مقدمة الطبعة الأولى
هذا الكتاب مكرّس لبحث موضوع يرتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ الثورات الروسية الثلاث؛ غير أنه لا يقتصر على هذا فحسب. خلال السنوات الأخيرة، لعب هذا الموضوع دورا هاما في الصراع داخل الحزب الشيوعي في الإتحاد السوفييتي، ومنه انتقل إلى الأممية الشيوعية، ولعب دورا حاسما في تطور الثورة الصينية وحدد سلسلة كاملة من القرارات البالغة الأهمية المتعلقة بالنضال الثوري في بلدان الشرق. هذا الموضوع يتعلق بنظرية الثورة الدائمة التي تمثل بالنسبة “للصف الثاني” من اللينينيين (زنوفييف [42] وستالين وبوخارين [43] وغيرهم) خطيئة “التروتسكية” الأصلية.
أثير موضوع الثورة الدائمة مجددا عام 1924 بعد استراحة طويلة بحيث بدا مفاجئا للوهلة الأولى. فلم يكن ثمة من تبرير سياسي لاستمرار النقاش حوله: كان الأمر يتعلق بخلافات في الرأي ترجع إلى الماضي البعيد. ولكن كانت هنالك دوافع نفسية عديدة لإثارته. فالمجموعة التي تدعو نفسها “البلاشفة القدامى” التي فتحت المعركة ضدي قد تصدت لي بوصفها “التيارات البلشفية الأصلية” إلاّ أن عام 1917 كان يشكل عقبة كبرى أمامها. فمهما بلغت أهمية تاريخ الصراعات الإيديولوجية السابقة والتهيئة الثورية، فقد واجهت هذه الحقبة الأولى بمجموعاتها وأفرادها امتحانها الكبير الفاصل في ثورة أكتوبر. ولم يتمكن أي من أفراد “الصف الثاني” ([1]) من الصمود في وجه هذا الامتحان. فقد تبنوا جميعا، وبدون استثناء، مواقف اليسار الديمقراطي المبتذلة إبان ثورة فبراير عام 1917. ولم يرفع أي منهم شعار العمال من أجل استلام الحكم. واعتبروا الاتجاه نحو الثورة الاشتراكية ضربا من العبث، بل أسوأ من ذلك: نعتوه “بالتروتسكية”. بهذه النفسية قاد هؤلاء الحزب إلى حين وصول لينين من الخارج ونشره “أطروحات أبريل” الشهيرة. فحاول كامنييف ([2]) الذي كان يخوض معركة مباشرة ضد لينين أن ينظم بشكل علني الجناح الديمقراطي داخل الحزب البلشفي. فانضم إليه زينوفييف الذي كان قد وصل مع لينين. بينما تنحى ستالين جانبا بسبب الورطة التي أوقعته فيها مواقفه الوطنية-الاجتماعية. وانتظر حتى ينسى الحزب مقالاته وخطبه البائسة في أسابيع مارس الحاسمة. ثم شرع في الانحياز تدريجيا إلى موقف لينين. إن كل هذا يدعونا إلى طرح السؤال التالي: ماذا تعلم قادة “البلاشفة-القدامى” هؤلاء من اللينينية إذا لم يسطع أي منهم أن يستفيد من تجارب الحزب النظرية والعملية في أحرج لحظة تاريخية وأكثرها امتلاء بالأعباء؟ كان من الضروري صرف النظر عن هذا السؤال بأي ثمن والاستعاضة عنه بسؤال آخر. لهذا تقرر فتح النار على نظرية الثورة الدائمة. إلا أن خصومي لم يتوقعوا أنهم، بخلقهم محورا اصطناعيا للصراع، سوف يضطرون شاؤوا أم أبوا، أن يدوروا حول هذا المحور وأن يخلقوا بذلك مفهوما جديدا لهم.
لقد وضعتُ نظرية الثورة الدائمة، بمعالمها الأساسية، قبل أحداث عام 1905 الحاسمة. كانت روسيا في ذلك الحين على عتبة ثورة برجوازية. وكنا نسمي أنفسنا في ذلك الوقت الاشتراكيين-الديمقراطيين. ولم يشك أي من أفراد قاعدة الحركة الاشتراكيين الديمقراطيين في أننا على أبواب ثورة برجوازية، ثورة تنتج عن التناقض بين قوى الإنتاج في المجتمع الرأسمالي وبين العلاقات الطبقية والإدارية المتهرئة، الموروثة عن عهود الرق والقرون الوسطى. وقد اضطررت في معرض صراعي ضد الشعبيين والفوضويين أن أكرس عددا لا بأس به من الخطب والمقالات لتحليل الطابع البرجوازي للثورة القادمة على أسس ماركسية.
