- كارل ماركس: حول الثورة الدائمة
- مقدمة ليون تروتسكي
- الفصل الأول: مميزات التطور التاريخي في روسيا
- الفصل الثاني: المدن ورأس المال
- الفصل الثالث: 1789- 1848- 1905
- الفصل الرابع: الثورة والبروليتاريا
- الفصل الخامس: هل تحققت “الديكتاتورية الديموقراطية” في بلدنا ومتى ؟
- الفصل السادس: حول القفز عن المراحل التاريخية
- الفصل السابع: ماذا يعني شعار “الدكتاتورية الديموقراطية” بالنسبة للشرق الآن ؟
- الفصل الثامن: من الماركسية إلى النزعة السلمية
كارل ماركس: حول الثورة الدائمة
« لقد رأينا كيف سيصل الديمقراطيون إلى الحكم في الحركة القادمة، وكيف سيجبرون على اقتراح إجراءات ذات طابع اشتراكي نوعا ما. وقد يسأل سائل: ما هي الإجراءات التي يجب أن يقترحها العمال في المقابل ؟ لا يستطيع العمال طبعا أن يقترحوا إجراءات ذات طابع شيوعي مباشر منذ بداية الحركة. ولكن بإمكانهم أن يقوموا بما يلي:
1.عليهم أن يجبروا الديمقراطيين (البرجوازيين) على الإجهاز على النظام الإجتماعي القديم بأن يفتحوا فيه أكبر عدد ممكن من الثغرات، وعلى عرقلة خط سيره المنتظم وعلى توريط أنفسهم، بالإضافة إلى وضع أكبر عدد ممكن من وسائل الإنتاج بين أيدي الدولة كوسائل النقل، والمصانع وسكك الحديد، إلى آخره.
2.على العمال أن يدفعوا باقتراحات الديمقراطيين، التي لن تكون ثورية مطلقا بل إصلاحية ليس إلاّ، إلى أقصى الأبعاد محولين إياها إلى هجمات مباشرة على الملكية الفردية. ممثلا عندما تقترح البرجوازية الصغيرة شراء سكك الحديد والمصانع، على العمال أن يطالبوا بأن تصادر الدولة سكك الحديد والمصانع هذه لكونها ملكا للرجعيين رأسا وبدون تعويض. وإذا اقترح الديموقراطيون ضريبة نسبية، على العمال أن يطالبوا بضريبة تصاعدية؛ وإذا اقترح الديموقراطيون أنفسهم ضريبة تصاعدية معتدلة، على العمال أن يصروا على ضريبة تكون نسبيا مرتفعة بحيث تؤدي إلى تحطيم رأس المال الكبير؛ وإذا طالب الديموقراطيون بتسوية ديون الدولة، على العمال أن يطالبوا بإعلان إفلاسها. وهكذا تسير مطالب العمال دائما وأبدا على هدى تنازلات الديمقراطيين وإجراءاتهم.
وفي حال عدم تمكن العمال الألمان من استلام الحكم وتحقيق مصالحهم الطبقية دون المرور بمرحلة كاملة من التطور الثوري، فمن المؤكد هذه المرة أن أول فصل من هذه المأساة الثورية المداهمة سوف يصادف انتصار طبقتهم في فرنسا فيسرع بالتالي من تحقيق ثورتهم.
ولكن عليهم أن يبذلوا أقصى جهدهم لإحراز النصر الأكيد بواسطة توعية أنفسهم على مصالحهم الطبقية، وتبنيهم بأسرع وقت ممكن لموقف حزبي مستقل، وبرفضهم أن تحرفهم العبارات الخبيثة التي يرددها ديموقراطيو البرجوازية الصغيرة، ولو لحظة واحدة، عن تنظيم حزب البروليتاريا بشكل مستقل. يجب أن يكون شعار نضالهم: الثورة الدائمة ».
(من “خطاب إلى العصبة الشيوعية” أبريل 1850 حول ثورة 1848-1849 في ألمانيا.)
مقدمة ليون تروتسكي
لقد تكونت مختلف الاتجاهات الإيديولوجية والتنظيمات السياسية داخل الحركة الثورية الروسية بناء على مواقفها من قضية أساسية هي قضية طابع الثورة الروسية. وقد أثارت هذه القضية خلافات حادة في الحركة الاشتراكية الديموقراطية منذ أن فرضت عليها الأحداث طابعا سياسيا. فمنذ عام 1904 إلى يومنا هذا، اتخذت هذه الخلافات شكل اتجاهين أساسيين: المنشفية والبلشفية. فكانت وجهة النظر المنشفية تقول أن ثورتنا ستكون ثورة برجوازية، أي أن نتيجتها الطبيعية ستكون انتقال الحكم إلى البرجوازية وخلق الظروف الملائمة لقيام البرلمانية البرجوازية. وكانت وجهة النظر البلشفية، بالرغم من إقرارها بحتمية الطابع البرجوازي للثورة القادمة، تعتبر أن مهمة الثورة هي إنشاء جمهورية ديموقراطية بواسطة ديكتاتورية العمال والفلاحين.
كان تحليل المنشفيك في غاية السطحية، يقتصر في جوهره على مقارنات تاريخية باهتة، ذلك الأسلوب التقليدي الذي يعتمده “المثقفون” المتحذلقون المحدودون. فلا تطور الرأسمالية الروسية الذي خلق تناقضات حادة عند قطبيه والذي حال دون أن تلعب الديموقراطية البرجوازية دورها، ولا تجربة الأحداث اللاحقة أوقف سعي المنشفيك الدؤوب وراء الديموقراطية “الصحيحة” و”الحقيقة” التي سوف تقود “الأمة” وتبني البرلمانية وتوّفر، قدر المستطاع، الظروف الديموقراطية للتطور الرأسمالي. وفي كل مكان وكل زمان، جنّدوا أنفسهم لاكتشاف آثار لتطور الديموقراطية البرجوازية؛ وحيث لم يجدوا هذه الآثار اخترعوها. فأخذوا يضخمون أهمية أية بادرة أو ظاهرة “ديموقراطية” بينما عملوا في الوقت نفسه على التقليل من أهمية قوى البروليتاريا ومن الإحتمالات المطروحة أمام مسيرتها النضالية. ولأجل تأمين الطابع البرجوازي “الشرعي” للثورة الروسية الذي زعموا أن قوانين التاريخ تتطلبه أن يكون كذلك، إلى درجة أنهم خلال الثورة ذاتها عندما لم تتوفر ديموقراطية برجوازية لقيادتها، تعهدوا بأن يقوموا هم بواجباتها ببعض النجاح.
إن ديموقراطية البرجوازية الصغيرة الخاوية من أي مضمون إيديولوجي إشتراكي، والمجردة من أي تحضير ماركسي طبقي، ما كان بإمكانها –طبعا- أن تتصرف في ظروف الثورة الروسية بشكل يختلف عن تصرف المنشفيك الذين لعبوا دور الحزب “القائد” لثورة فبراير. إن فقدان قاعدة اجتماعية جدية ترتكز إليها الديموقراطية البرجوازية أرهق المنشفيك، فسرعان ما استنفدوا طاقاتهم فطرحهم الصراع الطبقي جانبا في الشهر الثامن من الثورة.
وعلى العكس من ذلك، لم يكن البلاشفة يؤمنون بالطاقات الثورية الكامنة في الديموقراطية البرجوازية في روسيا ولا بقوتها. فمنذ البدء أقرّوا الأهمية الحاسمة للطبقة العاملة في الثورة القادمة. أما فيما يخص برنامج الثورة ذاتها، فقد اقتصر البلاشفة فيه أول الأمر على ضمان مصالح ملايين الفلاحين الذين لم يكن باستطاعة البروليتاريا أن تقوم بالثورة حتى آخرها ضدهم أو بمعزل عنهم. من هنا جاء اعترافهم الآني بالطابع الديموقراطي البرجوازي للثورة.
فيما يتعلق بتقييم قوى الثورة الداخلية وتوقعاتها، لم ينضم مؤلف هذا الكتاب في ذلك الحين أي من الإتجاهين الأساسيين السائدين داخل الحركة العمالية الروسية. وبالإمكان رسم الخطوط العريضة لموقفه في ذلك الحين على النحو التالي: إن الثورة، التي ستبدأ كثورة برجوازية فيما يخصّ مهامها الأولى، سوف تولّد صراعات طبقية عنيفة، وهي لن تحرز النصر الأخير إلاّ بعد أن ينتقل الحكم فيها إلى الطبقة الوحيدة القادرة على قيادة الجماهير المضطهدة، وهذه الطبقة هي البروليتاريا. ولمجرد أن تصبح البروليتاريا في الحكم، فإنها لن ترضى بأن تحصر نفسها ضمن البرنامج الديموقراطي فحسب، ولكنها ستجد نفسها مجبرة على تخطيه أيضا؛ وسوف تتمكن من تحقيق الثورة حتى النهاية فقط في حال تحول الثورة الروسية إلى ثورة تشمل كل البروليتاريا الأوروبية. إذ ذاك يصبح بمقدور الطبقة العاملة الروسية أن تتخطى البرنامج الديموقراطي البرجوازي للثورة بحدوده الوطنية الضيقة، فتتحول السيطرة السياسية الآنية التي تمارسها إلى ديكتاتورية اشتراكية بعيدة المدى. وإذا لم تتحرك البروليتاريا في أوروبا، فإن الثورة المضادة البرجوازية لن تطيق وجود حكومة للجماهير الكادحة في روسيا فتسير بالبلد بعيدا جدا عن جمهورية العمال والفلاحين الديموقراطية. لذا، يستحيل على البروليتاريا أن تبقى ضمن حدود الديموقراطية البرجوازية. إنها مجبرة على تبني خطط الثورة الدائمة، أي على تحطيم الحواجز التي تفصل بين برنامج الحد الأدنى وبرنامج الحد الأقصى من مطالب الحركة الإشتراكية الديموقراطية وعلى أن تلجأ إلى إصلاحات اجتماعية أكثر جذرية، وأن تسعى إلى كسب تأييد سريع ومباشر من الثورة في أوروبا الغربية. إن هذا الكتاب، الذي نحن بصدد التقديم له والذي كتب بين عامي 1904 و1906 يعرض هذا الموقف ويحلله.
خلال تمسكه بالموقف الداعي إلى الثورة الدائمة طوال خمسة عشر عاما كان لا بد للمؤلف من أن يقع في الخطأ عند تقديره للجناحين المتصارعين داخل الحركة الإشتراكية-الديموقراطية. وبما أن كلا الجناحين كان ينطلق من الثورة البرجوازية، اعتبر المؤلف أن الخلافات الموجودة بينهما ليست من العمق بحيث تؤدي إلى حدوث الانشقاق. وكان يأمل، في الوقت نفسه، أن يبرهن تطور الأحداث القادم على ضعف الديموقراطية البرجوازية الروسية وعلى عدم أهميتها من جهة، وعلى أنه يستحيل موضوعيا أن تحصر البروليتاريا نفسها ضمن حدود البرنامج الديموقراطي من جهة ثانية. وكان يظن أن هذا البرهان سوف يزيل كل مبرر لقيام خلافات بين الأجنحة.
وبسبب كون المؤلف خارج كلا الجناحين طوال فترة الهجرة، لم يتسنَّ له أن يقدر تمام التقدير أن الخلاف بين البلاشفة والمنشفيك قد أدى إلى تكتيل الثوريين الصلبين في جهة والعناصر التي تزداد انتهازيتها وضوحا ويظهر استعدادها للتكيف في جهة أخرى. فعندما اندلعت ثورة 1917، كان الحزب البلشفي قد غدا منظمة مركزية تجمع أفضل العمال المتقدمين والمثقفين الثوريين استطاعت أن تتبنى، بعد فترة من الصراع الداخلي، خططاً علنية تدعو لقيام ديكتاتورية الطبقة العاملة الإشتراكية تنسجم انسجاما كاملا مع الوضع الدولي بمجمله ومع العلاقات الطبقية في روسيا. أما الجناح المنشفيكي فكان قد نضج في ذلك الحين النضج الكافي الذي يؤهله أن يتحمل أعباء تحقيق الديموقراطية البرجوازية، كما أشرت سابقا.
إني، إذ أقدم هذه الطبعة الجديدة من كتابي للجمهور، لا أريد فقط أن أشرح المبادئ التي مكنتني، مع رفاق آخرين ظلوا سنوات عديدة خارج صفوف الحزب البلشفي، من أن نربط مصيرنا بهذا الحزب في بداية عام 1917 (1) (إن مبررا كهذا لا يكفي لإعادة طبع الكتاب)، ولكن لكي أستعيد التحليل الإجتماعي-التاريخي للقوى المحركة للثورة الروسية الذي توصلت من خلاله إلى الإستنتاج أن استلام الطبقة العاملة للسلطة السياسية يمكن ويجب أن يكون هدف الثورة الروسية، قبل أن تصبح ديكتاتورية البروليتاريا واقعا ملموسا بزمن طويل. إن مجرد استطاعتنا أن نعيد طبع هذا الكتاب الذي كتب عام 1906، والذي كانت خطوطه الرئيسية جاهزة منذ عام 1904 دون أن نجري عليه أي تعديل، إن هذا لدليل كاف على أن النظرية الماركسية ليست إلى جانب البديل الديموقراطي البرجوازي الذي يقدمه المنشفيك وإنما إلى جانب ذلك الحزب الذي حقق ديكتاتورية الطبقة العاملة تحقيقا فعليا.
إن الامتحان الأخير للنظرية هو التجربة. لذا كان الدليل القاطع على كوننا طبقنا النظرية الماركسية بشكل سليم هو أننا تنبأنا بالخطوط العريضة للأحداث التي نشارك فيها الآن وحتى بأشكال هذه المشاركة منذ ما يقارب الخمسة عشر عاما.
كملحق لهذا الكتاب، سنعيد طبع مقال نشر في مجلة “ناشي سلا فو” في 17 أكتوبر 1915 في باريس بعنوان “النضال من أجل استلام الحكم”. إن لهذا المقال هدفا سجاليا، فهو نقد “لرسالة” على شكل برنامج وجهها القادة المنشفيك إلى “الرفاق في روسيا”. ونخلص في هذا المقال إلى أن تطور العلاقات الطبقية خلال السنوات العشر بعد ثورة 1905 قد حطم أمل المنشفيك في إمكان قيام ديموقراطية برجوازية، وأنه من البديهي أن يرتبط مصير الثورة الروسية أكثر من ذي قبل بقضية ديكتاتورية البروليتاريا… ففي وجه الصراع الفكري الذي دار خلال السنوات العديدة السابقة، كان كل من تكلم عن “طابع المغامرة” في ثورة أكتوبر هو متحجر الرأس فارغه !
وفي معرض حديثنا عن موقف المنشفيك من الثورة، لا بد من الإشارة إلى تقهقر كاوتسكي(2) إلى موقع المنشفيك. إن كاوتسكي هذا يجد الآن في “نظريات” مارتوف ودان وتسيريتللي خير تعبير عن تعفنه النظري والسياسي. سمعنا من كاوتسكي بعد ثورة أكتوبر 1917 ما معناه: بما أن استيلاء الطبقة العاملة على الحكم يجب أن يكون مهمة تاريخية ينفذها الحزب الإشتراكي-الديموقراطي، وبما أن الحزب الشيوعي الروسي لم يدخل إلى الحكم من الباب الخاص الذي عينه له كاوتسكي وفي الوقت الذي حدده هو له، إذن يجب تسليم الجمهورية السوفييتية إلى كرنسكي وتسيرتللي وتشيرنوف ليجروا عليها التعديلات اللازمة. لابد من أن يكون نقد كاوتسكي الرجعي المتحذلق قد فاجأ هؤلاء الرفاق الذين واكبوا فترة الثورة الروسية الأولى بأعين مفتوحة وقرأوا مقالات كاوتسكي خلال العامين 1905 و1906. ففي ذلك الوقت، تمكن كاوتسكي (بتأثير من روزا لوكسمبورغ) من أن يفهم الثورة الروسية فهما عميقا وأن يعترف بأنه لا يمكنها أن تنتهي إلى جمهورية ديموقراطية- برجوازية بل إنها ستؤدي حتما إلى دكتاتورية البروليتاريا نتيجة للمستوى الذي بلغه الصراع الطبقي بمجمله في البلد نفسه، ونتيجة لوضع الرأسمالية العالمي. وكان كاوتسكي في ذلك الحين يتكلم بصراحة عن حكومة عمالية يكون الإشتراكيون-الديموقراطيون أغلبية فيها. ولم يخطر بباله قط أن يسخّر المسيرة الطبيعية للصراع الطبقي لتقلبات تركيبات سطحية في الديموقراطية السياسية.
في ذلك الحين، فهم كاوتسكي أن الثورة ستبدأ بتحريك ملايين الفلاحين والعناصر البرجوازية الصغيرة في المدن، ليس دفعة واحدة وإنما بالتدرج، فئة بعد فئة؛ فعندما يبلغ الصراع بين البروليتاريا والبرجوازية الرأسمالية ذروته تكون الجماهير الفلاحية مازالت على مستوى بدائي جدا من التطور السياسي فتمنح أصواتها للأحزاب السياسية الوسطية التي لا تعكس سوى تأخر طبقة الفلاحين وعقدها. وقد فهم كاوتسكي أيضا أن البروليتاريا، التي يدفعها منطق الثورة ذاتها إلى استلام الحكم، لن تستطيع أن تؤجل هذا العمل إلى ما لا نهاية بشكل فردي لأنها تكون بتضحيتها بنفسها قد أخلت الطريق أمام الثورة-المضادة. وإنه في حال استلام البروليتاريا الحكم، ليس عليها أن تعلق مصير الثورة على الأمزجة المتقلبة لأقل الجماهير وعيا ويقظة في أية لحظة من اللحظات، بل على العكس عليها أن تحول السلطة السياسية الموضوعة بين أيديها إلى جهاز ضخم لتوعية هذه الجماهير الفلاحية الجاهلة المتخلفة و تنظيمها. وفهم كاوتسكي أن تسمية الثورة الروسية ثورة برجوازية، وبالتالي حصر مهامها ضمن هذه الحدود، هو جهل مطبق بما يجري بالعالم. وقد اعترف عن حق، مع الماركسيين الثوريين في روسيا وبولونيا بأنه في حال استيلاء البروليتاريا الروسية على الحكم قبل أن تستولي عليها البروليتاريا الأوروبية، يتوجب عليها أن تستغل وضعها كطبقة حاكمة ليس لتسليم مواقعها بسرعة للبرجوازية ولكن لكي تقدم مساعدة قوية لثورة البروليتاريا في أوروبا والعالم بأسره. إن هذه التوقعات الأممية المليئة بروح العقيدة الماركسية لم نصل إليها ولا وصل إليها كاوتسكي بناء على التفكير بكيف سينتخب الفلاحون ولمن سيدلون بأصواتهم في انتخابات ما يسمى بالجمعية التأسيسية في نوفمبر ديسمبر عام 1917.
الآن، وبعد أن تحولت التوقعات التي تبلورت منذ خمسة عشر عاما إلى واقع ملموس، برفض كاوتسكي أن يمنح الثورة الروسية شهادة ولادة لأنه لم يجر تسجيل ولادتها في حينه في سجلات المكتب السياسي للديموقراطية البرجوازية. يا له من حدث مدهش ! يا لإنحطاط الماركسية ! بإمكاننا أن نقول عن حق أن تعفن “الأممية الثانية” قد عبّر عن نفسه في هذا الحكم الداعي على الثورة الروسية من قبل أكبر مفكري هذه الأممية بشكل أكثر بشاعة مما عبّر عنه التصويت إلى جانب مصاريف الحرب في 4 آب عام 1914.
لقد وضح كاوتسكي مبادئ الثورة الإجتماعية ودافع عنها خلال عقود من الزمن. أما الآن وقد أصبحت هذه المبادئ واقعا، يفرّ كاوتسكي من أمامها بذعر. إنه يخشى سلطة السوفييت الروسية. إنه يتخذ موقفا معاديا من الحركة الجبارة التي ولدتها البروليتاريا الشيوعية في ألمانيا. فكأني بكاوتسكي ذلك المدرس البائس الذي ظل خلال سنوات عديدة يصف الربيع لتلاميذته ضمن جدران غرفة الدرس المظلمة. وأخيرا وبعد أن إنتهت سني خدمته، يخرج إلى الهواء النقي فإذا به لا يتعرف إلى الربيع، فيتملكه الغضب (إلى مدى ما يمكن للغضب أن يتملك مدرسا) فيحاول أن يثبت أن الربيع ليس هو الربيع وإنما هو فوضى كبيرة في الطبيعة لأنه أتى بشكل مغاير لقوانين التاريخ الطبيعي. ولكن من حسن الحظ أن العمال لا يثقون ولا حتى بأكبر واحد من هؤلاء الأساتذة المتحذلقين، إنهم يثقون بصوت الربيع.
نحن تلامذة ماركس، الواقفين إلى جانب العمال الألمان، نتمسك بقناعاتنا أن ربيع الثورة قد أطلّ بشكل ينسجم مع قوانين الطبيعة الإجتماعية ومع قوانين النظرية الماركسية في آن واحد؛ لأن الماركسية ليست عصا مدرس تشير إلى ما وراء التاريخ، وإنما هي تحليل اجتماعي للأساليب التي تنتهجها العملية التاريخية في مسيرتها الحقيقية.
لقد تركت كلا الكتابين، كتاب عام 1906 وكتاب عام 1915، دون أن أجري عليهما أي تعديل. فقد أردت في الأصل أن أزود النص بملاحظات ترقى به إلى مستوى الأحداث، بيد أني أقلعت عن هذه الفكرة بعد مراجعتي له. فلو أني أردت الدخول في التفاصيل، لكان علي أن أضاعف حجم الكتاب وهذا ما ليس لدي الوقت لأحققه، بالإضافة إلى كون كتاب “ذي طبقتين” قليل الفائدة بالنسبة للقارئ. وأهم من ذلك أني أعتبر أن الخط الفكري في فروعه الأساسية يقترب إلى حد كبير من ظروف زمننا هذا. لذا، فإن القارئ الذي يبذل جهد التعرف الوثيق على هذا الكتاب، سوف يتسنى له بسهولة فائقة أن يضيف إلى ما يحتويه الإحصاءات والوقائع الضرورية المستنبطة من تجربة ثورتنا الحالية.
الكرملين 12 مارس 1919
ليون تروتسكي
الفصل الأول: مميزات التطور التاريخي في روسيا
إذا ما أجرينا مقارنة بين تطور روسيا الإجتماعي وبين التطور الإجتماعي في البلدان الأوروبية الأخرى، على أساس ما يجمع بين تاريخها وتاريخ روسيا وما يميزه عنه، لأمكننا القول إن الطابع الأساسي لتطور روسيا الإجتماعي هو بدائيته وبطؤه النسبيان.
لن نتوقف عند الأسباب الطبيعية لهذه البدائية، ولكن هذه حقيقة لا يمكن الشك فيها: لقد بنيت الحياة الإجتماعية الروسية على قاعدة اقتصادية أكثر فقرا وبدائية.
تعلمنا الماركسية أن تطور قوى الإنتاج يحدد العملية الإجتماعية-التاريخية. فتكوين التجمعات الإقتصادية والطبقات والطوائف(1) ممكن فقط عندما يبلغ هذا التطور مستوى معينا. إن تمايز الطوائف والطبقات، الذي يحدده تطور تقسيم العمل وخلق وظائف اجتماعية أكثر اختصاصا، يفترض أن قسما من السكان الذين يعملون في الإنتاج المادي المباشر ينتج ما يفيض عن استهلاكه: وفقط بواسطة تملك الطبقات غير المنتجة لهذا الفائض تستطيع تلك الطبقات أن تنشأ وتتبلور. فإن تقسيم العمل بين الطبقات المنتجة نفسها ممكن فقط عندما يبلغ تطور الزراعة درجة معينة تستطيع أن تؤمن تزويد السكان غير الريفيين بالمنتوج الزراعي. لقد سبق لآدم سميث أن عرض بوضوح هذه الموضوعات الأساسية للتطور الإجتماعي.
لذلك ينتج عن ذلك أنه بالرغم من أن مرحلة “نوفغورود”(2) في تاريخنا تصادف بداية القرون الوسطى الأوروبية، فكان لابد لبطء التطور الإقتصادي الذي سببته الظروف الطبيعية-التاريخية (وضع جغرافي أقل ملائمة، سكان مبعثرون) من أن يعيق عملية التكوين الطبقي ويضفي عليها طابعا أكثر بدائية.
من الصعب أن نحدد الشكل الذي كان التطور الإجتماعي في روسيا سيتخذه لو ظل معزولا ومعروضا لتأثير النزاعات الداخلية فقط. يكفي أن نؤكد أن هذا لم يحصل. فالحياة الإجتماعية الروسية، المبنية على أساس اقتصادي داخلي معين، كانت دائما تحت تأثير، وحتى تحت ضغط، وسطها الإجتماعي-التاريخي الخارجي.
وعندما اصطدم هذا التنظيم الإجتماعي والحكومي، خلال عملية تكوينه، بتنظيمات مجاورة أخرى لعبت بدائية العلاقات الإقتصادية عند الأول والتطور المرتفع نسبيا عند الأخرى دورا حاسما في العملية التي تبحث عن هذا الإصطدام.
إن الدولة الروسية، التي نمت على قاعدة اقتصادية بدائية، دخلت في علاقات واصطرعت مع تنظيمات دولة مبنية على أساس أكثر ارتفاعا ورسوخا. فبرز احتمالان: إما أن تنهار الدولة الروسية نتيجة صراعها مع هذه التنظيمات مثلما انهارت “العشيرة الذهبية”(3) في صراعها مع دولة موسكو، وإما أن تتجاوزها في تطور العلاقات الإقتصادية وتمتصّ قدرا أكبر من الطاقات الحيوية من الذي كان بإمكانها أن تمتصه لو بقيت معزولة. إلا أن الإقتصاد الروسي كان متطورا التطور الكافي ليمنع تحقيق الإحتمال الأول. فلم تتحطم الدولة ولكنها أخذت تنموا تحت ضغط رهيب تمارسه القوى الإقتصادية.
وهكذا، فالشيء الأساسي بالأمر ليس أن روسيا كانت مطوقة بالأعداء من كل جهة. فهذا بمفرده لا يفسّر الوضع. بالتأكيد لا ينطبق هذا على أي بلد أوروبي آخر ربما باستثناء إنكلترا. في صراعها مع بعضها من أجل البقاء، اعتمدت هذه الدول على أسس اقتصادية متشابهة إلى حد ما فلم يكن تطور تنظيمات الدولة فيها عرضة لضغط خارجي قوي كالذي كانت روسيا عرضة له.
لقد استدعى الصراع ضد القبائل التترية في القرم ونوغاي بذل مجهود جبار. ولكن هذا المجهود لم يكن، طبعا، أكبر من المجهود الذي بذل خلال حرب المائة عام بين فرنسا وإنكلترا. لم يكن التتار هم الذين أجبروا روسيا القديمة على إدخال الأسلحة النارية وعلى إنشاء وحدات مقاتلة من الستريلتسي، ولم يكن التتار هم الذين أجبروها فيما بعد على تكوين سلاح الخيالة ووحدات المدفعية، إنه ضغط ليتوانيا وبولونيا والسويد.
