اليسار وحركة مناهضة العولمة الرأسمالية , تحديات وآفاق
حركة مناهضة العولمة في سوريا
تموز/2007
غياث نعيسة
(أخذ من الحوار المتمدن-العدد: 2014 – 2007 / 8 / 21)
“هنالك ما يمكن أن نسميه انتصارات صغيرة وأيضاً هنالك هزائم مليئة بالدروس”
دانيال بنسعيد
كان اليسار هامشياَ وضعيفاً مع بدايات نهوض حركة مناهضة الرأسمالية التي برزت بوضوح جلي مع تظاهرات سياتل عام 1999 ، وإن كان قد بدأت تجلياتها الأولى بانتفاضة الزاباتتيين في المكسيك عام 1994 واضرابات القطاع العام في فرنسا عام 1995 . ونمت الحركة من خلال الملتقى الاجتماعي العالمي الذي عقد في بورتو اليغري في البرازيل عام 2001 وفي التظاهرة الاحتجاجية ضد قمة مجموعة الثمانية في جنوه في تموز /يوليو 2001 والمظاهرات الهائلة ضد الحرب الانغلو-أمريكية على العراق في شباط/فبراير 2003 .
ولم يكن مستغرباَ أن لا تجد عشرات الآلاف من المنخرطين في هذه النضالات انجذاباً نحو اليسار ، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والأنموذج المنفر للاشتراكية الذي مثله مع بلدان أوربا الشرقية سابقاً ، هذا النفور فاقم من حالة الارتباك التي عانى منها أغلب تيارات اليسار ، هذا في الوقت الذي قامت فيه الاشتراكية الديمقراطية بتبني الليبرالية وقانون السوق بشكل كامل.
وفي حين كان اليسار الاشتراكي محبطاً ومشوشاً فإن الأفكار الشائعة التي هيمنت -وما تزال إلى حد كبير- على الحركة، في رفضها لليبرالية الجديدة، هي تلك المشبعة بقناعة فشل الطرح الاشتراكي “التقليدي” لليسار.
ولكن ، لا يعاني اليسار وحده من أزمة عميقة. لأن حركة مناهضة العولمة الرأسمالية نفسها هي أيضاَ تعيش ، منذئذ ، حالة ارتباك وتشوش واضحين ، وأصبحت بدورها مأزومة.
لأن الحركة إن كانت قد استطاعت في السنوات السابقة حشد تظاهرات واسعة وتحقيق بعض الانتصارات ، إلا أنها اليوم تعيش أزمة عميقة وتبدو عاجزة عن القيام بتظاهرات موحدة ومشتركة على الصعيد القاري ، بل الأسوأ أنها في إيطاليا، مثلاَ ، عجزت عنه حتى على الصعيد المحلي.
وفي حين أن هذه الحركات تعيش حالة من الانتعاش والنجاح والحيوية في بلدان أمريكا اللاتينية ، لكنها تبدو الآن منغمسة تماماَ بقارتها أكثر من اهتمامها بالحقل العالمي. و الانتفاضات فيها لم تؤد إلى اركاع الرأسمالية أو وقف الاعتداءات على العمال والفلاحين والطبقات الشعبية. و تعيش بلدان هذه القارة وضع تنوس فيه حكومات أمريكا اللاتينية ما بين الضغط الذي تتعرض له من الأسفل من قبل الطبقات الشعبية، والضغط من الأعلى الذي تمارسه الرأسمالية المحلية والمؤسسات الإمبريالية كصندوق النقد الدولي.
كما أن حركة مناهضة الحرب ، رغم الاحتجاجات الضخمة التي حشدتها ، لم تستطع أن تمنع الحرب والمذبحة الإمبريالية في العراق ، لكنها أدت – بالرغم من ذلك – إلى خلق صعوبات جمة لتحالف بلير/ بوش ، وزاد نهوض المقاومة في العراق من الصعوبات التي تواجه التحالف الامبريالي وقوات الاحتلال ، وزج الإمبريالية الأمريكية في حرب كولونيالية مكلفة ودامية، تتخبط اليوم في ايجاد مخرج لها.
