جوهر الديالكتيك: ازدواج الواحد وصراع الأضداد
ان ازدواج ما هو واحد ومعرفة جزئيه المتناقضين ، يشكلان جوهر الديالكتيك (احد جواهره، إحدى خصائصه او ميزاته الرئيسية، ان لم تكن خاصته الرئيسية). على هذا النحو بالضبط يطرح هيغل المسألة بدوره.(إن ارسطو يدور بلا انقطاع في كتابه “ميتافيزياء” ، حول هذه المسألة ويحارب هيراقليت وrespective|وبالتالي| الافكار الهيراقليتية).
إثبات الديالكتيك عبر تاريخ العلم
ينبغي اثبات صحة هذا الجانب من مضمون الديالكتيك بواسطة تاريخ العلم. فعادةً لا يُـهتم الاهتمام الكافي بهذا الجانب من الديالكتيك :فإن تماثل الأضداد يُـعتبر بمثابة مجموعة من الامثلة ]مثلاً الحب، مثلاً الشيوعية البدائية….[ لا بمثابة قانون من قوانين المعرفة (وقانون من قوانين العالم الموضوعي)
أمثلة على وحدة الأضداد في العلوم
· في الرياضيات : الاكثر + والاقل -. التفاضل والتكامل.
· في الميكانيك: فعل ورد فعل.
· في الفيزياء :كهرباء إيجابية وكهرباء سلبية.
· في الكيمياء: اتحاد الذرات وانفصالها.
· في العلم الاجتماعي: النضال الطبقي.
وحدة الأضداد كقانون للتطور والحركة
إن تماثل الأضداد (قد تكون وحدة”ها” اصح؟ رغم أن التمييز بين كلمتي تماثل ووحدة ليس بذات أهمية في هذا المجال، فالكلمتان كلتاهما صحيحتان بمعنى معين) هو اقرار (اكتشاف) بميول متناقضة، متضادة، ينفي بعضها بعضًا في جميع ظاهرات الطبيعة وتفاعلاتها، (وفي عدادها تدخل ايضا ظاهرات الروح والمجتمع وتفاعلاتهما). ولأجل إدراك جميع تفاعلات العالم من حيث حركتها الذاتية، من حيث تطورها العفوي، من حيث واقعها الحي، ينبغي إدراكها من حيث هي وحدة من الأضداد. ان التطور هو “نضال” الأضداد. ان مفهومي (أو المفهومين الممكنين؟ أو المفهومين اللذين يعطيهما التاريخ؟) التطور الأساسيين هما: التطور بوصفه نقصانًا وزيادة، بوصفه تكرارًا، والتطور بوصفه وحدة الأضداد (ازدواج ما هو واحد، الى ضدين ينفي أحدهما الآخر، وعلاقات بين الضدين).
مع المفهوم الأول عن الحركة، تبقى في الظل الحركة الذاتية، قوتها المحرّكة، مصدرها، سببها (او يُـنقل هذا المصدر الى الخارج-الله، فاعل ما،etc). أما المفهوم الآخر، فهو يحملنا خاصة على معرفة مصدر الحركة الذاتية.
المفهوم الاول: جامد، عقيم، جاف. المفهوم الثاني: طافح بالنشاط والحياة. فقط المفهوم الثاني يعطينا مفتاح الحركة الذاتية لكل ما هو موجود؛ فقط المفهوم الثاني يعطينا مفتاح “القفزات” ، و”الانقطاع في الاستمرار”، ” وتحول الشيء إلى نقيضه”، وتدمير ما هو قديم وولادة ما هو جديد.
إن وحدة( توارد، تماثل، تعادل) الأضداد مشروطة، مؤقتة، نسبية. ان نضال الأضداد التي ينفي بعضها بعضًا، هو مطلق، كما هو عليه التطور، كما هي عليه الحركة.
n.b: ملاحظة: أن الذاتية (الريبية والسفسطائية، الخ…) تختلف عن الديالكتيك، فيما تختلف عنه، بما يلي، وهو أن الفرق بين النسبي والمطلق هو ايضًا نسبي بنظر الديالكتيك (الموضوعي). فبنظر الديالكتيك الموضوعي يوجد مطلق في النسبي. أما بنظر الذاتية والسفسطائية، فالنسبي ليس سوى نسبي، وهو ينفي المطلق.