ونتيجة لهذا الضغط الذي مارسته الدول الأوروبية، ابتلعت الدولة بشكل فوضوي قسما كبيرا من فائض الإنتاج، أي أنها كانت تعيش على حساب الطبقات المالكة التي كانت في طور التكوين فأعاقت بذلك تطورها الذي كان بطيئا في الأصل. ولكن لم يكن هذا كل ما في الأمر. فقد انقضّت الدولة على “المنتوج الضروري” للمزارع وحرمته من سبل معيشته وأجبرته على ترك الأرض التي لم يتسن له الوقت الكافي للإستقرار فيها، فعرقلت بهذا نمو عدد السكان وتطور قوى الإنتاج. وهكذا، فبقدر ما كانت الدولة تبتلع قسما هائلا من فائض الإنتاج كانت تعرقل بذلك التمايز البطيء أصلا بين الطوائف، وبمقدار ما استولت على قسم كبير من المنتوج الضروري كانت تحطم بذلك حتى تلك الأسس الإنتاجية البدائية التي تعتمد عليها.
ولكن لكي تتمكن الدولة من البقاء ومن ممارسة وظيفتها، وعلى الأخص لكي تتمكن من الإسيلاء على الحصة التي تحتاجها من المنتوج كانت بحاجة إلى تنظيم هرمي للطوائف. لهذا، بينما كانت تنسف الأسس الإقتصادية لتطورها، كانت تسعى في الوقت ذاته إلى تطوير هذه الأسس بواسطة التدابير الحكومية، وعملت كغيرها من الدول، لتحويل تطور الطوائف لصالحها. إن مليوكوف(4)، مؤرخ الثقافة الروسية، يرى أن هذا يتناقض بشكل مع تاريخ أوروبا الغربية. غير أنه لا تناقض هنا.
إن ملكيات الطوائف في القرون الوسطى التي تحولت إلى حكم مطلق برقراطي كانت شكلا من أشكال الدولة يفرض بعض المصالح والعلاقات الإجتماعية المحددة. ولكن هذا شكل من أشكال الدولة ما أن يقوم ويتحرك حتى يكتسب مصالح خاصة به (مصالح السلالة والقصر والبرقراطية…) تتصارع ليس فقط مع مصلحة الطوائف الدنيا ولكن مع مصلحة الطوائف العاليا أيضا. إن الطوائف المسيطرة، التي كانت تشكل “جدار الوسط” الذي لا غنى عنه بين جماهير الشعب وتنظيم الدولة، تمارس ضغطا على تنظيم الدولة وتجعل من نشاطها العملي التعبير العملي عن مصالحها. وفي الوقت نفسه، كانت سلطة الدولة كقوة مستقلة، تنظر إلى مصالح الطوائف العالية من وجهة نظرها هي. فقاومت مطامحها وحاولت إخضاعها لسلطتها. إن التاريخ الفعلي للعلاقات بين الدولة والطوائف كانت تسير في خطوط متعاكسة يحددها تشابك القوى.
إن عملية مشابهة في معالمها الرئيسية حدثت في روسيا.
حاولت الدولة أن تستغل المجموعات الإقتصادية النامية لكي تخضعها لمصالحها المالية والعسكرية المحددة. والمجموعات الإقتصادية المسيطرة حاولت، خلال نموها، أن تستغل الدولة لترسخ امتيازاتها على شكل امتيازات طوائف. وفي لعبة هذه القوى الإجتماعية، كانت النتيجة لصالح سلطة الدولة بقدر أكبر مما كانت عليه في أوروبا الغربية. أن تبادل الخدمات بين سلطة الدولة والفئات الإجتماعية العليا، على حساب الجماهير العاملة، الذي ينعكس في توزيع الحقوق والواجبات والأعباء والإمتيازات، كان أقل نفعا للنبلاء والإكليروس في روسيا مما كان عليه في ملكيات الطوائف في أوروبا الغربية خلال القرون الوسطى. هذا أمر لا شك فيه. ومهما يكن من أمر، فإنه من المبالغة الكبيرة والمعاكسة لحس النسبة نقول أنه بينما الطوائف خلقت الدولة في الغرب ، كانت سلطة الدولة في روسيا هي التي خلقت الطوائف لتخدم مصالحها (كما يقول مليوكوف).
إن التدبير الحكومي والقانون لا يستطيعان خلق الطوائف. فقبل ان تتخذ هذه الفئة الاجتماعية أو تلك شكل طائفة ذات امتيازات بمساعدة سلطة الدولة، لابد لها من ان تكون قد نمت اقتصاديا بجميع ما يحمل هذا النحو من امتيازات اجتماعية. لا يمكن صنع الطوائف وفق سلم من المراتب موضوع سلفا أو وفق شرائع “جوقة الشرف”. إن سلطة الدولة تستطيع فقط أن تساعد، بجميع مواردها، العملية الإقتصادية الأولية التي تولد بنيات اقتصادية على مستوى أرفع. وكما أشرنا سابقا، فالدولة الروسية قد استهلكت حصة كبيرة نسبيا من طاقات الأمة معرقلة بذلك عملية التبلور الإجتماعي، ولكنها كانت بحاجة إلى هذه العملية لمصالحها الخاصة. إنه من الطبيعي، إذن، تحت تأثير وضغط محيطها الأوروبي الأكثر تبلورا، ذلك الضغط الذي انتقل خلال التنظيم العسكري للدولة، أن تسعى الدولة بدورها إلى دفع تطور التمايز الطبقي على أساس اقتصادي بدائي. وإلى جانب ذلك، فإزاء الحاجة إلى الدفع ذاتها، التي يقتضيها ضعف التكوينات الإجتماعية-الإقتصادية، كان من الطبيعي أن تحاول الدولة بوصفها حارسا، أن تستعمل سلطاتها الجبارة لتوجه تطور الطبقات العليا ذاته وفق مصالحها. ولكن في طريقها إلى تحقيق نجاح كبير في هذا الإتجاه، وجدت الدولة نفسها أولا مكبلة بضعفها وبالطابع البدائي لتنظيمها، الذي يعود إلى بدائية البنيان الإجتماعي.
وهكذا، فالدولة الروسية، التي تقوم على أساس الظروف الإقتصادية الروسية، كانت مدفوعة بضغط أخوي، أو عدائي في معظم الأحيان، من تنظيمات الدولة في البلدان المجاورة القائمة على أساس اقتصادي أكثر تطورا. وابتداء من وقت معين، وخاصة من نهاية القرن السابع عشر، بذلت الدولة أقصى جهدها لتعجيل النمو الإقتصادي الطبيعي في البلد. فألصقت فروعا جديدة من حرف، وآلية، ومصانع وصناعة كبيرة ورأس مال بشكل مصطنع على الجدع الإقتصادي الطبيعي. فبدأ وكأن الرأسمالية هي ابنة الدولة.
انطلاقا من هذا الموقف يمكننا القول إن جميع العلوم الروسية هي من إفتعال المجهود الحكومي، وأنها كلها تطعيم مزيف على الجدع الطبيعي للجهل الوطني(5).
إن الفكر الروسي، كالفكر الإقتصادي الروسي مثلا، قد نما في ظل تأثير مباشر مارسته عليه العلوم الإقتصادية الأكثر تطورا ورقيا في الغرب. ولأن العلاقات مع البلدان الأخرى اتخذت طابع العلاقات مع الدولة، بسبب طابع الإقتصاد-الطبيعي الذي يطغى على الظروف الإقتصادية، أي النمو البطيء للتجارة الخارجية، اتخذ تأثير هذه البلدان شكل صراع عنيف للإبقاء على الدولة قبل أن يتخذ شكل التنافس الإقتصادي المباشر. إن الإقتصاد الغربي أثر على الإقتصاد الروسي بواسطة الدولة. ولكي تتمكن من البقاء على قيد الحياة في وسط بلدان معادية تفوقها سلاحا، اضطرت روسيا إلى أن تنشئ المصانع والكليات البحرية وأن تنشر الكتب المدرسية حول التحصين إلى آخره. ولكن لو لم تكن المسيرة العامة للاقتصاد الداخلي لهذا البلد الكبير لتسير في هذا الإتجاه نفسه، ولو أن تطور الأوضاع الإقتصادية لم يخلق الحاجة إلى العلم العام والتطبيقي، لكانت جميع مجهودات الدولة ذهبت هباء. فالاقتصاد الوطني، الذي كان طبعا يتطور من الإقتصاد الطبيعي إلى الإقتصاد المالي-البضاعي، كان يستجيب فقط لتلك الإجراءات الحكومية التي تلائم تطوره وفقط إلى مدى ما تتلاءم مع هذا التطور. إن تاريخ الصناعة الروسية ونظام روسيا المالي والتسليف الحكومي هي أفضل قرائن لدَعم هذا الرأي.
يقول البروفيسور فيديلاييف:
“إن غالبية فروع الصناعة(صناعة المعادن والسكر والنفط والتقطير وحتى صناعة النسيج) قد ولدت نتيجة التأثير المباشر للتدابير الحكومية، وفي بعض الأحيان حتى بمساعدة التعويضات الحكومية، خاصة لأن الحكومة كانت تتبع دوما سياسة الحماية بشكل واع. فخلال حكم القيصر الكسندر، أدرجت الحكومة هذه السياسة صراحة في برنامجها… إن الأوساط الحكومية العليا، التي وافقت كليا على تطبيق مبادئ الحماية في روسيا، قد برهنت على أنها أكثر تقدما من طبقاتنا المثقفة جميعها”.
(د. منديلاييف: نحو معرفة روسيا، سان بطرسبرغ –1906- ص84).
إن هذا المداحة المفوّة للحماية الصناعية ينسى أن يضيف أن سياسة الحكومة لم يكن يمليها أي اهتمام بتطوير القوى الصناعية، وإنما تمليها فقط الإعتبارات المالية، والإعتبارات العسكرية التقنية بشكل جزئي. لهذا السبب، كانت سياسة الحماية تتعرض ليس فقط مع المصالح الأساسية للإنماء الصناعي بل مع المصالح الخاصة لمجموعات رجال الأعمال المختلفة. وهكذا فقط أعلن أصحاب محالج القطن جهارا أن “الضرائب المرتفعة على القطن يجري الإحتفاظ بها ليس لغاية تشجيع زراعة القطن وإنما من أجل مصالح ضرائبية ليس إلا”. ومثلما كانت الحكومة في اتباعها سياسة “خلق” الطوائف تحقق أهداف الدولة، كذلك كان همها الأساسي في “زرع” التصنيع هو خدمة متطلبات خزينة الدولة. ولا شك في أن الحكم الفردي قد لعب دورا ليس صغيرا في نقل نظام المصانع الإنتاجي إلى الأرض الروسية.
عندما بدأ المجتمع البرجوازي النامي يشعر بحاجة إلى المؤسسات السياسية في الغرب أثبت الحكم المطلق على أنه مسلح بجبروت الدول الأوروبية المادي. فقد كان يعتمد على آلة برقراطية مركزية لا تفقد بشيء في إنشاء علاقات جديدة، ولكنها بارعة في توليد زخم كبير لتنفيذ حملات قمع منتظمة. فحل التلغراف مشكلة المساحات الشاسعة في البلد الأمر الذي منح الإدارة شعورا بالثقة بالعمل الذي تقوم به وأضفى على إجراءاتها السرعة والإنسجام النسبي (في قضية حملات القمع). وقد فتحت سكة الحديد إمكانية نقل القوات العسكرية بسرعة من طرف البلد إلى الطرف الآخر. إن حكومات ما قبل الحقبة الثورية في أوروبا لم تكن تعرف سكك الحديد أو التلغراف. كان الجيش الموضوع تحت تصرف الحكم المطلق جبارا، وإذا كان قد أثبت عن فشله في امتحانات جديدة كالحرب اليابانية، فقد بقي فعالا لتحقيق السيطرة الداخلية. ليس فقط حكومة فرنسا قبل الثورة العظمى ولكن حكومتها عام 1848 لم تكن تملك جيشا كالذي تملكه روسيا الآن.
بينما الحكومة تستغل البلد إلى أبعد حد بواسطة آلتها الضرائبية الأمريكية والعسكرية استطاعت أن ترفع موازنتها السنوية إلى رقم ضخم يبلغ ملياري روبل. باستنادها إلى جيشها وموازناتها. حول الحكم الفردي البورصة الأوروبية إلى خزينة له. هكذا أصبح دافع الضرائب الروسي رافدا تافها لهذه البورصة الأوروبية.
وهكذا، في الفترة بين 1880 و1890 تصدرت الحكومة الروسية للعالم بوصفها منظمة عسكرية – برقراطية وأميرية – مالية جبارة لا تقهر.
إن جبروت الملكية المطلقة المالي والعسكري لم يقتحم وعي البرجوازية الأوروبية فحسب بل الليبرالية الروسية كذلك ففقدت هذه ايمانها بإمكان امتحان حظها في مبارزة علنية مع الحكم المطلق. فبدأ وكأن جبروت الحكم المطلق العسكري والمالي قد قضى على أي فرصة لقيام الثورة الروسية.
ولكن، تأكد في الواقع أن العكس صحيح.
فكلما قويت مركزية الحكومة وازدادت استقلالا عن المجتمع، كلما اقتربت من أن تغدو منظمة أوتقراطية تقف فوق المجتمع. وكلما عظمت قواها المالية والعسكرية كلما طال نضالها من أجل البقاء وتضاعفت إمكانات نجاحه. إن الدولة المركزية بموازنتها التي تبلغ ملياري روبل ودينها الذي يبلغ ثمانية مليارات روبل وجيشها الذي يبلغ بضعة ملايين من الرجال تحت السلاح، تستطيع أن تستمر في البقاء بعد أن تكون قد توقفت عن تلبية الحاجات الأولية للنمو الإجتماعي – ليس مجرد حاجات الإدارة الداخلية ولكن حتى مقتضيات الحماية العسكرية الذي تكونت هذه الدولة في الأصل لتوفيرها.
وكلما طال هذا الوضع، كلما قوي التناقض بين الحاجة إلى الإنماء الإقتصادي والثقافي وبين سياسة الحكومة الذي تكون قد ولّدت طاقاتها “المتعددة الاتجاهات”. وبعد انقضاء حقبة “الترقيعات الإصلاحية الكبيرة”، التي لم تتمكن من حل التناقضات بل على العكس أبرزتها لأول مرة بشكل صارخ، أصبح من الصعب جدا ومن المستحيل نفسيا أن تسلك الحكومة باختيارها طريق البرلمانية. فكان المخرج الوحيد من هذه التناقضات، كما يشير وضعها للمجتمع، هو في تجميع القدر الكافي من البخار في مرجل الحكم المطلق حتى ينفجر.
وهكذا، فإن قوى الحكم المطلق الإدارية والعسكرية والمالية، الذي يستطيع بفضلها أن يبقى بالرغم من التطور الإجتماعي، لم تستبعد إمكانية قيام الثورة كما هو رأي الليبراليين فحسب، بل على العكس جعلت من الثورة المخرج الوحيد. وعلاوة عن ذلك، فقد أمنت للثورة سلفا طابعا جذريا كل الجذرية بقدر ما يخلق الحكم المطلق، بجبروته، هوة بينه وبين الأمة. من حق الماركسية الروسية أن تكون فخورة لكونها المذهب الوحيد الذي فسّر اتجاه هذا التطور وتكهن بأشكاله العامة(6) في حين كان الليبراليون يحشون عقولهم بأكثر أنواع “التجريبية” مثالية، و”الشعبيون” الثوريون يعيشون على البدع المستحيلة وعلى الإيمان بالعجائب.
إن التطور الإجتماعي السابق بمجمله قد جعل الثورة حتمية. إذن فماذا كانت قوى هذه الثورة ؟
الفصل الثاني: المدن ورأس المال
إن روسيا المدن من صنع التاريخ الحديث، وبشكل أدق أنها من صنع بضعة العقود الأخيرة من الزمن. ففي نهاية عهد بطرس الأول، في الربع الأول من القرن الثامن عشر كان عدد سكان المدن لا يزيد كثيرا عن 328.000 أي 3% من مجموع عدد سكان البلد. وفي نهاية القرن نفسه، بلغ 1.301.000 أي ما يقارب 4.1% من مجموع عدد السكان. وبمجيء عام 1812، كان عدد سكان المدن قد بلغ 1.653.000 أي ما يعادل 4.4% من المجموع. وفي منتصف القرن التاسع عشر لم يكن يزيد عن 3.482.000 أي 7.8% من المجموع. وأخيرا يذكر الإحصاء الأخير (عام 1897) أن عدد سكان المدن يبلغ 16.289.000 أي ما يقارب 13% من مجموع السكان(1).
إذا اعتبرنا أن المدينة تشكيلة اجتماعية-اقتصادية وليست مجرد وحدة إدارية، كان لا بد لنا من الإقرار بأن الأرقام المذكورة أعلاه لا تعطي صورة واضحة عن تطور المدن: فقد منحت الدولة الروسية في تاريخها براءات لمدن أو سحبتها منها لأغراض بعيدة كل البعد عن الهدف العلمي. وبالرغم من ذلك، فإن هذه الأرقام تبين بشكل واضح عدم أهمية المدن في روسيا قبل “عهد الإصلاح” وانتفاضها المرضي السريع خلال العقد الأخير. ويقدر ميخايلوفسكي أن ازدياد عدد السكان في المدن ما بين عام 1885 وعام 1887 كان بنسبة 33.8%، أي بما يزيد عن ضعف نسبة زيادة عدد سكان روسيا ككل (15.25%)، وبما يقارب ثلاثة أضعاف نسبة زيادة عدد سكان الريف (12.7%) وإذا أضفنا إلى هذا كله القرى الصناعية والقرى الصغيرة، يتجلى النمو السريع لسكان المدن (أي سكان المناطق غير الزراعية) بوضوح تام.
إلا أن مدن روسيا الحديثة لا تختلف عن المدن القديمة بعدد سكانها فحسب، ولكن في طبيعتها الإجتماعية أيضا: إنها مراكز الحياة التجارية والصناعية. إن غالبية مدننا القديمة كانت بالكاد تلعب دورا اقتصاديا لأنها كانت مراكز إدارية أو قلاعا عسكرية يعمل سكانها في مختلف وظائف الدولة ويعيشون على حساب بيت المال، وكانت بشكل عام مركزا إداريا أو عسكريا أو مركزا لجباية الضرائب.
وعندما كان الأهالي من غير الموظفين يستقرون في مشارف المدينة أو في ضواحيها لحمايتها من الأعداء، لم يعقهم ذلك عن الاستمرار بأعمالهم الزراعية السابقة. وحتى موسكو، أكبر مدينة في روسيا القديمة لم تكن، على حد تعبير مليوكوف، سوى “عزبة ملكية يرتبط قسم هام من سكانها بالقصر، بشكل أو بآخر، إما كأعضاء في الحاشية وإما كحرس أو خدم. ويقول إحصاء عام 1701 أنه من بين 16.000 عائلة كانت تسكنها، كان هنالك 7000 عائلة (44%) من المستوطنين أو الحرفيين وحتى هذه العوائل كانت تسكن الضواحي التابعة للدولة وتعمل لحساب القصر. أما الـ 9000 عائلة الأخرى، فكان 1500 عائلة منها من الكهنة والبقية من الطبقة الحاكمة”. وهكذا، فالمدن الروسية، شأنها شأن المدن تحت الحكم الآسيوي المطلق، وعلى عكس المدن الحرفية والتجارية في أوروبا إبان القرون الوسطى، كانت تلعب دور المستهلك ليس إلا. وفي الفترة ذاتها، نجحت مدن الغرب في أن تفرض مبدأ عدم السماح للحرفي بالسكن في القرية، إلاّ أن مدن روسيا لم تسعَ مطلقا نحو مثل هذه الأهداف. أين، إذن –كانت المانيفاتورة ؟ وأين كانت الحرف ؟ لقد كانت في الريف ملحقة بالزراعة.
إن المستوى الإقتصادي المنخفض ومصاريف الدولة الباهظة كانا عقبة أمام أي تراكم للثروة أو تقسيم اجتماعي للعمل. وكان الصيف القصير، إذا ما قيس بالصيف في الغرب، يفسح المجال أمام فترة أطول من الراحة الشتوية. بسبب هذه العوامل، لم تنفصل صناعة المانيفاتورة عن الزراعة ولم تتجمع في المدن ولكنها بقيت في الريف كوظيفة فرعية بالنسبة للزراعة. وعندما بدأت الصناعة الرأسمالية تتسع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لم تكن الحرف في المدن عقبات في طريقها ولكن الحرف القروية إلى حد بعيد. ويقول مليوكوف: “مقابل ما لا يزيد عن مليون ونصف المليون من العمال الصناعيين في روسيا، يوجد ما لا يقل عن أربعة ملايين فلاح يشتغلون بصناعات منزلية في قراهم بينما يواصلون أشغالهم الزراعية في الوقت نفسه. هذه هي الطبقة ذاتها… التي قامت عليها المصانع الأوروبية، إلاّ أنها لم تساهم بأي شكل من الأشكال… في تشييد مصانع روسيا”.
وطبعا، أدى تزايد عدد السكان فيما بعد وارتفاع إنتاجيتهم إلى خلق قاعدة يقوم عليها التقسيم الإجتماعي للعمل. وكان طبيعياً أن يسري ذلك على الحرف في المدن أيضا. وكنتيجة للضغط الإقتصادي الذي تمارسه البلدان المتقدمة، استولت الصناعة الرأسمالية الكبيرة على القاعدة بحيث لم تجد الحرف في المدن الوقت الكافي لكي تنمو وتتطور.
كانت الملايين الأربعة من الحرفيين هي العنصر ذاته الذي شكل في أوروبا نواة سكان المدن الذين دخلوا “التعاونيات الحرفية” كمعلمين أو مياومين ثم وجدوا أنفسهم بالتالي يطردون خارج هذه التعاونيات الحرفية شيئا فشيئا. وطبقة الحرفيين ذاتها هي الطبقة التي كانت تشكل غالبية سكان أكثر أحياء باريس ثورية إبان الثورة الفرنسية العظمى. إن هذه الحقيقة وحدها – عدم أهمية الحرف في المدن الروسية – كان لها تأثير هام على ثورتنا(2).
إن السمة الإقتصادية الرئيسية للمدينة الحديثة هي أنها تستعمل المواد الخام التي تأتي من الريف. لذا كانت المواصلات ذات أهمية مصيرية بالنسبة لها. إن إنشاء الخط الحديدي فقط هو الذي يوسع مصادر تموين المدن بحيث يجعل من الممكن تجمع جماهير غفيرة من الناس فيها. وقد نتجت الضرورة لتجميع السكان عن نمو الصناعة الكبيرة. إن نواة السكان في المدينة الحديثة، على الأقل في المدينة لها بعض الأهمية الإقتصادية والسياسية، هي طبقة العمال المأجورين التي تتميز بوضوح عن سائر الطبقات. إن هذه الطبقة، التي لم تكن متبلورة خلال الثورة الفرنسية العظمى، هي الطبقة المؤهلة للعب الدور الحاسم في ثورتنا.
إن النظام الصناعي لا يدفع البروليتاريا إلى الصفوف الأمامية فحسب، بل يعزل الديموقراطية البرجوازية أيضا. ففي ثورات سابقة اعتمدت هذه الأخيرة على البرجوازية الصغيرة في المدن من حرفيين وأصحاب حوانيت صغار إلى آخره.
إن سببا آخر للدور السياسي الكبير الذي تلعبه البروليتاريا الروسية مما لا يتناسب مع حجمها، هو كون رأس المال الروسي ذا أصل أجنبي في معظمه. يقول كاوتسكي أن هذا السبب قد أدى إلى زيادة عدد أفراد البروليتاريا وإلى مضاعفة قوتها وتأثيرها بسرعة تفوق سرعة نمو البرجوازية الليبرالية.
وكما قلنا سابقا، فإن الرأسمالية في روسيا لم تنبثق عن نظام الحرف. فقد اجتاحت روسيا حاملة ثقافة أوروبا الإقتصادية كلها وراءها لا يقف لينافسها غير حرفي القرية الذي لا حول له ولا قوة، أو حرفي المدينة البائس، وكان الفلاحون المفقرون المستودع الذي يمدها بطاقات العمل. ولقد ساهم الحكم المطلق بطرق شتى بتكبيل البلد بقيود الرأسمالية.
ففي الدرجة الأولى، حول الحكم المطلق الفلاح الروسي إلى رافد من روافد البورصات في العالم. إن افتقار البلد لرأس المال وحاجة الحكومة الدائمة إليه خلقا أرضا خصبة للقروض الأجنبية المرابية. منذ أيام حكم كاترينا الثانية حتى وزارة “ويتي” و”دورنوفو”، كان أصحاب المصارف في أمستردام ولندن وبرلين وباريس يسعون بدأب إلى تحويل الحكم الفردي إلى مجازفة ضخمة من مجازفات البورصة. فلم يكن بالإمكان التمييز بين ما يسمى بالقروض الداخلية، أي قروض مؤسسات التسليف الوطنية، وبين القروض الأجنبية لأنها كانت جميعا بين أيدي الرأسماليين الأجانب. إن الحكم المطلق، بإفقاره الفلاحين وتحويلهم إلى بروليتاريا تحت وطأة الضرائب المرتفعة، كان يصرف الملايين التي تأتيه من بورصات العالم على إنشاء الجيوش والبارجات الحربية وعلى بناء السجون وخطوط السكك الحديدية. فكان القسم الأكبر من هذه المصاريف غير منتج البتة من الناحية الإقتصادية. وكان قسم كبير من الدخول القومي يرسل إلى الخارج على شكل فائدة تزيد في ثراء الأرستقراطية المالية في أوروبا وتقويها. إلاّ أن البرجوازية المالية في أوروبا، التي ازداد نفوذها السياسي بشكل مضطرد في الدول البرلمانية خلال العشر سنوات الأخيرة والتي أبعدت الرأسماليين الصناعيين إلى الصفوف الأخيرة، إن هذه البرجوازية حولت الحكومة القيصرية إلى ذيل لها فعلا، بيد أنها لم تصبح جزءا من المعارضة البرجوازية داخل روسيا ولا هي حاولت أن تكونه. ففي عطفها أو كرهها، كانت تسير على هدى المبادئ التي صاغها أصحاب المصاريف الهولنديون “هوب وشركاه” في شروط القرض الذي قدموه للقيصر بول عام 1798، إذ قالوا: “تدفع الفائدة مهما تكن الظروف السياسية” كان للبورصة الأوروبية مصلحة مباشرة في الإبقاء على الحكم المطلق لأن ما من حكومة أخرى تضمن لها مصالحها المرابية. غير أن قروض الدولة لم تكن الوسيلة الوحيدة التي تسلل من خلالها رأس المال الأوروبي إلى روسيا. إن المال ذاته، الذي كان يستنفد دفعه قسما هاما من موازنة الدولة الروسية، كان يعود إلى روسيا على شكل رأس مال تجاري وصناعي تجذبه ثروة البلد الطبيعية غير المستثمرة خاصة قوة العمل غير المنظمة والتي لم تكن في ذلك الحين قد اعتادت على المقاومة. لذلك كانت الفترة الأخيرة من البحبوحة الصناعية التي عمت روسيا بين 1893 وعام 1899 أيضا فترة هجرة مكثفة لرأس المال الأوروبي. وهكذا فإن رأس المال الذي بقي، مثل ذي قبل، أوروبيا إلى حد بعيد والذي اكتسب قوته السياسية في برلمانات فرنسا وبلجيكا، هو رأس المال الذي كتّل الطبقة العاملة الروسية.
