الوضع السوري الراهن: أفاق ومهمات
تيار اليسار الثوري في سوريا
24/9/2018
-
غياث نعيسة
-
(أخذ من الحوار المتمدن- العدد: 6004 – 2018 / 9 / 25)
-
يتوه غالبية السوريين اليوم في تقييم ما يجري في البلاد وما يجري لهم. بين ملايين منهم تحأول العيش والتأقلم مع بلدان هجرتها في أوربا وغيرها مئات آلاف في مخيمات اللجوء في البلدان المحيطة بسوريا.
-
نصف سكان سوريا يعيشون هذه الحالة، حالة من التيه والشتات والقهر، لم يشهد العالم مثيلًا له منذ الحرب العالمية الثانية لشعب بأكمله.
-
يضاف إلى ذلك أن الحراك الشعبي العظيم – الثورة الشعبيةـ الذي شهدته البلاد في عامي 2011 و2012 خفت وبدأ بالتلاشي، بالأخص، منذ عام 2013.
-
هنالك نحو مليون قتيل ومخطوف ومعتقل وأكثر من الضعف من الجرحى والمعاقين. فقد تم سحق هيئات الثورة من التنسيقيات إلى المجالس المحلية. ومع تسلح الناس أجهز على المقاومة الشعبية التي عرفت باسم الجيش الحر، لصالح كل من النظام والقوي المسلحة الجهادية التكفيرية ولتدخلات والاحتلالات لجيوش أجنبية عديدة.
-
لم تعد خريطة تقاسم النفوذ في سوريا كما كانت عليه قبل عامين، أصبحت الصورة أكثر وضوحا، لا يعني ذلك ابدا انها صارت أكثر إيجابية عما كانت عليه قبل عامين. فقد زادت مناطق سيطرة النظام وخصوصاً مع استعادته السيطرة على حلب ومن بعدها الغوطة وأخيراً على درعا.. بحيث أصبح الوضع الراهن لمناطق السيطرة تتقاسمها قوات النظام وحلفائه وهي الأكبر، إضافة إلى مناطق يحتلها أو يسيطر عليها الجيش التركي في شمال غرب سوريا، ومناطق شمال شرق سوريا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وجيب صغير في التنف جنوب سوريا تحول إلى قاعدة عسكرية للقوات الامريكية، دون أن ننسي جيوب متناثرة وهامشية لتنظيم داعش الفاشي.
-
هذا التحول في تقاسم مناطق النفوذ، هو تعبير مباشر يعكس صورة حال التدخل العسكري لقوي دولية وإقليمية في سوريا، ومؤشر على وضع ميزان القوي فيما بينها، وفي تنظم علاقات تنافسها وتفاهماتها في أن واحد من خلال اتفاقات متعددة ومتغيرة أبرزها الآستانة التي تجمع روسيا وتركيا وإيران باعتبارها “دول ضامنة” … ما يسمح لها، إلى حد ما، ترتيب تنافسها فيما بينها وتنظيم تدخلاتها ومصالحها في بلادنا، ويبدو التدخل الروسي، والي حد أقل، الإيراني أن له يد الأكبر والأقوى في السيطرة، في حين تقوم الولايات المتحدة، بتدخل أقل كلفة يثبت حضورها كلاعب هام في تقرير مصير البلاد إضافة لروسيا وإيران وتركيا.
-
خرج السوريون من المشهد العام الذي يتقرر فيه مصيرهم ومصير بلادهم.
-
ما يعني باختصار، أن الثورة السورية العظيمة قد هزمت في بحر من دماء الجماهير السورية وخراب ودمار فظيعين لبلدات وأحياء ومدن، هذه الحقيقة المؤلمة يرفض البعض الإقرار ويراهن على أنها ما تزال في ” قلوب” السوريين وفي بعض النشاط المدني لعدد منهم، القابعين في بلاد “الشتات”.