الديالكتيك في تحليل ماركس للمجتمع البرجوازي
إن ماركس يحلل اولاً، في رأس المال، ابسط الاشياء، وآلفها واكثرها تواترًا، الأشياء العادية التي تُـصادف مليارات المرات: العلاقات في المجتمع البرجوازي (البضعي) :تبادل البضائع. وتحليله يبيّن في هذه الظاهرة البسيطة (في “خلية” المجتمع البرجوازي هذه) جميع تناقضات (respective أجنة جميع التناقضات) المجتمع المعاصر. إن تتمة هذا العرض تبين لنا تطور (ونمو، وحركة) هذه التناقضات وهذا المجتمع في S شتى اقسامه، منذ بدايته حتى نهايته.
هكذا يجب ان تكون ايضًا طريقة عرض (ودراسة) الديالكتيك بوجه عام، (لأن ديالكتيك المجتمع البرجوازي ليس، بنظر ماركس، سوى حالة خاصة من حالات الديالكيتك).
الديالكتيك في الظواهر اليومية
سواء بُـدىء بأية جملة من أبسط الجمل العادية، وأكثرها تواترًا،etc : اوراق الشجرة خضراء، زيد رجل، غبروش كلب، الخ…، ففيها(كما لاحظ هيغل بصورة عبقرية) يوجد الديالكتيك: فما هو خاص هو عام. وهكذا تكون الأضداد (الخاص هو ضد العام) متماثلة: فالخاص غير موجود إلا في العلاقة التي تؤدي إلى العام. والعام غير موجود إلا في الخاص، عبر الخاص. كل خاص له طابعه العام (بهذه الصورة أو تلك).
وكل عام هو (جزء او جانب او جوهر) من الخاص. وكل خاص لا يشمل جميع الاشياء الخاصة إلا على وجه التقريب. زكل خاص لا يشترك تمام الاشتراك في العام،الخ،الخ…
كل خاص يرتبط عبر آلاف الدرجات الانتقالية بعناصر خاصة من طبيعة أخرى( اشياء ، ظاهرات، تفاعلات)، الخ…حتى هنا توجد عناصر واجنة مفهوم الضرورة؛ عناصر واجنة العلاقة الموضوعية في الطبيعة. فالعرضي والضروري، والظاهر والجوهر، موجودة حتى هنا، لأننا حين نقول: زيد رجل، غبروش كلب، هذه ورقة شجرة، الخ…، فإننا ننبذ جملة من المميزات بوصفها من الأشياء العرضية، ونفصل الجوهري عمّا هو طارىء، ونعارض أحدهما بالآخر.
الديالكتيك كنظرية للمعرفة
وهنا يمكن (ويجب) أن نستشف في كل جملة، كما نستشف في “نخروب” (“خلية”)، أجنّة جميع عناصر الديالكتيك، لكي نبين ان الديالكتيك، بوجة عام، هو من طبيعة كل معرفة إنسانية. والحال، إن العلوم الطبيعية تبين لنا ( وهذه المرة ايضًا ينغي تقديم الدليل على ذلك بأي مثال بسيط جدًا) الطبيعة الموضوعية بنفس صفاتها، وتحول الخاص الى عام، والطارئ إلى ضروري، والدرجات الانتقالية، والتنوعات، والصلة المتبادلة بين الأضداد. ان الديالكتيك هو حقًا نظرية المعرفة (عند هيغل و) عند الماركسية: إن هذا الجانب من الأمر (وهو ليس جانبًا، وإنما هو جوهر الأمر) قد أهمله بليخانوف، فضلاً عن الماركسيين الآخرين.