وبعد أن وضع رأس المال الأوروبي هذا البلد المتخلف في قيود العبودية الإقتصادية، لجأ إلى تقسيم فروع إنتاجه الرئيسية وطرق مواصلاته على سلسلة كاملة من المراحل التقنية والاقتصادية الوسيطة كالتي اضطر إلى المرور فيها في بلاده الأصلية. ولكنه بتضاؤل عدد الحواجز التي واجهها في طريق سيطرته الإقتصادية، تقلص الدور الذي لعبه على الصعيد السياسي.
انبثقت البرجوازية الأوروبية من “الطائفة الدنيا” Third estate في القرون الوسطى. وقد رفعت مستوى الإحتجاج على القرصنة والعنف اللذين تمارسهما الطبقتان الأخريان باسم مصالح الشعب الذي كانت تطمح هي إلى استغلاله. اعتمدت أنظمة الحكم الملكية – الطبقية في القرون الوسطى، خلال عملية تحويل نفسها إلى أنظمة برقراطية مطلقة، على سكان المدن في صراعها ضد ادعاءات الكهنة والنبلاء. ولقد استغلت البرجوازية هذا الصراع لأجل تقوية مركزها السياسي. وهكذا، فقد نما الحكم البرقراطي المطلق والطبقة الرأسمالية في آن واحد؛ وعندما تصارعا عام 1789، برهنت البرجوازية على أنها تحظى بتأييد الأمة بأسرها.
أما في روسيا، فقد نما الحكم المطلق في ظل الضغط المباشر الذي مارسته الدول الغربية. فنقل عنها أساليب حكمها وأشكال إدارتها قبل أن تسمح الظروف الإقتصادية بنشوء برجوازية رأسمالية. فكان هذا الحكم المطلق يملك تحت تصرفه جيشا نظاميا كبيرا وآلة برقراطية ومالية ضخمة. وكان قد استدان مبالغ طائلة من أصحاب المصارف في أوروبا في زمن كانت مدن روسيا ما تزال على هامش الحياة الإقتصادية.
وقد تسلل رأس المال من الغرب بمساعدة الحكم المطلق المباشرة، وحول عددا من المدن القديمة إلى مراكز تجارية وصناعية، إلى درجة أنه أنشأ، خلال فترة وجيزة من الزمن، مدنا تجارية وصناعية في أماكن لم تكن مأهولة من قبل. وقد ظهر رأس المال هذا في كثير من الأحيان على شكل شركات مساهمة كبيرة. وخلال فترة السنوات العشر من البحبوحة الصناعية بين 1893 و1902، ازدادت قيمة رأس المال المساهم بمليوني روبل، بينما كانت قد ازدادت في الفترة بين عام 1854 وعام 1892 بمبلغ 900.000 روبل فقط. فوجدت البروليتاريا نفسها فجأة وقد تجمعت في جماهير غفيرة لا تفصلها عن الحكم المطلق سوى طبقة برجوازية رأسمالية قليلة العدد، معزولة عن “الشعب” نصفها أجنبي، وتفتقر إلى التقاليد التاريخية، يدفعها محرّك واحد هو شهوة الربح.
الفصل الثالث: 1789- 1848- 1905
التاريخ لا يعيد نفسه. ومهما بالغنا في تشبيه الثورة الروسية بالثورة الفرنسية العظمى، لا يمكن تحويل الثورة الأولى إلى تكرار الثورة الثانية. إن القرن التاسع عشر لم يمرّ بدون سبب.
إن عام 1848 يختلف كثيراً عن عام 1789. وعند مقارنة الثورتين البروسية والنمساوية بالثورة الفرنسية العظمى، نتفاجأ بكونهما مرتا مرورا عابرا. فمن جهة حدثت هاتان الثورتان قبل أوانهما، ومن جهة أخرى حدثتا بعد فوات الأوان. إن ذلك المجهود الجبار الذي يحتاجه المجتمع البرجوازي ليصفي حساباته بشكل جذري مع أسياد الأمس يتوفر إما بقوة الأمة بأسرها عندما تنتفض ضد تحكم الإقطاع، وإما بتبلور صراع طبقي عنيف داخل هذه الأمة السائرة في طريق التحرر. ففي الحالة الأولى، كما حدث بين 1789- 1793، استنفدت كل الحيوية الوطنية، التي ضغطتها مقاومة النظام القديم لها، خلال الصراع ضد الرجعية. أما في الحالة الثانية، التي لم تحدث بعد في التاريخ والتي نعالجها هنا بوصفها احتمالا ليس إلا، فإن الحيوية الفعلية المطلوبة لقهر قوى التاريخ المظلمة تولدها داخل الأمة البرجوازية حرب طبقية “تزرع الدمار في كلا الجهتين”. إن الصراع الداخلي العنيف، الذي يمتص القدر الأكبر من حيوية البرجوازية ويحرمها من لعب الدور الرئيسي، يدفع نقيضها –البروليتاريا – إلى المقدمة ويلخص لها تجربة عشرة أعوام بشهر واحد ويوليها القيادة ويسلمها زمام الحكم. هذه الطبقة المصمّمة التي لا تعرف التردد تغير مجرى الأحداث تغييرا كاملا.
يمكن تحقيق الثورة إما عندما تكون الأمة قد جمعت نفسها متحفزة للانقضاض كالأسد، وإما عندما تنقسم الأمة على بعضها انقساما نهائيا خلال الصراع، مخولة بذلك أفضل فئة فيها لتنفيذ المهام التي فشلت الأمة في تنفيذها. هاتان هما المجموعتان المتعارضتان من الشروط التاريخية اللتان تتعارضان منطقيا فقط بشكلهما النقي.
والطريق الوسط بينهما، كما في حالات عديدة، هو أسوأ الطرق؛ ولكن هذا الطريق الوسط هو الذي ظهر عام 1848.
في الحقبة البطولية من التاريخ الفرنسي، نجد طبقة برجوازية متنورة ونشيطة لم تع بعد تناقضات وضعها ألقى التاريخ على عاتقها بمهمة قيادة النضال من أجل تحقيق نظام جديد ليس ضد مؤسسات فرنسا البالية فحسب ولكن ضد القوى الرجعية في أوروبا أيضا. وكانت البرجوازية دائما، وبجميع فصائلها، تعتبر نفسها قائدة الأمة فكانت تعبئ الجماهير للنضال وتطرح لها الشعارات وتملي عليها خطط الصراع التكتيكية. فصهرت الديموقراطية الأمة بعضها ببعض بواسطة إيديولوجية سياسية. وكان الشعب – البرجوازية الصغيرة في المدن، الفلاحون والعمال – ينتخب البرجوازيين نوابا عنه، وكانت التوصيات التي يقدمها الناخبون إلى هؤلاء النواب مكتوبة بلغة البرجوازية التي أخذت تعي مهمتها الرسلية. وخلال الثورة، وبالرغم من بروز التناقضات الطبقية، كانت القوة الدافعة للنضال الثوري تقذف باستمرار بالعناصر الأكثر محافظة من البرجوازية خارج الطريق السياسي. ولم تقذف فئة خارجا إلا بعد أن تكون قد حوّلت طاقتها إلى الفئة التي خلفتها. فاستمرت الأمة ككل، إذن، في النضال من أجل أهدافها بأساليب أعنف وأكثر تصميما. وعندما انفصلت الفئات العليا من البرجوازية من البورجوازيةالثرية من المجموعة القوميةالتي كانت اخدة بالتحرك ، وتحالفت مع لويس السادس عشر، أصبحت مطالب الأمة الديمقراطية موجهة ضد البورجوازية الأمر الذي أدّى إلى اكتساب حق الانتخاب للجميع وقيام الجمهورية بوصفها الشكل المنطقي والحتمي للديموقراطية.
كانت الثورة الفرنسية العظمى بالتأكيد ثورة قومية. وما هو أكثر من ذلك، وجد نضال البرجوازية الدولي من أجل السيطرة والقوة والانفراد بالنصر التعبير التقليدي عنه ضمن الإطار القومي.
لقد غدت اليعقوبية كلمة لوم على شفاه جميع المتحذلقين الليبراليين. إن حقد البرجوازية على الثورة والجماهير وعلى قوة وعظمة التاريخ الذي يصنع في الشارع قد تجمع كله في صرخة استنكار وهلع واحدة: اليعقوبية ! نحن، جيش البروليتاريا العالمي، قمنا بعملية تصفية حسابات تاريخية مع اليعقوبية منذ زمن طويل. إن كل الحركة البروليتارية العالمية المعاصرة قد تكونت وقويت من خلال النضال ضد تقاليد اليعقوبية. لقد تعرضنا لنظرياتها بالنقد، وفضحنا لفظتها ورفضنا تقاليدها التي كانت تعتبر، خلال عقود من الزمن، إرثا ثوريا مقدسا.
إلا أننا ندافع عن اليعقوبية ضد الليبرالية المريضة المتقاعسة وضد تجريحها وشتائمها السافلة. لقد خانت البرجوازية بشكل مخز جميع تقاليد شبابها التاريخي ويقوم عملائها الحاليون بتلويث قبور أسلافها. يهزأون من رماد المثل التي دافع هؤلاء عنها. إن البروليتاريا قد أخذت على عاتقها أن تحمي شرف ماضي البرجوازية الثوري. إن البروليتاريا، مهما بلغ عمق انفصالها العملي عن تقاليد البرجوازية الثورية، سوف تحافظ عليها كإرث مقدس من العواطف النبيلة والبطولة والإقدام وقلبها يخفق بعطف على خطب وأعمال “المؤتمر اليعقوبي”.
ما هو الذي أضفى على الليبرالية جاذبيتها إن لم يكن تقاليد الثورة الفرنسية العظمى ؟ وفي أي فترة أخرى ارتفعت الديموقراطية البرجوازية إلى ذلك الشأن وأضرمت شعلة بهذا الإتقاد في قلوب الشعب كما فعلت خلال مرحلة الديموقراطية اليعقوبية الإرهابية بقيادة روبسبيير و”المعدمين”(1) (les sans culottes) عام 1793 ؟
مَن غير اليعقوبية مكّن الراديكالية الفرنسية وما زال يمكنها، على مختلف اتجاهاتها، من أن تبقى على غالبية الشعب الساحقة، بما فيها البروليتاريا، تحت نفوذها في زمن ختمت فيه البرجوازية الراديكالية في ألمانيا والنمسا تاريخها القصير بالأعمال الوضيعة والعار ؟
وأي شيء غير سحق اليعقوبية، بأيديولوجيتها السياسية المجردة وبطقس “الجمهورية المقدسة” وببياناتها المظفرة، ما يزال في يومنا هذا تغذي الراديكاليين والراديكاليين-الإشتراكيين في فرنسا أمثال كليمنصو وميلران وبورجوا وغيرهم من السياسيين الذين يعرفون كيف يدافعون عن مرتكزات المجتمع البرجوازي بطريقة ليس بأسوأ من الطريقة التي كان يتبعها “اليونكر” خلال عهد وليام الثاني الحاكم بنعمة الله ؟ إن الديموقراطيين البرجوازيين في البلدان الأخرى ينظرون إليهم بعين الحسد ولكنهم من ذلك ينهمرون بالشتائم على اليعقوبية البطلة التي كانت مصدر مركزهم هذا.
حتى بعد أن تحطمت الآمال العديدة ظلت اليعقوبية تقليدا في ذاكرة الشعب. ولمدة طويلة ظلت البروليتاريا تتكلم عن مستقبلها بلغة الأمس. ففي عام 1840 أي بعد نيف ونصف قرن على قيام حكومة “الجبل”، وقبل أيام يونيو 1848 بمثابة أعوام زار “هاين”(2) عدة معامل في “فوبرسان-مارسو” ليطلع على ماذا يقرأه العمال “اسلم قطاع من قطاعات الطبقات الدنيا”. فكتب في جريدة ألمانية يقول: “وجدت هناك عدة خطب جديدة لروبيسبيير العجوز وكذلك منشورات لمارا صادرة في طبعات تباع النسخة منها بقرشين، ووجدت كتاب كابيه، تاريخ الثورة وبعض أهاجي كارمينين القاتلة وجميع مؤلفات بيوناروتي وأخيرا كتاب تعاليم بابوف ومؤامراته، كلها مؤلفات ترشح بالدم…” ويتنبأ الشاعر: ” بأن إحدى ثمار هذه البذرة سيكون عاجلا أم آجلا خطر قيام جمهورية في فرنسا”.
في عام 1848 كانت البرجوازية قد أثبتت عن عجزها عن لعب دور ذي قيمة. فهي لم تحاول ولم تتمكن من تصفية النظام الإجتماعي الذي يعترض طريقها إلى الحكم تصفية ثورية. إننا نعرف الآن لماذا كان الأمر كذلك. كان هدفها أن تدخل إلى النظام القديم الضمانات الضرورية ليس لتحقيق سيطرتها السياسية وإنما لمجرد أن تتقاسم السلطة مع قوى الأمس. وكانت تعي هذا الهدف الوعي التام. فكانت تلك مسلكية حقيرة تخللت تجربة البرجوازية الفرنسية الفاسدة بسبب خياناتها والخائفة بسبب فشلها. فهي لم تفشل في قيادة الجماهير لتقويض النظام القديم فحسب، ولكنها دعمت أيضا هذا النظام لكي تمنع الجماهير الملحاحة من التقدم.
لقد نجحت البرجوازية الفرنسية في أن تفجر ثورتها العظيمة. فكان وعيها هو وعي المجتمع، ولم يكن بالإمكان لأي شيء أن يتحول إلى مؤسسة إلا بعد أن يمر في وعيها على شكل هدف، على شكل مشكلة خلق سياسي. وغالبا ما لجأت إلى الوقفات المسرحية لكي تخفي عن نفسها ضيق حدود عالمها البرجوازي، ولكنها كانت تسير إلى الأمام.
وعلى العكس من ذلك، فالبرجوازية الألمانية لم تصنع “الثورة” بادئ بدء بل تبرأت منها. لقد تمرّد وعيها على الظروف الموضوعية التي تؤهل لها السيطرة. فلم يكن بالإمكان تحقيق الثورة بواسطتها وإنما ضدها. فعوضا عن أن تبدو المؤسسات الديموقراطية لها هدفا تناضل من أجله بدت خطرا يهدد مصالحها.
في عام 1848، ظهرت الحاجة إلى طبقة تستطيع أن تتولى الأمور بمعزل عن البرجوازية وبالرغم عنها، طبقة لا تكون مستعدة لدفع البرجوازية إلى الأمام بواسطة ضغطها فحسب ولكنها ترمي إلى التخلص من جثة البرجوازية السياسية عندما يحين الأوان. ولم يكن بإمكان البرجوازية الصغيرة في المدن ولا الفلاحون أن يحققوا ذلك.
فقد كانت البرجوازية الصغيرة في المدن معادية ليس فقط للأمس، ولكن للغد كذلك. لكونها مازالت مرتبطة بالعلاقات المتبقية من القرون الوسطى ولكنها عاجزة عن الصمود في وجه “الصناعة الحرة”، ولكونها ما تزال تؤثر على المدن ولكنها تخلي الطريق أمام البرجوازية المتوسطة والكبيرة، ولكونها مفرقة في حساسياتها يصم آذانها ضجيج الأحداث، ولكونها مستغَلة ومستغِلة، جشعة ومستسلمة في جشعها ظلت البرجوازية الصغيرة في ورطتها. فلم تتمكن من السيطرة على أحداث الساعة العاصفة.
أما الفلاحون فقد كانوا أكثر حرمانا من المبادرة السياسية المستقلة. ولكونهم مستعبدين خلال قرون من الزمن ومدقعي الفقر وغاضبين يجمون جميع خيوط الإستغلال قديمه وحديثه كان الفلاحون في فترة معينة مصدرا غنيا من مصادر الطاقة الثورية، ولكن لكونهم بدون تنظيم ولكونهم مبعثرين ومعزولين عن المدن، عصب الحياة السياسية والثقافية، ولكونهم أغبياء ومحصورين في آفاقهم ضمن حدود قراهم، وغير مبالين بكل ما تفكر به المدينة، لم يكن باستطاعة الفلاحين أن يكون لهم أية قيمة كقوة قائدة. فاستكان الفلاحون في اللحظة التي رفع فيها عبء الفرائض الإقطاعية عن أكتافهم، وردوا على فضل المدن عليهم بنضالها من أجل حقوقهم بنكران الجميل.
كان المثقفون الديموقراطيون يفتقرون إلى القوة الطبقية. فحينا تتبع هذه الفئة شقيقتها الكبرى – البرجوازية الليبرالية – فتغدوا ذيلا سياسيا لها وطورا تتخلى عن البرجوازية الليبرالية في اللحظة الحاسمة فتكشف عن ضعفها. لقد أورطت نفسها في تناقضات لا تحل وحملت هذه الورطة معها أينما ذهبت.
أما البروليتاريا فقد كانت جد ضعيفة تفتقر إلى التنظيم والخبرة والمعرفة. كانت الرأسمالية قد تطورت إلى درجة تحتم إلغاء العلاقات الإقطاعية القديمة، ولكنها لم تكن قد تطورت التطور الكافي الذي يسمح بدفع الطبقة العاملة، ثمرة العلاقات الصناعية الجديدة، إلى المقدمة كقوة سياسية حاسمة. كان التناقض بين البروليتاريا والبرجوازية، حتى ضمن الإطار الوطني الألماني، قد عمق إلى مدى لم يعد يسمح فيه للبرجوازية من أن تقدم بدون خوف على لعب دور الهيمنة على الوطن، ولكن هذا التناقض لم يكن من العمق الكافي بحيث يسمح للطبقة العاملة من أن تلعب هذا الدور. الحقيقة أن الإحتكاك الداخلي في الثورة مهّد للبروليتاريا أن تحرز استقلالها السياسي، ولكنه في ذلك الحين حطّ من العزيمة وأضعف وحدة العمل وأدى إلى بذل جهد لا مبرر له وأجبر الثورة على البقاء في مكانها بملل بعد انتصاراتها الأولى، وعلى التقهقر تحت ضربات الرجعية.
إن النمسا مثل واضح وفاجع بشكل خاص لهذا الطابع غير الكامل أو المنتهي من العلاقات الإجتماعية في مرحلة الثورة.
لقد برهنت البروليتاريا في فيينا عام 1848 على بطولة نادرة وعلى حيوية لا تنضب. كانت تقتحم المعركة مرة بعد مرة، يدفعها إلى الأمام حسّ طبقي مبهم مفتقرة إلى مفهوم شامل لأهداف النضال فأخذت تتخبط بين شعار وآخر. ومن المدهش حقا أن قيادة البروليتاريا إنتقلت إلى أيدي الطلاب، المجموعات الديموقراطية الفعالة الوحيدة التي إستطاعت أن يكون لها، نتيجة عملها، نفوذ كبير في أوساط الجماهير وأن تؤثر بالتالي على الأحداث. لا شك في أن الطلاب كانوا يقاتلون ببسالة وراء المتاريس ويتآخون بشكل مشرّف مع العمال، غير أنهم كانوا عاجزين تماما عن توجيه مسيرة الثورة التي سلمتهم إياها “دكتاتورية” الشارع.
إن البروليتاريا غير المنظمة والتي لا تملك الخبرة السياسية ولا القيادة المستقلة سارت وراء الطلاب. ولم يتخلف العمال في كل لحظة حاسمة عن أن يقدموا “للسادة الذين يعملون برؤوسهم” معونة “الذين يعملون بأيديهم”. فحينا كان الطلاب يدعون العمال للقتال وطورا يسدون بوجههم الطريق من الضواحي إلى المدينة. وفي بعض الأحيان، كان الطلاب يستغلون سلطتهم السياسية ويعتمدون على أسلحة “الفرقة الجامعية” لكي يمنعوا العمال من تقديم مطالبهم المستقلة. كان هذا شكلا تقليديا واضحا من أشكال الديكتاتورية الثورية الخيرة على البروليتاريا. إلى ماذا أفضت هذه العلاقات الإجتماعية ؟ في 26 مايو عندما هبّ جميع عمال فيينا مستجيبين لنداء الطلاب لمقاومة نزع السلاح من الطلاب (الفرقة الجامعية)، وعندما ملأ سكان العاصمة مدينتهم بالمتاريس وبرزوا كقوة نادرة المثيل وسيطروا على فيينا، وعندما كانت النمسا كلها تلتحق بفيينا المسلحة، وعندما كانت الملكية على وشك الهرب وقد فقدت كل أهميتها، وعندما سحبت آخر الوحدات العسكرية من العاصمة تحت ضغط الشعب، وعندما استقالت حكومة النمسا دون أن تعين خليفة لها، لم يكن هنالك قوة سياسية لتمسك بدفة الحكم. لماذا حصل ذلك ؟
لقد رفضت البرجوازية الليبرالية عن قصد استلام حكم جرى الاستيلاء عليه بشكل لصوصي، كانت تحلم فقط بعودة الإمبراطور الذي فرّ إلى منطقة “التيرول”.
وكان العمال على جانب من الشجاعة بحيث قهروا الرجعية غير أنهم لم يكونوا على جانب من التنظيم والوعي الكافيين ليحتلوا مكانها. كانت هناك حركة عمالية قوية ولكن الصراع الطبقي البروليتاري ذا الهدف السياسي المحدد لم يكن قد تبلور بعد. فلم تكن البروليتاريا قادرة على استلام زمام الحكم ففشلت في الاضطلاع بهذه المهمة التاريخية الضخمة وانسحب الديموقراطيون البرجوازيون بهدوء في أكثر اللحظات حرجا كما يفعلون في العديد من الأحيان.
ولكي تجر البروليتاريا هؤلاء الهاربين على القيام بواجباتهم كان يتطلب منها مستوى من الحيوية والنضج لا يقل عن المستوى الضروري لتكوين حكومة عمالية مؤقتة.
وبشكل عام، نشأ وضع وصفه كاتب معاصر بهذا الوصف الصحيح: “لقد أعلنت الجمهورية في فيينا ولكن لم يشاهدها أحد مع الأسف”. وهذه الجمهورية التي لم يلاحظها أحد غابت لمدة طويلة عن المسرح مخلية الساحة أمام سلالة غايسبرغ… ما فات قد فات.
إن لاسال(3) قد خلص بعد دراسته لتجربة الثورتين المجرية والألمانية إلى أنه لا يمكن للثورات من الآن فصاعدا أن تجد دعما لها إلا في صراع البروليتاريا الطبقي. فكتب في رسالة إلى ماركس في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1848 ما يلي:
“كان للمجر الحظ الأوفر من أي بلد آخر لأن تنجح في نضالها. ويعود ذلك، من بين أسباب أخرى إلى أن الحزب فيها لا يعاني من الانقسامات والتناقضات الحادة التي يعاني منها في أوروبا الغربية، ولأن الثورة قد اتخذت طابع النضال من أجل الإستقلال الوطني إلى حد ما. بالرغم من ذلك انهزمت المجر نتيجة خيانة الحزب الوطني بشكل خاص.
“إذا أضفنا إلى ذلك تاريخ ألمانيا خلال فترة 1848-1849 نصل إلى الإستنتاج أنه لا يمكن للثورة أن تنجح في أوروبا إلا إذا أعلنت منذ البداية عن طبيعتها الإشتراكية الصرفة. ولا يمكن لأي نضال أن ينجح إذا ما دخلت فيه القضايا فقط على شكل عنصر مبهم من عناصره وبقيت في المؤخرة، وإذا كان النضال يخاض تحت لواء الانبعاث القومي أو الجمهورية البرجوازية”.
لن نتوقف لنقد هذه الإستنتاجات الواثقة من نفسها جدا. ولكن مما لا شك فيه هو أنه حتى في منتصف القرن التاسع عشر لم يكن بالإمكان حل مشكلة التحرر السياسي بواسطة خطط تكتيكية شاملة ومنسجمة تمارس بها الأمة كلها الضغط. إن خطط البروليتاريا التكتيكية المستقلة التي تشحذ قوتها للنضال إنطلاقا من موقعها الطبقي، ومن هذا الموقع فحسب، هي وحدها الكفيلة بتحقيق انتصار الثورة.
إن الطبقة العاملة الروسية عام 1906 لا تشابه بشيء عمال فيينا عام 1848. وأحسن دليل على ذلك هو قيام مجالس مندوبي العمال (السوفييت) على صعيد روسيا كلها. لم تكن هذه المجالس منظمات للتآمر جرى تكوينها في وقت سابق لغاية استيلاء العمال على السلطة عند اندلاع التمرد. كلا، كانت هذه منظمات خلقتها الجماهير نفسها بواسطة التخطيط لغاية تنسيق نضالها الثوري. فكانت مجالس السوفييت التي تنتخبها الجماهير والمسؤولة أمام الجماهير هي بدون شك مؤسسات ديموقراطية تنفذ سياسة طبقية جد مصممة فيها روح الإشتراكية الثورية.
إن مميزات الثورة الروسية تصبح واضحة كل الوضوح عند معالجة قضية تسليح الأمة. كانت الميليشيا – “الحرس الوطني” – المطلب والمكسب الأولين لثورات 1789 و1848 في باريس وجميع ثورات دول إيطاليا، وفيينا وبرلين. ففي عام 1848، كان مطلب إنشاء “الحرس الوطني” أي عملية تسليح الطبقات المالكة و”المثقفة” هو مطلب المعارضة البرجوازية بأسرها، حتى أكثر الفئات اعتدالا منها، ولم تكن غالبية المحافظة على الحريات المكتسبة أو بالأحرى الحريات “الموهوبة” ضد تقلبات من فوق فحسب، ولكن لحماية الملكية البرجوازية الفردية من هجمات البروليتاريا. يقول المؤرخ الليبرالي الإنكليزي الذي أرّخ توحيد إيطاليا: “كان الإيطاليون يعلمون علم اليقين أن الميليشيا الحديثة المسلحة سوف تساهم في تقويض الحكم المطلق. وهي بالإضافة إلى ذلك ضمانة للطبقات الحاكمة ضد أي فوضى ممكنة أو أي اضطراب قد يأتي من تحت(4)”. إن الرجعية الحاكمة التي لا تملك العدد الكافي من الجنود في ساحة العمليات للقضاء على الفوضى، أي على الجماهير الثورية، قد وزعت السلاح على البرجوازية. لقد أتاح الحكم المطلق للبرجوازية فرصة قمع العمال وتجريدهم من السلاح ثم جردت البرجوازية من سلاحها وأسكتتها.
في روسيا لم تلق المطالبة بإنشاء الميليشيا أي استجابة عند الأحزاب البرجوازية. فقد كان الليبراليون يقدرون المدلول الخطير للأسلحة، كانوا قد تعلموا بعض الدروس عن هذا الموضوع على أيدي الحكم المطلق. ولكنهم كانوا يفعلون أيضا استحالة إنشاء ميليشيا في روسيا بمعزل عن البروليتاريا أو ضدها. إن عمال روسيا ليسوا مثل عمال عام 1848 الذين كانوا يملئون جيوبهم بالحجارة ويتسلحون بالمعاول بينما أصحاب الدكاكين والطلاب والمحامون يتنكبون البنادق الملكية ويحملون السيوف.
