نحلل في هذا المقال وثيقة المناطق الثلاث التي ظهرت في 8 آذار 2024، ونفنّد ما تحمل من طروحات ليبرالية متعفنة وادعاء تمثيل السوريين في مناطق محددة، أو بشكل حصري وشرعي، بينما تفتقر للقاعدة الشعبية وتعمل لصالح قوى أجنبية تلعب أدواراً مزدوجة.
كما نشرح كيف أنّ صعود قوى ليبرالية “معارضة” كان نتيجة دعم النظام والدول الاستعمارية، وكيف تحولت إلى أداة للانقلاب على الثورة السورية.
وكيف أصبح من الضروري اليوم رفض الوصائية النخبوية والتأكيد على أهمية التنظيم الجماهيري الثوري القادر على تنظيم الحراك الثوري من الأسفل.

- تصر المعارضة المرتهنة في سياق تهافتها الانتهازي المهووس على “احتكار تمثيل السوريين” , عبر مصادرة صوت السوريين وإعلانها ذاتها – بدعم مرجعي من مشغليها -, كممثل شرعي ووحيد وحصري للسوريين وللثورة السورية.
- فمنذ أن انقلبت هذه المعارضة المكرسة على الانتفاضة عبر شعار “المجلس الوطني يمثلني” , وصولاً إلى تفريخاتها اللاحقة من ائتلاف وهيئة تفاوض وحكومة مؤقتة ونصرة وحكومة الإنقاذ في إدلب وصولاً إلى منصات التفاوض واللجنة الدستورية، وإلى ما ذلك من مشاريع مستمرة تنتهي دوما بالفشل, اتسمت كل تلك الواجهات بكونها انقلابية على إرادة الجماهير المعبر عنها بمطالب الانتفاضة الثورية في 2011, وادعائها احتكار التمثيل السياسي للجماهير والشعب السوري, في حين أنها، في واقع الحال، تفتقر تماماً لاي قاعدة شعبية أو جماهيرية.
- هكذا مشاريع “معارضة” تأتي في غالب الأحيان من خلال قبولها بالعمالة لأحد الأطراف الدولية المحتلة أو بتماهييها مع أحد المشاريع الاستعمارية ودخولها في بازارات التعويم والتشغيل, إضافة لازدواجيتها الاختزالية المنحازة للمشغل, التي تظهر بوضوح من خلال تعاميها عن قوى احتلال معينة وتركيزها على قوى احتلال أخرى , واختزال مطالب الجماهير بالتغيير السياسي-الاقتصادي-الاجتماعي بشعار إسقاط بشار الأسد وتجاهل المفرزات القيحية ل”أجهزة الثورة المضادة”. كما أنها تميل لاختزال الحراك الجماهيري وتصويره كحدث ثانوي لجولات المعارضة الهزلية في إطار الارتزاق السياسي عبر ممرات السفارات و أقبية المخابرات.
- ولم يكن صعود تلك القوى الليبرالية “المعارضة” على ظهر الجماهير كثورة مضادة, إلا نتيجة لدعم النظام والدول الاستعمارية التي وجدت فيها أداة للانقلاب على الثورة السورية وتفتيت لحاملها الاجتماعي ومحاولة تمييع جوهرها الثوري واستبداله بآخر ليبرالي رجعي انتهازي طائفي وعنصري, ونتيجة لفقدان الجماهير المنتفضة لتنظيم ثوري جماهيري قادر على حماية الحراك من ممارسات قوى الثورة المضادة ؛ نجحت تلك الفقاعات بالصعود إعلامياً مؤقتاً لكنها سقطت وانفضحت أمام الجماهير بالتجربة التاريخية. هذه السقطات لا تمنعها من محاولة التسلق مرة أخرى على ظهر الحراكات الجماهيرية التي بدأت بذورها بالنمو مرة أخرى من الأسفل, كمقاومة طبيعية لسياسات أنظمة القهر والاستلاب والحرمان والقمع التي تمارسها كلٌ من الاحتلالات والنظام وقوى الثورة المضادة, بحق السوريين.
- تبعية المعارضة المذكورة وتخريفها السياسي ومدى عمق ارتباطها بالنظام القائم ومصالح الاحتلالات أصبحت واقعاً ملموساً ونتائجه معاشة، أنتج “نظام معارضة” لا يختلف في جوهره عن نظام الأسد نفسه : مستبد وفاسد. ودخلت تلك المعارضة التابعة بشكل علني وصريح باتفاقيات بيع وتسليم المناطق للنظام أو تشريع وجود الاحتلالات عبر اتفاقيات وقعتها تلك الكيانات, تعطي الشرعية السياسية لاحتلال مناطق من سوريا باسم الثورة السورية, كما حصل بعفرين وريف حلب وغيرها, ولم تخف مشاريعها التطبيعية مع الاحتلال الإسرائيلي في كل مناسبة ممكنة.