ومهما يكن من أمر، فتأكيد الطابع البرجوازي للثورة لا يجيب سلفا على السؤال: أي الطبقات ستنجز مهام الثورة الديمقراطية، وماذا ستكون العلاقة المتبادلة بين هذه الطبقات؟ وقد بدأت المشكلات الاستراتيجية الأساسية، انطلاقا من هذه النقطة.
لقد انطلق بليخانوف وأكسلرود وزاسوليتش ومارتوف وجميع المنشفيك الروس من بعدهم من الفكرة القائلة بأن البرجوازية الليبرالية هي التي ستلعب الدور القيادي في الثورة البرجوازية لكونها المطالبة الشرعية بالحكم. ووفق هذا المنهج، اعتبروا أن دور حزب البروليتاريا هو دور الجناح اليساري في داخل الجبهة الديمقراطية. كان على الاشتراكيين-الديمقراطيين أن يدعموا البرجوازية الليبرالية ضد الرجعية وأن يدفعوا عن مصالح البروليتاريا ضد البرجوازية الليبرالية في آن واحد. وبكلمات أخرى، فقد اعتبر المنشفيك أن الثورة البرجوازية هي في الأساس عملية إصلاح ليبرالي- دستوري.
أما لينين، فقد طرح المسألة على نحو مختلف. إن تحرير قوى الإنتاج من حواجز نظام الرق كان يعني بالنسبة إليه الحل الجذري للقضية الزراعية بالتصفية الكاملة للطبقة المالكة للأرض وبإعادة توزيع الأرض على أسس ثورية. فقد كان تحطيم الملكية مرتبطا ارتباطا وثيقا بهذه القضية. أما بالنسبة للقضية الزراعية، التي تمس المصالح الحيوية لغالبية السكان الساحقة وتشكل القضية الأساسية بين قضايا السوق العالمية، فقد تصدى لينين لها بشجاعة ثورية حقة. فما دامت البرجوازية الليبرالية، التي تناصب العامل العداء، ترتبط بالملكيات الزراعية الكبيرة بوشائج عديدة، يبقى تحرر الفلاحين الديمقراطي الحقيقي رهنا بتحقيق التعاون الثوري بين العمال والفلاحين. وكان لينين يعتبر أن انتصار ثورة هاتين الطبقتين ضد المجتمع القديم سوف يؤدي إلى قيام “ديكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية”.
إن هذه الصيغة ترد الآن في “الأممية الشيوعية” على شكل صيغة جامدة مفصولة عن التاريخ، دون أي محاولة لتحليل التجارب التاريخية الحيّة خلال ربع قرن الأخير. فكأننا لم نشهد ثورات عام 1905 وفبراير 1917 و أكتوبر 1917 وكأننا لم نشترك فيها. إن هذا التحليل التاريخي يكتسي أهمية متزايدة لأن التاريخ لم يعرف نظاما تحققت فيه “ديكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية”.
ففي عام 1905 كانت هذه الصيغة ما تزال بالنسبة للينين مجرد فرضية استراتيجية بحاجة إلى أن تؤكد صحتها مسيرة الصراع الطبقي ذاته. لذا اكتست صيغة “دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية” عن قصد، وإلى حد بعيد، طابع المعادلة الرياضية الجبرية. ولم يجب لينين سلفا على السؤال: ماذا سيكون نوع العلاقات السياسية بين طرفي الديكتاتورية الديمقراطية، أي العمال والفلاحون؟ فهو لم يستبعد أن يمثل الفلاحون في الثورة حزب مستقل بالمعنى المزدوج للكلمة، أي أنه مستقل عن البرجوازية وعن البروليتاريا معا، وقادر في الوقت ذاته على تحقيق الثورة الديمقراطية بالتحالف مع حزب البروليتاريا الذي يناضل ضد البرجوازية الليبرالية. وقد ترك لينين المجال مفتوحا حتى لاحتمال أن يكون حزب الفلاحين هو الأغلبية في حكومة الديكتاتورية الديمقراطية كما سنرى عما قريب.