إن تسليح الثورة في روسيا يعني تسليح العمال بشكل خاص. والليبراليون الذين يعلمون هذا علم اليقين ويخافونه يتحاشون الخوض في موضوع إنشاء الميليشيا من أساسه. فيتخلون عن مواقعهم في وجه الحكم المطلق بدون قتال مثلما سلّم “تيير” (Thiers) البرجوازي باريس في فرنسا إلى بسمارك لمجرد أنه يريد أن يتحاشى تسليح العمال.
في ذلك البيان الذي أصدره التحالف الليبرالي-الديموقراطي على شكل مجموعة من الدراسات بعنوان “الدولة الدستورية” يقول السيد دجيفيليفوف في معرض مناقشته لإحتمال قيام الثورات، وهو محق فيما يقول: “على المجتمع ذاته أن يكون على أهبة الإستعداد للدفاع عن دستوره عندما يحين الوقت لذلك”. وبما أن النتيجة المنطقية لهذا القول هي المطالبة بتسليح الشعب، يجد هذا الفيلسوف الليبرالي أنه “من الضروري” أن يضيف “أن ليس من الضروري أن يحمل كل فرد من أفراد الشعب السلاح”(5) لمنع الإمتداد. من الضروري أن يكون المجتمع على أهبة الإستعداد للمقاومة ليس إلا. إذا كان لابد من إستخلاص نتيجة من هذا الكلام فهي أن الخوف الذي يعتصر قلوب الديموقراطيين عندنا من البروليتاريا المسلحة هو أعظم من خوفهم من جنود الحكم المطلق.
لهذا السبب، تقع مهمة تسليح الثورة على عاتق البروليتاريا وحدها. إن مطلب الميليشيا المدنية الذي قدمته البرجوازية في عام 1848 لا يقابله في روسيا مطلب تسليح الشعب عامة والبروليتاريا خاصة. إن مصير الثورة يتوقف على هذه القضية.
الفصل الرابع: الثورة والبروليتاريا
إن الثورة امتحان صريح للقوة بين الفئات الإجتماعية خلال صراع من أجل استلام الحكم. ليست الدولة غاية بحد ذاتها. إنها مجرد آلة لخدمة القوى الإجتماعية المسيطرة. وكغيرها من الآلات، تحتوي على محرك وعلى جهاز لإصدار الأوامر وعلى آخر لتنفيذها. القوة التي تسيّر الدولة هي المصلحة الطبقية، وجهاز المحرك فيها هو الدعاية والصحافة والتعليم المدرسي والكنسي والأحزاب والإجتماعات العامة والعرائض والإنتفاضات. أما الجهاز الذي يصدر الأوامر فهو المؤسسة التشريعية التي تتولى تنظيم مصالح السلالات والطوائف والطبقات وتصورها على أنها تعبير عن إرادة الله (كما في الحكم المطلق) أو عن إرادة الأمة (كما في النظام البرلماني). أما الجهاز التنفيذي فهو الإدارة بشرطتها ومحاكمها وسجونها وجيشها.
ليست الدولة غاية بحد ذاتها، وإنما هي وسيلة جبارة لتنظيم العلاقات الإجتماعية أو لتفتيتها أو لإعادة تنظيمها وفق أسس جديدة. وبإمكانها أن تكون محركا أساسيا للثورة أو أن تكون أداة للإستكانة المنظمة، حسب الأيدي التي تسيطر عليها.
إن كل حزب سياسي، جدير باسمه، يسعى إلى الإستيلاء على السلطة مسخرا الدولة لخدمة الطبقة التي يمثل مصالحها. وطبعا، يسعى الإشتراكيون-الديموقراطيون بوصفهم حزب البروليتاريا، إلى تحقيق سيطرة الطبقة العاملة السياسية.
إن البروليتاريا تنمو وتتضاعف قوتها بنمو الرأسمالية. بهذا المعنى يكون تطور الرأسمالية هو تطور البروليتاريا في اتجاه تحقيق دكتاتوريتها. على أن توقيت انتقال الحكم إلى أيدي الطبقة العاملة لا يعتمد بشكل مباشر على المستوى الذي بلغته قوى الإنتاج، وإنما على العلاقات في الصراع الطبقي وعلى الوضع العالمي وأخيرا على عدد من العوامل الذاتية كتقاليد الطبقة العاملة ومبادرتها واستعدادها للنضال.
من المحتمل أن يصل العمال إلى الحكم في بلد متخلف اقتصاديا قبل وصولهم إليه في بلد متقدم. ففي عام 1871 استولى العمال عن قصد على باريس البرجوازية الصغيرة لمدة شهرين فقط، بينما العمال في المراكز الرأسمالية الكبيرة في بريطانيا والولايات المتحدة لم يستلموا الحكم ولو لساعة واحدة. إن التصور أن قيام ديكتاتورية البروليتاريا يعتمد بطريقة ما على تطور البلد التقني وعلى موارده إنما هو زعم من مزاعم المادية “الإقتصادية” التافهة. إن وجهة النظر هذه لا تمت للماركسية بأي صلة.
إن الثورة الروسية سوف تخلق، برأينا، الظروف التي تمهد لانتقال السلطة إلى العمال، وفي حال انتصار الثورة عليها أن تمهد لهذا الانتقال، قبل أن يتسنى للسياسيين البرجوازيين الليبراليين أن يعرضوا كل براعتهم في تسيير الحكم.
في معرض تلخيصه لتجربة الثورة والثورة المضادة عام 1848 و1849 في جريدة “التريبيون” الأمريكية، كتب ماركس: “إن الطبقة العاملة الألمانية ما تزال متخلفة في تطورها الإجتماعي والسياسي عن الطبقة العاملة في إنكلترا وفرنسا بقدر تخلف البرجوازية الألمانية عن برجوازية هذين البلدين. مثلما يكون السيد كذلك يكون الإنسان. إن تطور ظروف وجود طبقة بروليتارية واسعة العدد وقوية وكثيفة وذكية يسير بخط مواز مع تطور ظروف وجود طبقة وسطى غنية وواسعة العدد وكثيفة وقوية. ولا يمكن لحركة الطبقة العاملة أن تكون مستقلة، ولا يمكنها أن تصبح ذات طبيعة بروليتارية صرفة إلا بعد أن تستولي على السلطة السياسية مختلف فصائل الطبقة الوسطى وبخاصة الفصيلة الأكثر تقدمية منها: الصناعيون الكبار، فتعيد تكوين الدولة وفق حاجاتها. إذاك، لابد من أن يبرز الصراع الحتمي بين رب العمل والعامل ولا يمكن تأجيله إلى حين آخر”.
ربما كان هذا المقطع مألوفا لدى القراء، فلقد عمد “الماركسيون الحرفيون” إلى تشويهه إلى حد كبير في الأزمنة الحديثة. لقد جرى إبرازه كحجة راسخة ضد فكرة قيام حكم عمالي في روسيا. “مثلما يكون السيد، كذلك يكون الإنسان”. فيقولون: إذا لم تكن الرأسمالية البرجوازية من القوة بحيث تستولي على الحكم إذن يتضاءل إمكان قيام ديمقراطية عمالية أي تحقيق سيطرة البروليتاريا السياسية.
إن الماركسية أسلوب في التحليل قبل أن تكون أي شيء آخر. على أنها ليست أسلوبا لتحليل النصوص ولكن لتحليل العلاقات الإجتماعية. هل يصح القول إن ضعف الرأسمالية الليبرالية في روسيا يرافقه ضعف في الحركة العمالية ؟ هل يصح القول أنه لا يمكن أن تنشأ حركة عمالية مستقلة في روسيا إلا بعد أن تستلم البرجوازية الحكم ؟ يكفي أن نطرح الأسئلة بهذا الشكل لكي نتبين أية شكلية بائسة تختفي وراء محاولة تحويل قاعدة نسبية تاريخيا لماركس إلى قاعدة فوق التاريخ.
خلال مرحلة الازدهار الصناعي في روسيا، اكتسى تطور الصناعات فيها طابعا “أمريكيا”، غير أن الصناعة الرأسمالية الروسية في أبعادها الحقيقية ليست سوى طفلة إذا ما قورنت بالصناعة في الولايات المتحدة. ففي روسيا 5 ملايين شخص أي 16.6% من مجموع عدد السكان الفاعلين اقتصاديا، يعملون في الصناعة؛ أما بالنسبة للولايات المتحدة فإن الرقم المقابل هو 6 ملايين شخص و 22.2%. هذه الأرقام لا تفيدنا بشيء، غير أن أهميتها البالغة تتجلى عندما نتذكر أن عدد سكان روسيا يقارب ضعف عدد سكان الولايات المتحدة. ولكي نقدر الأبعاد الفعلية للصناعتين الروسية والأمريكية التقدير الكامل، يجب أن نلاحظ أن المصانع والمشاغل الكبيرة في الولايات المتحدة أنتجت عام 1900 بضائع برسم البيع تبلغ قيمتها 25 مليار روبل، بينما أنتجت المصانع الروسية في العام ذاته بضائع لا تزيد قيمتها عن 2.5 مليار روبل(1).
لاشك في أن عدد البروليتاريا الصناعية وكثافتها وثقافتها ووزنها السياسي كلها تعتمد على مدى تطور الصناعية الرأسمالية. إلا أنها لا تعتمد على هذا التطور إعتمادا مباشرا. بين قوى الإنتاج في بلد معين وبين قوة طبقاته السياسية تتدخل في كل لحظة من اللحظات، عوامل اجتماعية وسياسية مختلفة ذات طابع وطني ودولي؛ وقد تغيّر هذه العوامل التعبير السياسي عن العلاقات الإقتصادية إلى حد أنها قد تغير تغييرا تاما. فبالرغم من كون قوى الإنتاج في الولايات المتحدة أضخم بعشر مرات من قوى الإنتاج في روسيا، إلا أن الدور الذي تلعبه البروليتاريا الروسية وتأثيرها على سياسة بلدها وإمكان تأثيرها على السياسة في العالم في المستقبل لهو بدون شك أعظم مما تستطيع أن تقوم به البروليتاريا في الولايات المتحدة.
يشير كاوتسكي، في كتابه الأخير عن البروليتاريا الأمريكية، إلى عدم وجود علاقة مباشرة بين قوة البروليتاريا والبرجوازية السياسية من جهة، وبين مستوى التطور الرأسمالي من جهة أخرى. فيقول:
“ثمة حالتين تتباينان تباينا تاما بينهما. ففي أحدهما يتطور أحد عناصر الحالة الأخرى بشكل شاذ، أي بما لا يتناسب مع مستوى تطور طريقة الإنتاج الرأسمالية؛ وفي الأخرى ينمو عنصر آخر من هذه العناصر. ففي الدولة الأولى – أمريكا – نمت الطبقة الرأسمالية، بينما في روسيا نمت البروليتاريا. ولا يوجد بلد آخر تتجلى فيه ديكتاتورية رأس المال مثلما تتجلى في أمريكا. بينما لم تبلغ البروليتاريا مستوى من النضالية في أي بلد آخر مثلما وصلت إليه روسيا. ومما لا شك فيه أن هذا المستوى سيرتفع لأن هذا البلد بدأ يشترك في الصراع الطبقي الحديث منذ مدة ليست ببعيدة، ففتح في داخله مجالات فسيحة لإستمرار هذا الصراع”.
ويشير إلى أن ألمانيا ستتعلم عن مستقبلها، إلى حد ما، على يد روسيا فيقول:
“إنه لمن دواعي العجب أن تكون البروليتاريا الروسية هي التي سترينا مستقبلنا، إلى مدى ما يعبر هذا المستقبل عن نفسه في احتجاج الطبقة العاملة وليس في مدى تطور رأس المال. إن كون روسيا هي الأكثر تخلفا بين البلدان الكبيرة في العالم الرأسمالي يبدو وكأنه يناقض المفهوم المادي للتاريخ الذي يعتبر أن التطور الإقتصادي هو أساس التطور السياسي”.
ويستطرد كاوتسكي قائلا:
“والحقيقة تقال أن هذا يناقض المفهوم المادي للتاريخ كما يصوره خصومنا ونقادنا الذين لا يعتبرونه أداة تحليل وإنما مجرد “كليشيه” معدة سلفا”(2).
إننا نوصي الماركسيين الروس قراءة هذه الأسطر بشكل خاص لأنهم يستبدلون التحليل المستقل للعلاقات الإجتماعية بما يستنبطونه من نصوص يجري انتقاؤها لخدمة أي وضع. وما من أحد يسيء إلى الماركسية بقدر ما يسيء إليها هؤلاء “الماركسيون-على-طريقتهم-الخاصة”.
وهكذا يعتبر كاوتسكي أن روسيا على مستوى منخفض اقتصاديا من التطور الرأسمالي، ولكنها على الصعيد السياسي تحوي برجوازية رأسمالية قليلة الأهمية وبروليتاريا ثورية وقوية. ويؤدي هذا إلى أن…
“لقد ألقى الصراع من أجل مصالح روسيا كلها على عاتق الطبقة الثورية الوحيدة الموجودة في البلد: البروليتاريا الصناعية. لهذا السبب تكتسب البروليتاريا الصناعية أهمية سياسية بالغة، ولهذا السبب أيضا تحول الصراع لتحرير روسيا من نير الحكم المطلق إلى معركة واحدة بين الحكم المطلق والبروليتاريا الصناعية، معركة يستطيع الفلاحون أن يقدموا فيها مساعدة هامة ولكنهم لا يستطيعون أن يلعبوا دورا قياديا”.
ألا يدعونا إلى الإستنتاج أن “الإنسان” الروسي سوف يستلم الحكم قبل “سيده ؟
هناك نوعان من التفاؤل السياسي. فبمقدورنا أن نبالغ في قوتنا وفي العوامل التي لصالحنا في وضع ثوري معين، فنأخذ على عاتقنا مهام تبرّرها العلاقة المتبادلة بين القوى. أو أن نضع حدا – بتفاؤل – لمهامنا الثورية يضطرنا وضعنا ذاته إلى تخطيها حتما.
قد نحدّد أفقاً لجميع القضايا المتعلقة بالثورة فنؤكد أن ثورتنا هي ثورة برجوازية في أهدافها الموضوعية وبالتالي في نتائجها الحتمية، فنتجاهل بذلك كون البروليتاريا هي التي ستلعب الدور الرئيسي في هذه الثورة وكون سير الثورة ذاته يدفع هذه البروليتاريا نحو استلام الحكم.
وقد نطمئن أنفسنا بالقول أن سيطرة البروليتاريا السياسية ضمن إطار الثورة البرجوازية ستكون سيطرة محلية عابرة، فنتناسى بذلك أن البروليتاريا في حال استلامها الحكم لن تتخلى عنه إلا بعد مقاومة مستميتة، إلا بعد أن يجري انتزاعه من بين أيديها بالقوة المسلحة.
وقد نطمئن أنفسنا بالقول أن ظروف روسيا الإجتماعية ما تزال غير ناضجة لبناء اقتصاد اشتراكي متغافلين بذلك عن أن البروليتاريا باستلامها الحكم سوف تضطر حتما بسبب منطق وضعها ذاته، إلى تحقيق إدارة الدولة للصناعة. إن العبارة السوسيولوجية العامة جدا: الثورة البرجوازية لا تحل بأي حال من الأحوال المشاكل والتناقضات والمصاعب التي يطرحها تركيب ثورة برجوازية معينة.
ففي نهاية القرن الثامن عشر تحققت دكتاتورية المعدمين (Les sans culotes) داخل إطار الثورة البرجوازية التي تتلخص مهمتها الأساسية في تأمين سيطرة رأس المال، ولم تكن هذه الدكتاتورية مجرد مرحلة عابرة فلقد تركت آثارها على القرن الذي تلاه كله، هذا بالرغم من كونها تفتتت بسرعة بعد اصطدامها بسدود الثورة البرجوازية. أما بالنسبة للثورة في بداية القرن العشرين، والتي تواجهها أيضا مهام برجوازية، فقد برز توقع هو سيطرة البروليتاريا الحتمية أو المحتملة على أقل تقدير. وسوف تعمل البروليتاريا حتى لا تغدو هذه السيطرة مجرد “مرحلة” عابرة، كما يأمل بعض الأدعياء الواقعيين. وبالإمكان الآن أن نطرح هذا السؤال: هل أن تفتت الديكتاتورية البروليتارية نتيجة اصطدامها بسدود الثورة البرجوازية أمر محتم، أم أنه من المحتمل أن يبرز أمامها في الظروف التاريخية العالمية الحالية إحتمال الإنتصار باختراق هذه السدود ؟ إن المسائل المطروحة علينا هنا مسائل تكتيكية: هل نحن مطالبون بالعمل الواعي لأجل قيام حكومة عمالية بقدر ما يؤدي تطور الثورة إلى التعجيل في قيام هذا الحكم ؟ أم علينا أن ننظر إلى السلطة السياسية على أنها ثقيل تلقي به الثورة البرجوازية على كاهل العمال فيكون من الأفضل لهم أن يتجاهلوه ؟
هل علينا أن نجيب أنفسنا بنفس الطريقة التي يتكلم فيها السياسي “الواقعي” فولمار عن مناضلي عامية باريس عام 1871 إذ يقول: “عوضاً عن استلامهم الحكم كان الأحرى بهم أن يخلدوا للنوم…” ؟
الفصل الخامس: هل تحققت “الديكتاتورية الديموقراطية” في بلدنا ومتى ؟
يستنجد راديك بلينين مدّعيا أن الديكتاتورية الديموقراطية قد تحققت في بلدنا على شكل السلطة المزدوجة، أجل، إني أعترف أن لينين قد طرح السؤال على هذا الشكل أحيانا وبشروط. “أحيانا ؟” يحتج راديك ويتهمني بالتهجم على إحدى أفكار لينين الأساسية. غير أن راديك يغضب لأنه على خطأ ليس إلاّ. ففي كتابي “دروس أكتوبر” الذي ينقده راديك بدوره بعد تأخير ما يقارب الأربع سنوات، فسّرت كلمات لينين عن “تحقيق” الديكتاتورية الديموقراطية على النحو التالي:
“إن تحالف العمال والفلاحين يتخذ شكلا غير ناضج من أشكال السلطة العاجزة عن بلوغ السلطة الحقيقية؛ إنه يتخذ شكلا كاتجاه فقط وليس كواقع محدد”
(تروتسكي: المؤلفات الكاملة: المجلد 3 – الجزء الأول – ص 21 – الطبعة الروسية).
وقد كتب راديك بصدد هذا التفسير:
“إن هذا التفسير لمضمون أحد أروع الفصول النظرية في مؤلفات لينين لا يساوي شيئا البتة”.
ويعقب هذه الكلمات نداء يستدر العطف على التقاليد البلشفية ثم تأتي الخاتمة أخيرا:
“إن هذه القضايا من الأهمية البالغة بحيث لا يمكن الإجابة عليها بالإشارة إلى ما كان يقوله لينين أحيانا”.
ويريد راديك بهذا أن يوحي أني أعالج باستخفاف “إحدى أروع” أفكار لينين. إلاّ أن راديك يهدر استنكاره وغيضه بدون سبب. إن قليلا من التفهم يفيده أكثر هنا. إن ما عرضته في “دروس أكتوبر”، رغم ابتساره، لا يعتمد على وحي مفاجئ هبطت به نصوص ليست مأخوذة عن مصادرها الأصلية، وإنما يعتمد على دراسة أصلية مستفيضة لكتابات لينين. إنها تستخرج جوهر فكرة لينين حول هذه المسألة، في حين لا يحتفظ عرض راديك اللفظي بمقطع حيّ واحد من فكر لينين رغم غزارة الإستشهادات فيه.
لماذا استعملت هذا التحفظ: “أحيانا” ؟ لأن الأمر كان كذلك. لقد أشار لينين إلى أن الديكتاتورية الديموقراطية قد “تحققت” على شكل السلطة المزدوجة (“بشكل معين وإلى حدٍّ ما”) في الفترة بين أبريل وأكتوبر عام 1917، أي قبل أن تتحقق الثورة الديموقراطية فعليا. إن راديك لم يلاحظ هذا الأمر ولم يفهمه ولا تقييّمه. وفي معرض صراعه ضد رجال الصف الثاني الحاليين، تكلم لينين بشكل جد مشروط عن “تحقيق” الديكتاتورية الديموقراطية(1). وهو لم يفعل ذلك ليقدّم وصفا تاريخيا لحقبة السلطة المزدوجة، فلو فعل ذلك على هذا الشكل لبدا الأمر سخيفا، ولكن ليردّ على أولئك الذين يتوقعون طبعة منقحة ثانية عن الدكتاتورية الديموقراطية المستقلة. إن كلمات لينين قد عنت فقط أنه لم يوجد دكتاتورية ديموقراطية خارج عملية إجهاض السلطة المزدوجة البائسة وأن هذا هو السبب الذي يدعوا إلى “إعادة تسليح” الحزب أي إلى تغيير الشعار. أما الإدعاء أن تحالف المنشفيك والاشتراكيين-الثوريين مع البرجوازية، الذي رفض إعطاء الأرض للفلاحين واضطهاد البلاشفة، هو “تحقيق” للشعار البلشفي؛ فهو يعني إما أن نعمد عن قصد إلى تسمية الأبيض أسود وإما أن نكون قد فقدنا عقولنا.
وفيما يتعلق بالمنشفيك، بالإمكان أن نردّ عليهم بحجة مشابهة لتلك التي ردّ بها لينين على كامنييف” “هل تنتظر من البرجوازية أن تضطلع بتحقيق رسالة “تقدمية” في الثورة ؟ لقد سبق لهذه الرسالة أن تحققت: فالدور السياسي الذي لعبه رودزيانكو وغوشكوف ومليوكوف هو أقصى ما تستطيع البرجوازية أن تقدمه، كما أن الكرنسكية هي الحد الأقصى من الثورة الديموقراطية الذي يمكن تحقيقه في طور مستقل”.
إن السمات الشِراحية(2) (Anatomical) التي لا تخطيء – الترسبات – تبيِّن أن أجدادنا كان لهم ذيل. وهذه السمات كافية للتأكيد على وحدة العالم الحيواني التكوينية (Genestic). ولكن فلنقل بسلامة نية أن لا ذيل للإنسان. لقد أظهر لينين لكامنييف ترسبات الدكتاتورية الديموقراطية في نظام السلطة المزدوجة محذّرا إياه من أنه لا أمل بنمو عضو جديد من هذه الترسبات. ولم تتحقق عندنا دكتاتورية ديموقراطية مستقلة، رغم أننا قد أنجزنا الثورة الديموقراطية بطريقة أعمق وأعند وأصفى من جميع الثورات الأخرى.
يتوجب على راديك أن يتأمل هذه الحقيقة: لو أن الدكتاتورية الديموقراطية قد تحققت فعلاً في الفترة ما بين فبراير وأبريل لكان حتى مولوتوف اعترف بها. لقد فهم الحزب والطبقة الدكتاتورية الديموقراطية على أنها نظام حكم يحطم بلا هوادة آلة الدولة القديمة التابعة للملكية ويصفي نهائيا نظام ملكيات الأرض. ولكن لم يكن ثمة من أثر لهذا في فترة حكم كرينسكي. وكان الأمر بالنسبة للحزب البلشفي يتعلق بالتحقيق الفعلي للمهام الثورية ولم يكن يتعلق بتبيان بعض “الترسبات” السوسيولوجية والتاريخية. وفي سعيه لتنوير خصومه نظريا، أبرز لينين ببراعة هذه السمات التي لم تبلغ مرحلة النضوج، وكان هذا كل ما فعله في هذا الصدد. إلاّ أن راديك يسعى بكل جدية لإقناعنا أن “الدكتاتورية” كانت موجودة في فترة السلطة المزدوجة، أي في فترة انعدام السلطة، وأن الثورة الديموقراطية قد تحققت. على أنها كانت “ثورة ديموقراطية” كما نرى بحيث كانت بحاجة إلى كل عبقرية لينين للتعرف إليها. ولكن هذا هو ما يثبت أنها لم تتحقق. إن الثورة الديموقراطية الحقيقية هي ثورة يسهل على كل فلاح أمي في روسيا أو الصين أن يتعرف إليها. أما فيما يتعلق بالسمات المورفولوجية(3) (Morphological) ، فالأمر يزداد صعوبة. فمثلا، يستحيل على راديك، رغم العبرة من حادثة كامنييف في روسيا، أن يلاحظ أن الدكتاتورية الديموقراطية قد “تحققت” في الصين أيضا بالمعنى الذي يستعمله لينين (خلال الكيومنتانغ)؛ وأنها قد تحققت بشكل أكمل وأجلى مما كان الحال في بلدنا خلال وجود السلطة المزدوجة. إن السذّج البائسين هم وحدهم الذين يتوقعون طبعة منقحة ثانية عن “الديموقراطية” في الصين.
لو أن الدكتاتورية الديموقراطية قد تحققت فقط في بلدنا على شكل الكرينسكية، التي لعبت دورا أجير للويد جورج وكليمانصو ،إذن لكان علينا أن نقول إن التاريخ يهزأ من شعار البلاشفة الستراتيجي. ليس الأمر كذلك لحسن الحظ. لقد تحقق شعار البلاشفة فعلا كحقيقة تاريخية عظيمة وليس كسمة مرفولوجية. إلاّ أنه لم يتحقق قبل أكتوبر وإنما بعده. إن حرب الفلاحين، على حد تعبير ماركس، قد دعمت دكتاتورية البروليتاريا. ولقد تحقق تعاون الطبقتين على نطاق واسع خلال أكتوبر. وفي ذلك الحين استوعب كل فلاح جاهل وشعر أن الشعار البلشفي قد أصبح حيا، حتى بدون الاستعانة لشروحات لينين. ولقد اعتبر لينين أن الطور الأول من ثورة أكتوبر هو التحقيق الحقيقي للثورة الديموقراطية، وأن هذه الثورة هي التجسيد الفعلي، وإن يكن قد طرأ عليه تغيير، لشعار البلاشفة. يجب النظر إلى لينين ككل. وبخاصة لينين ما بعد أكتوبر عندما كان يراقب الأحداث ويقيمها من موقع أفضل. وأخيرا، يجب النظر إلى لينين من وجهة نظر لينينية وليس من وجهة نظر رجال الصف الثاني.
لقد تعرض لينين لمسألة الطابع الطبقي للثورة “ولنضوجها” في كتابه ضد كاوتسكي (بعد ثورة أكتوبر). وفيما يلي أحد مقاطع هذا الكتاب الذي يجب على راديك أن يتمعّن فيه بعض الشيء:
“أجل، إن ثورتنا [ثورة أكتوبر] هي ثورة برجوازية ما دمنا نسير جنبا إلى جنب مع الفلاحين ككل. إن هذا أمر في غاية الوضوح بالنسبة إلينا، ولقد رددناه مئات وآلاف المرات منذ عام 1905 فلم نحاول أن نقفز عن الطور الضروري في العملية التاريخية ولا أن نلغيه بالمراسيم”.
ويقول فيما بعد:
“لقد سارت الأمور مثلما توقعنا أن تسير. ولقد أكّدت مسيرة الثورة صحة تفكيرنا. في البدء: مع الفلاحين “ككل” ضد الملكية، ملاّك الأرض، والنظام الموروث عن القرون الوسطى (إلى هذا المدى تبقى الثورة ثورة برجوازية وثورة برجوازية ديموقراطية). ثم مع الفلاحين الفقراء ومع أشباه البروليتاريا ومع جميع المضطهدين ضد الرأسماليين بما فيهم أغنياء الريف والكولاك والمرابون، وإلى هذا المدى تصبح الثورة ثورة اشتراكية”.
