
مقال رأي للرفيقة نايا رجب
تكتسب المساحة الإجتماعية اليوم، حيزًا جيد من الثقافة اليسارية من جيل ما بعد الثورة. وذلك لأن اليسار كان دائمًا المحلل الأول للبنية الإجتماعية للأنظمة، والمحرض الأمثل للثورات الجذرية. رغم أن هذا الحيز، لا ينطلق من فهمٍ عميق للنظرية الماركسية، أو أدبيات المفكرين اليساريين والمناضلين، إلا أنه يبدو مهمًا، في مرحلة الفجوة العالمية، والحماس الجماهيري للعدالة والديمقراطية.
إنطلاقًا من تونس، يشهد الشارع التونسي اليوم مشهدًا أقرب لرفض كامل للبنية المؤسساتية للدولة، التي أعادت فرض القمع ومنع الديمقراطية. وقد كانت إعتقالات النساء والنسويات ومناضلي المجتمع المدني، رأس الحربة الذي أعاد فتيل الرفض للممارسة القمعية. ونظرًا الى أن المجتمع المدني التونسي، واليسار بشكل عام، لم يأخذ وقته وإختماره لتنظيم نفسه، إلا أن هذا الفتيل، قد يقود الى مرحلة التنظيم العميقة. التي تعتمد بشكل مباشر وأساسي على لجان التنسيق ومجالس العمال والمجتمع المدني. ولا أشير هنا الى أن التنظيم في تونس يفتقر الى القوة الداخلية، لإسقاط المنظومة بشكل دائم، وإنما هذا حال المعارضة السياسية واليسار العربي في كافة الدول قبل وبعد الربيع العربي- ووجب الإنتباه له، وممارسة تحليله.
لقد عملت أنظمة الاستبداد العربية على إحكام قبضة الإيديولوجية والتفكيك قبل سقوطها، وعندما خرجت الجماهير في احتجاجات الربيع سنة 2010 – ومطلع 2011، تمكنت الشعوب من تونس حتى سوريا من إسقاط حكم حسني مبارك، وبن علي، والبشير، وبشار الأسد، ومعمر القذافي، وانتصرت قوى الثورة المضادة في كل هذه البلدان. وقلبت كامل المنطقة وأنظمتها وإعلامها، باتجاه إعادة تمزيق الجماهير وتشتيت المعارضات أو الخوف الجذري منها، مثل ما هو الحال في المغرب وإيران والعراق والكويت ودول الخليج العربي.
لم يكن تماهي مطالب الثورة وشتاتها نتيجة عدم التنظيم أو الوعي السياسي والمقدرة للحركات، وإنما كان نتيجة عقلية تتسم فيها منطقتنا، والتي تستر عليها وهم السير خلف القائد الأزلي، الذي يلف حوله الجماهير الأقل تثقيفًا، والأكثر عددًا، كدروعٍ بشرية، تنكل المعارضات ومحاولات التفكيك البنيوي باليأس والعيش والملل العربي المزمن، الذي إنتهى بتململٍ هلامي لشعوب المنطقة، وحاجةٍ غريبة للخلاص الميتافيزيقي. كحشودٍ كُسَّل، تنظر للأعلى مغمضة العينين، رافعة الأنف، باسطةً المؤخرة للخلف! والتي حتمًا تختلف عن روسيا وإسبانيا وهولندا وفرنسا ونقارن بها اليوم.
ولذلك نرى اليوم الكتاب والنخبة المثقفة لا تزال تعلك بذات الفكرة، عدم نجاح الثورة، دون أدنى محاولة لتنظيم لجانها ونقاباتها قبل وقوعها. أو رسم خارطة طريق، بمنأى عن الأحزاب اليسارية، التي تأخذ هذه المهمة على عاتقها كأكثر سلطة مراعية للبروليتاريا والمقهورين. ويكتفي البعض بالتنظير الأدبي لصورة الثورة غير المكتملة، وكما أشرت، دون أدنى محاولة من الأريكة الناعمة التي يجلسون عليها مع فنجان الشاي المعتق! الثورة لا تبدأ حين إنتفاض الجماهير وإشعال فتيل المعارضة وإسقاط النظام في الشارع، وإنما هي مرحلة تراكمية من تفكيك البنية المؤسساتية للدولة، الاجتماعية والعسكرية والاقتصادية، التي تخلق – حتمًا وضرورةً- تخلق لجان ونقابات ومنظمات “وسوفيتات” قبل إشعال الفتيل بمدة جيدة. ماذا لو سقط النظام بعد أيام من انتفاض الجماهير؟ هل بذلك تتحقق الديمقراطية والعدالة للعمال؟ نتفق جميعًا أنه لا.