والحال، فقد وفرت هده الأحداث فرصاً لمبادرات جماهيرية واسعة كانت تستمد قوتها من كونها تشكل تحدياً ورفضاً للدمار الذي يلحقه النظام الرأسمالي العالمي بحياة الشعوب ، ولكن ضعفها ، في الوقت نفسه، كان في أن هذا التحدي والرفض تجليا عملياً في مظاهرات وملتقيات ضخمة لكنهما لم يترجما أنفسهما بشكل عملي ومستمر من خلال ارتباط دائم وعضوي بجماهير الناس الواسعة التي تشكل الضحية الأولى لهذا النظام، هي ضحيته إن كانت في أماكن عملها أم في أماكن سكنها. مما أدى بالنقابي الإيطالي إلى نقد ما وصفه “بالميول التي تسعى إلى تحويل الملتقى الاجتماعي العالمي إلى حدث فولكلوري/ تجاري”.
ولكن ، وفي كل مرة تعرضت فيه الحركة إلى صعوبات جديدة ، وانفتحت نقاشات سياسية حول كيفية التعامل معها، كان وجود يسار اشتراكي نضالي منظم داخل الحركات ، إضافة إلى دعاة الإصلاحية والعفوية، هاماَ ومفيداَ للغاية.
التيارات النشطة داخل الحركة
إن التيار الأهم في حركة مناهضة العولمة منذ نشأتها هو التيار الفوضوي(الاناركي) و العفوي فقد سادت مجموعة من الأفكار التي تتفق- رغم تنوعها- على القناعة بأن الرأسمالية قد خلقت الشروط اللازمة من أجل تجاوزها ، ولكن من خلال النشاط العفوي للأفراد والشبكات . وتقول هذه الاطروحات الفوضوية- العفوية بأن مفاهيم اليسار “القديم” التي تدعو إلى ضرورة المواجهة المنظمة أصبحت بلا معنى ، بل أنها أسوأ من ذلك لأنها تتعامل مع مقولات مثل مقولتي السلطة والطبقة ، الذي يرى هدا التيار بأنهما سيؤديان إلى نوع جديد من المراتبية الجديدة.
وقد تحدث طوني نيغري وميكائيل هاردت في كتابهما “الإمبراطورية” عن أن “كل نضال محلي إنما هو حلقة تتصل بكافة الحلقات الأخرى بدون وجود قلب له أو مركز للتفكير” .
في حين يرى جون هولوي في كتابه “تغيير العالم بدون استلام السلطة” بأن ” أي محاولة لفهم أو شرح طبيعة النظام الذي نواجهه إنما هي محاولة مشبوهة” ولتبرير ذلك فإنه يفسره” بأنه لا يوجد أي شئ ثابت بمثابة اليقين، فلا توجد طبقات ولا ماركس و لا ثورة ، لا يوجد شئ حقاً سوى النفي المتحرك للا حقيقة”. أما مايكل ألبرت في كتابه “المجتمع التشاركي وطريق التغيير” – (ترجم بالفرنسية بعنوان : ما بعد الرأسمالية : عناصر الاقتصاد التشاركي)- فهو يؤكد على أن “المهمة الاستراتيجية الملقاة على عاتقنا هي الظفر بتحسين ظروف حياة الأقسام الأكثر حرماناً من المجتمع ، في سياق اصلاحات غير اصلاحية ، تؤدي إلى نهوض الوعي العام وتوسيع المشاركة وبناء وتقوية التنظيم ، مما يؤدي إلى حركات قادرة على إقامة مؤسسات جديدة كلياً”.
إنه تيار يتميز، في مواجهة النظام الرأسمالي ، برفضه لكل أشكال التنظيم حول أهداف استراتيجية . ويتميز أيضاً بإشادته وتقديسه لقدرة الناس على تنظيم نفسها بنفسها ، وبرفضه لكل أنواع السياسات سواء أكانت موجهة لإصلاح النظام الرأسمالي أم للإطاحة به ، ومطالبته الحازمة بابتعاد “السياسي” عن الحركة.
