.
4.كريس هارمن، النبي والبروليتاريا، مجلة الاشتراكية العالمية، خريف ١٩٩٤.
5.ليون تروتسكي، «تاريخ الثورة الروسية»، بلوتو برس، ١٩٧٧، ص. ٢٦ – ٢٧.
6.اكرم فؤاد خاطر، اكتشاف الوطن: الهجرة، النوع الاجتماعي والطبقة الوسطى في لبنان ١٨٧٠ – ١٩٢٠، مطبعة جامعة كاليفورنيا، ٢٠٠١ .
7.اسامة مقدسي، الثقافة الطائفية، مطبعة جامعة كاليفورنيا، تموز ٢٠٠٠، ص. ١١،١٠.
8.دراسة الاحوال المعيشية لأاسر اللبنانية، وزراة الشؤون الاجتماعية، ٢٠٠٧.
9.نقلاً عن احصائيات الامم المتحدة في ال٢٠٠٢، هانز غونتر بروش، التوسّع المدني، والكوارث الطبيعية في النمو السكاني لدول البحر المتوسط، والتغيّر المناخي في القرن الحادي والعشرين، آفس برس.
10.فؤاد خوري، من القرية إلى الضاحية، جامعة شيكاغو، ١٩٧٥، ص. ٣٣،٢١.
11.الدراسة الوطنية للأحوال المعيشية للأسر، وزارة الشؤون الاجتماعية، ٢٠٠٧.
12.مركز الدراسات السورية، جامعة سانت اندروز، اسكتلندا.
13.عكار المنسية، جمعية مدى، بيروت، ٢٠٠٨، ص. ٢١.
14.رشا ابو زكي، رحلة المئة عام بحثاً عن الطعام، جريدة الاخبار، ١٥ ايار ٢٠١٢.