***********
إن المعرفة، المصورة بسلسلة من الحلقات، قد حددها كل من هيغل (راجع”المنطق”) وبول فولكمان، العرفاني العصري في العلوم الطبيعية، الاختياري، خصم الهيغلية(التي لم يفهمها!) (راجعوا كتابه “أسس نظرية المعرفة للعلوم الطبيعية وعلاقتها بحياة عصرنا الروحية Erkenntnistheoretische Grundzـge ).
تطور الفلسفة والديالكتيك
– “الحلقات” في الفسلفة:{هل تسلسل الاشخاص ضروري حقًا؟كلا!}.
– الفلسفة القديمة:من ديمقريطس إلى افلاطون والى ديالكتيك هيراقليط.
– فلسفة عصر النهضة:ديكارت ضد غاسندي؟Spinoza?.
– الفسلفة العصرية:من هولياخ إلى هيغل (عبر بركلي،هيوم وكانط).
– هيغل –فويرباخ-ماركس.
الديالكتيك، بوصفه معرفة حية، متعددة الجوانب، (إذ أن الجوانب تتكاثر بلا انقطاع)، مع ما لا حد له من الاشكال والالوان، بغية مجابهة الواقع، بغية الاقتراب من الواقع، (مع تهج فلسفي ينبثق من كل شكل و لون ليشكل كلاً واحدًا)، ذلك هو محتوى فائق الغنى بالنسبة للمادية “الميتافيزيقية” التي مصيبتها الكبرى انها غير أهل لتطبيق الديالكتيك على نظرية الانعكاس bildertheorie على مجرى المعرفة وتطورها.
المثالية الفلسفية ونقدها
إن المثالية الفلسفية ليست سوى ضرب من الحماقة من وجهة نظر مادية فظة، مبسطة، ميتافيزيائية. ولكن المثالية الفلسفية هي، بالعكس، من وجهة نظر المادية الديالكتيكية، تطوير وحيد الطرف، مبالغ فيه، (تكبير، تضخيم) لإحدى الميزات الصغيرة في المعرفة، لأحد جوانبها، لاحد وجوهها، الى مطلق منفصل عن المادة، عن الطبيعة، مؤلّه.
n.b :إن المثالية هي ضرب من الظلامية الاكليريكية. وهذا صحيح. ولكن المثالية الفلسفية هي (بالحرى وفضلاً عن ذلك) سبيل يؤدي إلى الظلامية الاكليريكية عبر أحد مظاهر معرفة الانسان (الديالكتيكية) اللامتناهية التعقيد.
طبيعة المعرفة الإنسانية: الخط المنحني واللولبي
ان معرفة الانسان ليست (وبالتالي لا تتبع) خطًا مستقيمًا، إنما هي خط منحن، يقترب اقترابًا لا حد له من سلسلة من الحلقات، من خط لولبي. ويمكن تحويل أي قطعة، قسم، جزء من هذا الخط المنحني (تحويله بشكل وحيد الطرف) الى خط مستقل، كامل، مستقيم، يؤدي (إذا كانت الأشجار تحول دون رؤية الغابة) حينذاك إلى المستنقع، إلى الظلامية الاكليريكية (حيث تثبّـته المصلحة الطبقية للطبقات السائدة). الطابع المستقيم والوحيد الطرف، التحجر والتعظم، الذاتية والعمى الذاتي voila (تلك هي) الجذور العرفانية للمثالية. والحال، من المؤكد إن للظلامية الاكليريكية (=المثالية الفلسفية) جذورًا عرفانية؛ ولها تربة، انها زهرة عقيمة، ذلك لا جدل فيه، ولكنها تنبت على شجرة حية هي شجرة المعرفة الإنسانية الحقيقية، الشديدة الحيوية، المثمرة، القوية، الكلية الجبروت، الموضوعية، المطلقة.
كتب في سنة 1915
لينين-كتاب المادية والمذهب النقدي التجريبي
ان المقطع “حول الديالكتيك” هو تعميم اصيل لعمل لينين في دراسة قضايا الفلسفة خلال سنتي 1914 و1915.
المصدر مختارات لينين-وكتاب انجلز:لدفيخ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية-دار التقدم