(لينين: “المؤلفات الكاملة” – المجلد 15 – ص 508 – الطبعة الروسية).
هكذا كان لينين يتكلم، ليس “أحيانا” بل دائما وأبدا عندما قدّم تقييمه الكامل العام الممتاز للثورة بشكل عام ولثورة أكتوبر بشكل خاص. “لقد سارت الأمور مثلما توقعنا لها أن تسير”. لقد تحققت الثورة الديموقراطية-البرجوازية كتحالف يضم العمال والفلاحين. خلال فترة كرنسكي ؟ كلا، خلال الفترة الأولى بعد أكتوبر. أصحيح هذا ؟ نعم إنه صحيح. ولكننا نعلم الآن أنه لم يتحقق على شكل دكتاتورية ديموقراطية وإنما على شكل دكتاتورية البروليتاريا. بهذا تختفي أيضا الحاجة إلى المعادلة الجبرية القديمة.
إذا وضعنا نقاش لينين المشروط ضد كامنييف عام 1917 إلى جانب وصف لينين الشامل لثورة أكتوبر في السنوات التي تلتها، وفعلنا هذا بطريقة غير نقدية، ينتج عن ذلك أن الثورتين الديموقراطيتين قد تحققتا في روسيا. إن هذا الأمر فظيع خاصة وأن انتفاضة البروليتاريا المسلحة تفصل بين الثورة الأولى والثورة الثانية.
والآن فلنقارن بين المقطع الذي استشهدنا به لتوه من كتاب لينين. “ثورة البروليتاريا والمرتد كاوتسكي” وبين هذا المقطع من الفصل عن “نظام حكم البروليتاريا” في مقالتي “نتائج وتوقعات” حيث عرضت الطور الأول من الدكتاتورية وتوقعات تطورها اللاحق:
“سيلقى إلغاء الإقطاعي تأييد الفلاحين ككل لكونهم الطائفة المظلومة. وستلقى الضريبة التصاعدية كذلك تأييد غالبية الفلاحين الساحقة. غير أن أي تشريع يهدف إلى حماية البروليتاريا الزراعية لن يفشل في اكتساب التأييد الحيّ للأغلبية فحسب، ولكنه سيجابه بمعارضة حيوية من طرف أقلية من الفلاحين أيضا.
وستجد البروليتاريا نفسها مجبرة على نقل الصراع الطبقي إلى القرى فتحطم بذلك وحدة المصالح الموجودة، ولا شك، بين جميع الفلاحين رغم كونها محصورة في نطاق ضيّق. ومنذ اللحظة الأولى لاستلامها الحكم، يتوجب على البروليتاريا أن تجد دعما لها في التناقضات بين فقراء القرية وأغنيائها، وبين البروليتاريا الزراعية والبرجوازية الزراعية”.”.
(ليون تروتسكي: “ثورتنا” 1906 – ص255 – الطبعة الروسية).
ما أبعد ذلك عن “تجاهلي” للفلاحين، وما أبعده عن “التناقض” التام بين موقفين: موقفي وموقف لينين !
ليس المقطع الذي استشهدنا به أعلاه المقطع الوحيد في مؤلفات لينين. بل على العكس من ذلك، فكما هو الحال دوما بالنسبة للينين، تصبح الصيغة الجديدة التي تنفذ بشكل أعمق إلى الأحداث محورا لخطبه ولمقالاته خلال مرحلة بكاملها. ففي مارس من عام 1919 قال لينين:
“في أكتوبر 1917، استلمنا الحكم بالتعاون مع الفلاحين ككل. كانت تلك ثورة برجوازية إلى مدى ما كان الصراع الطبقي في المناطق الريفية لم يتطور بعد”. (لينين: “المؤلفات الكاملة” – المجلد 15 – ص 143 – الطبعة الروسية).
وفيما يلي ما قاله لينين في مؤتمر الحزب في مارس عام 1919:
“لقد ظلت ثورتنا ثورة برجوازية إلى حد بعيد حتى صيف عام 1918 أو بالأحرى حتى خريف ذلك العام عندما تمّ تنظيم “لجان الفلاحين الفقراء”، ذلك لأننا كنا في بلد اضطرت فيه البروليتاريا إلى استلام الحكم بمساعدة الفلاحين وحيث قيّض لها أن تكون واسطة قيام الثورة البرجوازية الصغيرة”.
(لينين: “المؤلفات الكاملة” –المجلد 16– ص 105 – الطبعة الروسية).
لقد ردّد لينين هذه الكلمات في مناسبات مختلفة وبأشكال متنوعة. إلاّ أن راديك يتهرّب ببساطة من فكرة لينين الرئيسية هذه التي تلعب دورا حاسما في المساجلة.
يقول لينين أن البروليتاريا قد استلمت الحكم في أكتوبر بالتعاون مع الفلاحين. وبهذا وحده كانت الثورة ثورة برجوازية. هل هذا القول صحيح ؟ إنه صحيح إلى حدّ ما. غير أن هذا يعني أن دكتاتورية العمال والفلاحين الديموقراطية الحقيقية أي تلك التي حطّمت بالفعل نظام الحكم الفردي والرق وانتزعت الأرض من الإقطاعيين قد تحققت بعد أكتوبر وليس قبله؛ لقد تحققت، على حد تعبير ماركس، على شكل دكتاتورية البروليتاريا التي تدعمها الحرب الفلاحية ثم بدأت بالنضوج إلى دكتاتورية اشتراكية بعد بضعة أشهر. هل من الصعب فهم هذا حقا ؟ وهل يمكن أن تستمر الخلافات في الرأي حول هذه النقطة إلى اليوم ؟
يعتبر راديك أن النظرية “الدائمة” تزني إذ تخلط الطور البرجوازي بالطور الاشتراكي. في الواقع خلطت القوى الطبقية الدافعة بشكل كامل بين هذين الطورين، أي أنها قد مزجتهما بحيث لم يعد باستطاعة هذا الغيبي السيئ الحظ أن يهتدي إلى خيوط كل منها.
من المؤكد أن “نتائج وتوقعات” تحتوي على عدة فجوات وعلى عدة أقوال خاطئة. ولكن لا يجب أن ننسى أن هذا الكتاب لم يكتب عام 1928، لقد كتب قبل ثورة أكتوبر بمدة طويلة أي قبل أكتوبر عام 1905. إن راديك لا يتعرض مطلقا لمسألة الفجوات في نظرية الثورة الدائمة وإذا ابتغينا المزيد من الدقة لقلنا أنه لم يتعرض لمناقشاتي الأساسية دفاعا عن هذه النظرية في ذلك الحين؛ إنه يسير على خطى أساتذته، رجال الصف الثاني، فلا يهاجم الفجوات وإنما يهاجم الجوانب المنيعة من هذه النظرية، تلك التي أثبت سير التطور التاريخي صحتها، وهو يهاجمها باسم استنتاجات جد مغلوطة يستنبطها من صيغ لينين الذي لم يدرسه راديك الدراسة الكافية ولا نفذ إلى أعماق فكره.
إن اللعب بالنصوص القديمة هو من عادات مدرسة رجال الصف الثاني كلها، تقوم به على صعيد خاص لا يتقاطع مطلقا مع العملية التاريخية الحقيقية. ولكن عندما ينشغل خصوم “التروتسكية” بتحليل التطور الحقيقي لثورة أكتوبر وعندما ينشغلون بهذا التحليل بجدية ودأب، الأمر الذي يحدث لهم بين الحين والآخر، نجد أنهم يصلون حتما إلى صيغ مستوحاة من روح النظرية التي يرفضون. إن مؤلفات أ. ياكوفليف المكرسة لتاريخ الثورة الروسية لهي مثال واضح على هذا. إن هذا المؤلف، الذي هو حاليا عضو في الزمرة الحاكمة والذي هو على قدر أكبر من الثقافة من الستالينيين الآخرين ومن ستالين نفسه، يصوغ العلاقات الطبقية في روسيا القديمة على هذا الشكل(4):
“نلاحظ محدودية مزدوجة في انتفاضة الفلاحين (مارس إلى أكتوبر عام 1917). وعندما ارتقت الانتفاضة إلى مستوى الحرب الفلاحية، لم تتمكن من التغلب على محدوديتها، ولم تتجاوز مهمتها العاجلة تحطيم مالك الأرض المجاور؛ ولم تتحول إلى حركة ثورية منظمة؛ ولم تتخط طابع الفورة العفوية التي تميّز الحركة الفلاحية.”
إذا أخذنا الإنتفاضة الفلاحية بمفردها، أي بوصفها فورة عفوية تقتصر في هدفها على إفناء مالك الأرض المجاور، نجد أنها لا يمكن أن تنتصر ولا يمكن أن تحطم سلطة الدولة المعادية للفلاحين والتي تدعم مالك الأرض. ولهذا السبب لا يمكن للحركة الزراعية أن تحرز النصر إلاّ إذا قادتها طبقة مماثلة لها في المدن…لهذا السبب، نجد في التحليل الأخير أن عشرات الآلاف في القرى لم تكن هي التي قررت مصير الثورة الزراعية وإنما قررته المئات في المدن. إن الطبقة العاملة، التي كانت توّجه الضربة القاضية للبرجوازية في مراكز البلد، هي التي كانت تستطيع تحقيق انتصار الإنتفاضة الفلاحية؛ إن انتصار الطبقة العاملة في المدينة هو وحده الذي يستطيع انتزاع الحركة الفلاحية من نطاق اصطدام عفوي بين عشرات الملايين من الفلاحين وبين عشرات الآلاف من مالكي الأرض؛ وأخيرا فإن انتصار الثورة هو وحده الذي يستطيع أن يرسي قواعد نمط جديد من التنظيم الفلاحي الذي يوّحد الفلاحين الفقراء والمتوسطين مع الطبقة العاملة وليس مع البرجوازية. لقد كانت مشكلة انتصار الانتفاضة الفلاحية هي مشكلة انتصار الطبقة العاملة في المدن.
وعندما وجّه العمال الضربة القاضية للبرجوازية في أكتوبر، حلّوا بذلك مشكلة انتصار الانتفاضة الفلاحية.
ويقول فيما بعد:
“… إن جوهر الأمر كله هو هذا: بحكم ظروف تاريخية محدّدة تحالفت روسيا البرجوازية عام 1917 مع مالكي الأرض. وحتى أكثر الأجنحة يسارية ضمن البرجوازية، كالمنشفيك والاشتراكيين-الثوريين، لم يستطع أن يذهب إلى أبعد من تأمين صفقة لصالح مالكي الأرض. هنا يكمن أهمّ فارق بين ظروف الثورة الروسية وظروف الثورة الفرنسية التي اندلعت منذ ما يقارب القرن… لم يكن بإمكان الثورة الفلاحية أن تنتصر كثورة برجوازية عام 1917. [تماما ! – ل. ت.] كان أمامها طريقان. فأما أن تنهزم تحت الضربات التي يوجهها إليها البرجوازيون ومالكو الأرض، وإما أن تنتصر كحركة مواكبة ومناصرة لثورة البروليتاريا. إن الطبقة العاملة في روسيا قد أمنت احتمال قيامها بثورة بروليتارية ناجحة عندما حملت الرسالة التي حملتها البرجوازية في الثورة الفرنسية العظمى عوضا عنها، وعندما اضطلعت بمهمة قيادة الثورة الديموقراطية الزراعية. (“الحركة الفلاحية عام 1917” – ص10-11، و11-12، دار الدولة للنشر – 1927).
ما هي العناصر الرئيسية في حجج ياكوفليف ؟ عجز الفلاحين عن لعب دور سياسي مستقل؛ ما ينتج عن ذلك من حتمية أن تلعب الطبقة في المدن دورا قياديا؛ عدم تمكن البرجوازية الروسية من قيادة الثورة الزراعية؛ ما ينتج عن ذلك من حتمية أن تلعب البروليتاريا دورا قياديا؛ استيلاؤها على الحكم بوصفها قائدة الثورة الزراعية؛ وأخيرا، دكتاتورية البروليتاريا التي تعتمد على الحرب الفلاحية وتفتتح حقبة الثورة الإشتراكية. إن هذا ينسف من الأساس الطرح الغيبي لمسألة الطابع “البرجوازي” أم “الاشتراكي” للثورة. إن جوهر الموضوع يكمن في أنه لا يمكن حلّ القضية الزراعية، التي هي أساس الثورة البرجوازية، في ظل حكم البرجوازية، لم تظهر دكتاتورية البروليتاريا على الساحة بعد إتمام الثورة الديموقراطية الزراعية، ولكنها ظهرت كشرط مسبق ضروري لإتمامها. وبكلمة: ففي نهج ياكوفليف الذي يلتفت إلى الماضي نجد جميع العناصر الأساسية المكونة لنظرية الثورة الدائمة كما صغتها عام 1905. كانت المسألة بالنسبة لي مسألة توقّع تاريخي؛ أما ياكوفليف، الذي يعتمد على دراسات تحضيرية حضرها جهاز كامل من الباحثين الشباب، فقد أجرى عملية كشف حساب لأحداث الثورات الثلاث بعد الثورة الأولى باثنتين وعشرين سنة وبعد ثورة أكتوبر بعشر سنين. ثم ماذا ؟ يردّد ياكوفليف حرفيا تقريبا ما قلته عام 1905.
ومع ذلك، فما هو موقف ياكوفليف من نظرية الثورة الدائمة ؟ إنه موقف جدير بأي موظف ستاليني يريد أن يبقى في منصبه وحتى أن يرقى إلى منصب أعلى. ولكن كيف يوفق ياكوفليف، والحالة هذه، بين تقييمه للقوى الدافعة لثورة أكتوبر وبين الصراع ضد “التروتسكية” ؟ إنه يفعل ذلك ببساطة متناهية إذ انه لا يعير مثل هذا التوفيق أي اهتمام. إنه شبيه ببعض الموظفين الليبراليين القيصريين الذين كانوا يقرّون نظرية داروين ويذهبون في نفس الوقت للمناولة في الكنيسة؛ لذا فهو يشتري حق التعبير عن أفكار ماركسية بين الحين والآخر بثمن اشتراكه في شعائر التجريح بالثورة الدائمة. ويمكن إعطاء العشرات من الأمثلة المشابهة.
يبقى أن نضيف أن ياكوفليف لم يكتب هذا الكتاب عن تاريخ ثورة أكتوبر بمبادرته الخاصة وإنما فعل ذلك بناءً على قرار اللجنة المركزية التي أوكلت إليّ في الوقت نفسه مهمة مراجعة كتاب ياكوفليف(5). كان شفاء لينين من مرضه ما زال متوقعا في ذلك الحين، فلم يخطر ببال أي من رجال الصف الثاني أن يثير خلافا مصطنعا حول الثورة الدائمة على أي حال، بوصفي المحرر السابق للتأريخ الرسمي لثورة أكتوبر، أو بالأحرى المحرر المقترح لهذا التأريخ، أستطيع أن أكد برضا تام أن المؤلف، فيما يتعلق بجميع المسائل التي هي موضع خلاف، قد استعمل حرفيا بوعي منه أو بدون وعي، الصياغات الموجودة في كتابي الهرطقي الملعون حول الثورة الدائمة: “نتائج وتوقعات”
إن تقييم لينين الشامل للمصير التاريخي للشعار البلشفي يؤكد أن الخلاف بين الاتجاهين: إتجاه “الثورة الدائمة” واتجاه لينين كان ذا طابع ثانوي وفرعي؛ وأن ما يجمع بينهما هو أساسي للغاية. وإن أساسي كلا الإتجاهين للذين اندمجا اندماجا كليا في ثورة أكتوبر لا يتناقض تناقضا تاما مع اتجاه ستالين بين فبراير ومارس، ومع اتجاه كامنييف وريكوف وزينوفييف في الصين فحسب ولكن مع اتجاه راديك الحالي بخصوص الصين أيضا.
وعندما يتهمني راديك، الذي بدّل حكمه على القيم بشكل جذري بين عام 1925 والنصف الثاني من عام 1928، بأني لا أفهم “تعقيد الماركسية-اللينينية” أجيبه: إني أعتبر أن الاتجاه الفكري الأساسي الذي بلورته منذ اثنين وعشرين عاما في “نتائج وتوقعات” قد أكدت صحته وهو، لهذا السبب بالذات، منسجم مع خط البلاشفة الستراتيجي.
وإني –بشكل خاص، لا أرى أي سبب يدعوني للتراجع عمّا قلته عام 1922عن الثورة الدائمة في مقدمة كتابي “العام 1905” الذي قرأه الحزب كله وتدارسه في عدة طبعات ونسخ عندما كان لينين ما يزال على قيد الحياة، والذي بدأ “يزعج” كامنييف في خريف عام 1924 وبدأ “يزعج” راديك لأول مرة في خريف عام 1928. ففي هذه المقدمة أقول:
“في الفترة بين 9 يناير وإضراب أكتوبر بالتحديد كوّن المؤلف هذه الآراء التي سمّيت فيما بعد (نظرية الثورة الدائمة) ؟ إن هذا الإسم الغريب بعض الشيء يعبّر عن الفكرة القائلة أن الثورة الروسية التي تواجهها مهام برجوازية لا تستطيع أن تتوقف عند هذه المهام بأي حال من الأحوال. فلا يمكن للثورة أن تنجز مهامها البرجوازية العاجلة إلاّ إذا أتت بالبروليتاريا إلى الحكم…
لقد تأكدت صحة هذا التقييم ولكن بعد انقضاء اثنتي عشرة سنة. ولا يمكن للثورة الروسية أن تنتهي إلى إقامة نظام ديموقراطي- برجوازي. فلابد لها من أن تنقل السلطة إلى يد الطبقة العاملة. وإذا كانت الطبقة العاملة ما تزال ضعيفة بحيث لم تستطع أن تستولي على الحكم عام 1905، فقد كان عليها أن تنضج وتقوى في ظروف العمل السرّي إبان (قيصرية الثالث من يونيو)(6) وليس في الجمهورية الديموقراطية-البرجوازية”.
(ليون تروتسكي: المؤلفات الكاملة: “العام 1905” – المقدمة – ص4 و5 – الطبعة الروسية).
أريد أن أستشهد بالإضافة إلى ذلك بأحكام سجالية أكثر حدّة أطلقتها على شعار “الدكتاتورية الديموقراطية”. ففي عام 1909، كتبت في مجلة روزا لوكسمبورغ في بولونيا ما يلي:
في حين ينطلق المنشفيك من الفكرة المجردة التي تقول أن ثورتنا “ثورة ديموقراطية” ويصلون إلى فكرة تكييف تكتيك البروليتاريا كله مع سلوك البرجوازية الليبرالية بما فيه استلام الحكم، ينطلق البلاشفة من التجريد العقيم نفسه: “الدكتاتورية الديموقراطية وليس الديكتاتورية الاشتراكية” ويصلون إلى الفكرة القائلة بأن تقتصر البروليتاريا الحاكمة على تحقيق الثورة الديموقراطية البرجوازية. إن الفرق بينهما حول هذه المسألة لهو فرق على جانب كبير من الأهمية: في حين تتجلّى الآن الجوانب المعادية للثورة الكامنة عند المنشفيك، تمدد السمات المعادية للثورة الكامنة عند البلاشفة بأن تغدو خطرا كبيرا فقط في حال إنتصار الثورة”
لقد أضفت في يناير 1922 إلى هذا المقطع من المقالة، الذي أعيد طبعه في الطبعة الروسية من كتاب “عام 1905″، ما يلي:
“إن هذا لم يحصل، كما هو معلوم، لأن البلشفية حققت بقيادة لينين (ولكن بعد فترة من الصراع الداخلي) إعادة تسلحها الإيديولوجي حول هذه المسألة البالغة الأهمية في ربيع عام 1917 أي قبل الاستيلاء على الحكم”.
لقد تعرّض هذان المقطعان منذ عام 1924 إلى وابل عنيف من النقد. والآن، وبعد تأخير أربع سنوات، إنضم راديك إلى صف النقاد. ومع ذلك، فإذا تعمّقنا بدأب في هذه الأسطر، لا بد من أن نقرّ أنها كانت تحتوي على توقع هام وعلى تحذير لا يقل عنه أهمية. ويبقى الأمر التالي: عند حدوث ثورة فبراير كانت ما تسمى القيادات البلشفية القديمة ما تزال تتخذ موقف مجابهة الدكتاتورية الإشتراكية بالدكتاتورية الديموقراطية. وحوّل أقرب تلامذة لينين معادلته “الجبرية” إلى بنيان غيبي بحث موجهين إياه ضد المسيرة الحقيقية للثورة. وعند هذا المنعطف التاريخي البالغ الأهمية، تبنت القيادات البلشفية العليا في داخل روسيا موقفا رجعيا ولولا مجيء لينين في الوقت المناسب لكانت اغتالت ثورة أكتوبر باسم الصراع ضد التروتسكية مثلما اغتالت فيما بعد الثورة الصينية. إن راديك يصف، بخشوع، هذا الموقف الخاطئ الذي اتخذه القطاع القيادي للحزب بأنه نوع من “الصدفة”. ولكن هذا لا قيمة له كتفسير ماركسي للموقف الديموقراطي المبتذل الذي اتخذه كامنييف، وزينوفييف، وستالين، ومولوتوف، وريكوف، وكالينين، وفوجين، ومليفين، وكرتنسكي، وفرونز، وبارالافسكي، وأردجو، وبريوبراجنسكي، وسميلغا وعشرات غيرهم من “البلاشفة القدماء”. أليس من الأصح أن نعترف أن المعادلة البلشفية الجبرية القديمة كانت تحوي بعض المخاطر في داخلها ؟ وكما يحدث دائما للصيغ السياسية المبهمة، فقد ملأها التطور السياسي بمضمون معاد للثورة البروليتارية. ومن البديهي لو أن لينين عاش في روسيا وراقب تطور الحزب يوما بعد يوم، وخاصة خلال الحرب، لكان أدخل التصحيحات والتوضيحات واللازمة في الوقت المناسب. ومن حسن حظ الثورة أن لينين وصل في الوقت المناسب، وإن كان متأخرا، لتولي إعادة التسليح الإيديولوجي الضرورية. إن حسّ البروليتاريا الطبقي والضغط الثوري الذي مارسته قواعد الحزب، الذي مهّد لهما نضال البلشفية السابق بمجمله، قد مكّنا لينين من أن يغيّر سياسة الحزب إلى اتجاه جديد وفي الوقت المناسب، ذلك في صراعه مع قيادات الحزب العليا وبالرغم من مقاومتها.
هل يعني هذا أن علينا أن نقبل الآن صيغة لينين كما كانت عليه عام 1905 بشكلها الجبري وبكل إبهامها بالنسبة للصين والهند والبلدان الأخرى؛ وأن علينا أن نترك أمر ملء هذه الصيغة بمضمون وطني-ديموقراطي وبرجوازي صغير لامثال ريكوف وستالين في الصين والهند (تانغ بينغ-شان، روي، وغيرهم)، ثم ننتظر إلى حين ظهور لينين جديد ليتولى القيام بالتصحيحات اللازمة مثلما فعل في الرابع من أبريل ؟ ولكن هل إن هذا التصحيح مضمون بالنسبة للصين والهند ؟ أليس من الأفضل أن ندخل إلى هذه الصيغة تلك التصحيحات المحددة التي أثبتت تجربة روسيا والهند كليهما ضرورة إدخالها ؟
هل يعني ما سبق أنه يجب أن ننظر إلى شعار دكتاتورية العمال والفلاحين الديموقراطية على أنه مجرد “خطأ” ؟ كما نعلم، فإن آراء الإنسان وأفعاله تقسم الآن إلى فئتين: الصحيحة منها وتمام الصحة، أي تلك التي تنسجم مع “الخط العام”؛ والمغلوطة منها تمام الغلط، أي تلك التي تنحرف عن هذا الخط. إلاّ أن هذا لا يحول “طبعا” دون أن يعلن أن ما كان صحيحا تماما بالأمس قد غدا مغلوطا تماما اليوم. ولكن قبل ظهور “الخط العام” عرف التطور الحقيقي للآراء أسلوب التقريبات المتتالية من الحقيقة. حتى في القسمة البسيطة في الحساب نجد أنه من الضروري الاختبار في انتقاء الآحاد؛ فيبدأ المرء بآحاد كبيرة أو صغيرة ثم يرفضها جميعا إلاّ واحدة خلال عملية الاختبار. وفي تحديد الهدف في قصف المدفعية يسمى أسلوب التقريبات المتتالية من الهدف “التجميع”. ولا مفر مطلقا من اعتماد أسلوب التقريب في السياسة كذلك. إن القضية كلها هي أن نفهم في الوقت المناسب أننا قد أخطأنا الهدف وأن ندخل التصحيحات اللازمة دون تأخير.
إن الأهمية التاريخية العظيمة لصيغة لينين تكمن في كونها قد تفحصت إلى النهاية أهم القضايا النظرية والسياسية، في ظروف حقبة تاريخية جديدة، وبخاصة قضية مدى الإستقلال السياسي الذي قد تبلغه مختلف التجمعات البرجوازية الصغيرة بشكل عام والفلاحون بشكل خاص. وبفضل كمالها فإن التجربة البلشفية بين عام 1905 و1917 قد أوصدت الباب بإحكام في وجه “الدكتاتورية الديموقراطية”. وكتب لينين بيده فوق الباب هذه العبارة: “لا دخول –لا خروج”.
ولقد صاغها بهذه الكلمات: إما أن يسير الفلاح مع البرجوازي وإما أن يسير مع العامل. ومع ذلك فقد تغافل رجال الصف الثاني عن هذا الاستنتاج الذي تؤدي إليه الصيغة البلشفية القديمة تغافلا تاما، وعلى عكس هذه الصيغة رسموا فرضية مؤقتة بإدخال هذه الصيغة في البرنامج. هنا، بشكل عام، يكمن جوهر ذهنية رجال الصف الثاني.
الفصل السادس: حول القفز عن المراحل التاريخية
إن راديك لا يكتفي باجترار بعض التمرينات النقدية الرسمية التي عاشت في السنوات الأخيرة، إنه يبسطها أيضا في بعض الأحيان، عندما يكون ذلك ممكنا. ويمكن أن نستنتج، من خلال ما يكتبه، إني لا أميِّز مطلقا بين الثورة البرجوازية والثورة الاشتراكية، وبين الشرق والغرب، وإني لم أتبدل في ذلك منذ عام 1905. ويحذو حذو ستالين فيذكرني بأنه لا يجوز القفز عن المراحل التاريخية.
يجب أن نتساءل أولا بأول: إذا كنت قد اعتبرت في عام 1905 أن القضية لا تتعدى كونها قضية “ثورة اشتراكية”، لماذا إذن توقعت أن تبدأ هذه الثورة في روسيا المتخلفة قبل أن تبدأ في أوروبا المتقدمة ؟ هل كان دلك بدافع الحمية الوطنية ?ام بدافع من العزة القومية ? ومع ذلك، فهذا ما حدث بالفعل. هل يفهم راديك أنه لو تحققت الثورة الديموقراطية في بلدنا كمرحلة مستقلة لما كانت دكتاتورية البروليتاريا تحققت ؟ وإذا كنا قد وصلنا إلى هذه الدكتاتورية قبل أن يصل إليها الغرب، فإنما يعود ذلك إلى كون التاريخ قد جمع، – لم يخلط – ولكنه جمع جمعا عضويا، بين المضمون الأساسي للثورة البرجوازية وبين المرحلة الأولى من ثورة البروليتاريا ليس إلاّ.
