الأزمة والنضالات الجماهيرية الناهضة في سوريا
1/10/2007
غياث نعيسة
(أخذ عن الحوار المتمدن- العدد: 2058 – 2007 / 10 / 4)
“إنهم لا يقبلون أي شكل من أشكال الخضوع ، وكالنمور لا يخشون مهاجمة السماء”
اسماعيل كاداري، رواية” طبول المطر”
- يفترض أن تكون قد أصيبت الحكومة السورية ، ومشاركيها الرأي من النخب السورية ، بصدمة مع صدور تقرير يؤكد هراء الادعاء بأن أحد أهم أسباب ارتفاع الأسعار وسياسة رفع الدعم عن المواد الأساسية هو تواجد أكثر من مليون ونصف لاجئ عراقي على الأراضي السورية ، والصدمة أتت من أن مصدر التكذيب ليس سوى عراب السياسات النيو ليبرالية للحكومة السورية أي صندوق النقد الدولي نفسه الذي جاء في تقريره أن ” الانتعاش الاقتصادي منذ عام 2004 اكتسب زخماَ مستفيداَ من اللاجئين العراقيين ووفرة السيولة في منطقة الخليج” وأكد التقرير” أن اللاجئين في سوريا فيما يعتقد يعيشون أساساَ على مدخراتهم والإنفاق العراقي في سوريا على السلع والخدمات والموجودات مثل العقارات يعادل 3،7 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2006″. وفقدت الحكومة بذلك -إلى حد ما- حجة أرادت التلاعب بها ساعدت على خلق جو من “العنصرية” يسمح لها بتمرير سياسات لا اجتماعية شرسة. أما الحجة الثانية ،التي تبرر بها هذه السياسات النيو ليبرالية، فهي حديثها الممجوج عن المقاطعة والتهديدات التي تتعرض لها سورية ، لأن هذه الحجة تتهاوى لوحدها لسبب مباشر وبسيط هو أن متطلبات مواجهة هذه التهديدات إنما تتطلب سياسات مغايرة تماماَ لتلك التي تقوم بها الحكومة السورية وعلى كافة الصعد.
نيو ليبرالية متوحشة
- والحال ، فقد تنطح ، مرة اخرى، السيد الدردري لإعلان “خطة لتخفيض الدعم” وخاصة عن المشتقات النفطية”. وقد اثارت هذه الخطة الحكومية ، بمجرد الإعلان عنها ، إلى ارتفاع مذهل في أسعار كافة المواد المعيشية الأساسية وليس فقط النفطية. وإن اضطرت الحكومة الى الإعلان عن تراجعها “مؤقتاَ” عن خطتها هذه، خشية ردود فعل جماهيرية بدأت تباشيرها الأولى، إلا أنها – برأينا – حققت أحد الأهداف الذي سعت إليها وهو تحقيق رفع أسعار المواد المعيشية ، تحت غطاء تراجعها المزعوم عن “دعمها” للمشتقات النفطية. إنها سياسة رفع الفزاعة عن أمر ما لتمرير أمر أخر.
- وكما قالت إحدى المواطنات في صحيفة رسمية “الله يرحم أيام زمان ، فاليوم تغيب الشمس على سعر وتشرق على سعر آخر” أغلى. (تشرين 4-9-2007).
- ووصلت الأزمة إلى حد أنه صدرت أصوات في الصحافة الرسمية تقر بما هو معروف ، أي أن سبب الأزمة هو “وقوع الحكومة تحت ضغط الافكار الليبرالية” (الثورة، 5-9-2007). وصرخت بعضها الأخر: “من يعيد هذا الوحش إلى عقاله؟” . في حين ارتفعت اسعار بعض المواد المعيشية إلى أكثر من 500 %.
- هذه الأزمة المتفاقمة والطاحنة التي تمس أساساً الطبقات الشعبية تحمل في طياتها نذر انتفاضات جماهيرية .وقد دفعت بشائرها الأولى ببعض الأحزاب الحليفة للحكومة بأن تحذر من أن ” أسلوب المعالجة بالصدمة قد ثبت ، في أكثر من مكان، مدى ضرره بل وخطورته” ، طبعاَ دون أن تنسى هذه القوى الانتهازية أن تؤكد في الوقت نفسه رفضها “بالطبع كل أشكال المزايدة والشعبوية غير المسؤولة” (النور 29-8-2007).
- لا ريب بأن سياسات الحكومة السورية تقوم على مبدأ أساسي هو أن الطبقات المطالبة بدفع فاتورة سياساتها الاقتصادية والاجتماعية هي دوماَ الطبقات المأجورة والمفقرة. وهي باستمرار قيامها بذلك إنما تعمق من “فرز المجتمع إلى طبقتين: فقراء محرومين وأغنياء متخمين”(الكفاح العربي ، 1-9-2007). إنها باختصار : حكومة الرأسماليين والأغنياء.