منذ خريف عام 1902، أي منذ هربي الأول إلى الخارج، كنت تلميذا للينين في التأكيد على الأهمية الحاسمة للثورة الزراعية. فالقول بأن الثورة الزراعية وبالتالي الثورة الديمقراطية عامة لا يمكن أن تتحقق إلا بتوحيد قوى العمال والفلاحين في نضالهما المشترك ضد البرجوازية الليبرالية، إن هذا القول كان فوق أي شيء عندي، على عكس ما تقوله الأساطير التافهة التي ترددت في السنوات الأخيرة. إلاّ أني عارضت صيغة “ديكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية”. لماذا؟ لأني تبنيت نواقصها في كونها لم تجب على السؤال: أي طبقة ستمارس الدكتاتورية الفعلية؟ وحاولت أن أبرهن على أن الفلاحين، بالرغم من أهميتهم الاجتماعية والثورية البالغة، لن يستطيعوا تكوين حزب مستقل بالفعل ولن يستطيعوا حصر السلطة الثورية بهذا الحزب. فمثلما ساعد الفلاحون، في الثورات الماضية منذ “الإصلاح الألماني” في القرن السادس عشر وحتى قبل ذلك، فصائل من برجوازية المدن وأمنوا انتصارها في حالات عديدة، كذلك يستطيع الفلاحون في ذروة نضالهم أن يقدموا مساعدات مشابهة للبروليتاريا للوصول إلى الحكم في ثورتنا البرجوازية المتأخرة. من هنا، خلصت إلى أن ثورتنا البرجوازية لن تنجز مهامها بشكل جذري إلا إذا استطاعت البروليتاريا، بدعم من ملايين الفلاحين، أن تحصر الديكتاتورية الثورية بين يديها.
ماذا سيكون المضمون الاجتماعي لهذه الديكتاتورية؟ يتوجب عليها في المكانة الأولى أن تحقق الثورة الزراعية إلى أبعد مداها وأن تعيد بناء الدولة على أساس ديمقراطية. وبكلمات أخرى، تصبح ديكتاتورية البروليتاريا أداة لإنجاز مهام الثورة البرجوازية المتأخرة تاريخيا. غير أن المسألة لا تقف عند هذا الحد. فالبروليتاريا عند استلامها الحكم ستجد نفسها مجبرة على أن تصطدم اصطداما عنيفا بعلاقات الملكية الفردية عامة، أي أنها ستجد نفسها مجبرة على السير في طريق الإجراءات الاشتراكية.
وقد تساءل ستالين وريكوف ([3]) ومولوتوف ([4]) وأمثالهم عشرات المرات بين عام 1905 وعام 1917: “ولكن، هل تعتقد حقا أن روسيا ناضجة لقيام ثورة اشتراكية فيها؟” وكنت أجيب دائما: كلا. إني لا أعتقد ذلك. ولكن الاقتصاد العالمي بمجمله والاقتصاد الأوروبي بالدرجة الأولى ناضجان النضج الكافي لقيام الثورة الاشتراكية. هل ان ديكتاتورية البروليتاريا في روسيا ستؤدي إلى بناء الاشتراكية أم لا؟ وبأية سرعة سيتم هذا البناء؟ بأية مراحل سوف يمر؟ كلها أسئلة تتوقف على المصير الذي تنتهي إليه الرأسمالية في أوروبا والعالم.
كانت تلك السمات الرئيسية لنظرية الثورة الدائمة عند ظهورها في الأشهر الأولى من عام 1905. منذ ذلك التاريخ قامت ثلاث ثورات. اعتلت البروليتاريا الروسية سدة الحكم على رأس انتفاضة فلاحية عارمة. وأصبحت دكتاتورية البروليتاريا واقعا ملموسا في روسيا قبل أن تتحقق في أي من الدول الأكثر تقدما في العالم. وفي عام 1924، أي بعد ما لا يزيد عن سبع سنوات من ثبوت التوقع التاريخي الذي تضمنته نظرية الثورة الدائمة بقوة ليس لها مثيل، يشن “رجال الصف الثاني” هجوما مسعورا على هذه النظرية، مجتزئين جملاً مبتورة وهجمات سجالية Polemic من كتاباتي القديمة كنت نسيتها تماما.
