“العدو الداخلي” ومواقف القوى الوسطية في سوريا
تيار اليسار الثوري في سوريا
8/9/2012
غياث نعيسة
(أخذ من الحوار المتمدن-العدد: 3844 – 2012 / 9 / 8)
يقوم عدد من الناشطين السوريين بإضراب عن الطعام في باريس وعدد من العواصم الأخرى منذ 27 أب احتجاجاً على المذبحة التي تعرضت لها مدينة داريا وسقط فيها مئات القتلى اغلبهم من المدنيين العزل، وأيضا في محاولة من هؤلاء الناشطين للفت انتباه الرأي العام الدولي لما يجري في سوريا من قتل وتنكيل، وربما كان هذا النشاط تعبير حدسي لديهم بأن نية واستراتيجية النظام الدكتاتوري في مواجهة الثورة الشعبية هي “عدم الرضوخ مهما كان الثمن” كما قال الطاغية في أحد لقاءاته الأخيرة، وأن آلة قتله وقمعه ستواصل عملها بلا شفقة.
لم يحظ اللقاء التلفزيوني الأخير للدكتاتور بشار الاسد في 29 أب باهتمام يذكر رغم أنه قدم، برأينا، تصورا واضحاً لاستراتيجية النظام الاستبدادي في تعامله مع الثورة والمعارضة، وكانت رسائله أيضا واضحة للقوى الاقليمية والدولية.
سنتناول في مقالتنا هذه ما قاله الطاغية بخصوص توصيفه للثورة الشعبية وتعامله معها، فالثوار لم يعودوا “مندسين” و”جراثيم” كما سبق ان وصفهم في خطاباته السابقة، لا. لقد أصبح كل مواطن سوري لا يقف مع النظام بوضوح “عدوا داخلياً” يجب سحقه.
فقد قال بشار الأسد في مقابلته المذكورة ” هذه المرة تحرك العدو من الداخل وليس من الخارج… وأي سوري يقوم بتنفيذ مخطط أجنبي ومعاد يتحول إلى عدو ولا يعود سوريا” .
أصبح بذلك هامش المناورة لأطراف المعارضة التي بحثت أو تبحث عن حلول وسط على الطريقة اليمنية أو غيرها ضيقا جداً إن لم يكن معدوماً، ونخص بالذكر هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي وكل من يشاطرها الاستراتيجية السياسية بشكل أو بآخر.
إذ أن الدكتاتور لم يكتف بذلك فحسب، بل تحدث عنهم بصفتهم “تجار الأزمة” دون أن يحدد من هي المعارضة المعنية، ولكنه وصفها يتلك التي دعت “إلى الحوار ، فوجئنا بالحوار أنها رفضت المجيء للمشاركة في الحوار، لأنها قبل الحوار طرحت أن يكون الحوار حصرياً بين الدولة وهذه المجموعات” واصفاً إياهم أنهم يحاولون «أن يحققوا موقعاً سياسياً بشكل انتهازي لكي يفاوضوا الدولة” .
وفي رد مباشر على دعوة هيئة التنسيق إلى عقد مؤتمر” لإنقاذ سوريا” في دمشق في منتصف أيلول الجاري ، قال الطاغية ” سمعنا مؤخراً بأنهم بدأوا يتحدثون عن الحوار…. لكن إن أردت أن تأتي متأخراً فعليك أن تأتي صادقاً، لا أن تأتي مرة أخرى بشكل انتهازي وتركب موجة ترى أن السفينة لم تغرق وبالتالي فلنؤمن لأنفسنا موقعاً فيها…”
وأكمل متوجهاً لهذه القوى “أنت تتحدث عن رفض العنف ورفض التسلح”، وهو الموقف الذي يميز الخطاب الوسطي لهيئة التنسيق ، ويطلب منها أن تقر بأنها كذبت سابقاً أو على الأقل “أنها اخطأت في التقدير”.
في الواقع فإن هذا الخطاب خفض سقف طموحات قيادات هذه القوى الوسطية في خطابها والانتهازية في ممارساتها مما يمكن أن تحققه من مؤتمرها المنشود في دمشق ، فالنظام الدكتاتوري يعطي موافقته بشرط التزامها بالإطار الذي يضعه لها. وإلا فإنها كغيرها من المعارضة تصبح في أعين النظام “عدواً داخلياً”.
هيئة التنسيق: وسطية المواقف وانتهازية الممارسة
بداية علينا التأكيد أن نقد خطاب وممارسات القوى السياسية السورية المعارضة وخاصة في ظروف الثورة الشعبية ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة لأنه يتناول ممارسات سياسية قد يكون لها نتائج ضارة جداً على مسار الثورة ونتائجها.
