
في خضم الأزمات المتفاقمة التي يمر بها لبنان والمنطقة العربية، حيث تُسحق الجماهير الشعبية تحت وطأة النظام الرأسمالي الطائفي، تبرز مرة أخرى أدوات الهيمنة الإيديولوجية للطبقة الحاكمة في قمع أي تعبير عن الحرية الجسدية والفنية. الحملة الرجعية الشوفينية ضد الفنان ألكسندر بوليكيفيتش ليست سوى حلقة في سلسلة القمع الممنهج الذي تمارسه البرجوازية الطائفية وأدواتها الدينية، والتي تسعى دائماً إلى تحويل أنظار الجماهير عن الجرائم الحقيقية للنظام الاستغلالي.
ما يسمى بـ”جنود الرب” والشيخ حسن مرعب، يمثلان جناحي النظام الطائفي نفسه الذي ينهب ثروات الشعب ويقسمه إلى طوائف ومذاهب لضمان هيمنته الطبقية. إن اتحادهم الواضح ضد “هزة خصر” فنان حر يكشف زيف صراعاتهم المعلنة ويعري حقيقتهم الطبقية المتآمرة على الجماهير الكادحة. هذا التحالف الطائفي الرأسمالي لا يهدف إلا إلى الحفاظ على نظام الاستغلال والقمع.
ألكسندر بوليكيفيتش: سيرة فنان ثوري في زمن الرداءة
ألكسندر بوليكيفيتش هو راقص ومصمم رقص لبناني من مواليد بيروت، يحمل شهادة في المسرح والرقص من جامعة “باريس الثامنة” الفرنسية. يتمسك بتسمية “الرقص البلدي” رافضاً التسميات الاستعمارية مثل “الرقص الشرقي”، مما يعكس وعيه الثوري برفض التبعية الثقافية للإمبريالية. يعتبر من أبرز الفنانين الثوريين في لبنان الذين يحولون المعاناة اليومية للجماهير إلى فن مقاوم ضد الاستبداد والاستغلال والاستعمار.
مسيرته الفنية الثورية:
- “محاولة أولى” (2009): تحدى فيه الصور النمطية للرقص البلدي كرقص نسائي فقط، مؤمناً بأن “الرقص حركة تتخطى حدود هوية الجسد”
- “تجوال” (2011): روى معاناة المهمشين من مثليين وبدناء وذوي احتياجات خاصة في مواجهة عنف المدينة
- “إلغاء” (2013): واجه محو التاريخ الثقافي من قبل الحركات السياسية والدينية المتطرفة
- “بلدي يا واد” (2015): قلب الصورة النمطية للرقص البلدي بأن أصبح هو الراقص في مقهى تديره امرأة
- “عليهم” (2021): عمل يتحدى فيه الصعوبات ويحول الألم إلى قوة
- “بح- برمجة حيّة” (2024): يراقص في هذا العرض العلاقة مع الجسد ككيان سياسي
الرقص كفن ثوري في مواجهة استلاب الجسد
كما تظهر التجارب التاريخية للفن الثوري العالمي، من كومونة باريس عام 1871 إلى حركة “بلاك ماسك” الثورية في ستينيات القرن الماضي، فإن الفن الثوري كان دائماً وسيلة أساسية لتحرير الجسد والإنسان من قيود النظام الرأسمالي. التجارب الاشتراكية-النسوية مثل أعمال كارولي شنييمان و”كانونكلوبن” الدنماركية تثبت أن تحرير الجسد الأنثوي والذكري على حد سواء هو جزء جوهري من تحرير المجتمع بأسره.
الرقص، كفن ثوري، يمثل تحرر الجسد من أغلال الاستغلال والاضطهاد. إنه تعبير عن رفض النظام الأبوي الرأسمالي الذي يسعى إلى قولبة البشر وتفريغهم من إنسانيتهم وجعلهم مجرد أدوات إنتاج واستهلاك. كما قالت المناضلة الأناركية-نسوية إيما غولدمان: “إذا لم أستطع الرقص على ثورتي، فهي ليست ثورتي”. هذه المقولة التاريخية تؤكد على أن الثورة الحقيقية يجب أن تشمل تحرير الجسد والروح معاً.