لا بد من أن نتذكر هنا أن الثورة الروسية قامت بعد أكثر من نصف قرن من موجة الثورات البرجوازية التي اجتاحت أوروبا، وبعد خمسة وثلاثين عاما من ثورة “عامية باريس” التي لم تدم طويلا. كانت أوروبا قد نسيت طعم الثورات. أما روسيا فلم تكن قد شهدت ثورة قط. فجرى طرح قضايا الثورة على نحو جديد. فليس من الصعب أن نفهم كم من المجهولات والتخمينات الضخمة كانت الثورة القادمة تخفي علينا في ذلك الحين. فكانت الصيغ التي تبنتها المجموعات السياسية كلها، كل واحدة على طريقتها الخاصة، مجرد فرضيات عملية. ويجب أن يكون المرء خاليا من أي حس للاستجلاء التاريخي ومن أي تفهم لأساليبه لكي ينظر الآن، وبعد مرور الحدث، إلى تحليلات عام 1905 وتقديراته وكأنها كتبت البارحة. لقد قلت مرارا لنفسي ولأصدقائي: لست أشك مطلقا في أن توقعاتي عام 1905 كانت تحوي عدة نواقص ليس من الصعب إبرازها الآن بعد انقضاء الحدث. ولكن هل كانت توقعات نقادي أفضل من توقعاتي وأكثر نفاذا منها؟ كنت مستعدا سلفا، لكوني لم أعد قراءة مؤلفاتي القديمة منذ زمن طويل، للاعتراف بوجود نواقص أكثر خطورة وأهمية مما هو فيها بالفعل. ولقد اقتنعت بهذا عام 1928 عندما سمحت لي الراحة السياسية التي فرضها على منفاي في “ألما-آتا” أن أعيد قراءة كتاباتي القديمة حول قضايا الثورة الدائمة. وآمل أن القارئ سيقتنع بهذا اقتناعا كاملا عندما يقرأ الصفحات اللاحقة.
ولكن من الضروري، في نطاق هذه المقدمة، أن نقدم بالقدر الممكن من الدقة وصفا لمقومات نظرية الثورة الدائمة والأهم الاعتراضات عليها. فقد اتسع الخلاف وعمق بحيث يشمل اليوم في جوهره جميع القضايا الهامة في الحركة الثورية العالمية.
إن الثورة الدائمة عند ماركس هي ثورة لا تساوم مع أي شكل من أشكال الحكم الطبقي ولا تقف عند المرحلة الديمقراطية بل تتجاوزها إلى الإجراءات الاشتراكية وإلى الحرب ضد الرجعية في الخارج، أي أنها ثورة تكون لكل مرحلة لاحقة منها جذورها في المرحلة التي سبقتها فلا تنتهي إلا بعد تصفية المجتمع الطبقي تصفية تامة.
ولا بد كي نزيل الالتباس الذي وجد حول نظرية الثورة الدائمة، من تمييز المقوّمات الفكرية الثلاث التي تتكون منها هذه النظرية.
أولا: تشمل نظرية الثورة الدائمة قضية الانتقال من الثورة الديمقراطية إلى الثورة الاشتراكية. وهذا في جوهره هو أساسها التاريخي.
لقد تصدى الشيوعيون الكبار في منتصف القرن التاسع عشر، ماركس ورفاقه، بمفهوم الثورة الدائمة للأيديولوجية الديمقراطية التي تدّعي – كما نعلم- أنه بإنشاء دولة “عقلا نية” أو ديمقراطية يصبح بالإمكان حل جميع القضايا سلميا بواسطة إجراءات إصلاحية أو تطورية. لقد اعتبر ماركس ثورة 1848 البرجوازية تمهيدا للثورة البروليتارية. وقد “أخطأ” ماركس في ذلك. إلاّ أن خطأه يتعلق بالوقائع وليس بالمنهج. إن ثورة 1848 لم تتحول إلى ثورة اشتراكية. ولكنها لهذا السبب ذاته لم تستطع أن تحقق الديمقراطية. أما بالنسبة للثورة الألمانية عام 1918، فإنها لم تكن تكملة ديمقراطية للثورة البرجوازية، بل ثورة بروليتارية أجهضها الاشتراكيون-الديمقراطيون، أو بالأحرى ثورة برجوازية مضادة أجبرت على المحافظة على مظاهر ديمقراطية زائفة بعد انتصارها على البروليتاريا.