إن الثورة وكما ذكرت أنفًا، وكما أطرها أكبر مفكري الثورة، وأسطورة الثورة، هي مرحلة تراكمية تبدأ قبل انتفاض الجماهير وبعد إسقاط الحكم. وقد تتسم بالمؤشرات التالية:
تنظيم اللجان والنقابات والمنظمات ← إنتفاضة الجماهير حتى إسقاط الحكم ← تفكيك مؤسسات الدولة واستدامة الروح الثورية حتى تتحقق الديمقراطية من الأسفل إلى الأعلى (الدائمة والمستمرة).
هل كان يجب على البوعزيزي تنظيم العمال والمجتمع المدني قبل إضرام النار في جسده؟
تتفق الأوراق البيضاء للتنسيقيات الشعبية في دول الربيع العربي على أن ثورات الربيع العربية بدأت من إنتفاضة الجماهير حتى إسقاط النظام دون تحقيق شروط السيرورة القبلية والبعدية للثورة. وهذا ما كان واضحًا في نتائج ما بعد إسقاط الحكم في كل من مصر، تونس، السودان، سوريا، وليبيا.
في مصر، بعد إسقاط مبارك، لم تُدار البلاد كثورة بل كأزمة انتقالية تحت وصاية المؤسسة العسكرية. المجلس الأعلى للقوات المسلحة تولى السلطة فورًا، محافظًا على جهاز الدولة، الأمن، والإقتصاد كما هو، مع تقديم تنازلات شكلية.
في تونس، تقدمت حالة وسطية بين الانهيار الجذري والاستمرارية السلطوية. بعد سقوط بن علي، لم تنهر الدولة، لكنها فقدت رأسها القمعي. الإدارة، القضاء، والبيروقراطية استمرت بالعمل، ما منع مرحلة ما بعد الثورة- الشرط الثالث لتحقيق الثورة الدائمة، وأبقى ذلك كثيرًا من بنية النظام القديم.
في سوريا، لم يحدث إسقاط نظام مكتمل، بل تفكيك عنيف للسيادة. حين فقد النظام السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، لم تتشكل سلطة وطنية بديلة، بل ظهرت فراغات حكم ملأتها مبادرات محلية، فصائل مسلحة، وقوى أمر واقع. إلا أن المجتمع و للمرة الأولى بعد إنهيار نظام حزب البعث، تمكن ولو بشكل مؤطر سياسيًا، من إدارة نفسه من خلال مجموعات مدنية، ومحاكم أهلية، وشبكات إغاثة، وإعلام مستقل. وهذه كانت لحظة ثورية للبدأ في تحرير الفعل الإجتماعي.
لم يدم ذلك طويلا، فقد تحولت مرحلة إنهيار النظام من إدارة المجتمع- من فعل مدني الى وظيفة تابعة لمن يملك السلاح، و المنبر الديني. شيئًا فشيئًا، أصبحت المجالس المحلية رهينة الفصائل، والتمويل الأجنبي التركي والأمريكي والقطري، أو للضرورات “الأمنية”.
ما بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، لم يكن هناك إنتقالًا، وإنما تعليقًا طويلًا للتاريخ أو ترميدور سوري: لا ثورة تحكم، ولا دول تنهار كليًا، بل مجتمع ممزق يعيش بين سلطات متعددة، بلا سيادة جامعة. هنا فشلت لحظة ما بعد النظام، وذلك لأنها لم تترجم الى مشروع حكم وطني بدلًا من إدارة للبقاء.
في ليبيا، سقط النظام سقوطًا كاملًا وسريعًا. اختفى القذافي، وتفككت الدولة معه ليس بعملية ما قبل انتفاضة الجماهير، بل لأن النظام لم يكن دولة مؤسسات أصلًا، وإنما شبكة شخصية وأمنية. بعد السقوط، لم يبقى جهاز يمكن الاستناد إليه لإدارة المجتمع، ولا حتى إدارة مدنية مستقلة أو نقابات.
الفراغ ملأته الكتائب المسلحة التي رأت نفسها صاحبة الشرعية الثورية. الثورة تحولت هنا بسرعة من فعل تحرري الى سوق سلاح وسلطة.
إدارة المجتمع في ليبيا لم تتم عبر السياسة، بل عبر التوازنات المسلحة. العدالة الانتقالية فشلت، الاقتصاد الريعي النفطي غذى الصراع، والتدخلات الخارجية عمقت الانقسام. انتهت الثورة عمليًا حين لم تُبنَ ادوات سلطة مدنية قبل وبعد عملية إسقاط النظام.
