
على مدار التاريخ المعروف ارتكب البشر المجازر. المجازر جزء من التاريخ ودوافع القتل تزداد بمرور الزمن، فالحضارة لم تخفض من تلك الدوافع على العكس مما افترضه ستيفن بينكر، بل زادت من مبرراتها. لا يمكن ارتكاب مجزرة دون مبرر يقوم على تجريد الآخر من حقه بالعيش. وإن كان من حقنا قتل الحيوانات، بغرض التسلية أو الغذاء، أو استئصال الغطاء النباتي عبر التمدد العمراني والصناعي، فإنه يمكن قتل الآخر “بضمير مرتاح” حين تصبح إنسانيته منقوصة. لحظة كتابة هذا المقال يموت العشرات جوعا وقصفا في غزة. الخطاب الرسمي لإسرائيل يقول أن الفلسطينيين لديهم الحق بالحياة، ولكن حماس تتمترس بهم، وهناك رهائن يجب تحريرهم. في عملية تحرير بضع أفراد يتم قتل ما يقرب من مئة ألف شخص وتجويع مليوني إنسان.
“هؤلاء ليسوا بشرا، بل حيوانات بشرية” يقول أحد الجنود الاسرائيليين المشاركين في الحرب على غزة، وقد كان وزير الحرب الاسرائيلي السابق يوآف غالانت قد قال منذ الأيام الأولى للحرب أن جيشه يقاتل “وحوشا بشرية” و”متوحشين”. وصف “وحوش” هنا هو المفتاح.
في سوريا ليس هناك صراع بين أطراف سياسية ذات برامج واضحة ومتعارضة. بل هناك حرب ضمن فضاء تتنازعه سرديتان: سردية ترى في الآخر خائن متعامل مع اسرائيل، أو كافر يجب قتله، حضري يريد تهجير البدوي والاستيلاء على أرضه. إذن هي سردية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية ودينية وتاريخية. ومن جهة أخرى لدينا “دواعش مغول تكفيريون يريدون قتلنا وسبي نسائنا وإهانة ديننا”.
وبين هذا وذاك، هناك وقائع تدعم هذه السرديات: عمليات قتل وسلب ونهب وتنكيل يتم تصويره والتفاخر به، شعارات تكفير، تهجير لمكون كامل ضمن اتفاقية، فزعات تستنفر عشرات الآلاف من المقاتلين عبر الحدود، اللجوء لإسرائيل وطلب الحماية الدولية. غالباً ما يتمكن الطرف الذي يمتلك السردية الأقوى من استخدام أدوات النفوذ لإعادة صياغة الخطاب وفق مقتضيات المرحلة، تارة عبر الدعوة للجهاد، وتارة عبر الفزعة العشائرية، وغداً ربما عبر استنفار إثني أو قومي. وهذا يعكس أن النخب السياسية لا تنحصر في فصيل واحد، بل تعيد توظيف فئات اجتماعية متباينة لتحقيق النفوذ وفق منطق الصراع والتنافس على القوة (الخاوة). وهذا يتطلب “كبر راس” واستخدام مفهوم التمييز othering تجاه الطرف المستهدف.
حين استهدف بعض المتمردين في الساحل، تم استعمال السردية التي تقول بأن انقلابا يقوم به ما وصف بفلول وأتباع النظام السابق و”النصيريين الكفار” على الدولة الجديدة، وتم إعلان الجهاد عبر مآذن المساجد، فهب آلاف المقاتلين غير المنظمين والمنضبطين، ممن عانى من الاضطهاد والظلم معتبرا أنها فرصة للانتقام. ونتيجة هذه السقطة سقط عدد كبير من الضحايا الأبرياء. تكرر الأمر ذاته بطريقة مختلفة في أحداث السويداء الدامية، حين تم استعمال الفزعة العشائرية هذه المرة نتيجة عجز السلطة عن ممارسة مسؤولياتها، واختيارها للأدوات الخاطئة.
