اتفاق امبريالي وثورة شعبية يتيمة
تيار اليسار الثوري في سوريا
15/5/2013
غياث نعيسة
(أخذ من الحوار المتمدن- العدد: 4094 – 2013 / 5 / 16)
- لقد أربك الوضع السوري، بتأثيراته الجيوسياسية الاقليمية، العديد من أطراف اليسار العالمي الذي أخذ بعضاً منها موقفاً صريحاً في دعم دكتاتورية مجرمة وموقفاً معادياً من قضية شعب يتعرض للمجازر اليومية.
- وكان آخر هذه المجازر قتل العشرات من المدنيين في مدينة بانياس الساحلية. مجزرة مرت بتعتيم إعلامي شبه كامل بسبب الغارات الاسرائيلية على عدة مواقع للجيش الحكومي في دمشق يومي 4 و5 أيار. وكالعادة اكتفى النظام، كردة فعل عليها، بالتصريح بانه ” يحتفظ بحقه بالرد في المكان والزمان المناسبين” .
- والحال، فإننا نعتقد أن من بين أهداف هذه الغارات الإسرائيلية يكمن هدف أساسي هو مسعى الدولة الصهيونية لتدمير، أو على الأقل إضعاف، القدرات العسكرية للبلاد بحيث يكون النظام القادم في سوريا، أيا يكن، ضعيف جداً عسكرياً واقتصادياً، وبشكل لا يعد يشكل فيه تهديداً جدياً لها. ومن بين أهدافها أيضاً، إيصال رسالة للنظام الحاكم في دمشق تردعه من مجرد التفكير بتسليم أسلحة استراتيجية لحزب الله، ولا سيما وأن الأمين العام لهذا الحزب كان قد أعلن في خطابه يوم 30 نيسان موقف حزبه الواضح في دعمه لنظام بشار الاسد معلناً أن ” حلفاء النظام لن يسمحوا بسقوطه ابدا”.
- وما يدعو للاستغراب، أنه لم تسجل أية احتجاجات اسرائيلية أو غربية جدية على المشاركة العسكرية الفعلية لحزب الله الى جانب جيش الدكتاتورية وميلشياتها، وبشكل بارز في أطراف مدينة حمص، حيث حققت فيها تقدماً عسكرياً ملحوظاً ضد القوى الثورية الشعبية المسلحة.
- في هذا السياق، عقد لقاء موسكو بين الحكومتين الأمريكية والروسية، الذي تتوج أخيراً باتفاق أكبر قوتين إمبرياليتين في العالم في 7 آيار على “ايجاد حل سياسي للنزاع” والعمل العاجل على تنظيم ” مؤتمر دولي حول سوريا” من خلال ” حث الحكومة السورية ومجموعات المعارضة على العمل من أجل التوصل إلى حل سياسي”.
- ولم يشر اتفاق القوتين الإمبرياليتين الجديد على الشرط المسبق السابق الداعي إلى تنحي الاسد كمدخل للدخول في المفاوضات. رغم أن جون كيري وزير الخارجية الأمريكي أعاد القول في اليوم التالي للاتفاق الروسي – الامريكي بأنه لا يرى لبشار الاسد “مكاناً في سوريا المستقبل” . ما يعني بأن مصير الدكتاتور ما يزال غائماً، ولكن رحيله، بالنسبة لهذه الدول، لم يعد شرطاً للبدء في المفاوضات حول المرحلة الانتقالية.
- باستثناء هذا الفارق الأخير، فإن الاتفاق الجديد بين هاتين القوتين الامبرياليتين لم يقدم جديداً مقارنة بخطة جنيف لحزيران 2012 .سوى فارق جوهري، أن بين الحدثين زاد عدد قتلى السوريين ثلاثين ألف سوريا أخرين.
- وعلى سؤال لماذا توصلت هاتين الدولتين على اتفاقهما الآن؟ علينا أن نجيب فوراً بأنه لا علاقة له بيقظة ضمير لهما بسبب المجزرة التي يقوم بها النظام بحق الشعب السوري منذ أكثر من عامين. إذ نجد في تصريح الوزير الأمريكي جون كيري الجواب الوافي، وحقيقة الأسباب لتوصلهما إلى هذا الاتفاق، حيث يقول ” تعتقد الولايات المتحدة بآننا نتشارك (مع الحكومة الروسية) مصالح هامة جداً حول سوريا وخاصة استقرار المنطقة، ورغبتنا المشتركة بأن لا نرى متطرفين يسببون مشاكلاً في المنطقة وخارجها”.
- وبالفعل، فان انتصار الثورة الشعبية السورية سيكون له تبعات استراتيجية هامة على صيرورة الثورات الجارية في المنطقة، وبالأخص على دول الخليج والدولة الصهيونية الحليفة للإمبريالية الامريكية. وهذا ما يفسر، إلى حد كبير، بأنه لم يقدم أي فعلي من أجل انتصار هذه الثورة، بل على العكس، تقوم الملكيات النفطية بتركيز دعمها الى المجموعات الاسلامية الهامشية والرجعية.
- للاتفاق الروسي -الأمريكي مفعول يزيد من تفكك المعارضة السياسية السورية . إن كانت تلك المراهنة على الغرب وملكيات النفط، وبالتخصيص المجلس الوطني والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وهما تشكيلان يهيمن عليهما الإخوان المسلمون وحلفائهم. أو تلك القوى المنضوية في هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي التي تراهن على الروس وحلفاء النظام. وكذلك هو حال من يقف بينهما من العدد واسع لمجموعات ليبرالية ويسارية ستالينية، هاجسها الأساسي اللهاث لإيجاد مكان لها في اللعبة السياسية. ويندرج فيه المؤتمر الأخير الذي الذي نظمه الكاتب ميشيل كيلو في القاهرة يومي 11 و12 أيار معلنا فيه، مرة أخرى، تشكيل كيان سياسي باسم “اتحاد الديمقراطيين السوريين” وقدم اقتراحاً بدخول الائتلاف الوطني مقابل اعطائه 25 مقعداً في الأخير.
- إنه الزمن السياسي، الذي يظهر فيه، من جديد، مدى محدودية هذه المعارضة السياسية وعزلتها الحقيقية عن الشعب.
- بينما الزمن الاجتماعي مختلف تماما، فإن كان صحيحاً أن المقاومة المسلحة قد انسحبت من عدد من قرى ريف حمص، لكنها تقدمت في الشمال والشمال الشرقي من البلاد. في الوقت الذي تقوم فيه الشرائح الشعبية، وبشكل متزايد، في تشكيل أجهزة حكمها الذاتي من الأسفل، ويتابع فيه الحراك الشعبي زخمه المتواصل في المظاهرات بالرغم من الدمار والقصف والموت.
- ما هو جدير بالإشادة، أن الشعب الثائر من أجل الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية قد أدرك، بالتجربة والوعي، أن الثمن الذي سيدفعه في حالة بقاء نظام الطغمة الحاكم- وهو أمر مرفوض حتى التفكير فيه- هو أعلى وأكثر تكلفة مما دفعه وسيدفعه لإسقاطه, وإن مهمة اسقاط هذا النظام إنما تقع على عاتقه، هو فحسب.
- الثورة مستمرة
- 15 آيار- مايو 2013