منذ بدابة الثورة الشعبية وقفت هيئة التنسيق – ويقاربها “المنبر الديمقراطي” بمفاهيمه وممارساته، ولكنه ليس موضوع مقالنا هنا- موقفاً موارباً منها ومن النظام الدكتاتوري، فلا كانت مع الثورة حقاً ولا كانت مع اسقاط النظام فعلاً، رغم بعض البيانات التي أصدرتها في سياق ضغط الحراك الثوري، والتي كان يمكن أن تشير إلى خلاف ذلك، ولكنها كانت تعود وفي كل مرة إلى موقفها الأصلي الوسطي ، وتحاول في كل مرة إلى جر قوى أخرى إلى استراتيجيتها المذكورة هذه . ولا سيما حالتي حركة معاً وائتلاف وطن، فقد عملت هيئة التنسيق بشكل منهجي على تفريغ الاجتماعات واللقاءات من شحنتها الثورية لصالح مفهومها السياسي التوفيقي أو الوسطي.
إن تذبذب مواقف قياداتها(المحسوبة على اليسار) أساءت إلى حد كبير لسمعة اليسار السوري عموماً و قدرته على الفعل في الحراك الثوري، فقد احتكرت رايته لوهلة قصيرة بعض القوى اليسارية التي التحقت بهيئة التنسيق مثل قوى احزاب تجمع اليسار الماركسي (حزب العمل الشيوعي وغيره) والأخيرة قررت أن تمارس عملها السياسي من خلال هيئة التنسيق بمعنى أنها ألحقت نفسها تماماً بها و لم تعد لها ممارسة مستقلة ، ما هو بعد اسوأ من ذلك ان بعض قيادات احزاب “تجمع اليسار الماركسي” هي في الوقت عينه قيادات بارزة في هيئة التنسيق وأصبحت معروفة أكثر بأنها من بين أشد حاملي خطابها الوسطي وسياساتها الانتهازية.
من الجهة الاخرى، أساءت قوى الأحزاب الشيوعية الرسمية لاسم واليسار السوري وإرثه النضالي بالتحاقها المبكر جداً بسلطة الطغمة الحاكمة، وكان على اليسار السوري الجذري الداعم والمنخرط بالثورة السورية أن يتمايز وسريعاً عن كافة هذه القوى الانتهازية ل “اليسار” ان كان هذا الحليف للسلطة أو ذلك الوسطي المعارض. وهذا ما حصل مع تكوين عدة مجموعات يسارية داعمة للثورة ومنها تيار اليسار الثوري.
ترسخ موقف هيئة التنسيق كفصيل توفيقي أو وسطي مع مبادرتها لوقف العنف التي أعلنتها في 14 أب من هذا العام منطلقة من تحليلها لما تسميه ” توازن القوى ” بين قوى الثورة والنظام الحاكم في ظل “توازن دولي لا يقبل انتصار أي من الطرفين على الآخر”، واضعة نفسها ، انطلاقاً من مسلماتها هذه في موقف الوسيط أو في موقف وسطي، رغم ادعاء بعض قياداتها عكس ذلك. حيث أن مبادرتها هذه تدعو إلى “التوافق على هدنة مؤقتة بين جميع الأطراف التي تمارس العمل المسلح” بمعنى أنها تنظر إلى قوى الثورة ومقاومتها الشعبية بنفس المنظار الذي تتعامل به مع عنف النظام ووحشيته، وعلى قدم المساواة معه.
و الحال ، فإن هيئة التنسيق كانت قد مهدت لموقفها الوسطي هذا في 26 تموز ببيان روما الذي جاء عقب لقاء كانت هي القوة الأساسية التي اعدت ونظمت له مع استدراجها لبعض الشخصيات من قوى أخرى مثل” ائتلاف وطن”، حيث تنطح بيان روما لإعلان “أن السلاح ليس هو الحل” و أن الوضع الراهن أصبح بحاجة ملحة “أكثر من أي وقت مضى لمخرج سياسي” و دعا بيان روما ، الذي تشكل مبادئه تراجعاً كبيراً عن متطلبات الثورة ، إلى “سحب المظاهر المسلحة… وصولا إلى مفاوضات لا تستثنى أحدا” ، و الفقرة الأخيرة هي تمهيد لتمسك هيئة التنسيق بالحوار أو “مفاوضة” النظام.
توجت هيئة التنسيق انزياحها النهائي كطرف وسطي في الصراع الطبقي العنيف الجاري من خلال دعوتها الأخيرة التي صدرت في 28 أب إلى عقد مؤتمر وطني لإنقاذ سورية تقول أنها ستعمل على عقده في دمشق في 12 من الشهر الجاري، معتبرة أن عنف النظام، وهو مقدمة نظرية ضرورية لها لتبرير ما سيأتي لاحقاً في متن بيانها، “خلف حاضنات للعنف المضاد” وبهذا أصبحت المقاومة الشعبية بما لها وعليها بالنسبة لهيئة التنسيق مجرد “عنف مضاد”. ولتبرير سلوكها الوسطي بضرورة حوار النظام ، فإنها ركزت في بيانها المذكور على فقدان سوريا لقرارها الوطني المستقل حيث “باتت خاضعة بصورة كاملة للمؤثرات الخارجية الدولية والاقليمية”.
