عامٌ على الثورة الشعبية السورية
تيار اليسار الثوري في سوريا
غياث نعيسة _ 9/3/2012
(أخذ عن الحوار المتمدن-العدد: 3662 – 2012 / 3 / 9)

اقتحم جيش النظام السوري حي بابا عمرو في حمص في اليوم الأول من شهر آذار بعد نحو شهر من الحصار والقصف.
ولم تكن المقأومة البطولية للسكان وللجنود المنشقين والثوار المسلحين مفاجئة ، لأن هذا الحي ، على شاكلة آلاف الاحياء الاخرى ، حي يقطنه المفقرون والمستغلون والمهمشون الذين لا يخافون من فقدان شيء لهم سوى قيودهم.
لقد ضجت وسائل إعلام الطغمة الحاكمة ابتهاجا ب “انتصارها” وقدمت جريمتها في سحق بابا عمرو بوصفه نصراً لها على “الارهابيين”، وهي صفة تطلقها السلطة على الجنود المنشقين والمحتجين السلميين.
من جهته، أعلن العقيد المنشق رياض الأسعد اللاجئ في تركيا، والناطق باسم الجيش السوري الحر عن أن سقوط الحي حصل نتيجة “الانسحاب التكتيكي” للأخير.
والحال، ليس هنالك من مدعاة للفخر، بل هو جريمة بشعة بحق الإنسانية، ما ارتكبته قوات السلطة من جرائم وتدمير لحي يقطنه مدنيون محاصرون تماماً ويتعرضون للقصف اليومي، ولا يدافع عنه سوى بضع مئات من الثوار المسلحين بسلاح خفيف في مواجهة جيش محترف جرار. وما الأهمية العسكرية لاجتياح حي واحد والتبجح بالنصر مع تواجد آلاف أخرى ثائرة على امتداد سوريا؟ لقد جاء الرد الحاسم للجماهير الثائرة في اليوم التالي لاجتياح جيش الطغمة لحمص حيث رصد في 2 آذار 619 نقطة لانطلاق المظاهرات السلمية .فأي انتصار هذا؟
أما تصريح العقيد المنشق رياض الأسعد فهو تعبير عسكري غير موفق لوصف معركة هي أصلاً غير تقليدية لأنها لا تعني مواجهة بين جيشين، بل هي حرب يشنها جيش نظامي ضد جماهير الشعب، جزء ضئيل منها يحمل السلاح الخفيف للدفاع عن نفسه.
ولا شك أن سقوط حمص في أيدي جيش الطغمة هو ضربة قاسية ولكنه مجرد هزيمة في معركة واحدة من الصراع الطويل الدائر بين الجماهير الثائرة والنظام الدكتاتوري.
و هذا ما يعيد، و بإلحاح، قضية ضرورة توحيد مجموعات الجنود المنشقين و المدنيين المسلحين المشتتة تحت قيادة عسكرية ميدانية واحدة تكون هي نفسها ملتزمة بالقيادة السياسية للتنسيقيات الثورية الميدانية ، فلا هيئة التنسيق للتغيير الديمقراطي تعير الأمر كله اهتماماً يذكر بل تركز نشاطها على العمل الدبلوماسي مع الأطراف الإقليمية و الدولية الحليفة للنظام ، و لا المجلس العسكري التابع للمجلس الوطني السوري الناشط في المنفى الذي أعلن الأخير عنه استطاع أن يرى النور، في وقت أعلنت فيه دولتان من الدول الراعية للمجلس الوطني السوري، هما قطر و السعودية ،دعوتهما إلى تسليح “المعارضة”، لتفاقم دعوتهما هذه من حالة تأرجح مواقف المجلس بين الشيء و نقيضه .
