تيار اليسار الثوري في سوريا
بيان
أعداء الثورة الشعبية: النظام الدكتاتوري وقوى الثورة المضادة الرجعية
دمشق، في 15 كانون الثاني 2014
- منذ حوالي أسبوعين، عن موعد عقد مؤتمر جنيف 2 العتيد الذي سيلد ميتاً، تدور رحى حرب تخوضها مجموعات اسلامية وكتائب من الجيش الحر ضد التنظيم الرجعي والفاشي التابع للقاعدة «الدولة الاسلامية في العراق والشام» المعروف باسم داعش.
- ومن الضروري التذكير بآن الحراك الشعبي لم يتعرض، وخاصة منذ العام الماضي، إلى عنف النظام البرجوازي الدكتاتوري ووحشيته المنقطعة النظير، فحسب. بل إنه تعرض إلى قمع مزدوج من مجموعات مسلحة إسلامية تتفاوت في تشددها وعنف قمعها ضد المناضلين والناشطين في الحراك الشعبي بل وضد الأخير نفسه، من خلال اعتقالات واسعة للناس لأسباب مختلفة: ممارسات اجتماعية تعتبرها هذه المجموعات الرجعية مخالفة لتعاليم اسلامها كالتدخين أو اللبس، أو إطلاق النار واعتقال المتظاهرين، أو اغتيال العديد من الناشطين وبعض قادة الجيش الحر المعروفين بالتزامهم بمبادئ الثورة الشعبية.
- لكن قمة هذا النوع من العنف الوحشي والرجعي قامت به داعش، وبشكل واسع، مما خلق ردأت فعل جماهيرية ضدها وضد أشباهها من المجموعات، إلى حد أن كل هذه المجموعات المتشابهة أصبحت تفتقد، تقريباً، إلى حاضنة شعبية صادقة وحامية لها، ولم يبق لها سوى الإرهاب والقهر كوسيلة لفرض سيطرتها على بعض المناطق، ولا سيما في الرقة وريف ادلب وحلب. لقد وصل هذا التململ والغضب الشعبيين ضدها حتى إلى أوساط ما تبقى من كتائب للجيش الحر التي ما تزال تحمل برنامج الثورة السورية الأصيل في التحرر والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية.
- لقد دفع جنوح داعش المهووس إلى فرض سيطرتها على بعض المناطق، التي خرجت عن نطاق سيطرة النظام من خلال مهاجمتها فصائل الجيش الحر، بل وحتى الفصائل الإسلامية الرجعية التي تتشابه معها في المنابع الأيديولوجية، وطردها عسكرياً للأخيرة ومحاولة فرض نموذج سياسي وإيديولوجي واجتماعي مغرق في رجعيته على السكان، تحت شعار «اجتثاث الخبيث»، دفع ببقية المجموعات المنافسة لها الى التوحد لتقوية موقفها في مواجهة هجوم داعش. فتشكل «جيش الاسلام» ومن بعده «الجبهة الاسلامية» في أواخر تشرين الثاني من العام الماضي، على أساس برنامج رجعي يضاهي أطروحات داعش في رجعيته. حيث أعلنت الجبهة الإسلامية رفضها «للديمقراطية والعلمانية والدولة المدنية» وأنها تعمل على أن تكون «السيادة في هذه الدولة لشرع الله، وحده مرجعا وحاكماً موجهاً وناظماً لتصرفات الفرد والمجتمع والدولة»، كما تشكلت «جبهة ثوار سوريا» من بعض الفصائل الإسلامية وعدة كتائب من الجيش الحر من أجل «بناء حكم اسلامي رشيد»، وأيضاً جرت محاولة لترويج «جبهة النصرة» وكأنها أفضل من داعش، رغم أنهما ينهلان من نفس المنبع الأيديولوجي الرجعي ولهما نفس الممارسة الفاشية ويتبعان لتنظيم القاعدة.
- الحرب التي تدور بين هذه القوى المسلحة، تقوم، أساساً، على التنافس فيما بينها على مناطق النفوذ في المناطق «المحررة» وعلى الهيمنة الايديولوجية التي تعمل، كل منها، على فرضها بالقوة على السكان من خلال حوامل قرون وسطى هي الهيئات الشرعية. فالجبهة الإسلامية, مثلا, وهي أكبرها عدداً, تتبع للفكر السلفي الجهادي ومحسوبة على النظام الرجعي في السعودية.
- لذلك,ليس الهدف الحقيقي للمجموعات المتصارعة مع داعش, باستثناء بعض كتائب الجيش الحر, الذي ازداد ضعفه وتهميشه في الأشهر الاخيرة, هو استعادة أهداف الثورة الشعبية في إسقاط النظام وبناء سوريا ديمقراطية وحرة. بل هو تنافس أيديولوجي وعسكري وسياسي بين قوى رجعية على تقاسم , إن لم يكن, احتكار النفوذ.
