- غياث نعيسة _24/4/2017
- نشر المقال بالفرنسية في العدد 380 من جريدة « انتي كابيتاليست » للحزب الفرنسي الجديد المعادي للرأسمالية.
- (أخذ من الحوار المتمدن- العدد: 5514 – 2017 / 5 / 8)
- ازداد المشهد السوري اسوداداً بعد الضربة الأمريكية ضد قاعدة الشعيرات الجوية في ليلة 7 نيسان/ابريل رداً على الهجمة الكيماوية التي تعرضت لها بلدة خان شيخون.
- وتعالت أصوات في حركة مناهضة الحرب العالمية تتحدث عن مخاطر حرب أمريكية وشيكة. في حين أن المرجح هو أن هدف هذه الضربة الأمريكية ليس بداية غزو أمريكي واسع لسورية بل هو أقرب ما يكون لضربة «إعلامية» تخص حسابات ترامب.
- والحال٬ فقد صرح الرئيس الشعبوي ترامب لمحطة فوكس نيوز في 12 نيسان بأنه وخلال تذوقه « لأجمل قطعة كاتو بالشوكولاتة يمكن أن تراها عين » مع نظيره الصيني جي جينبنغ وصلته رسالة من الجنرالات بأنهم جاهزون للضربة٬ فأعطاهم موافقته على إطلاق 59 صاروخاً تجاه العراق ( اضطرت الصحفية إلى تصحيحه : تجاه سوريا).
- وهكذا ٬ مع تنفيذ الضربة٬ أشاعت وسائل الإعلام انطباعاً بأن ثمة عودة إلى حقبة « الحرب الباردة » ولا سيما مع التصريحات الحادة للمسؤولين الأمريكيين والروس التي رافقت ضربة مطار الشعيرات.
- وتم الترويج لفكرة بأن الضربة الأمريكية لمطار الشعيرات إنما هو تطبيق لاستراتيجية أمريكية جديدة في سوريا مخالفة وفي قطيعة مع تلك التي مارستها إدارة أوباما .
- لكن المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية ايغور وكلاشينكوف صرح بأن فقط « 36صاروخ توماهوك من أصل 59 أصابت المطار٬ بينما ما يزال مكان سقوط الصواريخ الأخرى مجهولاً ».
- وما له دلالة في محدودية ورمزية الضربة الأمريكية هو أن الأضرار التي أصابت قاعدة الشعيرات لم تمنع النظام من استعادة نشاط المطار منذ اليوم التالي٬ حيث حلقت الطائرات من جديد ومارست عملياتها المعهودة في الغارات والقصف٬ تماماً كما كانت مهمته قبل القصف الأمريكي.
- وفي 12 أبريل رفعت روسيا مجدداً٬ وللمرة الثامنة٬ الفيتو في مجلس الأمن ضد قرار يدين جريمة استخدام السلاح الكيماوي في مدينة خان شيخون التي جرت في 4 ابريل وهو قرار يدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية في الحادثة. ومرة أخرى٬ قامت روسيا بوتين بحماية حليفها النظام المجرم للأسد. وهكذا يستمر الحال كما كان في السابق..
لعبة خطيرة
- وفي المقابل٬ فإن اجتماع الدول السبع الكبرى الذي عقد يومي 10-11 لم يبدل كثيراً في المعزوفة المكررة للدول الغربية: «لا يوجد مستقبل ممكن لسوريا مع بقاء الأسد». كما صرح وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ارو, معبراً عن التسوية التي توصل لها اجتماع الدول السبع الكبرى.
- في حين لم يصدر عن الاجتماع أي قرار بعقوبات إضافية٬ كانت رشحت عبر وسائل الإعلام وبعض التصريحات لمسؤولي الدول الغربية سبقت انعقاد المؤتمر.
- في الواقع٬ فإن التصريحات المتشددة والعنيفة التي تصدر٬ من حين إلى آخر٬ عن مسؤولي الدول الغربية تجاه نظام الأسد٬ لا تخفي حقيقة أن اهتمامها وهاجسها٬ في الوقت نفسه٬ هي المحافظة على النظام السوري…
- فما تزال سياسة الدول الكبرى تجاه سوريا هي نفسها لم تتبدل ٬ إنها سياسة « الانتقال المنظم » التي تعني الحفاظ على النظام مع تغيير رأسه٬ إن أمكن.