نهوض نضالات الجماهير المفقرة
- “كشر الوحش عن أنيابه” ، هذا ما قالته إحدى الصحف الرسمية، لأن الهجوم الحكومي على الطبقات المأجورة والفقيرة ، لم يكتف بالاعتداء على قوت حياتها من خلال غلاء المعيشة وتدهور الأجور ،وحرمانها من حرية ووسائل التعبير عن مطالبها ، بل إنه وصل حتى إلى حرمانها من مأواها وسكنها البائس فيما يسمى بأحزمة الفقر.
- وليست قليلة العدد مناطق تجمع الطبقات المفقرة المسماة بأحزمة الفقر ، كما أنها ليست حكراً على العاصمة فقط. بل إنها تعني جميع المدن السورية وهي – وفق تقرير رسمي – تقدر ب (120) “حزام” وتقدر مساحتها بأكثر من 63 % من المساحة العمرانية.
- وقامت الحكومة بعملها هذا بحماس نادر ، فقد شهد العامين الماضيين ، وبشكل أخص هذا العام، تسارع لعمليات هدم الأحياء الفقيرة ، بحجة أنها “أحياء عشوائية” لصالح المقاولين العقاريين وغيرهم من الفاسدين.
- ولكن ما يثير اهتمامنا في هذا السياق هو المقاومة الجماهيرية التي برزت في مواجهة هذه السياسات الفظة للحكومة. وشهدت البلاد ، ما لم تشهده منذ زمن طويل، مواجهات بين قوى الأمن والجماهير المحتجة بالمئات على تدمير منازلها.
- فقد أصيب واعتقل العشرات من المواطنين في هذه النضالات التي حدثت في منطقة المعصرانية في حلب او قرية المزرعة قرب حمص(شهري اب/اغسطس وايلول/سبتمبر 2007 )، وقد قام المئات من مواطني الأخيرة (600 مواطن) باعتصام أمام قصر الروضة في دمشق لإسماع صوتهم. وكان قد سبقها قبل عام (ايلول/سبتمبر 2006) تظاهرات وصدامات أخرى مع قوى الامن في مسكن الديماس في دمشق ..
- وترافقت هذه النضالات أيضاً في شهر آب/أغسطس من هذا العام مع اضراب سائقي السرفيس في قطنا وخان الشيخ.
- لقد كان متوقعاَ تنامي النضالات الجماهيرية كرد على تسارع السياسات الاجتماعية للحكومة ، لكن ما تزال هذه النضالات يانعة ومتفرقة، لم يستفد أي منها من خبرات النضالات الاخرى. ولم تستطع الجماهير المشاركة فيها بعد من اكتشاف أشكال التنسيق والمتابعة لها. وإذا كان يفسر هذا افتقار ذاكرتها لنضالات سابقة ودروسها ،من جهة. مع غياب لقوى سياسية تنخرط فيها وتدعمها وتوحد فيما بينها، من جهة أخرى. إلا أن مما لا ريب فيه أن الجماهير المناضلة دفاعاَ عن مصالحها وقوت عيشها وكرامتها وفي مراكمتها للخبرات من خلال نضالاتها المتعددة ستكتشف بنفسها أفضل الاشكال لنضالاتها وتوفير وسائل نجاحها.
- وهذا التنامي للنضالات محكوم بالازدهار ،ولن تتوقف المقاومة الجماهيرية للسياسات النيو ليبرالية للحكومة المتزايدة الشراسة . هذه النضالات الجماهيرية برزت في المدن ، ويبدو أنها ستكون ذو طابع مديني عموماَ ، وخصوصاَ إذا عرفنا(وفق دراسة للأمم المتحدة) أن ثلثي سكان المعمورة- وليس سوريا فحسب- أصبحوا من سكان المدن وأحيائها. كما نتوقع تنوع النضالات الجماهيرية القادمة التي تنهض على مطالب مباشرة لكل من المأجورين والمفقرين والعاطلين عن العمل ومهمشي المدن ….
- ولأننا نرى أن الجماهير لا تنطلق في نضالاتها سلفاَ على أساس برامج سياسية “معلبة” وجاهزة ، بل من أجل مطالب “اصلاحية” ديمقراطية واقتصادية واجتماعية ،ولكي يتم النفاذ من حالة الاحباط السياسي والعملي التي تتجلى بميل عام لاختزال العمل النضالي في برامج “انشائية” تفتقر للحياة لأنها لا تقتصر فحسب على( النضال) “في المرحلة الراهنة من اجل تحسين المستوى المعيشي للجماهير الشعبية” ، بل بالأخص ، لأنها بدون أدني نشاط ملموس في هذا الخصوص.
- لذلك ، فإن وجود يسار اشتراكي نضالي يرتكز على التراث الماركسي الثوري ، وإن كان في صيغته الأولى الدعاوية ، يصبح مهمة ملحة وضرورية ، من أجل الانخراط في هذه النضالات الجماهيرية وتقييم دروسها وتعميقها.
- إن خطوة عملية واحدة على هذا الدرب هي أفضل من مائة برنامج كهذا .
- وعلى سؤال الصحيفة الحكومية من “يعيد هذا الوحش الكاسر إلى عقاله؟” ، فان جوابنا هو: ان النضالات الجماهيرية وحدها هي القادرة على ذلك.
1 ت1/اكتوبر 2007