- ساهم هذا الصراع الدموي الذي تدفع ثمنه، مرة آخرى، الجماهير السورية، في انكشاف وانفضاح جعبة الإسلام السلفي الجهادي، على الصعيدين الفكري والسياسي، وعبثيته الدموية، خصوصاً عندما يتمكن من بسط سيطرته، ولو مؤقتاً، على مقدرات العباد، وينتقل الى الممارسة. ومن المنتظر أن نشهد حالات انفضاض واسعة من ما تبقى، من شرائح وأفراد قاموا بتأييد الاسلام السلفي الجهادي لأنهم خدعوا به، أو لأنهم اضطروا إلى تأييده تحت ضغط الحاجة أو الإكراه.
- إن الصراع الجاري يوسع المجال لإضعاف تلك القوى الرجعية , من جهة. وإعادة الاعتبار لوعي الجماهير الثوري والمستقل، وأيضا، إعادة نهوض الحراك الشعبي من جديد، من جهة اخرى، بعد فترة خمود شهدها في العام الفائت بسبب قمع كلاً من النظام والقوى الرجعية المعادية للثورة المذكورة أعلاه.
- لهذا, فان للصراع الدائر مناح ايجابية, فهو لم يضعف فقط من هيمنة داعش ومن قمعها للحراك الشعبي, بل انه , من المرجح, سيؤدي الى اضعاف شقيقاتها من الفصائل الرجعية الأخرى. وبدأنا نشهد استعادة الجماهير لمبادراتها , بعد أن عاشت تجربة مريرة مع هذه الفصائل الرجعية, فهذه الاخيرة انكشفت باعتبارها تشكل عدواً حقيقياً لكفاح الجماهير وتضحياتها من أجل تحررها.
- إننا نلحظ هذا النهوض للحراك الشعبي من خلال ارتفاع وتيرة المظاهرات الشعبية، في المناطق «المحررة» منذ اندلاع الصراع المذكور بين داعش ومنافسيها من الفصائل الإسلامية والرجعية. لذلك، فأننا لا نراهن أبداً على انتصار أي من هذه الفصائل الرجعية من أجل استمرار الثورة أو انتصارها. بل على العكس، إننا نراهن، فقط، على هذا الحراك الشعبي الثوري أساساً، إضافة إلى فصائل المقاومة الشعبية المسلحة في «الجيش الحر» التي ما تزال تحمل أهداف الثورة الشعبية، من أجل الاستمرار فيها وإسقاط حكم الطغمة الحاكمة. وفي سيرورتها المستمرة، أصبح واضحاً، أن الثورة تواجه أعداء متعددين، أولهم النظام الدكتاتوري وحلفائه، وثانيهم القوى الرجعية والفاشية المعادية للثورة وحلفائها من القوى الاقليمية.
- والحال، فأننا ندين الموقف السياسي الخاطئ والخطير، الذي اتخذته بعض هيئات المعارضة الليبرالية المترهلة والمرتبطة بدول اقليمية، القائل بأن القضاء على داعش، وتضيف أيضا الاتحاد الديمقراطي الكردستاني، يعني القضاء على القوى المعادية للثورة كلها. فخلف داعش دواعش اخرى.
- إننا ندعو إلى أوسع تحالف ضد الفاشيتين، فاشية السلفيين الجهاديين وفاشية النظام الحاكم الدموي، وتحت شعارات الثورة السورية في التحرر والمساواة والديمقراطية والعدل الاجتماعي.
- وفي الآن ذاته, ومع إدراكنا تماماً بأن تحقيق أهداف الثورة ما يزال شاقاً وطويلاً, وما قد يشهده من انتصارات وتراجعات. فأننا نعتقد بحزم، وفي كافة الأحوال، أن جذوة الثورة التي دفعت بجماهير العمال والكادحين الى الانتفاض لن تنطفئ حتى تحقيق مطالبها في التحرر.
- مما يفرض على اليسار الثوري في سوريا، الذي يرفع راية الاشتراكية، العمل الملح، في سياق هذه السيرورة الثورية المعقدة والمركبة، على إنجاز مهمات عدة، أهمها الإنخراط الفعلي في كافة نضالات الجماهير، في كل موقع ومكان، دفاعاً عن مطالبها ومصالحها المباشرة والعامة، وفي الوقت عينه، بناء الحزب العمالي الاشتراكي الثوري.
كل السلطة والثروة للشعب
تيار اليسار الثوري في سوريا
دمشق, في 15 كانون الثاني 2014