- وبذلك، تم خلال السنوات الماضية, اختزال القضية السورية إلى ملف ثانوي ملحق بالتفاهمات العسكرية لدول الاحتلال في أستانة, بشكل أساسي, وظلت أقطاب الاحتلال الأخرى الموجودة خارج أستانة تهلوس بإنتاج أجسام سياسية أو عسكرية معارضة بديلة تشكل الحامل لمشاريعها المناقضة لإرادة نادي أستانة, في إطار التفاهم-التنافس بين الدول المتدخلة في سوريا، والجدير بالذكر أن تركيا بالذات هي اللاعب البراغماتي الأهم المستثمر في القطبين معاً , فهي تستثمر في أستانة والحكومة السورية المؤقتة والائتلاف وجبهة النصرة دعماً لمشروعها الاحتلالي التوسعي في سوريا وتدفع باتجاه توسيع الاحتلال التركي في شرق الفرات, وبالوقت ذاته تعمل مع الأمريكي والإسرائيلي والأوروبي والخليجي على تعطيل “أي” حل سياسي في سوريا من شأنه أن يؤدي إلى إخراجها من المناطق التي احتلتها وبشكل أساسي عفرين المحتلة. ازدواجية الدور التركي توضح جزءاً من أسباب ازدواجية جزء كبير من المعارضة السورية واصطفاف الاخيرة أحياناً في جبهات متعددة متناقضة, ووجود ذات الأسماء والكيانات أحياناً, في مشاريع تبدو ظاهرياً متصارعة.
- مرت فترة من الركود وانخفاض أسهم تلك المعارضة في بورصة العمالة الدولية, ما دفع بالدول المحتلة ونظام الطغمة و المعارضة المرتهنة بإدخال القضية السورية في متاهات “حل سياسي” , فُرغ من مضمونه واختزل بلجنة دستورية معطلة لمدة 7 سنوات, ضمن محاولة لتثبيت خطوط المحاصصة والتقسيم وإعادة إنتاج نظام “توافقي” في سوريا على مقاس الاحتلالات ومقاس الطغمة الحاكمة في النظام والمعارضة.
- ومع ظهور بوادر لاستعادة الجماهير السورية لأدوات العصيان والانتفاض في انتفاضة السويداء 2023 عادت تلك المعارضة مجدداً محاولةً الالتفاف مرة أخرى على الحركة الجماهيرية في سوريا, فقامت بمحاولات اجترار سياسي بائسة لإنتاج “مظلة” سياسية جديدة تخفي فيها رؤوسها وتختبئ مرة أخرى خلف الحراك الجماهيري, لحين الانقضاض عليه في مسعى لادعاء تشكيل “جسم سياسي بديل” عن الأجسام السياسية الأخرى وبدأ مشغلوها يفكرون باستبدالها بأدوات أخرى تتناسب مع صفقات المساومات القادمة, فكانت تجربة تشكيل منصة مدنية وفشلها ومن ثم التحالف السوري الديموقراطي وفشله خطوة اجترارية في الاتجاه القديم, حيث نجد تقريباً نفس الكيانات ذاتها تقريباً في التجربتين؛ وغيرها؛ مع بعض التعديلات الشكلية عبر محاولات جر حركات وتجمعات سياسية ناشئة تبحث عن تمثيل ولم تتلوث بعد بقذارة “المعارضة المرتهنة” ليتم توريطها بهذه المسرحية “التمثيلية” لتعطي بوجودها “غطاء شرعية جماهيرية” للمشاريع والكيانات المهترئة.
- والآن جاءت “وثيقة المناطق الثلاث” كمحاولة اجترار سياسي آخر يحمل نفس المنطق الانتهازي ويرفع نفس الشعارات التمثيلية لمحاولة ادعاء احتكار تمثيله لعموم السوريين مرة أخرى .
- ظهرت الوثيقة منذ 8 آذار 2024 وبدت للوهلة الأولى كورقة ميتة تحمل شعارات ليبرالية متعفنة وفضفاضة نطقت بها كيانات هزيلة ترتبط بشكل مباشر بالحكومة السورية المؤقتة (حكومة الانتداب التركي), و أدعت مجدداً في البيان تمثيل عموم السوريين في المناطق الثلاث (القريا, اعزاز, درعا) ، بالأحرى بالقرى وليس المناطق, وتوالت بعدها البيانات الاستعراضية الداعمة لتلك الوثيقة, وترافقت تلك البيانات بالهجوم على الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا, وتوصيفها بأنها مشروع انفصالي وأن الوثيقة وجدت لمواجهة هذا الانفصال, وجاء ما كان ينقص البيان, عريضة دعم له من بعض الأكاديميين ليضيفوا لمستهم السحرية القطرية و النخبوية الأكاديمية الليبرالية على الوثيقة.