إن “الماركسية” المبتذلة قد ابتكرت منهجا للتطور التاريخي يعتبر أن كل مجتمع برجوازي سيحقق نظامه الديمقراطي عاجلا أو أجلا، حينئذ، تنظم البروليتاريا نفسها وتستكمل ثقافتها الاشتراكية، في ظل الظروف الديمقراطية الملائمة. لقد جرى تبيان الانتقال الفعلي للاشتراكية بطرق مختلفة: فصوّر الاصلاحيون الصريحون هذا الانتقال على أنه عملية ملء الديمقراطية بمضمون اشتراكي بواسطة الإصلاحات (جوريس)، بينما اعترف الثوريون الرسميون بحتمية استعمال العنف الثوري في الانتقال إلى الاشتراكية (غسد). غير أن كلا الاتجاهين كان يعتبر أن الديمقراطية والاشتراكية، بالنسبة لجميع الشعوب والبلدان، مرحلتان في تطور المجتمع ليستا متمايزتين التمايز الكافي ولكنهما مفصولتان عن بعضهما البعض بحقبات زمنية طويلة. وكان هذا الرأي غالبا على الماركسيين الروس الذين كانوا ينتمون عام 1905 إلى جناح اليساري من “الأممية الثانية”. وكان بليخانوف، رائد الماركسية الروسية اللامع، يعتبر فكرة ديكتاتورية البروليتاريا في روسيا المعاصرة ضربا من الجنون. وقد اشترك في الدفاع عن هذا الموقف ليس المنشفيك فحسب، ولكن الأغلبية الساحقة من قادة البلاشفة أيضا، وخاصة قادة الحزب الحاليين بدون استثناء الذين كانوا في أيامهم ديمقراطيين ثوريين صلبين ولكن قضايا الثورة الاشتراكية ظلت بالنسبة إليهم ليس فقط عام 1905 ولكن عشية ثورة 1917 أيضا مجرد أصداء مستقبل بعيد.
إن نظرية الثورة الدائمة التي ولدت عام 1905 أعلنت حربا شعواء على هذه الأفكار والأمزجة. وبيّنت أن المهام الديمقراطية في الأمم البرجوازية المتأخرة تقتضي في عصرنا هذا، قيام دكتاتورية البروليتاريا رأسا. وإن هذه الدكتاتورية تضع المهام الاشتراكية في حيز التنفيذ. هنا تكمن الفكرة الرئيسية في هذه النظرية. فبينما كان الرأي التقليدي يقول أن الطريق إلى دكتاتورية البروليتاريا تمرّ خلال مرحلة ديمقراطية طويلة، أكدت نظرية الثورة الدائمة على أن الطريق إلى الاشتراكية يمرّ بدكتاتورية البروليتاريا في الدول المتخلفة. وهكذا نرى أن الديمقراطية ليست نظاما يكفي نفسه بنفسه خلال عقود من الزمن، وإنما هو تمهيد مباشر للثورة الاشتراكية. و ترتبط الواحدة بالأخرى بسلسلة متصلة من الأحداث. وهكذا ينشأ وضع من التطور الثوري الدائم بين الثورة الديمقراطية وبين بناء المجتمع الاشتراكي.
المقوّمة الثانية لنظرية “الثورة الدائمة” تتعلق بالثورة الاشتراكية بحد ذاتها. خلال مدة طويلة، تتحول جميع العلاقات الاجتماعية خلال صراع داخلي مستمر. المجتمع هنا يخلع جلده العتيق ويستبدله بجلد جديد. وتنبثق كل مرحلة من مراحل التحول من المرحلة التي تسبقها مباشرة. وتتخذ هذه العملية بالضرورة طابعا سياسيا، أي أنها تتطور من خلال الاصطدامات بين مختلف الفئات في المجتمع الذي يمر بهذا التحول. إن الثورات في الاقتصاد والتقنية والعلم والعائلة والأخلاق والحياة اليومية تسير بشكل معقد متشابك فلا تسمح للمجتمع بأن يستعيد توازنه. هنا تكمن ديمومة الثورة الاشتراكية كثورة اشتراكية
إن الطابع الأممي للثورة الاشتراكية، المقومة الثالثة من مقومات الثورة الدائمة، ينبثق من الوضع الراهن للاقتصاد ومن البنيان الاجتماعي في العالم. ليست الأممية مبدأ مجردا وإنما هي انعكاس نظري وسياسي لطبيعة الاقتصاد العالمي و لتطور قوى الإنتاج و للصراع الطبقي على الصعيد العالمي. تبدأ الثورة الاشتراكية على أسس وطنية، ولكن لا يمكن إنجازها ضمن هذا الإطار. لأن حصر ثورة البروليتاريا ضمن الإطار الوطني لا يمكن إلا أن يكون خطوة مرحلية، بالرغم من أن هذه الخطوة قد تستغرق زمنا طويلا كما تؤكد تجربة الإتحاد السوفيتي. ففي دكتاتورية البروليتاريا المنعزلة لا بد من أن تنمو التناقضات الداخلية والخارجية إلى جانب الانتصارات التي يجري تحقيقها. وإذا بقيت الدولة البروليتارية معزولة فإنها ستقع في النهاية ضحيّة لهذه التناقضات. وإذا نظرنا إلى الثورة الوطنية من هذه الزاوية نجد أنها ليست كلاّ متكاملا وإنما هي مجرد حلقة في سلسلة الثورات الأممية. إن الثورة عملية دائمة بالرغم من الانتكاسات والإنحسارات الآنية.