في السودان، أُسقط عمر البشير بفعل حراك شعبي وجماهيري واسع ومنظم نسبيًا، لقد امتلك الحراك قيادة مدنية، الشرط التنظيمي الأول للثورة قبل انتفاضة الجماهير وإسقاط رأس القمع، وكانت قيادة الحراك تجمع مهنيين، لجان مقاومة، نسويات، وخطابًا سياسيًا متقدمًا. لحظة السقوط كانت واعدة، وذلك لأن المجتمع لم يكن عفويًا، وإنما منخرطًا في بناء أدواته.
لكن بعد السقوط، كشف حدود هذا التقدم، الجيش، وبوصفه العمود الفقري للدولة. لم يفكك الجيش، بل أعاد تموضعه كشريك في الانتقال، لسلطة انتقلت إلى إدارةٍ هجينة: مدنيون بلا قوة، وعسكر بلا شرعية. إدارة المجتمع أصبحت رهينة تفاوض دائم، لا سيادة شعبية فعلية.
مع الوقت، ومع غياب تفكيك حقيقي للمنظومة العسكرية والإقتصادية، انقلب العسكر على المسار الإنتقالي. المجتمع ظل حيًا عبر لجان المقاومة، لكن دون قدرة على فرض سلطته على الدولة. النتيجة كانت عودة الصراع المسلح، ليس بين ثورة ونظام، بل بين أجنحة الدولة نفسها، وعلى حساب المجتمع ودمائه.
لماذا يهزم الاقتصاد الثورة بصمت ودائمًا؟
أكون فقيرةً فكريًا لو جزمت وقلت أن الثورات العربية فقدت بوصلتها لأنها افتقرت إلى التنظيم السياسي وحده، ولا لأن الجماهير لم تكن واعية بما يكفي، أو مقهورةً كفاية، ولا حتى لأن النخب خانت خطتها التاريخية فحسب. هذه التحليلات، على اختلافها، تشترك في افتراض واحد مضمر: أن القيادة السياسية تستطيع أن تحكم بمعزل عن سيطرتها على الإقتصاد، أو أن تؤجل مواجهته إلى ما بعد “الانتقال”. لكن التجربة، هي التي نقضت هذا الافتراض مرارًا، لا النظرية.
في السودان، امتلكت الثورة ما لم تمتلكه غيرها من ثورات الربيع العربي، لجان المقاومة، النقابات المهنية التي قادة الإضرابات، والخطاب السياسي الذي تجاوز إسقاط الرأس، الى إعادة بناء الدولة. مع ذلك، إنهار المسار الثوري رغم بقاء الشارع حيًا. لم يكن الإنهيار نتيجة تراجع الجماهير، ولا لغياب القيادة، بل لأن السلطة المدنية التي تشكلت بعد السقوط كانت سلطة بلا إقتصاد. الذهب بقيَّ بيد الجيش والدعم السريع، الموانئ خارج السيطرة المدنية، والميزانية الوطنية رهينة المؤسسات لا تخضع للقرار الشعبي والجماهيري. بهذه الثغرة، وجد المدنيون والنساء أنفسهم يديرون خطابًا ثوريًا دون القدرة على دفع الأجور أو التحكم بأسعار الخبز. في هذه اللحظات، المشروع الثوري لا ينهزم في الشارع، بل تخنقه دفاتر الحسابات.
في تونس، كان المشهد مختلفًا ظاهريًا. هناك، لم تسحق الثورة عسكريًا، وإنما سمح لها أن تحكم. كُتب الدستور، وأجريت انتخابات- دون سيطرة الكادحين عليها- وتداولت النخب السلطة باسم الديمقراطية، قبل أن تعود وتنقلب. لكن اقتصاد تونس بعد إسقاط بن علي بقيَّ كما هو: دولة مدَّانة، سياسات تقشف، تبعية للأسواق العالمية، وشروط جاهزة تُفرض باسم “الاستقرار”.
لم تمسّ البنية الريعية، ولم تعاد صياغة علاقة الدولة بالعمل والثروة. وهذا ما سمح للدولة اليوم باعادة السلطوية باسم إنقاذ الدولة.
أما ليبيا، فقد تبدو أن السياسة نفسها تبخرت، وحلت مكانها العسكرة والمحسوبية. لكن قراءة هذا التحول بوصفه إنحرافًا أخلاقيًا او ثقافيًا تغفل جوهره الإقتصادي. حين ينهار الإقتصاد المدني، ويتوقف الإنتاج، وتفكك النقابات، لا يعود السلاح مجرد أداة صراع، بل يصبح مورد للعيش الوحيد. الفصائل المسلحة لم تكن فقط قوة عسكرية، وإنما وحدات اقتصادية- اين ما كانت: تدير المعبر، تفرض الإتاوات، توزع الإغاثة، وتحتكر العمل. في هذا السياق، لا تهزم الناس لأنها أقل وعيًا أو شرعية، بل لأنها لا تمتلك الخبز ولا الأجور. وهنا، لا تقمع الثورة بعد إسقاط النظام، إنها تستبدل بـ اقتصاد حرب.