حول وثيقة المناطق الثلاث – التهافت الليبرالي
أعلنت الافتتاحية صدور الوثيقة بتاريخ 8/3/1920 لارتباطه “باستقلال سوريا”, كحدث مهم في “ذاكرتنا الوطنية الديموقراطية العريقة”. وباعتبار الوثيقة ضد “الانفصاليين” ومُقدسة لوحدة واستقلال سوريا, يبدو أن المنظرين الأكاديميين لا يعرفون, أن عنوان استقلال سوريا في 1920 هو الغطاء الشعاراتي لتقسيم سوريا وفق سايكس بيكو, وكان إعلان هذا الاستقلال تحت وصاية بريطانيا وفرنسا إعلاناً للتطبيق العملي لتقسيم سوريا التاريخية عبر إنشاء المملكة السورية الفيصلية على ربع مساحة سوريا التاريخية, تحت حكم العميل “الملك فيصل”, الذي أدى مهمته عبر حل الجيش السوري وقبول شروط فرنسا الاستعمارية ,وبعدها هرب إلى العراق ليتم مهمته بتسليم العراق لبريطانيا على غرار ما حصل في سوريا.
أمّا “ذاكرتنا الديموقراطية العريقة” التي توصف بها مرحلة حكم هذا “النظام الملكي العميل الممهد للاحتلال”, فهي ذاكرة تعبر عن أحلام تلك المعارضة بديموقراطية برجوازية عميلة تفوح منها رائحة الإقطاع الملكي والبرجوازية الاستعمارية.
أعلنت الوثيقة في افتتاحيتها أنها تسعى إلى “ابتكار سياسة وطنية سورية جديدة,” ونقول أنها ليست جديدة فلقد عرفناها واختبرناها جيدة لقرنٍ كامل وبشكل مركز خلال اجترارهم السياسي وممارساتهم الفاشلة والمسؤولية عن هزيمة الثورة السورية خلال 13 عاما .
جاء في الوثيقة خمس مبادئ: يأتي في مطلعها دعوة “لتأميم السياسة”, وتحرير “القرار” العمومي السوري من القوى الأجنبية أو غيرها….و”أساس وحدتنا بوصفنا شعب واحد”.
نقول لا يمكن “تأميم السياسة” دون الدعوة لمقاومة جميع الاحتلالات وأخذ موقف واضح اتجاهها كقوى احتلال مباشر وعدم الاختباء وراء الشعارات بتأميم “القرار السياسي” من القوى الأجنبية, بل ينبغي تبني الدعوة لمقاومتها وتحرير البلاد منها ومن الكيانات الانتدابية التابعة لها, وحصر مفهوم التأميم خلال السرد باعتبار “نظام الأسد” هو المحتكر الوحيد وتجاهل كيانات الثورة المضادة للمعارضة المرتهنة هو إعادة إنتاج وتدوير وتعويم لكيانات الثورة المضادة. وأخيراً -حتى بدون وجود الاحتلالات- لا يمكن تأميم السياسة بمعزل عن تغيير العلاقات الاقتصادية الاجتماعية التي تنتج هذه العلاقات السياسية, فطالما أن النظام الطبقي موجود في سوريا وتتمركز الثروة بأيدي الأقلية الحاكمة والمالكة من النظام والمعارضة المرتهنة فلا قيمة لشعار تأميم السياسية , فتأميم السياسية يبدأ بتأميم الثروة ووسائل الإنتاج, أما ما يقصد بهذا التأميم السياسي اللفظي فإنما هو إعادة تحاصص وتدوير للمقاعد السياسية في جسم جديد للمعارضة المرتهنة وفق توازن القوى الدولية -المتغير- والمستثمرة في المعارضة السورية.
أما حول شعار “شعب واحد”, هو “أساس وحدتنا”, فهذه الشمولية الشعاراتية التي تخفي أنيابها العنصرية الطائفية تحت شعار شعب واحد, تتجاهل وجود شعوب متعددة ضمن سوريا وترفض إيجاد أساس مادي لوحدتها, يكتفى بالشعارات الشمولية الفارغة, ليتجاهل -بشكل أساسي- وجود قضية للشعب الكردي في سوريا, لا تكفي كلمة النظام التاريخية “شعب واحد” لحلها, بل إن الاعتراف بوجود شعب كردي في سوريا هو مفتاح الحل لإيجاد أساس مادي غير عنصري وغير إقصائي لبناء إطار وطني جامع للسوريين.