-
والحال، فإن الثورة بصفتها اندفاع الجماهير الواسعة إلى ساحة الفعل في القضايا التي تتعلق بمصيرها لم تعد قائمة الآن وهزمت نتيجة عوامل – ذاتية وموضوعية- عدة من بينها وحشية النظام وتكالب أطراف عدة للثورة المضادة وفي مقدمتها الدول الإقليمية والدولية، تلك الحليفة للنظام وأيضا تلك التي ادعت عدائها له و”صداقتها” للشعب السوري، وإلا فأين هو الحراك الشعبي وكيف تتجلي ديمومته؟
-
هنالك اذن انتصار عنيف للثورة المضادة المتعددة الأطراف وسحق للثورة الشعبية بما يحمله ذلك من ردة رجعية كبيرة. قول ذلك لا يعني الاستسلام لهذا الواقع المرير. بل يعني فهمه لوضع سياسات ملائمة تسمح بمتابعة النضال من أجل تحقيق أهداف الثورة الشعبية في التحرر من الاستبداد والمساواة والعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني من كل الاحتلالات والوصاية على شعبنا وبلادنا.
-
ورغم الهزيمة الدموية للثورة، لكن تأثيراتها عظيمة جداً. فمن جهة، ثمة ملايين السوريين إن لم يكن كلهم أصبحوا معنيين بقضايا كبري لم تكن تعنيهم كلهم سابقا، إلى أين؟ وما الحل؟ وكيف؟ وما تزال تتردد في العقول كلمات الحرية والكرامة والمساواة. ومن جهة أخري، حصلت في البلاد تحولات اقتصادية واجتماعية هائلة، هنالك مناطق عمالية وشعبية في أطراف المدن الكبرى (دمشق وحمص وحلب..) قام النظام، عمداً، بسحقها وتدميرها وتهجير أهاليها لتتحول إلى مناطق لاستثمارات عقارية للبرجوازية المرتبطة عضوياً بالنظام الحاكم.
-
وهذا في نفس الوقت يؤدي إلى تمركز تواجد الجماهير الشعبية في مناطق عدة في البلاد، بخلاف ما كانت عليه الحال سابقاً، حيث كانت سياسات النظام، منذ عقود، تقوم على تفتيت وشرذمة تواجد المناطق العمالية والشعبية على امتداد سوريا ومنع تمركزها كمصانع ومشاغل وأيضا كمناطق سكنية.
-
ومن بين تأثيرات الثورة أنها عرت النظام تماماً، فهو تصرف كعصابات قاتلة بحق السوريين وبعنف مرعب. تعري النظام إلى ما هو عليه حقيقة: عسكر وأجهزة أمن وميليشيات هدفها الوحيد تأبيد حكم طغمة ضيقة من النخب الفاسدة على حساب حياة ومستقبل الشعب السوري.
-
ورغم ادعاءات النظام بالانتصار النهائي، لكن ما هو أكيد أنه أصبح أكثر هشاشة وضعفاً عما كان عليه، واليوم هو نفسه أصبح أسير حلفائه الذين وفروا له القدرة العسكرية على سحق الثورة، ونقصد إيران والأهم روسيا، لم يعد النظام يملك تماماً استقلاليته التي كان يدعيها.
-
فهذه الدول ستخضعه لما ستراه يحفظ مصالحها في سوريا والمنطقة، والعالم. فقد أصبح وجوده وبقائه ومصيره، إلى حد كبير، ورقة في أيدي هذه الدول الإقليمية والدولية. التي، ويجب علينا التذكير، لا يهمها ولا يعنيها بشيء مصالح الشعب السوري وطموحاته بالحرية والكرامة.
-
وفي الوقت نفسه، فإننا نلاحظ ظاهرة عودة النظام، بأجهزته القمعية المتعددة، إلى عاداته العنفية السابقة على الثورة، في قمع وقهر الناس في مناطق استطاع النظام تحييدها أو الظفر بتأييد له فيها عبر تخويفها بفزاعة الإسلاميين -قاطعي الرؤوس-! خلال السنوات السبع الماضية، ما يفاقم من كره الناس فيها له. حيث انه بالكاد حينما تهدأ المعارك يعود النظام إلى سابق عهده بقمع وتجويع واضطهاد (حاضنته الشعبية) نفسها.