وهكذا لأن سوريا كبلد ومجتمع ودولة أصبحت “خاضعة بصورة كاملة” للخارج، وفق كلام هيئة التنسيق، يصبح مبرراً قيام الأخيرة بعمل انقاذي للبلاد ولعبها دوراً وسيطاً بين كافة “الأطراف المتنازعة” في سوريا. لم تعد هنالك في خطاب هيئة التنسيق ثورة شعب وتضحياته في مواجهة دكتاتورية دموية تحرق الناس والبلاد ،بل أصبح موقف هيئة التنسيق واضحاً في تحديد تموضعها الوسطي أي أنها لا تقف مع هذا الطرف أو ذاك ، إنها تضع نفسها في موقع الوسيط المنقذ، الجاهز لإنقاذ ما يمكن انقاذه… وخاصة من النظام القائم.
ولأن “تجمع اليسار الماركسي” لم يعد شيئاً أخر سوى ملحق تبريري لسياسات هيئة التنسيق المذكورة، وليس له نشاط سياسي مستقل خارجها، فقد جهد في افتتاحية عدده الأخير من نشرته “طريق اليسار “، عدد 39 أب 2012 ، التي عنوانها “ضد العنف المعارض” حيث يعلن هذا التجمع أن النظام قد نجح في دفع المعارضين إلى “استعمال السلاح، من أجل افقاد المعارضة تفوقها الاخلاقي، و لجعلها تشبه ممارسات النظام” هكذا بجرة قلم اصبحت المقاومة الشعبية المسلحة للجماهير في مواجهة آلة القتل البربرية للدكتاتورية بشكل آلي “انحطاط اخلاقي” وممارسات وحشية مثل “النظام الحاكم تماماً”، الحقيقة أن هذا الكلام نموذج مأساوي للانحطاط الفكري لبعض اليسار السوري ،ليس إلا.
يسار هيئة التنسيق
فالافتتاحية نفسها تعيد التأكيد أن ما يجري في سوريا هو تكرار لمأساة حماة عام 1982،بما يعني صراع بين الإسلاميين والإخوان المسلمين من جهة والنظام الحاكم، من جهة أخرى. حيث تقول أن الإخوان المسلمين “يعودون ومعهم الكثير من المعارضين بعد ثلاثة عقود ، إلى تكرار محزن لتلك المأساة التي أطالت لثلاثين عاما من عمر النظام السوري…”.هذه الحجة البائسة لتبرير الموقف الوسطي و التوفيقي لهيئة التنسيق و تابعها “تجمع اليسار الماركسي” تدعو للرثاء فعلاً، لأن عقل قاصر وحده يمكنه المساواة بين أحداث الثمانينات وصراع الإخوان المسلمين المسلح مع النظام حينئذ مع الثورة الشعبية العميقة الجارية في بلادنا منذ نحو 18 شهراً، التي لا يشكل فيها الإخوان المسلمين و الإسلاميين سوى فصيل محدود النفوذ رغم الدعم الاعلامي و المالي الهائل الذي يتلقاه من قطر و السعودية وتركيا، وهم كانوا غائبين وبعيدين عن الحراك الثوري في الأشهر الأولى من الثورة ، حيث كانوا في هدنة وحوار مع النظام الحاكم منذ عام 2006.
والحال، يصبح الأن مفهوماً لدينا موافقة ومباركة “أحزاب الجبهة الشعبية” الانتهازية التي تضم حزبي قدري جميل وعلي حيدر المشاركين في حكومة الدكتاتورية لمبادرة هيئة التنسيق المذكورة أعلاه، ويصبح مفهوماً أكثر تقارب مواقف كل منها في تعامله السياسي مع الثورة الشعبية حيث وصل التوافق بينهما حد تطلب عقد اجتماعات تنسيقية بين كل من الجبهة الشعبية الحكومية وهيئة التنسيق في بداية شهر ايلول الجاري.
هنالك إذن إعادة اصطفاف جديدة بين القوى السياسية “اليسارية” حيث تتقارب القوى الانتهازية والوسطية من جهة، وتقوم عملية تقارب بين مجموعات اليسار الجذري من جهة أخرى، مما يعني زيادة الضغط على القوى المترددة والرخوة سياسياً الموجودة مثلاً في حركة معاً أو في ائتلاف وطن، وسيفرض عليها سريعاً القيام بتوضيح تموضعها السياسي الفعلي الذي صار من الصعب تأجيله أو الالتفاف عليه، وعليها إما أن تتجه نحو موقف جذري واضح في الثورة أو الالتحاق بسياسات انتهازية توفيقية.
في ظروف من تجذر الجماهير الشعبية السورية في ثورتها ضد نظام الدكتاتورية البرجوازية، أصبحت الشروط أكثر من ناضجة لتشكيل إطار يساري جذري واسع منخرط فعليا في الثورة الشعبية ، يكون خارج هذه القوى “اليسارية” الانتهازية والوسطية -نقصد قياداتها وأطرها التنظيمية لأننا قد نجد أنفسنا مع كوادرها وقواعدها في نضالات مشتركة دفاعاً عن قضايا مثل العلمانية أو حقوق المرأة وغير ذلك من النضالات الاجتماعية- وهذا ما يجب العمل عليه دون تأخير، وعلى أساس برنامج سياسي وعملي يساري جذري.