غالبًا ما يعزى هذا كله في المنطقة الخصبة إديولوجيًا إلى التدخل الخارجي، تمامًا كما هو حال سوريا في ظل التيرميدور السوري. الحقيقة، إن هذا التدخل لا ينجح إلا حيث توجد بنية اقتصادية قابلة للإختراق: دولة مدَّنة، اقتصاد منهار، ونخبة بلا سيادة مالية. التدخل الخارجي بعمله لا يخلق الهشاشة في سيناريو بعد الأسد مثلا، والذي يختلف خلال حكم الأسد، ولكنه يستثمر بهشاشة الترميدوري، ويستثمر بمرحلة ما بعد السقوط. وهذا ما هو واضح بالدول العربية، التي كان بها الاقتصاد وعدم تنظيم الإنتاج هو الحلقة الأضعف التي فُتحت منها الأبواب. والأمر الذي فشل في دول غير عربية، حيث تملكت الثانية زمام قرار مواردها، ما أفشل تحويل السياسة إلى أداة طيّعية.
بهذا، لا يمكن القول أن الثورات لم تخلق التحور الاساسي عن الثابت، وحتمًا لا يمكن إسقاط الفشل عليها. لقد كانت الثورات العربية هزيمات متكررة إقتصاديًا وبشكل بطيء. الثورة التي لا تمسك العمل، ولا تعيد تنظيم الإنتاج، ولا تملك قرار توزيع الثروة، تبقى معلقة، وتبقى رهينة بين لحظة الانتفاض ولحظة الارتداد الترميدورية.
إن فصل السياسة عن الاقتصاد ليس أمرًا إنتقاليًا، إنه الإدارة المؤقتة للأزمة الدائمة.
ختامًا؛ لم تكن مسؤولية البوعزيزي تنظيم النقابات والسوفيتات العمالية ولجان المجتمع المدني قبل إتخاذ القرار بإضرام النار في ذاته، بل كانت مسؤوليتنا نحن: منظمات المجتمع المدني، الأحزاب اليسارية والنقابات العمالية والمجتمع. لم يضيع ألم البو عزيزي وهو يحترق كما حُرقت الساحرات في أوروبا وأميريكا، بل وكان قريبًا له، ومرتكب الجريمة كان ذاته وهو الدولة والسلطة.
يجب أن نتعلم نحن كثوريات وثوريين، و هيئات يسارية ذات جماهير وسلطة على صياغة مسار الثورة الدائمة، أن نار البوعزيزي اشتعلت لتشعل مرحلة الوعي حول التنظيم، وبعمق بلشفي وسياسي واجتماعي يخلو من الفراغات الإيديولوجية. ويجب أن نعلم، أن هناك ألاف البوعزيزيين اليوم يحرقون ذاتيًا وداخليًا من الفقر والاستبداد والطائفية والاستعمار والإرهاق النفسي من عدم تحقق الثورة الدائمة، والعدالة للشعوب.
كما ذكرت أنفًا، الثورة لا تبدأ من لحظة انتفاض الجماهير، لأنها لحظة حتمية عند بلوغ القهر أعلى مستوياته، بل تبدأ قبل بالتنظيم، وتنظيم لجان المجتمع والعمال وتثقيفه، ولا تنتهي بسقوط رأس القمع، بل بسقوط منظومته، وإعلانها ثورة دائمة على الذات، رؤية ثورية تمارس العدالة العمالية والمساواة باستمرار، وتفكر حولها.
اليوم الجماهير والجيل النشط يأخذ حيز من فكره عن اليسار، وكنظرية ثورية أقرب لتصوراته الجذرية، عن تلك الليبرالية والنيوليبرالية، وشكلت مقاومة 7 أكتوبر الفلسطينية، نقطة التحول باللوحة الثورية، وتوجهات المناضلين، كمرحلة تلت مرحلة محمد البوعزيزي في تونس وتمرد الجماهير العربية ضد أنظمة الاستبداد. إنه الوقت المناسب لدعوة الجماهير للتفكير والبناء على النظرية الماركسية الثورية التحررية، ومن منظورات نسوية وعمالية وكويرية وملونة و ذات إعاقة- تسمح بتجمع الجماهير تحت راية إسقاط العسكرة و التحرر الذاتي من قيود الفكر والتنظم والجسد. وهي الفرصة الجيدة لبناء الجبهة المتحدة، التي تأخذ كامل هذه المكونات الثورية تحت مظلة ثورة الأمم الدائمة.
عاش كفاح الشعوب، ولا عاش من يخونه!