بينما حال ممثلي التيار الإصلاحي هو أنهم اصبحوا ، و بمجرد ما بدأت الحركة تظهر مدى قدرتها على التأثير، ضحية تناقضهم الملتصق بهم ، أي في حين أنهم استمروا بضم أعضاء جدد للحركة ، من جهة. فان إصلاحيتهم العنيدة دفعت بهم إلى حصر نشاطهم فقط في العمل على المحافظة على النشاط العام لحركة مناهضة الرأسمالية في إطار الحفاظ على النظام القائم مع ادخال بعض التحسينات عليه ، من جهة أخرى. مثلما هو موقف حزب إعادة التأسيس الشيوعي في إيطاليا أو آتاك. أو مثلاً بصورة أكثر راديكالية أطروحات جورج مونبيوت حول تصوره عن إصلاح العالم من خلال إصلاح الأمم المتحدة. والمثال الآخر على هذا التيار هو ما ورد في إعلان باماكو حول “ضرورة قيام عالم متعدد الأقطاب يستند على السلام والقانون والتفاوض”. في حين يدعو سمير أمين إلى” إعادة بناء جبهة بلدان وشعوب الجنوب” باعتبارها شرطاَ جوهرياَ لقيام “عالم آخر لا يستند على السيطرة الإمبريالية” بانسجام مع أطروحاته العالم ثالثية. بينما يقدم والدن بيلو طرحاً مشابهاً في دعوته إلى “نزع العولمة” –أي العزلة- . وبرأينا أن هذه الاطروحات تفتقر إلى الإمساك الكافي والصحيح بواقع متطلبات مواجهة الإمبريالية باعتبارها نظاماً عالمياً يستلزم- لمواجهته- سيرورة تحول اجتماعي عولمي-عالمي- تنهض على أساس إقامة سلطة جماعية مع تنظيم –ذاتي لعموم المستغلين والمضطهدين في بلدان الشمال والجنوب سوياَ.
وأخيراً ، يوجد التيار اليساري الاشتراكي النضالي الذي يرى ويشدد على أن العدو الذي نواجهه هو الرأسمالية ، وأن الليبرالية الجديدة ليست سوى التعبير الأيديولوجي لمرحلتها الأخيرة. وتعني هذه المرحلة للرأسمالية تعميم استخدام الدول للقوة المسلحة في خدمة رأس المال القاطن لديها . وان الإمبريالية إنما هي تطور عضوي للرأسمالية.
في حال غاب اليسار الاشتراكي النضالي عن العمل النشط داخل الحركة – مثلها مثل أي نضال جماهيري آخر- واذا لم يستطع أن يشكل قطب متميز و منظم وجذاب في النقاشات الجارية داخل حركة مناهضة العولمة الرأسمالية فان النقاشات داخلها ، سيكسبها دون حوار أو سجال يذكر، أما الإصلاحيون الذين يطرحون استراتيجية تقوم على العمل ضمن إطار النظام الرأسمالي القائم ، أو العفويون الذين لا يطرحون أي استراتيجية كائناً ما كانت. هذا ما يعزز من ضرورة تواجده ونشاطه وفعاليته و ضرورة توحد اطرافه في العمل المشترك.
تحديات جديدة
مما لا ريب فيه أن التعامل المتزايد لحركات مناهضة العولمة الرأسمالية مع وقائعها المحلية وانخراطها في النضالات الوطنية أدى إلى تأثير معقد وكبير عليها. حيث أنها وجدت نفسها تعمل على الصعيد الوطني ـ بخلاف نشاطات التضامن العالمية التي اعتادت عليها ـ وأصبح من الصعب عليها الهروب من الحقل السياسي الذي كانت تتجنبه ، أي أن تنعزل عن إشكاليات الأحزاب السياسية. هذه الإشكالية الجديدة والحادة التي تواجهها الحركة هي ما أطلق عليها المفكر اليساري دانيال بنسعيد مصطلح “الوهم الاجتماعي” ، أي وهم الحركات الاجتماعية بقدرتها على الاكتفاء الذاتي بمعزل عن الحقل السياسي ـ مقارنة ب”الوهم السياسي” أي اعتقاد الأحزاب السياسية بقدرتها على الانعزال عن الحقل الاجتماعي ـ ويقول بنسعيد حول الوضع الذي عاشته الحركة بعد سياتل والملتقى الاجتماعي العالمي الأول أنه ” بشيء من التبسيط اسمي هذا ب”لحظة الطوبى” للحركات الاجتماعية والتي تأخذ أشكال متعددة منها : طوبى تعتقد بالقدرة على تنظيم الأسواق الحرة ، وطوبى كينزية ، وفوق هذا كله أنواع متعددة من الطوبى الفوضوية ـ الجديدة التي ترى انه بالإمكان تغيير العالم بدون استلام السلطة أو من خلال سلطات ـ مضادة فحسب”.