إن هجوم “رجال الصف الثاني” موجه، وإن كان ليس دائما بنفس الوضوح، ضد المقوّمات الثلاث التي تتكون منها نظرية الثورة الدائمة. كيف لا والأجزاء الثلاثة أجزاء مترابطة.. إن “رجال الصف الثاني” يفصلون بشكل آلي بين الدكتاتورية الديمقراطية والدكتاتورية الاشتراكية، وبين الثورة الاشتراكية الوطنية والثورة الأممية. وهم يعتبرون أن الاستيلاء على الحكم ضمن الإطار الوطني ليس في جوهره الشرط الأولي للثورة وإنما هو نهاية المطاف تليه حقبة من الإصلاحات تؤدي إلى بناء المجتمع الاشتراكي الوطني. وفي عام 1905 لم يكن هؤلاء يقبلون حتى بالفكرة القائلة أن البروليتاريا في روسيا سوف تستلم الحكم قبل أوروبا الغربية. وفي عام 1917، كانوا يبشرون بـ ثورة ديمقراطية في روسيا تكفي نفسها بنفسها، ويرفضون دكتاتورية البروليتاريا رفضا قاطعا. وفي الفترة بين 1925 و 1927 ، اتجهوا في طريق الثورة الوطنية في الصين بقيادة البرجوازية الوطنية. وفي بعد ذلك، رفعوا شعار “دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية” في الصين مقابل شعار “دكتاتورية البروليتاريا”. وأعلنوا عن إمكانية بناء مجتمع اشتراكي منعزل في الاتحاد السوفيتي يكفي نفسه بنفسه. وعوضا عن أن تكون الثورة العالمية، بالنسبة إليهم، شرطا لا غنى عنه لإحراز النصر أصبحت مجرد ظرف مساعد. لقد انتهى “رجال الصف الثاني” إلى هذا الانفصال الكامل عن الماركسية خلال صراعهم الدؤوب ضد نظرية الثورة الدائمة.
هذا الصراع، الذي بدأ ببعث مصطنع لذكريات تاريخية و بتشويه الماضي البعيد قد أدى إلى التحول الكامل في النظرة الشاملة عند الفئة العليا من قيادة الثورة. لقد سبق و أكدنا أن إعادة النظر في القيم هذه إنما جرت تحت تأثير الحاجات الاجتماعية للبيروقراطية السوفيتية التي غدت محافظة أكثر من أي وقت مضى، تطمح إلى استتباب الأمن على الصعيد الوطني وتدعو إلى اعتبار ما تحقق حتى الآن من الثورة، والذي يضمن مراكز مميزة للبيروقراطية، كافيا للشروع في البناء السلمي للاشتراكية. لسنا نريد العودة إلى هذا الموضوع الآن. إنما نكتفي بالقول أن البرقراطية واعية كل الوعي للارتباط بين مواقعها الإيديولوجية والمادية وبين نظرية الاشتراكية الوطنية. وأوضح تعبير عن ذلك الآن هو أن ضغط التناقضات، التي لم تتحسب لها آلة الحكم الستاليني والتي تضغط بالرغم عنها أو بالأحرى بسببها، يجبرها على الاتجاه نحو اليسار بكل قوتها وعلى تسديد الضربات القياسية للجناح اليميني الذي كان ملهمها بالأمس. إن عداء البرقراطيين “للمعارضة الماركسية”، بعد استعارتهم لشعاراتها وحججها على عجل، لم يضعف كما هو معلوم عند الجميع. إن شجب نظرية الثورة الدائمة والاعتراف، وإن كان بشكل غير مباشر، بنظرية “الاشتراكية في بلد واحد” هو الشرط الأولي والأخير المفروض على أفراد المعارضة الذين يثيرون موضوع عودتهم إلى الحزب لتأييد الاتجاه نحو التصنيع، إلى آخره. بهذا تفصح البيروقراطية الستالينية عن الطابع التكتيكي المحض لاتجاهها نحو اليسار الذي يلازمه احتفاظ بالمبادئ الاستراتيجية المبنية على المنطق الوطني-الإصلاحي. ومن غير المجدي أن نفسر معنى هذا، ففي السياسة كما في الحرب يكون التكتيك مسخرا في المدى البعيد لخدمة الأهداف الاستراتيجية.