- كما أن الدول الغربية تسعى إلى احتواء الأزمة الانسانية الأكثر كارثية منذ الحرب العالمية الثانية ٬ والتي أدت إلى الموجات المتعاقبة من الهجرات الكبيرة إلى أوربا٬ ولهذه الاسباب تسعى الدول الغربية ٬بكل ما في وسعها٬ إلى وقف هذه الهجرات نحوها.
- وعلاوة على ما ذكرنا٬ تحظى الضربة الأمريكية على مطار الشعيرات بأهمية جيو استراتيجية في إطار التنافس الجاري بين القوى الكبرى. حيث أنها ترافقت بإلقاء الولايات المتحدة بأكبر قنبلة غير نووية على أفغانستان يوم 13 أبريل٬ لإظهار جبروتها وقدراتها٬ تلاه إعلانها إرسال حاملة الطائرات كارل فينسون وطاقم حمايتها إلى شبه الجزيرة الكورية.
- ما قد يشير٬ في هذا المجال ٬إلى لعبة جيواستراتيجية خطيرة تمارسها إدارة ترامب في محاولة منها لفرض هيمنة عالمية ٬ بالرغم من ضعفها الملحوظ والمتزايد بعد هزيمتها في العراق.
المدنيون في قبضة الكماشة
- وفي هذه الاثناء يكثف نظام الأسد وحلفائه من هجومه على كل الجبهات ويحقق تقدماً ٬ كما أظهرته استعادته لمدينة صوران في ريف حماة يوم 16 أبريل . وعمليات تبادل السكان القسري المستمرة٬ بتأثيراتها الديمغرافية والاجتماعية العميقة٬ التي تتم بين النظام وحلفائه من جهة . والمجموعات الجهادية٬ من جهة أخرى. مثلما جرى مؤخرا في عملية تبادل سكان الزبداني ومضايا قرب دمشق مقابل سكان بلدتي الفوعة وكفريا في ريف إدلب. رغم احتجاج سكان هذه البلدات على هذا التبادل أو مغادرة بلداتهم. ولكن السكان اجبروا على التهجير من قبل الميليشيات الطائفية : النظام وحزب الله من جهة, وجبهة النصرة وحلفائها من جهة أخرى.
- وكأن بشاعة المعاناة لاضطرارهم مغادرة بيوتهم وهجرة بلداتهم لا تكفي. اذ تعرضت الباصات التي تقل مهجري الفوعة وكفريا (المحسوبين على الموالاة) إلى عملية تفجير انتحاري٬ لم يتم تبنيها حتى الآن٬ سببت في مقتل نحو 129 شخصا منهم حوالي 60 طفلاً .
- لكن مقابل هذه العملية الوحشية٬ شكلت حمة التضامن مع الضحايا وعمليات الإنقاذ التي قام بها مقاتلو الجيش الحر المتواجدين قرب حادث التفجير حدثاً بارزاً ومميزاً فندت الدعاية التي طالما روج لها النظام٬ وقدمت ممارسة نقيضة لممارسات النظام البشعة.
- كما أن حملة تضامن مع الضحايا وإدانة العملية الانتحارية الدموية شملت العديد من مناطق سورية ومدنها٬ وعلينا هنا أن نشير إلى الموقف العام لأقسام المعارضة السياسية السورية التي أدانت هذه الجريمة البشعة وتضامنت مع الضحايا.
- والحال٬ فإن قوى الثورة المضادة المتعددة الأطراف التي تتقاتل فيما بينها إنما تستهر دوماً بحياة المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر والباهظ لاقتتالها.
- بالرغم من الوضع الشديد الصعوبة الذي يعيشه الشعب السوري وقواه الديمقراطية والتقدمية في نضالها من أجل تحررها٬ لكننا نشهد بأن الجماهير السورية مستمرة في النهوض والتظاهر ضد كل من النظام وكافة قوى الثورة المضادة وضد التدخلات الأجنبية .
- فالجماهير السورية مستمرة٬ رغم الكارثة التي تعيشها٬ في النهوض والتظاهر من أجل الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. وكانت آخر هذه المظاهرات تلك التي جرت يوم 17ابريل في مدينة السويداء التي تقبع تحت سيطرة النظام. هذا النضال للجماهير والقوى الديمقراطية والتقدمية السورية من أجل تحررها يتطلب تضامنا أممياً.