فالدول الراعية للمجلس الوطني السوري لا تمتلك نفس المقاربة للوضع السوري. فدعوة حكومتي قطر والسعودية لتسليح المعارضة إنما تعني عملياً بالنسبة لهما التيارات المقربة لهما وهي التيارات السلفية والجهادية المتشددة، بينما نجد أن فرنسا والدول الغربية معها وإلى حد ما تركيا ترى، حتى هذه اللحظة، في التسليح وفي هذه التيارات خطراً على استقرار المنطقة وعلى أمن دولة اسرائيل ويفضلون سيناريو أضعاف سوريا مجتمعاً ودولة وتشجيع نوع ما من “الانتقال المنظم” ، ما يعني تغيير للنظام بشراكة قسم من داخل النظام نفسه.
مر عام على الثورة والنظام رغم تصدعه، لم ينهار بعد، فالانشقاقات داخل الطاقم السياسي شبه معدومة وانشقاقات العسكريين ما تزال نسبياً غير واسعة مع قليل من الضباط ذوي الرتب العسكرية الرفيعة.
إذن ، يطرح السؤال التالي نفسه: ما هي الأسس الأخرى الداعمة للنظام بخلاف قوته العسكرية وأجهزته الأمنية وجبهة أحزابه الموالية وحلفائه الإقليميين أو الدوليين، التي توفر له دعماً داخلياً في مواجهة الثورة الشعبية؟
لقد لاحظ أغلب المتابعين للشأن السوري الضعف النسبي للاحتجاجات التي تعرفها المدينتان الأكبر في سوريا حلب ودمشق مقارنة بحقيقة أنهما مدينتان يقطنهما نحو أقل قليلاً من نصف سكان البلاد . ومما لا شك فيه أن مركزة السلطة لقوات قمعها فيهما وإحكام قبضتها أمنياً عليهما منذ عقود يشكلان عاملاً هاماً في إعاقة تطور الاحتجاجات فيهما. ولكن قوات النظام ووحشيته لم تمنع نمو الاحتجاجات في مدن أخرى.
والحال ، فإن وجود طبقة اجتماعية أساسية داعمة للسلطة بل وحاضنتها يتم تغافله في أغلب التحليلات، وهو أن هاتين المدينتين تتمركز فيهما أيضًا البرجوازية “الخاصة” السورية التي لا يلغي من حقيقة دعمها الواضح للنظام الدكتاتوري بعض الأخبار التي تواردت عن تبرع بعض “الأغنياء” للثورة، وهي حالات قليلة أشبه ما تكون بمحاولة لإراحة ضمائرهم.
هنالك منذ عقود نوع ما من “العقد” بين هذه البرجوازية المرتبطة عضوياً بالسلطة وبين الدكتاتورية ما يزال صالحاً وهو: دعوا الحكم لنا لندعكم تغتنون بلا حدود.
إذ التقى في 29 شباط وفد رسمي رفيع المستوى ضم كل من وزير الدفاع ونائبه ورئيس مجلس الأمن القومي ووزير الداخلية مع ممثلي البرجوازية في حلب بناء على طلبهم واستجاب ممثلي الدكتاتورية لطلبات البرجوازية في تأمين أمنها و ازدهار أعمالها، رغم حالة المقاطعة التي يعيشها الاقتصاد السوري المتدهور والوضع الثوري السائد.
وأعلنت السلطات بعد يومين من هذا الاجتماع عن تشكيل هيئة لإقرار سياسة اقتصادية للبلاد، طبعاً لا تضر بمصالح البرجوازية وخاصة مع تأزم الوضع الاقتصادي، تشمل أساساً ممثلي هذه البرجوازية مثل راتب الشلاح.
وأخيراً ، فإن هذه البرجوازية هي التي تمول مليشيات الشبيحة الفاشية الموالية للنظام وتساهم في آليات التأطير الاقتصادي والاجتماعي والايديولوجي للسكان لصالح الدكتاتورية.
في حين أن الطبقة الوسطى كانت قد عرفت تفككاً حاداً في العقدين الأخيرين خصوصاً نتيجة السياسات النيو ليبرالية التي شهدتها سوريا. انخرط جزء منها في الثورة منذ اندلاعها ولا سيما قطاعات من شرائحها الدنيا والمهمشة . بينما اتخذ قسم أخر منها ، ولا سيما شرائحها العليا، موقفاً مؤيداً للنظام أو بقي متردداً، وخاصة أن رب عمل غالبيتها هو الدولة نفسها ، أو خشية وقلقا من التغيير ومستقبل مجهول.