لقد تعدّت المسألة، منذ زمن طويل، نطاق الصراع ضد “التروتسكية”. ففي اتساعها التدريجي أصبحت تشمل الآن جميع قضايا النظرية الثورية العالمية. فإما الثورة الدائمة وإما الاشتراكية في بلد واحد. إن هذا البديل يضم في الوقت ذاته مشاكل الاتحاد السوفيتي الداخلية وتوقعات الثورة في الشرق وأخيرا مصير “الأممية الشيوعية” كلها.
هذا الكتاب لا يعالج المسألة من جميع الجوانب، فليس من الضروري تكرار ما سبق وقلناه في مؤلفات أخرى. ففي “نقد مشروع برنامج الأممية الشيوعية” حاولت أن أثبت بشكل نظري تهافت الاشتراكية الوطنية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. فلم يتفوه مفكرو الكومنترن بكلمة واحدة حول هذا الموضوع. فهذا هو الدور الوحيد الذي بقي لهم. في هذا الكتاب سأستعيد نظرية الثورة الدائمة كما صيغت عام 1905 بصدد قضايا الثورة الروسية الداخلية. وسوف أظهر أين كان موقفي يختلف فعليا عن موقف لينين، ولماذا وكيف كنت أنسجم مع موقف لينين في كل وضع حاسم. وأخيرا، سأحاول أن أظهر مغزى هذه القضية بالنسبة للبروليتاريا في البلدان المتخلفة وبالتالي بالنسبة للأممية الشيوعية بشكل عام.
ما هي التهم التي يوجهها “رجال الصف الثاني” ضد نظرية الثورة الدائمة؟ إذا ما صرفنا النظر عن التناقضات العديدة التي يقع فيها نقادي يمكن تلخيص هذه المجموعة الضخمة من الكتابات بما يلي:
يتجاهل تروتسكي الفرق بين الثورة البرجوازية والثورة الاشتراكية. وحتى في عام 1905 كان يعتقد أن البروليتاريا الروسية مواجهة بمهام الثورة الاشتراكية.
إن تروتسكي قد نسي القضية الزراعية نسيانا تاما. فالفلاحون غير موجودين بالنسبة له. وهو يصور الثورة وكأنها معركة وحيدة بين البروليتاريا والقيصرية.
يعتقد تروتسكي أن البرجوازية العالمية لن تحتمل وجود دكتاتورية البروليتاريا الروسية واعتبر أن انهيار هذه الدكتاتورية أمر محتم إلا إذا استولت البروليتاريا في الغرب على الحكم خلال فترة وجيزة وهبت لنجدتها. بهذا يقلل تروتسكي من أهمية الضغط الذي مارسته البروليتاريا في أوروبا الغربية على حكومتها البرجوازية.
إن تروتسكي لا يؤمن بشكل عام بقوة البروليتاريا الروسية و بمقدرتها على بناء الاشتراكية بشكل مستقل، لهذا السبب وضع، وما زال يضع، كل آماله في الثورة العالمية.
إن هذه اللازمات تتكرر في جميع كتابات زينوفييف ([5]) وستالين وبوخارين ([6]) وغيرهم وفي خطبهم العديدة وقد أدرجت في أهم القرارات التي اتخذها الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي والأممية الشيوعية. وبالرغم من ذلك فلا بد من القول أنها مبنية على مزيج من الجهل والكذب.
إن الاتهامين الأولين اللذان يتقدم بهما نقادي عاريين من الصحة كما سيثبت للقارئ بعد قليل. لقد انطلقت، بالتحديد، من الطابع الديمقراطي-البرجوازي للثورة وخلصت إلى أن عمق الأزمة الزراعية سيرفع البروليتاريا في روسيا إلى سدة الحكم. أجل، كانت تلك هي الفكرة التي دافعت عنها عشية ثورة 1905. وتلك هي الفكرة التي أعبر عنها عندما أصف الثورة بأنها ثورة “دائمة”، أي غير متقطعة، ثورة تنتقل مباشرة من المرحلة البرجوازية إلى المرحلة الاشتراكية. وللتعبير عن الفكرة نفسها، استعمل لينين فيما بعد التعبير الرائع الذي يقول بنضج الثورة البرجوازية إلى ثورة اشتراكية. أما ستالين، فقد تصدى عام 1924 بمفهوم “نضج الثورة” لنظرية الثورة الدائمة التي صورها وكأنها قفزة مباشرة من القيصرية إلى الاشتراكية، إن هذا “المفكر” السيئ الطالع لم يقف برهة ليتساءل: أي معنى يبقى لديمومة الثورة، أي تطورها غير المتقطع إذا كان كل ما تشمله هو مجرد قفزة؟
أما الاتهام الثالث، فقد كان مرده إيمان “رجال الصف الثاني” الذي لم يدم طويلا بإمكانية “إزالة مفعول”. البرجوازية الإمبريالية لأمد طويل بمساعدة ضغط البروليتاريا المنظمة “بمهارة”. كانت تلك هي فكرة ستالين الأساسية بين عام 1924 و 1927. وكانت اللجنة الروسية-الإنكليزية ثمرة هذه الفكرة. ولكن خيبة الأمل بإمكان إزالة مفعول البرجوازية بمساعدة بورسيل ورادييه ولافوليت ([7]) وتشانغ كاي تشيك أدت إلى عارض مفاجئ من الخوف من خطر حرب مداهم. وما زال الكومنترن يمر بهذه المرحلة.