الخطاب الأخلاقي البرجوازي كأداة قمع طبقية
الخطاب الأخلاقي الزائف الذي يرفعه رجال الدين والبرجوازية الطائفية ليس سوى غطاء لقمع الحريات وتحويل أنظار الجماهير عن الجرائم الحقيقية للنظام الرأسمالي. فبينما يثرى كبار رجال الدين والزعماء الطائفيين على حساب الشعب، يتم توجيه أنظار الجماهير إلى “التهديدات الأخلاقية” المزعومة مثل رقص فنان حر.
كما كشفت أعمال الفنانين الثوريين مثل كريستوفر داركانجيلو وكلير فونتين، فإن المؤسسات الفنية والدينية غالباً ما تكون أدوات للهيمنة الطبقية. تحويل الانتباه عن الجرائم الحقيقية للرأسمالية إلى “التهديد الأخلاقي” للرقص هو جزء من هذه الآلية الإيديولوجية المعقدة التي تخدم مصالح الطبقة الحاكمة.
من التاريخ الثوري: دروس في المقاومة الجسدية
عبر التاريخ، قدم الفن الثوري أمثلة رائعة على مقاومة استلاب الجسد. من مسرح “ليفينغ ثياتر” الذي أسسه جوليان بيك وجوديث مالينا، الذي كسر التقسيم التقليدي بين الممثلين والجمهور، إلى تجارب “بلاك ماسك” التي حولت الشوارع إلى مسرح للمقاومة، كل هذه التجارب أكدت على أن تحرير الجسد هو جزء من تحرير المجتمع.
في الستينيات، رفض الفنانون الثوريون إنتاج أعمال فنية “هيغيلية” منعزلة عن الجماهير. بدلاً من ذلك، اتجهوا إلى الفن الأدائي والملصقات الثورية والمنشورات التعبوية، مستخدمين كاميرات الفيديو المحمولة لتوثيق نضالات الجماهير. هذه التجارب تشكل مصدر إلهام لفن ثوري معاصر يخدم نضال الجماهير.
نحو فن ثوري اشتراكي في سياقنا العربي
إننا، ونحن ندين هذه الحملات الرجعية، نؤكد أن تحرر الجسد جزء لا يتجزأ من تحرر المجتمع بأسره من نير الرأسمالية والاستغلال. كما تظهر تجارب الفن الأناركي التاريخية والمعاصرة، فإن الفن الحقيقي هو الذي يخدم نضال الجماهير ويشارك في تحريرها من كل أشكال القمع.
في سياق المنطقة، حيث تعاني الجماهير من استغلال مضاعف تحت أنظمة طائفية وعميلة للإمبريالية، يجب أن يكون الفن سلاحاً في معركة التحرر. فنا يجب أن يعبر عن آلام وآمال الجماهير، وأن يساهم في كشف زيف الخطاب الطائفي والرأسمالي.
إن طريقنا الوحيد هو النضال الثوري لبناء مجتمع اشتراكي حقيقي، حيث يتحرر الإنسان من كل القيود الطبقية والطائفية والجنسية. وفننا الثوري يجب أن يكون سلاحاً في هذه المعركة، كما كان للفنانين الثوريين عبر التاريخ.
ندعو الجماهير في لبنان إلى حضور هذا الحفل والتجهز للدفاع عنه بوجه الهجمات الرجعية لليمين اللبناني، كما ندعو كل الفنانين الأحرار في لبنان والمنطقة إلى الانحياز إلى صفوف الجماهير الكادحة، واستخدام فنهم كوسيلة للمقاومة والتحرر، والمساهمة في بناء حركة فنية ثورية تكون جزءاً من النضال الأممي للشعوب من أجل التحرر والاشتراكية.
• عرض الكسندر بوليكيفيتش: س:23:00 مساء 11 أيلول (سبتمبر) ــ «مترو المدينة» (كليمنصو)
دينا حداد _ الخط الأمامي