إذن ، يعود البعد ” السياسي” ليطرح نفسه بقوة داخل الحركة بشكل لا يمكن تلافيه ولا بأي شكل ، ويلقي تنوع التيارات اليسارية المذكورة أعلاه تحدياً عاماً على الأخيرة ، لم يجد بعد إجابة عليه . ومن وجهة النظر الاشتراكية النضالية ، فإن تنوع التيارات اليسارية واختلاف المواقف فيما بينها لا يجب أن تمنع ضرورات التنسيق والتعاون بين الأطراف المختلفة لليسار ، تلك الأطراف التي تسعى إلى توفير توجه متماسك واستراتيجي واضح لحركة مناهضة العولمة الرأسمالية.
هذا التنسيق ضروري وأساسي لليسار وللحركة في آن معاً، لكنه يحتاج ، كما يقول كالينيكوس، إلى “أن يترافق مع فتح نقاش معلن حول تحديد طبيعة العدو الذي نواجه والبديل الذي نرغب بالوصول إليه” ، وهذا يتطلب إيجاد التوازن الصحيح والدقيق ما بين حقلي الاختلاف والتنسيق ، من خلال القطع مع الأيديولوجية العفوية السائدة في الحركات الاجتماعية، والتي لا ترى في الحركات الاجتماعية سوى حقل خاص محايد والى حد ما خارج السياسة. بينما نرى أن مواجهة الليبرالية الجديدة ومناهضة الحرب إنما هما بالضرورة حقلان سياسيان بامتياز.
بلا شك أن نمو الحركات الاجتماعية ستولد حكماً خلافات برنامجية سياسية لا يمكن عزلها عن التنظيمات السياسية. والتأثير بينهما هو تأثير متبادل ، إذ لا تؤثر التنظيمات السياسية في الحركة فحسب ،بل إن الحركة –ربما كان لها تأثير أكبر- تؤثر أيضاَ على التنظيمات السياسية ، على سبيل المثال ، نلحظ أن عدد من القوى السياسية الجديدة اليسارية نشأت ،على الأقل جزئياً، نتيجة تأثرها وانخراطها في حركات مناهضة العولمة الرأسمالية مثل حالة كتلة اليسار في البرتغال وحزب اليسار في ألمانيا وريسبكت في بريطانيا. وهذا يشير إلى مدى قناعة أقسام كبيرة من النشطاء في هذه الحركات إلى ضرورة وجود صوت سياسي واضح ، كطرف فاعل في سيرورة معارضة الليبرالية الجديدة والحروب.
وإذا كان اليسار الاشتراكي النضالي لا يكتفي بالتعبير عن قناعته بضرورة بناء الحزب العمالي الاشتراكي ، بل يركز أيضاً على تحديد أي نوع من الحزب يجب أن يكون . إذ أنه ينظر إليه باعتباره حزباَ- منظمة- ينمو داخل حركات النضال ويوحدها.
ومفهومه هذا يتميز إلى حد كبير عن الفهم الشائع للحزب الذي يرى في الحزب تصوراَ “تجريدياَ” عن الواقع ومنفصلاَ عن النضالات الملموسة. كما أن مفهوم اليسار الاشتراكي النضالي يختلف عن ذلك المفهوم الآخر المتداول و الذي يعتقد بأن الحزب إنما هو تجسيد للوعي الاجتماعي وأن مهمته هي ببساطة إقناع العمال والناشطين بالانضمام إليه.
مثلما أن مفهوم اليسار الاشتراكي النضالي يتميز بشدة في رؤيته للتنظيم السياسي عن ذلك المفهوم للحزب ، لدى بعض الأطراف اليسارية ، الذي يعتبر نفسه “طليعة صغيرة” عليها أن تحافظ على نفسها من التلوث في العلاقة مع التيارات الأوسع غير الراديكالية ، والتي تنتظر الأحداث من أجل أن تدعو الناس إلى اطروحاتها والانضمام اليها.
وفي حين أن اليسار النضالي يرى أن محاولة بناء حزب لا تعني فرض شئ ما على الحركات من “خارجها”، بل إنما تعني محاولة دفع اكثر العناصر التزاماً للعمل سوياً داخلها.
وما يأتي من “الخارج” ، من و جهة نظرنا، ليست سوى المعارف حول تجارب النضالات السابقة وعلى الصعيد العالمي والتي هي بعيدة عن نطاق التجربة المباشرة لأغلبية الناس ، علاوة على إرادة مواجهة بقايا أفكار النظام الرأسمالي في عقول الناس مثل العنصرية والتمييز الجنسي والإذعان للطبقات العليا. الخ.