إن التمييز بين الثورة البرجوازية والثورة البروليتارية يدخل في نطاق “ألف باء” السياسة. وبعد “الألف باء” تأتي “المقاطع الصوتية” التي تتركب من الأحرف. إن التاريخ قد حقق هذا التركيب إذ ضم أهم أحرف في الأبجدية البرجوازية إلى الأحرف الأولى من الأبجدية الاشتراكية. وبالرغم من ذلك، يريد راديك أن يعود بنا من “المقاطع” التي سبق أن تكونت إلى “الألف باء”. إن هذا الأمر تعيس لكنه واقع.
من العبث القول باستحالة القفز عن المراحل. لأن مسيرة التاريخ الحية تقفز دوما عن “مراحل” معزولة مستمدة من تقسيم عملية التطور بكليتها إلى عناصرها المكونة على الصعيد النظري، أي أنه يجري معالجتها في مداها الأرحب. إن السياسة الثورية مطالبة بأن تقوم بالعملية ذاتها في اللحظات الحاسمة. فالفرق الأول بين الثوري والتطوري المبتذل يكمن في المقدرة على التعرف إلى مثل هذه اللحظات واستغلالها.
إن تقسيم ماركس لتطور الصناعة إلى مرحلة الحرف، ومرحلة المانفاتورة، ومرحلة المصنع، يدخل في “ألف باء” الاقتصاد السياسي، وبتحديد أكثر في “ألف باء” النظرية التاريخية-الاقتصادية. ومع ذلك فقد ظهر المصنع في روسيا بالقفز عن مرحلتي المانفاتورة والحرف في المدن. إن هذه الحقيقة تدخل تحت عنوان “المقاطع الصوتية” في التاريخ. وقد حصل تطور مشابه لهذا التطور على صعيد السياسة والعلاقات الطبقية في بلدنا. وليس بالإمكان فهم تاريخ روسيا المعاصر بدون أن نفهم منهج ماركس الذي يقول بالمراحل الثلاث: الحرف، المانفاتورة، المصنع. بيد أن معرفة هذه الأمور وحدها لا تكفي. ذلك أن تاريخ روسيا قد قفز بالفعل عن بضعة مراحل (ليس من الضروري أن يعتبر ستالين أن هذا القول موجه ضده بالذات). ولكن التمييز النظري بين هذه المراحل أمر ضروري لروسيا أيضا، فبدونه لا نستطيع أن نفهم طبيعة القفزة ولا نتائجها.
ومن الممكن أن ننظر إلى القضية من زاوية أخرى (مثلما نظر لينين في بعض الأحيان إلى موضوع السلطة المزدوجة)، فنقول أن روسيا قد مرت بالمراحل الثلاث التي يتكلم عنها ماركس، غير أن المرحلتين الأوليين لم توجدا إلاّ بشكل جنيني صغير جدا. إن وجود هذه “الرواسب”، أي وجود مرحلتي الحرف والمانيفاتورة، اللتين لا يمكن تمييزهما إلاّ بصعوبة بالغة، يكفي لإثبات الوحدة التكوينية للعملية الإقتصادية، ولكن تقلص هاتين المرحلتين الكمي كان عظيما إلى درجة أنه ولد اختلافا نوعيا في كل بنية الأمة الاجتماعية. وأوضح تعبير عن هذا “الاختلاف النوعي” على الصعيد السياسي هو ثورة أكتوبر.
إنما ما لا يمكن تحمله في كل هذا النقاش هو “تفلسف” ستالين الذي يجمع كل بضاعته النظرية في كيسين اثنين، فيضع في الأول: “قانون التطور غير المتكافئ”، ويضع في الثاني: “استحالة القفز عن المراحل”. إن ستالين ما يزال إلى يومنا هذا عاجزا عن أن يفقه أن القفز عن المراحل (أو المكوث مدة طويلة في مرحلة واحدة) هو بالتحديد ما نعنيه عندما نتحدث عن التطور غير المتكافئ. وبجدية لا تضاهيها جدية، يتصدى ستالين لنظرية الثورة الدائمة… بقانون التطور غير المتكافئ. إن توقع وصول روسيا المتأخرة تاريخيا، إلى ثورة البروليتاريا قبل وصول إنكلترا المتقدمة إليها، إنما يرتكز جملة وتفصيلا على قانون التطور غير المتكافئ. ولكي نتوصل إلى هذا التوقع، يجب أن نفهم عدم التكافؤ التاريخي بكل وضوحه الحي، لا أن نجترّ مقطعا كتبه لينين عام 1915 إلى ما لا نهاية بعد أن نقلبه رأسا على عقب ونفسّره بجهل مطبق.
من السهل نسبيا أن نتفهم جدلية “المراحل” التاريخية في فترات التقدم الثوري. وعلى العكس من ذلك، تكون المذاهب التطورية الرخيصة هي الطاغية طبعا في فترات الردة الرجعية. إن الستالينية، هذا الفيض من الابتذال الأيديولوجي والابنة المدللة للردة في الحزب، قد خلقت من التطور على مراحل طقسا قائما بذاته تغطي فيه تبعيتها السياسية ومواقفها التجريبية. إن راديك قد وقع بدوره في فخ هذه الإيديولوجيا الرجعية.
إن إحدى مراحل العملية التاريخية قد تكون حتمية في ظروف معينة دون أن تكون حتمية على الصعيد النظري. وعلى العكس من ذلك، فإن حيوية التطور قد تتخطى “مراحل” تعتبر حتميا نظريا، خاصة خلال الثورات التي لم تسم عبثا: قاطرات التاريخ.
مثال على ذلك: قفزت البروليتاريا في روسيا على مرحلة البرلمانية الديموقراطية، فلم تمهل “الجمعية التأسيسية” سوى بضع ساعات تافهة. غير أن مرحلة الثورة-المضادة في الصين لا يمكن القفز عنها بأي حال من الأحوال مثلما لم يكن بالإمكان القفز عن مرحلة مجالس “الدوما” الأربع في روسيا. إن مرحلة الثورة-المضادة الحالية في الصين لا يمكن اعتبارها بأي حال من الأحوال مرحلة “لا بد منها” من وجهة النظر التاريخية. لأنها النتيجة المباشرة لسياسة ستالين وبوخارين الفاجعة وسيدخل هذان الرجلان التاريخ من الباب الذي كتب عليه “منظمو الهزائم”. على أن ثمار الإنتهازية قد أصبحت عاملا موضوعيا يمكن أن يعرقل المسيرة الثورية لمدة طويلة.
إن كل محاولة للقفز على مراحل حقيقية، أي عن تلك المراحل التي يمكن تحديدها موضوعيا كمرحلة في تطور الجماهير، إن كل محاولة كهذه هي ضرب من المغامرة السياسية ليس إلاّ. ما دامت أغلبية الجماهير الكادحة تثق بالديموقراطيين الاجتماعيين مثلا، أو الكيومنتانغ أو بقيادة النقابات، لن نستطيع أن نطالبها بالقضاء العاجل على السلطة البرجوازية. بل يجب تهيئة الجماهير لتقبل مثل هذه المهام. وقد تستغرق عملية التهيئة هذه “مرحلة” طويلة جدا. إن “الذيلي” فقط هو الذي يعتقد أنه علينا أن “نبقى مع الجماهير” في الجناح اليميني من الكيومنتانغ أولا ثم في الجناح اليساري منه ثانيا، أو أن ننشئ جبهة مع “بورسيل”(1) مخرب الإضرابات العمالية “حتى يخيب ظن الجماهير بقيادتها”، وفي أثناء هذه الفترة كلها نمحض هؤلاء أنفسهم ثقتنا كاملة.
إن راديك ما زال يتذكر أن بعض “الجدليين” قد نعتوا المطالبة بخروج الحزب الشيوعي من الكيومنتانغ وبحل اللجنة الأنكلو-روسية بأنها ليست سوى عملية “قفز” عن المراحل تؤدي إلى الانفصال عن الفلاحين (في حالة الصين) وعن الجماهير العمالية (في حالة إنكلترا). إن راديك يتذكر ذلك لأنه كان أحد هؤلاء “الجدليين” التعسين. أما الآن فهو يوغل في أخطائه الإنتهازية ويعممها ليس إلاّ.
في أبريل عام 1919، كتب لينين في مقال له على شكل برنامج بعنوان “الأممية الثالثة ومكانتها في التاريخ”:
“لن نكون على خطأ إذا قلنا أن هذا التناقض بالذات بين روسيا المتخلفة وبين “قفزتها” عن المرحلة الديموقراطية البرجوازية إلى أعلى مستوى من مستويات الديموقراطية الذي هو الديموقراطية السوفييتية أو البروليتارية قد أخر في تفهم الغرب لدور السوفييت ووضع العراقيل في طريق هذا الفهم”.
(لينين: “المؤلفات الكاملة” – المجلد 16 – ص183 – الطبعة الروسية).
يقول لينين هنا وبشكل مباشر، إن روسيا قد “قفزت عن المرحلة الديموقراطية البرجوازية”. وتتضح في موضوعة لينين جميع البراهين الضرورية، فعلى كل حال، لا تعتبر الجدلية أنه من الضروري دائما أن نكرر جميع الظروف المحددة، ويفترض الكاتب من جهته أنه في عقل القارئ بعض الفهم. وبالرغم من ذلك؛ فقد ظلّت القفزة عن الديموقراطية البرجوازية، على حد تعبير ملاحظة لينين المصيبة، تزيد في صعوبة فهم دور السوفييت من قبل جميع المذهبيين والمنهجيين ليس “في الغرب” فحسب، ولكن في الشرق أيضا.
في مقدمتي لكتاب “العام 1905″، الذي أخذ يزعج راديك فجأة الآن، عالجت هذه القضية على النحو التالي:
“حتى في عام 1905 كان عمال بطرسبورغ يطلقون على السوفييت الذي انشأوه اسم “حكومة البروليتاريا” وكانت هذه التسمية تجري على كل لسان في ذلك الحين، وقد تجسدت بشكل كامل في برنامج نضال الطبقة العاملة من أجل استلام الحكم. ولكننا كنا نتصدى، في الوقت نفسه، للنظام القيصري ببرنامج كامل من الديموقراطية السياسية (حق الاقتراع للجميع، الجمهورية، الميليشيا، إلى آخره). ولم يكن أمامنا من سبيل، لأن الديمقراطية السياسية مرحلة ضرورية من مراحل نمو الجماهير العاملة، مع إيراد تحفظ مبدئي: قد تستغرق هذه المرحلة عقودا من الزمن في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يتيح الوضع الثوري للجماهير فرصة تحرير نفسها من عُقَد الديموقراطية السياسية قبل أن تكون مؤسساتها قد تحولت إلى واقع”
(تروتسكي: “العام 1905” – المقدمة – ص7)
وبالمناسبة، فإن هذه الأفكار التي تنسجم مع أفكار لينين التي استشهدت بها منذ قليل، كافية، برأيي، لتفسير ضرورة التصدّي لدكتاتورية الكيومنتانغ “ببرنامج مفصّل من الشعارات الديموقراطية السياسية”. ولكن عند هذه النقطة بالذات ينعطف راديك إلى اليسار. ففي فترة التقدم الثوري كان يعارض انسحاب الحزب الشيوعي الصيني من الكيومنتانغ، أما في فترة الديكتاتورية المضادة للثورة فإنه يعارض تكتيل العمال الصينيين حول الشعارات الديموقراطية. إنه كمن يرتدي الصوف في الصيف ويخرج عاريا في الشتاء.
الفصل السابع: ماذا يعني شعار “الدكتاتورية الديموقراطية” بالنسبة للشرق الآن ؟
إن راديك إذ يتيه في المفهوم الستاليني التطوري المدّعي وغير الثوري حول “المراحل” التاريخية، يسعى الآن إلى تقديس شعار “ديكتاتورية العمال والفلاحين الديموقراطية: بالنسبة للشرق عامة. ضمن “الفرضية العملية” البلشفية التي كيّفها لينين مع سير التطور في بلد محدّد وعدّلها وبلورها ثم أهملها في مرحلة معينة، من هذه الفرضية يبني راديك منهجا يرتفع فوق التاريخ. وحول هذه النقطة يكرّر بعناد في مقالاته:
“هذه النظرية والخطة المستنبطة منها تنطبق على جميع البلدان ذات التطور الرأسمالي الفتيّ، حيث البرجوازية لم تحلّ مشكلة الإرث الذي تركته التكوينات الإجتماعية-السياسة السابقة”.
فكِّر أيها القارئ، بهذه الصيغة: أليست تبريرا لموقف كامنييف عام 1917 ؟ هل حلّت “البرجوازية الروسية مشكلات الثورة الديموقراطية بعد ثورة فبراير ؟ كلا، لقد ظلت هذه المشكلات بدون حلّ، بما فيها أهمها: المشكلة الزراعية. كيف أمكن أن يفشل لينين في أن يفهم أن الشعار القديم ما زال “ساري المفعول” ؟ ولماذا تخلّى عن هذا الشعار ؟
لقد أجابنا راديك حول هذه النقطة من قبل: لقد تخلى لينين عن هذا الشعار لأنه كان “قد تحقق”. وقد تفحصنا هذه الإجابة. إنها متهافتة، ومتهافتة بشكل مزدوج على لسان راديك الذي يعتقد بأن جوهر الشعار اللينيني القديم لا يكمن مطلقا في أشكال الحكم ولكن في التصفية الفعلية لنظام الرق بواسطة تعاون البروليتاريا مع الفلاحين. ولكن هذا هو بالتأكيد ما لم تفعله الكرينسكية. وينتج عن ذلك أن عودة راديك إلى ماضي بلدنا بغية إيجاد حل لأخطر قضية من قضايا اليوم، القضية الصينية، ضرب من العبث ليس إلاّ. لم يكن المطلوب أن نتحرّى ما فهمه تروتسكي أو ما لم يفهمه عام 1905، ولكن ما لم يستطع أن يفهمه ستالين ومولوتوف وخاصة ريكوف وكامنييف بين فبراير ومارس 1917 (لست أدري ماذا كان موقف راديك في ذلك الحين). لأنه إذا اعتقدنا أن الديكتاتورية الديموقراطية قد “تحققت” إلى ذلك المدى في السلطة المزدوجة بحيث تقتضي تبدلا سريعا في الشعار الأساسي، إذن علينا أن نعترف بأن “الديكتاتورية الديموقراطية” قد تحققت في الصين بشكل أكمل وأشمل خلال نظام حكم الكيومنتانغ، أي خلال حكم تشانغ كاي تشيك ووانغ تشينغ-وي وذيلهما تانغ بينغ-شان(1). لذا، فمن الضروري جدا أن نغيّر الشعار في الصين.
على كل، ألم تتم تصفية “الارث الذي تركته التكوينات الاجتماعية-السياسية السابقة” في الصين ؟ كلا، لم يتم تصفيتها بعد. ولكن، هل تمت تصفيتها في روسيا يوم 4 أبريل 1917 عندما أعلن لينين الحرب على الفئة العليا من “البلاشفة القدامى” ؟ إن راديك يناقض نفسه بشكل تعيس ويرتبك ويقفز من جهة لأخرى. فلنلاحظ، في هذا الصدد، أنه ليس من قبيل الصدفة أن يستعمل راديك تعبيرا معقدا مثل “الإرث الذي تركته التكوينات”، ويتلاعب بمشتقاته، ويتحاشى بشكل جلي استعمال عبارة أوضح مثل “بقايا الإقطاع أو الرق”، لماذا ؟ لأن راديك أنكر بالأمس فقط وجود هذه البقايا إنكارا تاما فنسف بذلك كل أساس لشعار الديكتاتورية الديموقراطية. ففي تقريره إلى “الأكاديمية الشيوعية” قال:
“إن جذور الثورة الصينية لا تقل عمقا عن جذور ثورتنا عام 1905. وبامكاننا أن نؤكد أن تحالف الطبقة العاملة مع الفلاحين سيكون أقوى مما كان عليه عندنا في 1905، لسبب بسيط هو أن هذا التحالف لن يكون موجها ضد طبقتين اثنتين ولكن ضد طبقة واحدة هي البرجوازية”.
أجل، “لسبب بسيط”. عندما توجّه البروليتاريا المتحالفة مع الفلاحين معركتها ضد طبقة واحدة في البرجوازية، وليس ضد بقايا الإقطاع ولكن ضد البرجوازية، ماذا تُسمى هذه الثورات إذا سمحت ؟ ثورة ديموقراطية ربما ؟ فلنتذكر فقط أن راديك لم يقل هذا عام 1905 ولا حتى عام 1909 ولكن في مارس عام 1927، فكيف نفهم ذلك ؟ ببساطة تامة. ففي مارس عام 1927 انحرف راديك أيضا عن الطريق المستقيم ولكن بالاتجاه آخر. في أطروحاتها حول الثورة الصينية، أدخلت “المعارضة” تصحيحا هاما للغاية على نظرة راديك الجزئية في ذلك الحين. ولكن الكلمات التي استشهدنا بها منذ قليل تحوي بعض الحقيقة: لا يكاد يوجد طبقة من أسياد الأرض في الصين، فمالكو الأرض فيها أكثر التصاقا بالرأسماليين مما كان عليه في روسيا القيصرية، لذلك فإن ثقل القضية الزراعية في الصين أقل مما كانوا عليه في روسيا القيصرية؛ ولكن، من جهة أخرى، فإن قضية التحرر الوطني أكثر أهمية. وبالتالي، فإن مؤهلات الفلاحين الصينيين للنضال السياسي الثوري المستقل من أجل تجديد البلد على أسس ديموقراطية لا يمكن أن تكون أكثر من مؤهلات الفلاحين الروس. وقد عبّر هذا عن نفسه، من بين تعبيرات أخرى، بعدم “نشوء “حزب نارودني” (شعبي) يرفع راية الثورة الزراعية في الصين قبل 1925 أو خلال السنوات الثلاث للثورة. إن كل هذا إنما يشير إلى أن صيغة الديكتاتورية الديموقراطية، بالنسبة للصين التي تركت وراءها تجربة 1925-1927، تشكل فخا رجعيا أشد خطورة مما كانت تشكله في روسيا بعد ثورة فبراير.
إن الرحلة الأخرى التي يعود بها راديك إلى الماضي السحيق ترتد عليه بدون رحمة. يتعلق الأمر هذه المرة بشعار الثورة الدائمة الذي طرحه ماركس عام 1850(2). يقول راديك:
“إن ماركس لم يطرح شعار الديكتاتورية الديموقراطية، في حين كان هذا الشعار بين 1905 و1907 المحور السياسي لفكر لينين وكان جزءا مكونا من مفهومه للثورة في جميع[ ؟] البلدان ذات التطور الرأسمالي البدائي[ ؟].”
اعتمادا على بضعة أسطر من لينين، يفسر راديك الاختلاف في المواقف بإرجاعه إلى أن المهمة الأساسية للثورة الألمانية كانت الوحدة القومية، في حين هي في روسيا الثورة الزراعية. إذا لم تتم هذه المقارنة بشكل آلي، وإذا احتفظنا بحس للنسبة، يكون هذا القول صحيحا إلى حد ما. ولكن كيف يبدو الوضع بالنسبة للصين ؟ إن الوزن الخاص للقضية الوطنية في الصين، هذا البلد شبه المستعمر، لهو أكبر، ولا شك، من وزن للقضية الزراعية حتى كما كانت عليه ما بين 1848و1850،لأن القضية في الصين هي قضية توحيد وتحرّر في آن واحد. ولقد صاغ ماركس توقعاته حول الثورة الدائمة في زمن كانت العروش في ألمانيا ما تزال راسخة، وكان “الينكر” ما زالوا يملكون الأرض، ولا يسمح لقيادة البرجوازية بالتحرك إلاّ في كواليس الحكومة. أما في الصين، فقد انهارت الملكية منذ عام 1911، وطبقة ملاكي الأرض ليست موجودة بشكل مستقل، والكيومنتانغ البرجوازي-الوطني يسطر على الحكم وعلاقات الرق ممزوجة بشكل عضوي بالإستغلال البرجوازي. هكذا فالمقارنة بين مواقف ماركس ومواقف لينين التي خاض فيها راديك إنما ترتد ضد شعار الديكتاتورية الديموقراطية في الصين.
غير أن راديك لا ينظر بجدية إلى موقف ماركس، فنظرته إليه عرضية وآنية تقتصر على منشورا عام 1850 حيث كان ماركس ما زال يعتبر الفلاحين الحلفاء الطبيعيين لديموقراطيي البرجوازية الصغيرة في المدن. كان ماركس في ذلك الحين يتوقع مرحلة مستقلة من الثورة الديموقراطية في ألمانيا، يستلم فيها الحكم لفترة قصيرة راديكاليو البرجوازية الصغيرة في المدن بدعم من الفلاحين. هذا هو بيت القصيد ! ولكن هذا هو بالتأكيد ما لم يحصل. وليس من قبيل الصدفة أنه لم يحصل. فحتى في منتصف القرن الأخير، أثبتت ديموقراطية البرجوازية الصغيرة عن عجزها عن تنفيذ ثورتها المستقلة. وقد تعلم ماركس من هذه الأمثولة. ففي 16 أبريل عام 1856، أي بعد مضي ست سنوات على صدور المنشور المنوّه عنه كتب ماركس إلى إنجلز:
“يتوقف كل شيء في ألمانيا على إمكانية تغطية مؤخرة ثورة البروليتاريا بطبعة ثانية من “حرب الفلاحين”(3). إذّاك يصبح الأمر رائعا.”
إن هذه الكلمات المرموقة، التي يتجاهلها راديك تماما، تشكل مدخلا هاما لفهم ثورة أكتوبر ولفهم المشكلة التي تشغلنا هنا بشمولها: هل قفز ماركس عن الثورة الزراعية ؟ كلا، إنه لم يقفز عنها كما رأينا. هل اعتقد بضرورة تحالف العمال مع الفلاحين في الثورة القادمة ؟ أجل. هل توقّع أن يلعب الفلاحون دورا قياديا أو حتى مجرد دور مستقل في الثورة، كلا، لم يتوقع ذلك. فقد انطلق من أن الفلاحين، الذين لم ينجحوا في دعم الديموقراطية البرجوازية في الثورة الديموقراطية المستقلة (بسبب خطأ الديموقراطية-البرجوازية وليس بسبب خطأهم هم)، سيكونون في مركز يسمح لهم بدعم البروليتاريا في ثورتها. “إذاك يصبح الأمر رائعا”. ولكن راديك لا يريد أن يعترف أن هذا هو بالتحديد ما حصل في أكتوبر، وقد حصل بشكل لا غبار عليه.
أما فيما يخص الصين، فالاستنتاجات التي نخلص إليها هنا في غاية الوضوح. إن الخلاف لا يدور حول الدور الحاسم الذي يلعبه الفلاحون كحلفاء، ولكنه يدور حول ما إذا كانت الثورة الزراعية الديموقراطية المستقلة ممكنة في الصين. أم إذا كانت “طبعة ثانية عن حرب الفلاحين” هي التي ستدعم دكتاتورية البروليتاريا. هذه هي الطريقة الوحيدة التي تطرح فيها المسألة. وكل من يطرحها بشكل مغاير يثبت أنه لم يتعلم شيئا ولا يفقه شيئا، بل إنه يضلل الحزب الشيوعي الصيني ويحرفه عن الطريق السليم.
لكي تتمكن بروليتاريا البلدان الشرقية من شق طريق النصر، عليها أن تتخلص في البدء من نظرية ستالين ومارتينوف الرجعية المتحذلقة حول “المراحل” و”الخطوات”، وأن تطرحها جانبا وتهمشها وتكنسها. فلقد نضجت البلشفية خلال صراعها ضد هذا النوع من الذهنية التطورية المستبذلة. لسنا مطالبين بأن نكيّف أنفسنا مع خط سير جرى تحديده بشكل مسبق، ولكن بان نكيف أنفسنا مع الاتجاه الحقيقي الذي يسلكه الصراع الطبقي. فمن الضروري إذن أن نرفض فكرة ستالين وكيوسينين، هذه الفكرة التي تحدّد نظاما تسير وفقه البلدان على مختلف مستويات التطور فيها نحو الثورة؛ ذلك بأن موزّع عليها سلفا حصصا متنوعة من الثورية. علينا أن نكيف أنفسنا مع الاتجاه الحقيقي الذي يسلكه الصراع الطبقي، ومعيننا الذي لا ينضب في هذا المجال هو لينين، شرط أن نأخذ كل فكر لينين بعين الاعتبار.
في عام 1919، وحّد لينين الاستنتاجات المتعلقة بالمرحلة السابقة وخاصة ما يتعلق منها بتنظيم “الأممية الشيوعية”، وصاغها صياغة نظرية متكاملة، وفسّر تجربة الكرنسكية وتجربة ثورة أكتوبر على الشكل التالي: في مجتمع برجوازي تتوفر فيه التناقضات الطبقية المتبلورة إما ان تقوم دكتاتورية برجوازية واضحة أو خفية، وإما أن تقوم دكتاتورية البروليتاريا. إن الكلام عن نظام وسيط كلام مرفوض. فكل ديموقراطية، وكل “دكتاتورية تمارسها الديموقراطية” (لينين هو الذي يسخر من هذا التعبير بوضعه بين هلالين) هي مجرد قناع لحكم البرجوازية الأمر الذي برهنت عليه تجربة أكثر البلدان الأوروبية تخلفا، روسيا، إبان ثورتها البرجوازية، أي إبان المرحلة المهيأة أكثر من غيرها لقيام “دكتاتورية تمارسها الديموقراطية”. وقد اعتبر لينين هذا الاستنتاج قاعدة بنى عليها أطروحاته حول الديموقراطية التي لم تكن سوى تلخيص لتجارب ثورتي فبراير وأكتوبر.
مثل الكثيرين غيره، يفصل راديك بشكل ميكانيكي قضية الديموقراطية عن قضية الدكتاتورية الديموقراطية. وهذا هو مصدر هفوات كبيرة. إن “الدكتاتورية الديموقراطية” ليست سوى قناع يستر حكم البرجوازية خلال الثورة. هذا ما تعلمنا إياه تجربة “السلطة المزدوجة” في بلدنا عام 1917 وتجربة الكيومنتانغ في الصين.