-
لكن ما ان تهدأ المعارك حتى يندفع الناس في هذه المناطق إلى التعبير بأشكال شتي عن تزايد حنقها على النظام، ونقمتها عليه لزجه لأبنائها في مطحنة دفعها إليها بهدف تأبيد حكمه ، واحتجاجاً على قمعه لها واستمرار افقاره لها، واستشراس وفجور ميليشياته واتباعه بحق عموم الناس. هناك شحنة كبيرة من الكره والنقمة على النظام في مناطق كان يعتبرها نظام الطغمة مصدراً للحم المدافع دفاعاً عنه، سترتد عليه عاجلاً أم آجلاً.
-
في المقابل، لم تكن، ما يعرف بالمعارضة “الديمقراطية” واليسارية السورية، بأحسن حالاً, وشكلت عائقاً وعبئاً على كاهل الجماهير الثائرة، فهذه المعارضة تمزقت إلى قسم انضم إما إلى النظام أو إلى هيئات تابعة لقوي دولية أو إقليمية مثل هيئة التفاوض والائتلاف وهرولت إلى المشاركة في اللجنة الدستورية التي تطبخها روسيا.
-
ولان مصير البلاد أصبح ممسوكاً بين فكي القوي الامبريالية والإقليمية المتنافسة فيما بينها، فإن أي من هذه الهيئات “المعارضة” لا تملك لا استقلالية قرارها ولا استقلالية ارادتها.
-
وقسم آخر من المعارضة الديمقراطية واليسارية بقي خارج هذا الوحل الانتهازي، لكنه بقي مشتتاً وضعيفاً، واقع حاله هو التالي، هنالك مجموعات وأفراد منها تتواجد في مناطق النظام، وقسم آخر منها يتواجد في مناطق الاحتلال التركي والنفوذ التكفيري الجهادي.
-
وأخيراً هنالك تجربة شمال شرق سوريا، أي منطقة الإدارة الذاتية، وهي تجربة غنية وهامة، لها تخومها ونواقصها التي يفاقمها وضع الحرب الذي تعيشه البلاد، ونري بأن قضية الديمقراطية في سوريا مرتبطة بحل ديمقراطي للقضية الكردية، وأن الأخيرة تأخذ أهمية بيضة القبان في إمكانية وعمق التحول الديمقراطي الممكن.
-
هكذا اذن، هنالك ثلاث قطاعات، ماتزال منفصلة ومنعزلة عن بعضها البعض، لتواجد ونشاط القوي الديمقراطية واليسارية، ولكن لا تواصل أو تنسيق جدي ومثابر فيما بينها إلا في حدود ضيقة، مع تنافس رؤاها واستراتيجياتها مما يزيد من ضعفها ووهنها.
-
إن استطاع النظام، اللعب على ذلك واستمالة الإدارة الذاتية له، فهذا سيقوي من قدراته وفرص بقائه واستمرار الدكتاتورية، وفي المقابل، إن استطاعت المعارضة الديمقراطية تشكيل تحالف مع الإدارة الذاتية فإن موازين القوى السياسية والاجتماعية ستتغيران، إلى حد كبير، لصالح كفاح شعبنا من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة والعدل الاجتماعي.
-
إننا نعتقد، أن التكتيك الصحيح، في لحظات الهزيمة والردة الرجعية، هو تكتيك الجبهات المتحدة. ما يعني بضرورة توحيد هذه القوي في القطاعات الثلاث المذكورة في جبهة أو جبهات متحدة حول مهمات أساسية مطروحة علينا جميعاً.
-
أولها قضية الخلاص من نظام الاستبداد وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي على انقاضه يقوم على المساواة الكاملة بين السوريين بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو جنسهم.
-
وقضية إزالة الاحتلالات وإخراج كل الجيوش والميليشيات الأجنبية والطائفية.
-
وثالثا، العدالة الاجتماعية. دون أن نهمل إطلاقاً، ضرورة الدعوة، والعمل، على وقف هذه الحرب المجنونة ضد شعبنا، وعودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم والإفراج عن المعتقلين والمخطوفين في كل المعتقلات.
-
مدي جدية القوي المذكورة، رغم ضعف معظمها الراهن، في تحقيق ذلك، وقدرتها على الفعل بالارتباط مع هموم الناس وكفاحهم، سيكون عاملاً أساسياً في رسم صورة مستقبل شعبنا وبلادنا.