آفاق
بالرغم من اختلاف المواقف بين الأطراف اليسارية فان التراث الماركسي الثوري قدم نموذجاً ودليلاً لبناء حركات ديمقراطية ودينامية أكثر مما شائع حتى الآن : هو مفهوم “الجبهة المتحدة”.
والتي تعني التقاء قوى متعددة ومختلفة حول “برنامج عمل” مشترك ولكن “محدود”. لأن تنوع واختلاف هذه القوى هو لدرجة سيجعل من الالتقاء حول “برنامج سياسي” صعباً ، وإن حصل فسرعان ما سيخلق حوله خلافات جوهرية على شاكلة كيفية(آليات وأدوات) متابعة النشاطات المشتركة ، مثلاَ . وإن التوقيع على “وثيقة مبادئ” غير متفق عليها أصلاَ منذ البداية ، هو أمر غير مجدي.
لكن التقاء هذه القوى حول “أهداف محددة ومحدودة” نسبياً هو أمر ممكن التحقيق، دون تقديم تضحيات وتسويات (غير) مبدأية فكرية وسياسية قصيرة العمر. كما أنها ستوفر فرصة ثمينة للالتقاء السياسي وتعزيز فرص التوافقات العملية فيما بينها. ولكونها تتمحور حول النشاط والعمل المشترك فإن هذه اللقاءات قد تكون أرضية صالحة لاختبار تكتيكات واستراتيجيات مختلفة.
ربما قد يكون هذا هو الطريق الذي يساهم في أن تنتقل الحركات من موقف تجريدي أو عصبوي إلى أن تتحول إلى إطار يجمع بشكل مثمر ما بين النقاش السياسي والتنظيم العملي للعمل المشترك.
إننا نعتقد أنه من الممكن التوصل إلى اتفاق بناء حول عدد من القضايا منها ، بالأخص : مناهضة الليبرالية الجديدة والحروب الإمبريالية ومن أجل راديكالية ديمقراطية.
وهي قضايا يمكنها أن توحد طيف واسع من القوى اليسارية. وقد يكون هكذا نوع من الوحدة في العمل والنشاط هو ما يصبو إليه الناس في الوضع الراهن. ونأمل أن تبرز من خلال هذه التجارب تحالفات سياسية جديدة ومتينة ، لأنه تم اختبار مدى جديتها ومتانتها عبر النضالات المشتركة.
من المؤكد أن العديد من أطروحات حركة مناهضة العولمة الرأسمالية قد أصبحت بعد سياتل شائعة ورائجة. فالليبرالية الجديدة فقدت إلى حد كبير من “رونقها” و”جاذبيتها” ، لأنها فضحت حقيقتها المدمرة لحياة غالبية الناس والشعوب .
و اليوم أيضاً ، تمر “القوة الأعظم “في العالم في مرحلة من الإهانة والورطة الكبيرتان اللتان تتجسدان في مأزق احتلالها للعراق و حربها على منطقتنا ، وفشل مشروعها المسمى الشرق الوسط الكبير أو الجديد ، مما سيكون له تأثير كبير على الحد من قدرتها على التدخل العدواني في مناطق أخرى من العالم. و تقوية مقاومة الهوس العدواني التي عبرت عنها استراتيجية الليبراليون الجدد لجعل القرن الواحد والعشرين “قرناَ أمريكياَ”.
في مثل هذه الظروف تقع على عاتق اليسار مسؤولية كبيرة هي واجب القيام بفحص دقيق لكل من نقاط الضعف والقوة لحركة مناهضة العولمة الرأسمالية كما هي عليه اليوم. من أجل بذل كل الجهود لكي لا تقع الحركة في مطب أو مأزق أو طريق مسدود.
لأنه وفق ما يقوله بنسعيد ” إننا ان لم نحاول أن نفعل شيئاً ، فأحد لن يعرف إن كان ممكناً أم لا! والممكن قد لا يصبح دائماَ فعلياً ، لكنه يبقى جزءاً من الواقع”.
حركة مناهضة العولمة في سوريا*: كانت من المجموعات التي نشطت في تلك الفترة وكان أفرادها من الجذور الأساسية – مع الرفاق من المجموعات الأخرى- , التي شكلت النوى الأولية لتيار اليسار الثوري في سوريا والذي أعلن عن تأسيسه في 15/10/2011