إن الحالة اليائسة التي وصل إليها “رجال الصف الثاني” تتجلى بوضوح في كونهم ما زالوا إلى وقتنا هذا يحاولون مجابهة دكتاتورية البرجوازية ودكتاتورية البروليتاريا بالدكتاتورية الديموقراطية. ولكن هذا يعني أنه على الدكتاتورية الديموقراطية أن تكون ذا طابع انتقالي، إي أن تكون ذات مضمون برجوازي صغير. لذا، فإن مشاركة البروليتاريا فيها لا تبدّل شيئا في الأمر، لأن الطبيعة لا تعترف بقاسم حسابي مشترك بين مختلف الاتجاهات الطبقية. فإذا لم تقم دكتاتورية البرجوازية ولم تقم دكتاتورية البروليتاريا، إذن يجب أن تلعب البرجوازية الصغيرة الدور الموجه والحاسم. غير أن هذا يعودنا إلى نفس القضية التي أجابت عليها عمليا الثورات الروسية الثلاث والثورتان الصينيتان: هل بإمكان البرجوازية الصغيرة اليوم في ظل ظروف سيطرة الإمبريالية على العالم، أن تلعب دورا ثوريا قياديا في البلدان الرأسمالية، حتى ولو كانت القضية تتعلق بالبلدان المتخلفة التي ما تزال تواجهها مشكلة إنجاز مهامها الديموقراطية ؟
عرف التاريخ حقبات تمكنت فيها الفئات الدنيا من البرجوازية الصغيرة من إقامة دكتاتوريتها الثورية. هذا أمر نعرفه جميعا. ولكن جرى ذلك في حقبات لم تكن البروليتاريا فيها، أو سلف البروليتاريا، قد تميّز عن البرجوازية الصغيرة، بل على العكس كانت هده البروليتاريا في وضعها غير المتبلور النواة المقاتلة داخل البرجوازية الصغيرة. غير أن الوضع في زمننا هذا يختلف كل الاختلاف. فليس بإمكاننا التحدث عن مقدرة البرجوازية الصغيرة على توجيه حياتنا المعاصرة، حتى في مجتمع برجوازي متخلف، ما دامت البروليتاريا قد انفصلت عن البرجوازية الصغيرة وأخذت تعادي البرجوازية الكبيرة على أساس التطور الرأسمالي، الأمر الذي يؤدي إلى اضمحلال البرجوازية الصغيرة، ويواجه الفلاحين بخيار سياسي لا مفر منه بين البرجوازية الصغيرة والبروليتاريا. ففي كل مرّة يؤيد فيها الفلاحون حزبا برجوازيا صغيرا في مظهره الخارجي، يكونون عمليا قد دعموا رأس المال المصرفي. خلال فترة الثورة الروسية الأولى أو خلال الفترة ما بين الثورتين الأولى والثانية، كان بالإمكان أن توجد خلافات في الرأي حول درجة استقلال الفلاحين والبرجوازية الصغيرة في الثورة الديموقراطية (حول درجة الاستقلال ليس إلاّ)؛ أما الآن فإن سير الأحداث بمجمله خلال السنوات الاثنتي عشر الأخيرة قد حسم الموضوع بشكل نهائي.
وقد أعيد طرح هذا الموضوع عمليا بعد ثورة أكتوبر في عدة بلدان وبجميع الأشكال والتركيبات الممكنة، وقد حسم في جميع هذه الأمكنة بالطريقة ذاتها. سبق وأشرنا إلى تجربة الكيومنتانغ على أنها تجربة أساسية على غرار التجربة الكرنسكية. ولكن يجب أن نولي التجربة الفاشية في إيطاليا نفس الأهمية، فهناك انتزعت البرجوازية الصغيرة المسلحة الحكم من أيدي الأحزاب البرجوازية القديمة لكي تسلمه رأسا بواسطة قيادتها إلى الأوليغاركية المالية. وطرحت القضية ذاتها في بولونيا، حيث كانت حركة “بيلسودسكي” موجهة بشكل مباشر ضد حكومة تحالف البرجوازيين ومالكي الأرض الرجعية، والتي كانت تعكس أماني الجماهير البرجوازية الصغيرة وحتى أوساط واسعة من البروليتاريا. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يعمد الاشتراكي الديموقراطي البولوني، وارسكي، إلى تشييد ثورة بيلسودسكي “بدكتاتورية العمال والفلاحين الديموقراطية” خشية منه “أن يسيء تقدير الفلاحين”. سوف أخرج عن الموضوع إذا حاولت تحليل التجربة البلغارية، أي السياسة المرتبكة التي اتبعها أمثال كولاروف وكاباكشييف تجاه حزب سطانبولسكي؛ أو التجربة الحزبية التي خاضها حزب العمال والمزارعين في الولايات المتحدة؛ أو تودد زينوفييف لرادييه؛ أو تجربة الحزب الشيوعي في رومانيا؛ وهكذا إلى ما لا نهاية. لقد حللت بعضا من هذه التجارب في خطوطها العريضة في كتابي “نقد مشروع برنامج الأممية الشيوعية”. وقد خلصت من هذه التجارب إلى استنتاج أساسي يؤكد دروس أكتوبر ويدعمها، وبخاصة التي تقول منها أن البرجوازية الصغيرة بما فيها الفلاحون غير قادرة على لعب دور قيادي في مجتمع برجوازي معاصر حتى ولو كان مجتمعا متخلفا في حقبات ثورية أو رجعية على حدّ سواء. إن الفلاحين إمّا أن يدعموا دكتاتورية البرجوازية وإما أن يكون نضالهم حافزا لقيام دكتاتورية البروليتاريا. إن الأشكال الوسطية ما هي إلاّ أقنعة تخفي وراءها دكتاتورية برجوازية، عندما تكون هذه البرجوازية متعثرة أو غير قادرة على الوقوف على رجليها بعد فترة من الاضطرابات (الكرنسكية، الفاشية، نظام حكم بيلسودسكي).
الفلاحون إما أن يتبعوا البرجوازية وإما أن يتبعوا البروليتاريا. ولكن عندما تزمع البروليتاريا على التقدم، بأي ثمن، حتى ولو لم يكن الفلاحون معها، فإنها تثبت في الواقع أنها أصبحت ذيلا لرأسمال المصرفي. أمثل على ذلك: العمال عندما دافعوا عن الوطن الأم في روسيا عام 1917؛ العمال، بما فيهم الشيوعيون أيضا، في الكيومنتانغ في الصين؛ العمال في الحزب الاشتراكي البولوني؛ الشيوعيون أيضا إلى حد ما في بولونيا عام 1927، إلى آخره.
إن من لم يفكر بهذا الأمر حتى نهايته، ومن لم يفهم الأحداث من خلال الأثر الحديث الذي خلفته، فالأفضل له ألاّ يتدخل بالسياسة الثورية مطلقا.
إن الاستنتاج الأساسي الذي خلص إليه لينين بشكل كامل ونهائي من دروس ثورتي فبراير وأكتوبر يرفض فكرة “الدكتاتورية الديموقراطية” رفضا تاما. وهذا ما كرره لينين أكثر من مرة بعد عام 1918:
“إن الإقتصاد السياسي كله، إذا كان أحد قد تعلم منه شيئا، وكل تاريخ الثورة، وكل تاريخ التطور السياسي خلال القرن التاسع عشر يعلموننا أن الفلاح إما أن يتبع العامل وإما أن يتبع البرجوازي… إلى المواطنين الذين لا يفهمون لماذا يحصل ذلك أقول… راقبوا تطور أي من الثورات الكبرى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، راقبوا التاريخ السياسي لأي بلد في القرن التاسع عشر ينبؤكم لماذا يحصل ذلك. إن البنيان الإقتصادي للمجتمع الرأسمالي مركب بحيث لا يمكن لغير رأس المال أو البروليتاريا أن يقلب القوى الحاكمة فيه. لا توجد قوى أخرى في البنيان الاقتصادي لهذا المجتمع”.
(لينين:المؤلفات الكاملة – الجزء 16 – ص 217 – الطبعة الروسية).
القضية لا تتعلق هنا بإنكلترا أو ألمانيا. على أساس الدروس التي تقدمها أي من الثورات الكبرى في القرنين الثامن عشر أو التاسع عشر، أي الثورات البرجوازية في البلدان المتخلفة، يخلص لينين إلى الاستنتاج أن النظامين الممكنين هما دكتاتورية البرجوازية أو دكتاتورية البروليتاريا. فلا يمكن أن تقوم دكتاتورية “ديموقراطية” أي دكتاتورية وسيطة.
وكما نرى، يصل راديك في نهاية نزهته النظرية والتاريخية إلى هذه الحكمة الهزيلة التي تقول أنه يجب تمييز الثورة الاشتراكية عن الثورة الديموقراطية. وبعد أن يخطو راديك هذه “الخطوة”، يرفع يده رأسا مستعينا بكيوسينين(4) الذي ينطلق من مورده الوحيد: “البدهية”، ويعتبر أنه من غير المعقول أن يرفع شعار دكتاتورية البروليتاريا في البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة في آن واحد. وبإخلاص رجل لا يفقه شيئا يتهم كوسينين هذا تروتسكي بأنه لم “يتعلم شيئا” منذ عام 1905. ويحدو راديك حدو كيوسينين فيبدي بدوره هذه الملاحظة اللاذعة: يعتقد تروتسكي “أن خصائص الثوريين الصينية والهندية تكمنان بالتحديد في أنه لا يمكن تمييزهما، بأي حال من الأحوال، عن الثورات في أوروبا الغربية، لذا يجب أن تؤديا منذ خطواتهما الأولى [ ؟ !] إلى دكتاتورية البروليتاريا”.
غير أن راديك ينسى أمرا بسيطا في هذا الصدد: لم يسبق أن تحققت دكتاتورية البروليتاريا في بلد أوروبي ولكنها تحققت بالتأكيد في بلد متخلف في شرق أوروبا. هل يجب أن يُلام تروتسكي إذا كانت العملية التاريخية قد تغافلت “خصائص” روسيا ؟ وينسى راديك أيضا أن البرجوازية، وبشكل أدق رأس المال المصرفي، يحكم في جميع البلدان الرأسمالية بالرغم من اختلاف في مستوى تطورها وفي بنيانها الاجتماعي وتقاليدها وما شابه، أي بالرغم من “خصائصها”. هنا أيضا نجد أن التطور التاريخي هو الذي لم يحترم هذه الخصوصية وليس تروتسكي.
أين، إذن، يكمن التمايز بين البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة ؟ إن التمايز كبير، غير أنه يبقى محصورا ضمن حدود طغيان العلاقات الرأسمالية. إن أساليب البرجوازية والأشكال التي يتخذها حكمها تختلف كثيرا باختلاف البلدان. ففي جهة، يتخذ هذا الطغيان طابعا مطلقا مباشرا كما في الولايات المتحدة. وفي الجهة المقابلة، يتكيف رأس المال المصرفي مع المؤسسات البالية الموروثة عن القرون الوسطى الآسيوية بأن يخضعها لسيطرته ويفرض عليها وسائله الخاصة، كما هو الحال في الهند. غير أن البرجوازية تحكم في كلا البلدين. وينجم عن ذلك أن دكتاتورية البروليتاريا ستأخذ بدورها طابعا متنوعا للغاية فيما يتعلق بأساسها الإجتماعي وأشكالها السياسية ومهامها العاجلة وسرعة عملها في مختلف البلدان الرأسمالية. غير أن قيادة جماهير الشعب نحو الانتصار على جبهة الإمبرياليين والإقطاعيين والبرجوازيين الوطنيين لا يمكن أن تتحكم إلاّ تحت هيمنة البروليتاريا الثورية التي تحول نفسها بعد استلامها الحكم إلى دكتاتورية البروليتاريا.
يتوهم راديك أنه عندما يقسم الإنسانية إلى فئتين: فئة قد “نضجت” لتتقبل الدكتاتورية الاشتراكية، وفئة أخرى قد “نضجت” فقط لتتقبل الدكتاتورية الديموقراطية، فهو قد استطاع بهذا فقط، على العكس مني، أن يأخذ بعين الاعتبار ما يسمى “خصوصية” كل بلد بمفرده. وفي الواقع، إنه قد خرج “بكليشيه” ميتة لا تؤدي إلاّ إلى صرف الشيوعيين عن الدراسة الجدية لخصوصية بلد معين، أي عن التفسير الحي لمختلف الخطوات والمراحل التي يمر فيها التطور التاريخي في ذلك البلد.
إن خصائص بلد لم يحقق ثورته الديموقراطية أو هو لم يكملها بعد لهي ذات مغزى عظيم بحيث يتوجب أخذها كأساس لبرنامج الطليعة البروليتارية. وفقط على أساس برنامج وطني كهذا يستطيع الحزب الشيوعي أن ينمّي نضاله الحقيقي بنجاح في سبيل أغلبية الطبقة العاملة وسائر الكادحين ضد البرجوازية وضد عملائها الديمقراطيين.
إن إمكان نجاح هذا الصراع يتوقف إلى حد بعيد طبعا على الدور الذي تلعبه البروليتاريا في اقتصاد البلد، وبالتالي على المستوى الذي بلغه تطوره الرأسمالي. غير أن هذا ليس المحك الوحيد. ففي المنزلة ذاتها تقع مسألة ما إذا كان في البلد مشكلة عميقة عاجلة “عند الشعب” تهتم في حلّها أغلبية سكان الأمة؛ ويقتضي حلها اتخاذ الإجراءات الثورية الجرئية. من بين مشكلات من هذا النوع تقع القضيتان الزراعية والوطنية بتركيباتهما المختلفة. فبفضل القضية الزراعية المستعصية والاضطهاد الوطني الذي يطاق في البلدان المتخلفة، تستطيع البروليتاريا الفتية الصغيرة نسبيا ان تصل إلى إلى الحكم على أساس ثورة ديمقراطية وطنية قبل أن تصل البروليتاريا إليه في بلد متقدم على أساس اشتراكي فحسب. منذ ثورة أكتوبر، بدا وكأنه لا مبرر لاثبات ذلك، لكن خلال الردة الأيديولوجية وبسبب عقم “رجال الصف الثاني” النظري أصبح بديهيات المفاهيم الثورية مخنوقة ومتعفنة يطغى عليها شبح كيوسينين إلى درجة أن المرء مجبرٌ في كل مرّة على البدء من البداية.
هل ينجم عما قلناه إن جميع بلدان العالم ناضجة اليوم، بشكل أو بآخر، لقيام الثورة الاشتراكية فيها ؟ كلا. إن هذه الطريقة هي طريقة زمرة ستالين-بوخارين الزائفة الميتة لطرح السؤال. إن الاقتصاد العالمي بمجمله ناضج لقيام ثورة اشتراكية. هذا أمر لا شك فيه. غير أن هذا لا يعني أن كل بلد بمفرده ناضج لقيام ثورة اشتراكية فيه. ماذا سيحصل إذن لدكتاتورية البروليتاريا في سائر البلدان المتخلفة كالصين والهند، إلى آخره ؟ على هذا السؤال نجيب: التاريخ لا يصنع حسب الطلب. إن بلدا ما قد يصبح “ناضجا” لدكتاتورية البروليتاريا ليس فقط قبل أن يكون ناضجا لبناء الاشتراكية بشكل مستقل، ولكن قبل أن يكون ناضجا لتقبل الإجراءات الاشتراكية البعيدة المدى أيضا. فلا يجب أن ننطلق من فرضية مسبقة تدّعي وجود انسجام في التطور الاجتماعي. إن قانون “التطور غير المتكافئ” ما زال على قيد الحياة بالرغم من عناقات ستالين النظرية الرقيقة له. وما زالت قوى هذا القانون تفعل ليس فقط في العلاقات بين البلدان، ولكن في العلاقات المتبادلة بين مختلف العمليات داخل البلد الواحد. ولا يمكن مصالحة العمليات الاقتصادية والسياسية غير المتكافئة إلاّ على الصعيد العالمي. وهذا يعني بشكل خاص أنه لا يمكن معالجة موضوع ديكتاتورية البروليتاريا في الصين بشكل منعزل وضمن حدود الاقتصاد الصيني والسياسة الصينية وحدهما.
عند هذه النقطة بالذات يواجهنا موقفان ينفي أحدهما الآخر: النظرية الثورية العالمية التي تحمل اسم “نظرية الثورة الدائمة”، والنظرية الوطنية الإصلاحية التي تحمل إسم “نظرية الاشتراكية في بلد واحد”. لا تستطيع الصين المتخلفة، ولا أي بلد آخر في العالم عامة، أن تبني الاشتراكية ضمن الحدود الوطنية: إن قوى الإنتاج ذات التطور السريع والتي تخطت الحدود الوطنية تقف في وجه مثل هذا العمل، وكذلك تفعل تلك القوى التي لم تتطور التطور الكافي لتقبل التأميم. إن دكتاتورية البروليتاريا في بريطانيا، مثلا، سوف تجابه مصاعب وتناقضات تختلف نوعيا عن تلك التي تجابهها دكتاتورية البروليتاريا في الصين. هذا صحيح، ولكن هذه المصاعب لن تكون أقل ضخامة مما هي في الصين. وفي كلا الحالتين، لا يمكن تجاوز هذه التناقضات إلاّ بالسير في طريق الثورة العالمية. هذا الموقف يسد الطريق يسد الطريق في وجه التساؤل عن مدى “نضج” الصين أو “عدم نضجها” للقيام بالتحويل الاشتراكي. ومما لا شك فيه أن تخلف الصين يزيد في صعوبة المهام المطروحة على دكتاتورية البروليتاريا. ولكن نكرر: التاريخ لا يصنع حسب الطلب، ولا خيار أمام البروليتاريا الصينية.
هل يعني هذا، على الأقل، أن جميع البلدان، بما فيها أكثر البلدان المستعمَرة تخلفا، ناضجة ان لم يكن لبناء الاشتراكية فلقيام دكتاتورية البروليتاريا ؟ كلا، إنه لا يعني ذلك. ماذا، إذن، هو مصير الثورة الديموقراطية بشكل عام والثورة في المستعمرات بشكل خاص ؟ أجيب على السؤال بسؤال آخر: من قال أن كل بلد مستعمَر هو ناضج للحلّ السريع الشامل لمهامه الديموقراطية الوطنية ؟ ويجب معالجة المسألة من زاوية أخرى. في ظروف الحقبة الاستعمارية، يمكن تحقيق انتصار الثورة الديموقراطية الوطنية فقط عندما تكون العلاقات الاجتماعية والسياسية في بلد ناضجة لتسليم البروليتاريا الحكم بوصفها قائدة الجماهير الشعبية. ولكن، ماذا لو لم يكن الأمر كذلك ؟ إذن، يعطي النضال من أجل التحرر الوطني نتائج جد جزئية موجهة كلها وبشكل مباشر ضد الجماهير العاملة. في عام 1905، لم تكن البروليتاريا في روسيا من القوة بحيث تلفّ الجماهير الفلاحية حولها وتستولي على الحكم. بهذا السبب بالذات، توقفت الثورة في منتصف الطريق وغاصت في الرمال. أما في الصين، حيث منعت قيادة “الأممية الشيوعية” البروليتاريا الصينية من النضال لاستلام الحكم، بالرغم من الظروف المشجعة جداً، فقد وجدت المهام الوطنية حلّها البائس غير المستقر في نظام حكم الكيومنتانغ.
لا يمكن التكهن متى وفي أية ظروف يصبح البلد المستعمَر ناضجا لحل مشكلاته الزراعية والوطنية بشكل ثوري حقيقي. وعلى كل حال، نستطيع أن نؤكد الآن أن كلا الصين والهند سوف تصلان إلى الديموقراطية الشعبية الحقيقية. أي إلى ديموقراطية العمال والفلاحين، فقط من خلال دكتاتورية البروليتاريا. وفي سيرهما على هذا الطريق قد تجتازان عدة مراحل وخطوات وأطوار. تحت ضغط جماهير الشعب سوف تستمر البرجوازية في اتخاذ خطوات نحو اليسار لكي تنقضّ فيما بعد على الشعب بدون شفقة. إن مراحل السلطة المزدوجة ممكنة ومتوقعة. ولكن من غير الممكن أو المتوقع أن تقوم دكتاتورية ديموقراطية حقيقية متميزة عن دكتاتورية البروليتاريا. إن دكتاتورية ديموقراطية “مستقلة” لا يمكن أن تكون إلاّ على غرار الكيومنتانغ، أي موجهة برمتها ضد العمّال والفلاحين. علينا أن نفهم هذا منذ البداية وأن نقوله للجماهير دون أن نخفي الحقائق الطبقية وراء الصيغ المجردة.
يبشر ستالين وبوخارين بأن البرجوازية تستطيع أن تحقق الثورة الوطنية في الصين بسبب نير الاستعمار الذي ترزح تحته البلد. فتمت المحاولة. ماذا كانت النتائج ؟ سلمت البروليتاريا لسكين الجزار. فقيل إذاك: لن تأتي الدكتاتورية الديموقراطية. لقد برهنت دكتاتورية البرجوازية الصغيرة على أنها مجرد قناع لدكتاتورية رأس المال. بالصدفة ؟ كلا. “إن الفلاح إما أن يتبع العامل أو البرجوازي”. في الحالة الأولى تقوم دكتاتورية البروليتاريا، وفي الثانية تقوم دكتاتورية البرجوازية. يبدو أن أمثولة الصين واضحة الوضوح الكافي حتى ولو درسنا الأمر عن بعد. فجاء الجواب. “لا. كانت تلك مجرد تجربة لم يكتب لها النجاح. سوف نبدأ من جديد ونقيم هذه المرة الدكتاتورية الديموقراطية “الأصلية”. “بواسطة أية أساليب ؟” “على قاعدة اجتماعية يقوم عليها تعاون العمال والفلاحين”. هذا هو الاكتشاف الأخير الذي يعرضه علينا راديك. ولكن، إذا سمحت، قام الكيومنتانغ على نفس القاعدة: “تعاون” فيه العمال والفلاحون لينفذوا المهام الخطرة لحساب البرجوازية. قل لنا كيف سيكون التركيب السياسي لهذا التعاون. بماذا سوف تستبدل الكيومنتانغ ؟ أية أحزاب ستستلم الحكم ؟ أشر إليها ولو تقريبا، صِفها على الأقل ! على هذه الأسئلة، يجيب راديك (عام 1928 !) إن الإنسان الذي انتهوا، والذين يعجزون عن فهم تعقيد الماركسية يمكن أن يكونوا مهتمين بسؤال تقني ثانوي كهذا حول أية طبقة ستكون الحصان وأية طبقة ستكون الفارس، في حين “يجرّد” البلشفي نفسه من البنيان الفوقي السياسي ويصيب اهتمامه على البنيان الطبقي. لا، اسمح لي، لقد قلت قولتك. لقد “جردت” نفسك بما فيه الكفاية. بل أكثر من الكفاية ! في الصين، “جردت” نفسك من قضية كيف يعكس التعاون الطبقي نفسه على القضايا الحزبية، وجررت البروليتاريا إلى الكيومنتانغ، ووقعت في هوى الكيومنتانغ إلى درجة أنك فقدت عقلك، وتملصت في قضايا النضال السياسي مرددا الصيغ المجردة. وبعد أن هشمت البرجوازية رأس البروليتاريا، ها أنت تقترح علينا: فلنبدأ من جديد، وفي البدء دعونا”نجرّد” أنفسنا من مسألة الأحزاب والحكم الثوري. لا ! إن هذه نكات قديمة. لن نسمح لأنفسنا بالعودة إليها.
إن جميع هذه البهلوانات، كما شاهدنا، تتم باسم تحالف العمال والفلاحين. وينذر راديك “المعارضة” بأن لا تسيء تقدير الفلاحين ويستشهد في هذا الصدد بصراع لينين ضد المنشفيك. في بعض الأحيان، عندما يرى المرء المصير الذي آلت إليه كتابات لينين يستنكر بمرارة هذه الإساءات التي ترتكب ضد كرامة الفكر الإنساني. أجل، لقد قال لينين مرارا عديدة أن إنكار دور الفلاحين الثوري هو من ميزات المنشفيك. وكان على حق في ذلك. ولكن إلى جانب ذلك، هناك عام 1917، حيث أمضى المنشفيك الأشهر الثمانية بين ثورة فبراير وثورة أكتوبر وهم في تحالف متين مع “الإشتراكيين-الثوريين”. وكان الإشتراكيون-الثوريون في ذلك الحين يمثلون غالبية الفلاحين الساحقة التي أيقضتها الثورة. وكان المنشفيك والإشتراكيون-الثوريون يسمون أنفسهم الديموقراطية الثورية ويجادلوننا قائلين أنهم الوحيدون الذين يرتكزون إلى تحالف العمال والفلاحين (والجنود). وهكذا استولى المنشفيك، بعد ثورة فبراير، على الصيغة البلشفية القائلة بتحالف العمال والفلاحين. واتهموا البلاشفة بأنهم يعملون على شق الطليعة البروليتارية عن الفلاحين وأنهم يساعدون بذلك على انهيار الثورة. وبكلمات أخرى، اتهم المنشفيك لينين بأنه يتجاهل الفلاحين، أو أنه يسيء تقديرهم في أحسن الأحوال.
وكان النقد الذي وجهه كامينييف وزينوفييف وآخرون إلى لينين مجرد صدى لنقد المنشفيك. إن نقد راديك الحالي ليس بدوره إلاّ صدى بعيدا لنقد كامنييف.
إن سياسة “رجال الصف الثاني” في الصين، بما فيها سياسة راديك، استمرار وتطوير لمهزلة النمشفيك عام 1917. لقد دافع ستالين وراديك معا على بقاء الحزب الشيوعي في الكيومنتانغ مستعملين الحجة ذاتها وهي ضرورة التحالف بين العمال والفلاحين. ولكن عندما تكشف “صدفة” أن الكيومنتانغ حزب برجوازي، تكرر نفس المحاولة من الكيومنتانغ “اليساري”. فكانت النتائج هي ذاتها. وكنتيجة لذلك جرى انتشال تجريد الدكتاتورية الديموقراطية – المتميزة عن دكتاتورية البروليتاريا – من هذا الواقع التعيس الذي لم يحقق الآمال العظام، فكان تكرارا لما شاهدناه في السابق. في عام 1917، سمعنا “تسيريتللي” “ودان” وآخرين يرددون هذا القول مئات المرات: “لقد قامت دكتاتورية الديموقراطية الثورية، ولكنكم تسيرون باتجاه دكتاتورية البروليتاريا، أي أنكم تسيرون نحو الخراب”. إن ذاكرات الناس لهي حقا ضعيفة إن “الدكتاتورية الديموقراطية –الثورية” التي ينادي بها ستالين وراديك لا تختلف بشيء عن “دكتاتورية الديموقراطيين و الثوريين” التي ينادي بها “تسيريتللي” “ودان” . وبالرغم من ذلك، فإن هذه الصيغة لا ترد في جميع مقررات الكومنترن فحسب، بل إنها قد أدرجت في برنامجه أيضا. من الصعب أن نتخيل مهزلة بهذه السفالة تكون في الوقت نفسه ثأرا مريرا للمنشفيك على الإهانات التي وجهتها البلشفية اليهم عام 1917.
ومهما يكن من أمر، يبقى حق الثوريين في الشرق أن يسمعوا جوابا محددا للسؤال عن طابع “الدكتاتورية الديموقراطية” يكون مبنيا على الوقائع وعلى التجربة السياسية وليس على نصوص قديمة جاهزة. في جوابه على السؤال: ما هي “الدكتاتورية الديموقراطية” –كان ستالين يقدم الرد الكلاسيكي التالي: إنها بالنسبة للشرق نفس الصيغة التي :قدمها لينين بشأن عام 1905 في روسيا” وقد أصبح هذه الصيغة الرسمية إلى حد بعيد. وهي موجودة في الكتب والمقررات المتعلقة بالصين والهند وبولينزيا. وهو ينصح الثوريون بالعودة إلى “مفاهيم” لينين المتعلقة بأحداث قادمة، التي أصبحت الآن أحداثا سابقة، وعلاوة على ذلك تفسّر “مفاهيم” لينين الفرضية بهذه الطريقة أو تلك، ولكن ليس بالطريقة التي فسرها فيها لينين بعد أن مرّت الأحداث.