تضيف الوثيقة إلى ما ذكرناه محاولتها الالتفاف وإخفاء الصراع الطبقي الدائر في سوريا عبر توصيف الصراع أنه بين الشعب ونظام الأسد فقط، وبذلك تخرج هذه الوثيقة الاحتلالات وقوى الثورة المضادة من المعادلة.
تتشدق الوثيقة بشعارات “الحقوق الوطنية” بالحياة والحرية والكرامة والأمان فارضة طابع ليبرالي عليها. وتُسقط العدالة والمساواة, لتترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لليبرالية – إسلامية – قومية, فتلك القيم الشعاراتية حتى بالمنطق الليبرالي المستورد لا قيمة لها دون العدالة والمساواة.
رفض الانطواء المحلي – وحدة سورية : تخلط الوثيقة في هذه النقطة -عمداً- بين “الدولة” و “الوطن” في محاولة للهرب من توصيف طبيعة جهاز الدولة التي يبشرون بها , “دولة سورية فحسب” , تلك الدولة المثالية الغيبية الحيادية الهابطة من السماء -النخبوية-, لا وجود لها في الواقع التاريخي, فالطابع الطبقي للدولة وانحيازها لإحدى الطبقات لا يمكن اخفائه عبر الشعارات العلمانية أو إضفاء الطابع الديموقراطي البرجوازي عليها , وما يدعون إليه من المركزية السياسية هو دعوة لعودة مركزة لجهاز القمع الطبقي في سوريا وليس حلاً “للانطواء المحلي”.
يأتي بيان المناطق الثلاث على ذكر التنسيقات ويذكر أنها “التشكيل الأول للثورة السورية” “وفرصة لتوليد السياسة” ويدعو إلى “العودة لمبدأ التنسيق ” , وبهذا يتجاهل البيان أن التنسيقيات كانت نتاج صيرورة ثورية, كأداة لتنظيم العمل الثوري والسياسي بين السوريين من الأسفل, ولم تهبط عليهم من السماء بقرار نخبوي أكاديمي معزول لذا فانه بغياب الحراك الثوري الجماهيري لن يكون هناك ثمة قيمة أو وجود لتنسيقيات حقيقية. في تجربة أعوام الثورة انقلبت الكيانات النخبوية للمعارضة المرتهنة على التنسيقيات الشعبية و احتكرت التمثيل السياسي. والآن نجد أن هياكل الأجسام السياسية للثورة المضادة أصبحت معزولة عن الجماهير وتبحث عن قدمين فتدعو لخلق تنسيقيات تحتاً منها؛ ولكن لا حل لهذا الانفصام السياسي و “الكرسحة” للمعارضات الليبرالية.
ويختتم البيان بالدعوة “لاجتماع سياسي تواصلي توافقي …. قادر على تمثيل طموحات السوريين” أي نعود مجدداً -في النهاية – لهوس التمثيل الاحتكاري النخبوي.
من ثم يمر البيان على شعار فضفاض ” وحدتنا في كثرتنا” وينوه لبناء” رأسمال اجتماعي” , ليس غريباً فاستثمارهم السياسي لا ينظر إلى الجماهير إلا كحشود اجتماعية ضرورية للاحتشاد والتراكم كي تعوم أسهم المعارضة المرتهنة على قدر “كثرتها”.
إننا في تيار اليسار الثوري في سوريا نعول على التنظيم الجماهيري الثوري القادر على تنظيم الحراك الثوري الشعبي الجماهيري والمنبثق عنه, في إطار انتفاضة شعبية في وجه نظام الطغمة وقوى الثورة المضادة والاحتلالات, فتحرر الجماهير بفعل الجماهير نفسها, ولا يأتي عبر نخبوية احتكارية تمثيلية.
ندعو الأفراد والحركات والتجمعات السياسية, لرفض الوصائية النخبوية الانتهازية وعدم إعطاء الثورة المضادة غطاء جماهيري لتعيد إنتاج ذاتها.
فالتنظيم الثوري من الأسفل، و”تأميم القرار الثوري والسياسي” واستعادته من المعارضة المرتهنة مهمة ثورية وضرورة لإعادة السيرورة الثورية إلى مسارها وإسقاط المنقلبون عليها.
تسقط كل الاحتلالات
يسقط نظام الطغمة وقوى الثورة المضادة
كل السلطة والثروة للشعب
تيار اليسار الثوري في سوريا
