
ترتبط هزيمة الصهيونية على المدى الاستراتيجي، على الصعيد العالمي، بهزيمة البرجوازية العالمية، مشعلة الحروب العدوانية، وإقليميا ببروز قوة فكرية وسياسية تواجه الخدم المذلولين، أنصار الليبرالية المشوهة، المشبعة برائحة الإسلاموفوبيا الكريهة، بما هي إيديولوجيا رجعية، تجد جذورها في الفكر الاستشراقي العنصري، تقوم على كراهية الإسلام ومعاداته بشكل شرس وعنصري ومنهجي، واعتباره كتلة فكرية رجعية متراصة لن يأت منها سوى الإرهاب والتخلف والظلامية.
تؤكد المقاومة الفلسطينية، مرة أخرى، أن تعاليم الإسلام يمكن أن تفضح المؤامرات السرية التي تحاك ضد شعب فلسطين، تمهيدا لتهجيره وتصفية قضية حقه في تقرير مصيره بشكل كامل، بمثل ما يمكن أن تخاطِب المقهورين والمضطهدين، وتقودهم إلى مواجهة أبشع وأشرس تحالف إيديولوجي وسياسي وعسكري عرفه التاريخ، في مواجهة مدينة صغيرة معزولة، جائعة، باردة، عطشانة، ومحاصرة، لكنها عصية على الركوع والترويض، ومقاومة صغيرة من حيث حجم العتاد ونوعيته وعدد المقاتلين، لكنها مؤمنة، صادقة، عنيدة، جبارة، شجاعة ومتبصرة، ونظرها بعيد.
تثبت المقاومة أن عقيدة الفقراء والمضطهدين التي جاءت مع النبي محمد عليه الصلاة والسلام، لن تظل حِكرا على معسكر الثروة والسلطة والمال والتواطؤ والخيانة…حيث يمكن أن تشكل مخزونًا جبارًا وطاقة احتجاجية لا تنضب للشعوب التواقة لنيل حريتها.
الضربات التي يتكبدها شعب غزة ومقاومتها قاسية ولا تطاق، لكن مع ذلك، جعلت كل التواقين للتحرر من طغيان الامبريالية وأذنابها في المنطقتين العربية والمغاربية، تتطلع إلى الأمام “ليس بالأمل فقط بل باليقين في النصر القادم”.
يحي ى السِّن وار وباقي قادة المقاومة الذين تم اغتيالهم، لم يعودوا بيننا- ويا للحزن والخسارة- لكنهم سيظلون حاضرين في ذاكرة التاريخ ووجدان الإنسانية الحرة، وستستمر أجيال اليوم والغد في القتال تحت رايتهم؛ راية الحرية والكرامة.
شكرا للمقاومة الفلسطينية التي تعلِّم الناس في كل مكان، بدماء أبنائها وتضحياتهم التي فاقت ما قد تتحمله الجبال، كيف يكرهون أعداء الحياة، الإمبرياليين والصهاينة وخدمِهم الصغار في شرق المتوسط وفي كل مكان…وبسبب ذلك بالضبط أثارت المقاومة كراهية خدام الغرب الإمبريالي الاستعماري العنصري لها من أشباه الليبراليين والحداثيين والمعتدلين والمساومين والعقلانيين..وأنصار السلام الزائف، والمزايدين على المقاومة، بكون ما أقدمت عليه في السابع من أكتوبر المجيد، لا يعدو أن يكون سوى مغامرة، بالنظر إلى عدم توازن القوى بين المقاومة ودولة الكيان الصهيوني، وهذه مجرد ذريعة وخدعة يثيرونها لإخفاء حقدهم الثابت للمقاومة..وكأن مقاومة هوشي منه ورفاقه للامبريالية الفرنسية، ثم الأمريكية فيما بعد، تمت في ظروف سِمتها تكافؤ الإمكانيات والقوة، ونفس الشيء ينسحب على مقاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي للإسبان، ومقاومة العربي بن المهدي ورفاقه للاستيطان الفرنسي…ومقاومة مانديلا لنظام الميز العنصري!!!
محمد بوطيب
الرباط، 29 أكتوبر 2024