“حسنا !” يقول الشيوعي الشرقي وهو يخفض رأسه. “سنحاول أن نفهم هذا الشعار كما فهمه لينين قبل الثورة، على حد قولكم. ولكن هل تسمحون بأن تقولوا لنا كيف يبدو هذا الشعار في الواقع ؟ كيف تحقق في بلدكم ؟”.
“لقد تحقق في بلدنا على شكل الكرنسكية في حقبة السلطة المزدوجة”.
“هل تريدوننا أن نقول لعمالنا إن شعار الدكتاتورية الديموقراطية سوف يتحقق في بلدنا على شكل كرنسكية محلية ؟”
“ماذا تقول ؟ لا، أبدا ! فما من عامل يتبنى شعار كهذا، إن الكرنسكية تبعية للبرجوازية وخيانة للشعب العامل”.
فيسأل الشيوعي الشرقي بكآبة: “ولكن ماذا علينا أن نقول للعمال ؟”
فيجيب كيوسينين(5)، الرجل المكلف بهذه المهمة: “عليك أن تقول لهم أن الدكتاتورية الديموقراطية هي تلك التي طرحها لينين فيما يتعلق بالثورة الديمقراطية القادمة”.
وإذا كان الشيوعي الشرقي غير محروم من ملكة التفكير، سوف يجيب:
“ولكن، ألم يقل لينين عام 1917 أن الدكتاتورية الديمقراطية قد تحققت بشكل حقيقي أصيل فقط في أكتوبر التي أقامت دكتاتورية البروليتاريا ؟ أليس من الأفضل أن نوّجه الحزب والطبقة العاملة نحو هذا الهدف ؟”.
“ليس في أي حال من الأحوال. لا أريدك حتى أن تفكر بهذا. إنها الثورة الدائمة. إنها نزعة تروتسكية”.
بعد هذا التأنيب العنيف يغدو الشيوعي الشرقي أكثر بياضا من الثلج على أعلى قمم الهيملايا فيتخلى عن كل شغف للمعرفة. فليأت ما هو آت.
وماذا تكون النتائج ؟ إننا نعرف جيدا: إما التمرّغ المشين عند أقدام تشانغ كاي-تشيك، وإما المغامرة البطولية.
الفصل الثامن: من الماركسية إلى النزعة السلمية
إن الظاهرة التي تدعو للقلق أكثر من غيرها هي مقطع من مقالة راديك لا علاقة له بالموضوع الأساسي الذي نحن بصدده، وإنما تربطه به وحدانية إنحياز راديك نحو مفكّري الوسطية الحاليين. أعني بذلك تودّد راديك الخجول لنظرية الاشتراكية في بلد واحد. يجب أن نتوقف عند هذه النقطة، لأن هذه “الحاشية” من أخطاء راديك قد تجاوز جميع الخلافات الأخرى في الرأي في تطورها اللاحق، مبينة أن كميتها قد تحولت نهائيا إلى نوعية.
في معرض مناقشته للأخطار التي تهدّد الثورة من الخارج، يكتب راديك أن لينين “…كان مدركا أن الدكتاتورية (دكتاتورية البروليتاريا) لا تستطيع أن تحافظ على نفسها إلاّ إذا هبّت البروليتاريا الأوروبية لنجدتها، ذلك بسبب مستوى التطور الاقتصادي في روسيا عام 1905.”
الأخطاء تتوالى، فتؤدي قبل شيء إلى خرق بذيء للأفق التاريخي. لقد قال لينين في الواقع، أكثر من مرّة، إن الدكتاتورية الديموقراطية (وليس دكتاتورية .البروليتاريا) لا تستطيع المحافظة على نفسها في روسيا بدون قيام الثورة الاشتراكية في أوروبا. إن هذه الفكرة تتخلل، كخيط أحمر، جميع مقالات لينين وخطبه إبان مؤتمر الحزب في ستوكهولم عام 1906 (في مساجلته مع بليخانوف، وفي معالجته لقضايا التأميم، إلى آخره). ولم يخطر ببال لينين، في تلك الفترة، أن يطرح قضية قيام دكتاتورية البروليتاريا في روسيا قبل قيام الثورة الاشتراكية في أوروبا. غير أن الموضوع الأساسي ليس هنا في الوقت الحاضر. ما هو معنى عبارة “بسبب مستوى التطور الاقتصادي في روسيا عام 1905” ؟ وكيف كان مستوى هذا التطور في عام 1917 ؟ إن نظرية الاشتراكية في بلد واحد قد بينت على هذا التباين في المستويات. ولقد قسّم برنامج “الكومنتيرن” الكرة الأرضية إلى مربعات “مؤهلة” في مستواها لبناء الاشتراكية بشطل مستقل، وأخرى “غير مؤهلة” لذلك؛ فأوقع الستراتيجية الثورية بذلك في طريق مسدودة لا أمل بالخروج منها. لا شك في أن التباين في المستويات الاقتصادية قد ينعكس على قوى الطبقة العاملة السياسية. ففي عام 1905، لم نستطع أن نرتفع إلى مستوى دكتاتورية البروليتاريا كما أننا لم نستطع أن نرتفع إلى مستوى الدكتاتورية الديموقراطية، وفي عام 1917، أقمنا دكتاتورية البروليتاريا التي ابتلععت الدكتاتورية الديموقراطية، ولكن مستوى التطور الاقتصادي الذي كان موجودا عام 1917 وعام 1905 لم يسمح للدكتاتورية بأن تحافظ على نفسها وتتطور نحو الاشتراكية إلاّ إذا هبت البروليتاريا الأوروبية لنجدتها في الوقت المناسب. وطبعا، لا يمكن تحديد هذا “الوقت المناسب” بشكل مسبق، إن مجرى التطور والنضال يحددانه. إلى جانب هذه المسألة الأساسية التي تحددها العلاقة بين القوى في العالم والتي لها الكلمة الفاصلة الأخيرة في الأمر، يصبح التباين في مستويات التطور في روسيا بين عامي 1905 وعام 1917 عاملا ثانويا مهما بلغ من الأهمية.
غير أن راديك لا يكتفي بالإشارة المبهمة إلى هذا التباين في المستويات. فبعد الإشارة إلى أن لينين قد أدرك الارتباط بين قضايا الثورة الداخلية وقضاياها العالمية، يستطرد قائلا:
“إلاّ أن لينين لم يشدد فقط على هذا الارتباط بين المحافظة على الدكتاتورية الاشتراكية في روسيا وبين مساعدة بروليتاريا أوروبا الغربية لها مثلما بالغت صياغة تروتسكي الشديدة الحدّة التي تؤكد أنه يجب على المساعدة أن تكون مساعدة حكومية، أي مساعدة تقدمها بروليتاريا أوروبا الغربية بعد تحقيق إنتصارها”.
بصراحة، لم أصدق عيوني عندما قرأت هذه الأسطر. لأي هدف استعار راديك هذا السلاح البالي من مستودع “رجال الصف الثاني” ؟ إنه مجرد ترداد مخز للتفاهات الستالينية التي كنا دوما نسخر منها. وعلاوة عن الأشياء الأخرى، فإن هذا المقطع يبين أن راديك لا يفهم المعالم الرئيسية لخط لينين الفكري. إن لينين، على عكس ستالين، لم يكن يعتقد أن ضغط البروليتاريا الأوروبية على الحكم البرجوازي هو البديل لاستلام البروليتاريا للحكم بل على العكس، فقد صاغ مسألة المساعدة الثورية الخارجية بحدة تفوق الحدة التي صغتها أنا بها. فخلال فترة الثورة الأولى كان يردد بدون كلل أنه لا يمكن لنا أن نحتفظ بالديموقراطية (ولا حتى بالديموقراطية !) إلاّ إذا قامت الثورة الاشتراكية في أوروبا. ويمكن أن نقول بشكل عام، أنه في فترة 1917-1918، لم ينظر إلى مصير ثورتنا ولم يقيمه إلاّ مرتبطا بمصير الثورة الاشتراكية التي كانت بوادرها آخذة في البروز في أوروبا. وعلى سبيل المثال، فقد صرح علناً: “بدون انتصار الثورة في ألمانيا فإننا لا محالة هالكون”. وقد قال ذلك في عام 1918 ولم يقله بصدد “المستوى الاقتصادي” عام 1905، وهو لم يكن يتكلم عن العقود القادمة وإنما عن الفترة التي تلي مباشرة أي عن سنوات أو الأشهر القليلة القادمة.
لقد أعلن لينين في عشرات المناسبات: إذا كنا قد صمدنا “فإنما يعود ذلك… إلى وجود مزيج ملائم من الظروف حمانا من الاستعمار العالمي لفترة قصيرة” (إنتبه إلى عبارة:لفترة قصيرة !). ويقول بعد ذلك: “لا يمكن للاستعمار العالمي في أي ظروف وبأي شرط أن يعيش جنب مع الجمهورية السوفييتية… إن الصراع حتمي على هذا الصعيد”. وما هي النتيجة ؟ الدعوة إلى التفاؤل السامي “بضغط” البروليتاريا أم الدعوة إلى “إزالة مفعول” البرجوازية ؟ كلا. النتيجة هي التالية: “إن الصعوبة التي تواجه الثورة الروسية هي … ضرورة تفجير الثورة العالمية”. (لينين المؤلفات الكاملة –المجلد 15- ص 126- الطبعة الروسية). متى هذا الكلام ؟ لقد قيل عام 1917 وفي الأعوام التي تلته ولم يقل عام 1905 عندما كان نقولا الثاني يفاوض وليم الثاني بغية القضاء على الثورة وعندما قدّمت صيغتي البالغة “الحدة”.
هذا ما قاله لينين في مؤتمر “الكومنترن” الثالث:
“كان واضحا بالنسبة إلينا أن انتصار ثورة البروليتاريا (في روسيا) أمر مستحيل ما لم تدعمها الثورة العالمية. وكنا نقول: إما أن تندلع الثورة في البلدان الأخرى، أي في البلدان الأكثر تقدما في الاتجاه الرأسمالي، رأسا أو على الأقل بسرعة عظيمة وإما أن يكون مصيرنا الهلاك. وبالرغم من هذه القناعة، فلقد بذلنا كل جهد للمحافظة على النظام السوفييتي في جميع الظروف غير مبالين بالعواقب، لأننا كنا نعلم أننا لا نعمل من أجل أنفسنا فقط وإنما من أجل الثورة العالمية أيضا. كنا نعلم ذلك، ولقد رددنا هذه القناعة مرارا قبل ثورة أكتوبر وبعد قيامها مباشرة وإبان توقيع معاهدة “بريست ليتوفسك”. أما في الواقع الفعلي فإن الأحداث لم تسلك خطا بالاستقامة التي توقعنا لها أن تسلكه”.
(محاضر مؤتمر الكومنترن الثالث – ص354 – الطبعة الروسية).
ابتداء من عام 1921 بدأت الحركة بالسير في خط لم يكن بالاستقامة التي توقعنا لها أنا ولينين أن تسير به عام 1917-1919 (وليس فقط عام 1905). ومع ذلك فقد تطورت في خط التناقضات العدائية بين الدولة العمالية والعالم البرجوازي. وكان لا بد من أن ينهار أحدهما ! ولا يمكن المحافظة على الدولة العمالية في وجه الأخطار المميتة التي تتهددها، اقتصاديا كانت أم عسكرية، إلاّ بانتصار ثورة البروليتاريا في الغرب. وان محاولة اكتشاف التباين بين موقفي وموقف لينين لهو ذروة من القذارة النظرية. أعيدوا قراءة لينين على الأقل، لا تشوّهوه، ولا تسقونا هذا الحساء الستاليني الفاسد !
إلاّ أن الانحدار نحو الدرك لا يتوقف عند هذا الحدّ. فبعد أن يخترع راديك قصة تقول أن لينين يعتبر أن المساعدة “البسيطة” التي تقدمها البروليتاريا العالمية تكفي (هذه الفكرة الإصلاحية في جوهرها والمنسوبة إلى بورسيل)، وان تروتسكي قد “بالغ في الإلحاح “على المساعدة الحكومية فقط، أي المساعدة الثورية؛ بعد ذلك يستطرد راديك قائلا:
“لقد أثبتت التجربة أن لينين كان على حق في هذه النقطة أيضا. لم تكن البروليتاريا الأوروبية قد أصبحت من القوة بحيث تستطيع الاستيلاء على الحكم، غير أنها كانت تملك القوة الكافية، خلال فترة التدخل، لتمنع البرجوازية العالمية من أن تحشد قوى فعّلة في المعركة ضدنا. وقد ساعدت بذلك على المحافظة على السلطة السوفييتية. إن الخوف من الحركة العمالية والتناقضات داخل العالم الرأسمالي ذاته كانت القوة الأساسية التي ضمنت استمرار السلم خلال السنوات الثماني بعد انتهاء فترة التدخل”.
إن هذا المقطع الذي لا يحمل شيئا من الطرافة إذا ما قورن بفروض الإنشاء التي يخطّها الموظفون الفكريون في زمننا هذا، يبقى جديرا بالاهتمام لأنه مزيج من التزوير التاريخي ومن البلبلة السياسية ومن أفظع الأغلاط المبدئية.
يستنتج من كلام راديك أن لينين، في منشور له عام 1905 بعنوان “خطط عمل للاشتراكية-الديموقراطية” (وهذا هو المنشور الوحيد الذي يشير إليه راديك) قد تنبأ أن ميزان القوى بين الدول والطبقات بعد عام 1917 سيكون في وضع يحول فيه لمدة طويلة دون إمكان حصول تدخل عسكري واسع ضدنا. ومقابل ذلك فإن تروتسكي لم يتنبأ عام 1905 بالوضع الذي سينتج حتما بعد الحرب الاستعمارية، ولكنه اكتفى بالاعتراف بوقائع تلك الحقبة كقوة جيش الهوهنزولرن مثلا، وضخامة جيش الهابسبورغ، وجبروت البورصة الفرنسية، إلى آخره. هذا افتراء حقير على التاريخ، يزيد في تعقيده التناقضات السالفة التي تحتويها. يعتبر راديك أن خطأي الأساسي هو أني توقعت قيام دكتاتورية البروليتاريا “مع وجود مستوى التطور الاقتصادي كما كان عليه عام 1905”. والآن يتضح الخطأ الثاني: إني لم أعالج توقع قيام دكتاتورية البروليتاريا الذي عرضته عشية ثورة عام 1905 في ضوء الوضع الدولي الذي لم يبرز إلاّ بعد عام 1917. عندما يبدو حجج ستالين على هذا النحو، فإننا لا ندهش بها، لأننا على علم وثيق “بمستوى تطور” ستالين كما كان عام 1917 وكما هو عام 1928 – ولكم كيف وقع راديك بين مجموعة كهذه ؟
ومع ذلك فحتى هذا ليس أسوأ ما في الأمر. إن راديك قد قفز عن الحاجز الذي يفصل الماركسية عن الانتهازية والموقف الثوري عن الموقف السلمي –وهذا أسوأ ما في الأمر. ليست المسألة إلاّ مجرد مسألة النضال ضد الحرب أي مسألة البحث عن أساليب تتبع لتفادي الحرب أو إيقافها: ضغط البروليتاريا على البرجوازية أم حرب أهلية تقضي على البرجوازية ؟ لقد أدخل راديك، بدون علم منه، مسألة أساسية تتعلق بسياسة البروليتاريا في النقاش الدائر بيننا.
هل يعني راديك أني لا “أتجاهل” دور الفلاحين فحسب وإنما أتجاهل ضغط البروليتاريا على البرجوازية كذلك، وإني لا آخذ بعين الاعتبار إلاّ ثورة البروليتاريا ؟ يصعب التصديق أن راديك يدافع عن تفاهة كهذه جديرة بأمثال “ثالمان” و”سيمار” و”مونموسو”. في مؤتمر “الكومنترن” الثالث دعا اليساريون المتطرفون آنذاك (زينزفييف، ثالهايمر، بيلاكون، إلى آخره) إلى انتهاج خطط تكتيكية غايتها القيام بانقلاب في الغرب لإنقاد الاتحاد السوفييتي. ففسّرت لهم ولينين، بأبسط أسلوب ممكن، أن أفضل مساعدة يستطيعون تقديمها هي أن يعملوا بشكل منهجي مبرمج لترسيخ مواقعهم ولتحضير أنفاسهم للاستيلاء على الحم عوضا عن أن يفتعلوا المغامرات الثورية لمساعدتنا. ومما يدعو للأسف الشديد أن راديك لم يقف في تلك المناسبة إلى جانب لينين وتروتسكي وإنما وقف إلى جانب زنوفييف وبوخارين. ولا شك في أن راديك يتذكر أن جوهر نقاشي ونقاش لنين كان الهجوم على اعتباطية “الصياغة الشديدة الحدة” التي تقدم بها اليساريون المتطرفون؛ على كل إذا كان راديك لا يتذكر ذلك فما عليه إلاّ أن يعود إلى محاضر المؤتمر الثالث. وبعد أن فسرنا لهم أن دعم الحزب وممارسة البروليتاريا للضغط هما عاملان في غاية الأهمية في العلاقات الداخلية والدولية أظفنا – نحن الماركسيين – لأنّ “الضغط” هو وضيفة من وظائف النظال النظري الثوري الهادف إلى استلام الحكم وأنه يعتمد كليا على تطور هذا النضال. لهذا السبب، ألقى لينين خطابا في نهاية المؤتمر الثالث في اجتماع واسع خاص للمندوبين كان موجها ضد نزعات الاستكانة والوقوف إلى هامش الأحداث، وختم خطابه بهذه الوصية: أيها الأصدقاء، لا تشترطوا في المغامرات، ولكن لا تتلكأوا، إننا لن نصمد طويلا إذا مارستم “الضغط” وحده.
يشير راديك إلى أن البروليتاريا الأوروبية لم تكن مؤهلة لاستلام الحكم بعد الحرب غير أنها منعت البرجوازية من أن تسحقنا. ولقد تكلمتُ حول هذا الموضوع في أكثر من مناسبة. بيد أن البروليتاريا الأوروبية قد نجحت في أن نحول دون سحقنا فقط لأن ضغط البروليتاريا صادف وجود النتائج الموضوعية الخطيرة للحرب الاستعمارية والتناقضات العالمية التي زادت هذه الحرب من حدّتها. ولا يمكن أن نحدد أيّ عامل كان له الدور الحاسم: الصراع داخل المعسكر الرأسمالي أم الانهيار الاقتصادي أم ضغط البروليتاريا؛ المسألة لا تطرح على هذا النحو. لقد أثبتت الحرب الاستعمارية ، بما لا يسمح الشط، أن الضغط السلمي لا يكفي بمفرده لأن هذه الحرب قد نشبت بالرغم من جميع أنواع “الضغط”. وأخيرا، وهذا أهم ما في الأمر، إذا كان ضغط البروليتاريا فعالا في السنوات الحرجة الأولى من الحياة الجمهورية السوفييتية فذلك يعود إلى أن المسألة لم تكن بالنسبة لعمال أوروبا مسألة ممارسة الضغط بل مسألة النضال من أجل استلام الحكم؛ وغالبا ما أخذ هذا النضال شكل حرب أهلية.
في عام 1905، لم يكن هناك حرب ولا انهيار اقتصادي وكانت الرأسمالية والنزاعات العسكرية في ذروة هيجانها الدموي. فعجز “الضغط” الذي مارسه الاشتراكيون-الديموقراطيون آنذاك عن أن يمنع وليم الثاني أو فرانز جوزيف من اجتياح مملكة بولونيا بجيشهما ومن أن يهبوا لنجدة القيصر. وحتى في عام 1917، فالضغط الذي مارسته البروليتاريا الألمانية لم يحل دون احتلال الهوهنزولرن لمقاطعات البلطيق وأوكرانيا، وإذا لم يصلوا إلى موسكو فإنما يعود ذلك ضعف قواهم العسكرية. وإذا كان الأمر غير ذلك، لماذا وكيف عقدوا معاهدة الصلح في بريست ؟ ما أسهل نسيان الماضي ! إن لينين لم يقتصر في كلامه على تعليق الآمال بضغط البروليتاريا ولكنه أكّد مرارا أننا لا بد هالكون إذا لم تندفع الثورة في ألمانيا. وكان هذا القول مصيبا في جوهره رغم أن فترة أطول من الزمن قد انقضت. يجب أن لا تخدعنا الأوهام: لقد صدر بحقنا حكم مؤجل إلى أجل غير مسمّى. ونحن ما زلنا نعيش، كما كنا في السابق، برهة استنشاق الهواء قبل العودة إلى الغوص.
إن وضعا لا تستطيع البروليتاريا فيه أن تستولي على الحكم ولكنها تستطيع أن تمنع البرجوازية من استعمال قوتها لشن الحرب، هو خير مثال على وضع من التوازن الطبقي غير المستقر. ونعتبر التوازن غير مستقر بالتحديد لأنه لا يمكن أن يستمرّ طويلا. لابد من أن ترجح هذه الكفة أو تلك. فإما أن تستلم البروليتاريا الحكم وإما ان تضعف البرجوازية الضغط الثوري، بواسطة سلسلة من الضربات الساحقة، بحيث يتسنى لها أن تستعيد حرية التصرف خاصة في قضيتي الحرب والسلم.
إن الموقف الإصلاحي هو وحده الذي يصوّر ضغط البروليتاريا على الدولة البرجوازية على أنه عامل تتزايد أهميته باستمرار وأنه ضمانة ضد التدخل. فمن هذا المفهوم بالذات نشأت نظرية بناء الاشتراكية في بلد واحد التي تنطلق من موضوعة “إزالة مفعول” البرجوازية العالمية (ستالين). ومثلما تهرب البومة عند انبلاج الفجر فإن نظرية ستالين عن إزالة مفعول البرجوازية بواسطة ضغط البروليتاريا تنشأ فقط عندما تأخذ الظروف التي ولدتها بالاضمحلال.
لقد عانى الوضع العالمي من تغيّرات مفاجئة في فترة أدى فيها التفسير الخاطئ لتجربة ما بعد الحرب إلى التعلّل بالأمل الكاذب بأننا سوف نتدبّر أمورنا دون الحاجة إلى ثورة البروليتاريا الوروبية باستبدالنا هذه الثورة بفكرة “الدعم” بشكل عام. إن هزائم البروليتاريا قد مهدت الطريق أمام استقرار الرأسمالية. لقد تغلبت الرأسمالية على النكسة التي أصيبت بها الحرب. وبرزت أجيال جديدة لم تدق أهوال المجازر الاستعمارية. فكانت النتيجة أن البرجوازية تملك الآن حرية في التصرف بآلتها الحربية أكثر مما كانت تملك من حرية منذ خمس أو ثمانية سنوات خلت.
عندما تتجه الجماهير العاملة إلى اليسار تؤدي هذه العملية، في تطورها اللاحق، إلى إزدياد ضغطها مرّة أخرى على الدولة البرجوازية. غير أن هذا العامل سيف ذي حدين. إن تفاقم خطر الطبقة العاملة بالذات هو الذي يدفع البرجوازية، في طور لاحق، إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لكي تؤكد أنها سيدة في دارها وإلى محاولة تحطيم المركز الرئيسي الذي ينشر العدوى الثورية: الجمهورية السوفييتية. إن النضال ضد الحرب لا يحدده الضغط على الحكومة وإنما النضال الثوري لاستلام الحكم فقط. إن الآثار “السلمية” للصراع الطبقي البروليتاريا، مثل آثار الإصلاحية، ما هو إلا منتوجات للنضال الثوري لاستلام الحكم؛ إنها لا تملك إلا قوة نسبية ومن السهل قلبها إلى نقيضها، أي أنها قد تدفع البرجوازية في طريق الحرب. إن خوف البرجوازية من الحركة العمالية، الذي يعالجه راديك من زاوية جد مميزة، هو الأمل الفعلي الذي يتعلق بع جميع الاشتراكيين السلميين. إلاّ أن “الخوف” من الثورة لا يقرر سيئا بمفرده. الثورة هي التي تقرر. لهذا السبب قال لينين أن الضمانة الوحيدة ضد عودة الملكية عام 1905، وضد عودة الرأسمالية عاو 1918، ليس الضغط الذي تمارسه البروليتاريا وإنما انتصارها الثوري في أوروبا. هذا هو الشكل الوحيد لطرح القضية. وبالرغم من طول مدّة استنشاق الهواء قبل العودة إلى الغوص، فإن صياغة لينين ما تزال تحتفظ بكل قوتها حتى في هذه الأيام. ولقد صغت المسألة بالطريقة ذاتها. فكتبت في نتائج وتوقعات” عام 1906 ما يلي:
“إن الخوف من انتفاضة البروليتاريا هو بالتحديد العامل الذي يجبر الأحزاب البرجوازية، حتى وهي تصوت إلى جانب صرف المبالغ الهائلة لمتابعة الحرب، على الإدلاء بتصريحات رنّانة تؤيد فيها السلم، وعلى تعليق الآمال على “لجان تحكيم دولية”، وحتى على تنظيم “الولايات المتحدة الأوروبية”. إن هذه التصريحات الرنانة البائسة لا تستطيع طبعا أن تلغي التناقض بين الدول ولا الصراعات المسلحة”.
(تروتسكي: “ثورتنا” – مقالة “نتائج وتوقعات” – ص283)
إن الخطأ الأساسي الذي وقع فيه المؤتمر السادس يكمن في أنه، سعيا منه وراء إنقاذ توقعات ستالين وبوخارين السلمية والإصلاحية-الوطنية، أخذ يبحث عن وصفات ثورية-تقنية لتفادي خطر الحرب فاصلا بذلك النضال ضد الحرب عن النضال من أجل استلام الحكم.
وقد حاول موّجهو المؤتمر السادس هؤلاء البناة المترددين للاشتراكية في بلد واحد الذين هم في جوهرهم سلميون متخوفون، ان يزيدوا في سرعة “إزالة مفعول” البرجوازية بواسطة وسائل “ضغط” مكثف. وبما أنه لم يكن بإمكانهم إلا أن يعلموا ان قيادتهم قد أدّت إلى هزيمة الثورة في عدد من البلدان حتى الآن، وإنها قد أخرت مسيرة طليعة البروليتاريا العالمية، فقد سعوا في الدرجة الأولى إلى نبذ “الصياغة الشديدة الحدّة” التي طرحتها الماركسية والتي تربط قضية الحرب بقضية الثورة بشكل عضوي فحولوا النضال ضد الحرب إلى مهمة اكتفاء ذاتي. وحتى لا تتغافل الأحزاب الوطنية عن الساعة الحاسمة، أعلنوا أن خطر الحرب دائم عاجل لا يؤجل. وكل ما يحدث في العالم غايته الحرب. فلم تعد الحرب بعد الآن أداة في يد النظام البرجوازي بل أصبح النظام البرجوازي أداة في يد الحرب. ونتيجة لذلك تحوّل نضال الأممية الشيوعية ضد الحرب إلى مجموعة من الشعائر تردّد بشكل آلي في كل مناسبة فتفقد مفعولها وتتبخر. إن الاشتراكية الوطنية الستالينية تتجه نحو تحويل الأممية الشيوعية إلى أداة ثانوية “للضغط” على البرجوازي. إن هذا هو الاتجاه الذي يدعمه راديك بنقده السريع والمائع والسطحي وليس الاتجاه الماركسي. لقد أضاع بوصلته وانحراف في تيار هجين قد يقذف به إلى شطآن غريب بعيد.
الما-أطا أكتوبر 1928