في علم السياسة ثمة تكنيك يسمى كبش الفداء scapegoating للهروب من المسؤوليات والاستحقاقات الكبرى عبر إلقاء اللوم على فئات اجتماعية معينة، لا لتوجهاتها السياسية بالضرورة، بل قد يكون لمجرد الانتماء الديني أو العرقي. هنا يتحول التنوع إلى أداة لإدارة الصراع ووسيلة السلطة الوحيدة للإشغال والترهيب في ظل انعدام القدرة على الحسم عبر أجهزة الدولة. وهذا يتطلب إعادة تشكيل الصورة النمطية للجماعة المستهدفة في الذهنية العامة، ففجأة يتحول العلوي القروي الفقير إلى أحد فلول النظام الذين يعبدون بشار الأسد، ويتحول الدرزي الذي ناصر الثورة أو لم يقاتلها، إلى كافر يستنجد باسرائيل لضرب بلاده، والكردي إلى انفصالي، والبدوي البسيط إلى داعشي يستحق القتل والصلب عند مداخل القرى. هناك فيديوهات نشرت خلال أزمة السويداء، مشابهة لتلك التي انتشرت خلل أحداث الساحل: اكتشاف خطير لأحد المقاتلين الموالين للسلطة، لكتاب سري أخفاه الدروز لقرون يكشف عقيدتهم الكافرة والفاسدة!
هل يفترض أن هذا يبرر قتل كل من يؤمن بهذه العقيدة؟
بهذا تتشكل أحياناً هوية جديدة، لا تقوم بالضرورة على المواطنة، بل على الولاء لجهة سياسية أو اجتماعية محددة، وتساهم وسائل الإعلام في ترسيخ هذا الخطاب وتعزيزه. يلاحظ اليوم أن بعض الفاعلين السياسيين يعمقون الانقسامات الاجتماعية من خلال استدعاء الهويات الجماعية لتحديد أجنداتهم وتعزيز مواقعهم. إن إثارة القلق أو التخويف من “الآخر” هي استراتيجية استُخدمت في مراحل سابقة، وربما يرى بعض الفاعلين أنها ما تزال فعالة حتى اليوم. في المقابل يتكون لدى الأقليات خوف يحولهم إلى أدوات بأيد أطراف إقليمية فاعلة تستخدمها مطية لتمرير أجندة غير مخفية. إنها معادلة خاسر/خاسر للجميع. الحل اليوم وأمس وغدا هو ذاته: الحوار. عبره يتم تحطيم القوالب النمطية، كما حطم الألمان جدار برلين الذي شطرهم لشعبين. لدينا ألف جدار، بينك وبين جارك جدار، ففي دمشق قد تجد في الشارع الواحد خمس طوائف وثلاثة أعراق. وهذا السبب في أن السلطة تعتمد على المجتمعات المعزولة في تعزيز سلطتها.
ينبغي تأسيس هوية قائمة على المواطنة لا على الطائفة أو العرق أو الانتماء الجغرافي. هوية تستمد مشروعيتها من العقد الاجتماعي لا من الذاكرة الانتقائية للحروب والدم. هوية لا تلغي التعدد، بل تصونه وتحتفي به كجزء من ثراء البلاد، لا كذريعة لتمزيقها.
إن فكرة “الآخر” ليست قدراً، بل صناعة. وما يُصنع يمكن تفكيكه. تماماً كما أن الكراهية لا تورّث جينياً، بل تُدرّس وتُلقّن وتُلقّم. مقابلها يمكن زرع فكرة “المشترك الإنساني”، و”الجيرة”، و”المصير الواحد” كأدوات لبناء السلام الأهلي. ليست شعارات مثالية، بل شروط بقاء.
لقد أثبتت التجربة أن القتل لا يقضي على الخوف، بل يضاعفه، وأن الإقصاء لا يضمن استقرارا، بل يؤسس لعنف مؤجل. فلا أحد يختفي من الجغرافيا، بل يعود على نحو أشدّ تطرفاً إن لم يتم الاعتراف به.
علي سوسو