في المقابل، قامت دكتاتورية عائلة الأسد منذ استلام الأسد الأب للسلطة بانقلابه عام 1970 بتشجيع ورعاية المؤسسات الدينية الرسمية الاسلامية والمسيحية. بل وشجعت، علاوة على ذلك، على انبعاث تيارات دينية “شعبية” غير مسيسة إن لم تكن موالية للسلطة . فقد شهدت البلاد بين عامي 1970 و2000 حمى حكومية لبناء المساجد، حيث افتتح حوالي 12 ألف مسجد خلال هذه الفترة، وافتتح أكثر من ألف وحدة من معاهد الأسد لتعليم القرآن في كل المحافظات السورية.
ليس غريباً إذن الموقف المؤيد للدكتاتورية الذي اتخذته المراتبية الدينية الرسمية الإسلامية (السنية والشيعية والدرزية) وبالأخص الموقف الداعم لها من قبل مفتي الجمهورية الشيخ أحمد بدر الدين حسون والشيخ محمد البوطي.
كما أعلنت الكنائس السورية (الشرقية والغربية والانجليكانية) بإعلان مشترك لها موقفاً مؤيداً للسلطة. حتى المطران الماروني بشارة الراعي أعلن مراراً وتكراراً موقفاً مؤيداً للنظام السوري. والشيء نفسه يقال بخصوص المراتبية الدينية العليا للشيعة والدروز. هذا الموقف المساند للدكتاتورية من الهيئات الدينية الرسمية العليا لم يمنع العديد من رجال الدين (من كافة الأديان والمذاهب) من المرتبات الدينية الأدنى من مساعدة ودعم الثورة.
لكن مما لا ريب فيه بأن موقف المؤسسة الدينية الرسمية (لكل الاديان والمذاهب) يشكل، إضافة إلى موقف البرجوازية الخاصة، عاملان هامان من عوامل الدعم والإسناد للنظام، ويلعبان دوراً سلبيًا مؤثراً على تطور الثورة ومعيقا لانتصارها، وهما مكونان من مكونات الثورة المضادة.
فالثورة في بلادنا ثورة شعبية حقيقية . فهي، وقبل أي شيء أخر، ثورة الجماهير المفقرة والمستغلة والمهمشة .ولأنها ثورة اجتماعية عميقة وجذرية فإنها تواجه ثورة مضادة تضم إضافة إلى النظام الدكتاتوري الدموي وحلفائه الداخليين والخارجيين ، البلدان الرجعية العربية وحلفائها . وهذا ما يطرح بشكل ملح على جدول أعمال الثورة الشعبية السورية ضرورة بناء القيادة الجماهيرية الثورية القادرة على السير بالثورة إلى مطافها النهائي بإسقاط النظام وتحقيق الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.
في سياق السيرورة الثورية الجارية منذ عام، ابتدعت الجماهير الثائرة أشكال تنظيمها من الأسفل مثل التنسيقيات لتنظيم الاحتجاجات ومؤخراً المجالس المحلية لإدارة شؤون حياة السكان في المناطق المنتفضة، ولعل الربط، أو الدمج، بين هذين الشكلين من التنظيم الذاتي الجماهيري في إطار واحد قد أصبح ضرورياً ، بحيث يمكنه القيام بوظائف تنظيم الاحتجاجات والدفاع الذاتي(المقاومة الشعبية) وإدارة شؤون حياة السكان في أن معاً. وبمعنى آخر ، أصبح مطلوباً وملحاً العمل على توفير الشروط الملائمة لتكوين سلطة بديلة من الأسفل. وكل قوى اليسار الثوري في سوريا مدعوة للانخراط في هذه المهمة العاجلة.
