الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا الآمال والتحديات
تيار اليسار الثوري في سوريا
7/9/2020
-
غياث نعيسة
-
(أخذ من الحوار المتمدن- العدد: 6670 – 2020 / 9 / 7)
-
جاء إعلان تشكيل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا قبل عامين حدث مهم في الوضع السوري البائس والذي هزمت فيه الثورة الشعبية ، وأعطى بارقة أمل لمستقبل أفضل، ولكون الإدارة الذاتية تحمل موضوعياً طبيعة ديمقراطية وتقدمية فهي عرضة لأخطار خارجية، تفاقم من التناقضات الداخلية، هذا التفاعل الجدلي بين طبيعة مشروع الإدارة الذاتية والتحديات الخارجية والداخلية يحكم تطورها، ولكن الأهم من هذا وذاك، هو ماهية الخيارات التي تتخذها قيادة التجربة في مواجهة هذه التحديات والعمل على تطويرها. هذا الخيارات هي العامل الأهم والذي نعمل إلى أن يكون لصالح مشروع تقدمي على الصعيدين السياسي والاقتصادي -الاجتماعي. ليصبح مشروعاً وطنياً يلهم الجماهير في نضالها التحرري الشامل.
-
لم يأت إعلان الإدارة الذاتية في سوريا من فراغ ، بل نتيجة صراع سياسي واجتماعي جذري، أي أنه جاء في سياق سيرورة ثورية امتدت لسنوات ولكنها متفاوتة في طبيعتها ومآلاتها في نفس الوقت.
-
اي أن الثورة السورية عام 2011 كانت العامل الأساس في إضعاف النظام وتحرر الجماهير. لكن، في حين تعرضت الثورة السورية إلى الهزيمة والسحق بدءاً من النصف الثاني من عام 2012 كانت القوى السياسية الديمقراطية المنظمة ، ولا سيما الكردية، قد بدأت في نزع سيطرة النظام عن مناطق هامة من شمال وشرق سوريا. وبقدر ما كانت تتسع هزيمة القوى الثورية والجماهير في بقية المناطق، كانت تتوسع نطاق المناطق التي تديرها الأحزاب الكردية اولاً ومن ثم بشراكة مع قوى وأحزاب قومية أو يسارية أخرى.
-
هذ التفاوت ، أو المفارقة، في الوضع السوري بين هزيمة الثورة المتواصل في أغلب مناطق سوريا ، من جهة. قابله نضوج وتطور تجربة تحرر الناس في مناطق شمال وشرق سوريا، من جهة أخرى. وصولاً إلى الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية في بداية أيلول من عام 2018 , لتتحول إلى مشروع حي وفعلي وفريد .
-
فرادة مشروع الإدارة الذاتية ينبع ، إلى حد ما ، من هذا التفاوت الذي أشرت اليه، ولكن الأهم من ذلك، إنه ينبع من طبيعة المشروع السياسية والاجتماعية ودينامياته. لأننا نلاحظ أن هزيمة الثورة رافقه تقدم وهيمنة قوى مسلحة إرهابية ومعادية للشعب، بل وبعضها له طابع فاشي، تحمل أفكاراً وممارسات شديدة التخلف والوحشية والرجعية.
-
في حين أن مناطق الادارة الذاتية أصبحت، رغم بعض مكامن الخلل فيها، واحة تحرر وأمل، في الواقع السوري الذي أصبح بائساً ومظلماً.
-
لكننا لا نعيش في الحلم بل في واقع شديد التعقيد والعنف، وشروط موضوعية مفروضة علينا، ولا تخضع دوما لرغباتنا. فهنالك تدخلات عسكرية لدول إقليمية ودولية في سوريا، والنظام لم يسقط ومازال قائماً ، وإن ضعف كثيراً، بفضل التدخل المباشر والمستمر لحلفائه، وتتنافس هذه الدول وتتصارع فيما بينها على فرض مصالحها في بلادنا.
-
في المقابل نجد أن أطراف المعارضة ” الرسمية” تحولت إلى توابع لدول: الائتلاف لتركيا، وهيئة التفاوض تتقاسمها الدول المتدخلة مثلها مثل اللجنة الدستورية، وهنالك منصات ” للمعارضة” تحمل أسماء عواصم الدول التي ” ترعاها”.
-
والتجربة الملموسة، إضافة إلى التحليل الملموس، تؤكد أن أياً من هذه الدول المتدخلة والأطراف السياسية المذكور يخشى مشروع الإدارة الذاتية، لأنها تقدم انموذج مخالف لما ترغب به بإعادة انتاج النظام معدلاً قليلاً. فهي لا تعنيها قضية الإدارة الذاتية إن لم يكن تعاديها، لأنها نقيض لحل سياسي يقوم على محاصصة طائفية او سياسية، ولأنها، أي الإدارة الذاتية، بطبيعتها تحمل دينامية ديمقراطية وتحررية.
-
لذلك، فإن مشروع الإدارة الذاتية ليس له “أصدقاء” حقاً من بين كل هذه الدول المتدخلة في بلادنا. وأيضاً للأسباب ذاتها تعرضت، وماتزال، إلى اعتداءات وحصار كبير.
-
تدفع هذه الدول، والنظام، إلى إشعال العداء ضد الإدارة وفي مواجهتها، بدءاً من التهييج القومي الشوفيني والعشائري وغير ذلك. هذا الاحتقان الشوفيني تشارك فيه قوى سياسية تعتبر نفسها ديمقراطية ومعارضة.
-
رغم ذلك، فان كل الأطراف تعترف الآن ، بشكل أو بآخر، أن لا حل ممكن في سوريا، إن تجاهلت مشروع الإدارة، لأنها تشكل بيضة قبان، أو نقطة ارتكاز للحل في سوريا. من هنا تعمل هذه الدول على سياقين، بعضها يعمل على تدجين مشروع الإدارة الذاتية ليتناسب مع مصالحها، مثل الولايات المتحدة وإقليم كردستان العراق (وربما روسيا إلى حد ما)، والبعض الآخر يسعى إلى تحطيمها، مثل تركيا والنظام وحلفائه.
-
ظروف الحرب والحصار والأعداء الكتر الذي تتعرض له الإدارة الذاتية تعمل أيضاً على مفاقمة العراقيل داخل مشروع الإدارة الذاتية نفسها مثل حالة الفساد وضعف المشاركة الشعبية والخدمات والتشوش المتتالي للمواقف السياسية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية وتضخم الجهاز البيروقراطي …
-
هذه العوامل مجتمعة، الموضوعية والذاتية، تخلق مزيداً من المخاطر وحالة عدم استقرار ، وتشكل عائقاً أمام إمكانيات تطوير مشروع الإدارة الذاتية وتحويلها إلى مشروع وطني لعموم السوريين، بل وفي المنطقة، وأن تصبح تجربة ملهمة لشعوب المنطقة.
-
هنا تكمن المشكلة والحل في الوقت عينه.
-
إذ أنه واضح بأن ما يجب علينا القيام به في مواجهة المخاطر والتحديات المذكورة هو تحديداً العمل العاجل والجدي على تحويل مشروع الإدارة إلى أنموذج وطني ملهم فعلياً لعموم السوريين وشعوب المنطقة، ولا يمكن ذلك إلا بالاستناد على طاقات الجماهير والشعوب والقوى الديمقراطية واليسارية الجذرية باعتبارها هي الحامل الأساسي لهذا المشروع. هذا هو التحدي الكبير، وهنا يكمن لب القضية التي ستقرر مصير مشروع الإدارة الذاتية بل ومصير ومستقبل بلادنا. ” هنا رودس فلنقفز هنا!”