وأما الاعتراض الرابع على نظرية الثورة الدائمة فإنه يتلخص في القول أني لم أدافع عام 1905 عن النظرية الاشتراكية في بلد واحد التي اخترعها ستالين للبيروقراطية السوفياتية عام 1924. إن هذا الاتهام لطرفة تاريخية ليس إلاّ. فكأني بخصومي يريدوننا أن نقتنع بأنهم كانوا يؤمنون عام 1905 بأن روسيا ناضجة لقيام ثورة اشتراكية مستقلة. وفي الواقع أنهم كانوا، خلال الفترة ما بين 1905 و1907 يكيلون لي التهم بأني طوباوي لأني توقعت أن تأتي البروليتاريا الروسية إلى الحكم قبل بروليتاريا أوروبا الغربية. ولقد اتهم كامنييف وريكوف لينين بالطوباوية في أبريل عام 1917 وحاولوا إقناعه أنه على الثورة الاشتراكية أن تتحقق أولا في بريطانيا والبلدان المتقدمة الأخرى ومن ثم يأتي دور روسيا. وكان ستالين يتبنى الموقف ذاته حتى 4 أبريل 1917. وهو لم يقتنع بشعار لينين “دكتاتورية البروليتاريا” الذي حلّ مكان شعار “الدكتاتورية الديمقراطية” إلاّ تدريجيا وبصعوبة بالغة ([8]) وفي ربيع عام 1924 كان ستالين ما يزال يردد ما قاله آخرون قبله: إن روسيا، بمفردها، ليست ناضجة النضج الكافي لبناء مجتمع اشتراكي. وفي خريف العام ذاته اكتشف ستالين لأول مرة، في صراعه ضد نظرية الثورة الدائمة، إمكانية بناء نظام اشتراكي منعزل في روسيا. وفي ذلك الوقت فقط، بدأ “الأساتذة الحمر” يجمعون القرائن التي تدين تروتسكي بأنه اعتقد عام 1905 -ويا للهول- بأن روسيا لا تستطيع أن تصل إلى الاشتراكية إلا بمساعدة بروليتاريا الغرب.
إذا قدّر أن نأخذ تاريخ الصراع الأيديولوجي طوال ربع قرن ونمزقه نتفاً صغيرة ثم نمزق هذه النتف في جرن ونطلب من رجل أعمى أن يعيد تركيبها، لما خرجنا بفوضى نظرية أو تاريخية من التفاهات كالتي يغذي بها “رجال الصف الثاني” قراءهم ومستمعيهم.
ولكي نلقي ضوءا على علاقة مشاكل الأمس بمشاكل اليوم لا بد لنا من أن نعود، ولو بشكل عام للغاية، إلى ما قامت به قيادة الكومنترن، ستالين وبوخارين، من أعمال في الصين.
بحجة أن الصين تواجه ثورة وطنية أعطى الدور القيادي في عام 1924 للبرجوازية الصينية. واعترف رسميا بحزب البرجوازية الوطنية، الكيومنتانغ، حزبا قائدا. حتى المنشفيك لم يصلوا إلى هذا الحد عام 1905 في علاقاتهم مع “الكاديت” (حزب البرجوازية الليبرالية).
ولكن قيادة الكومنترن لم تتوقف عند هذا الحد. فقد أجبرت الحزب الشيوعي الصيني على الدخول في الكيومنتانغ والانصياع لأوامره. وفي برقيات خاصة، طلب ستالين من الشيوعيين الصينيين أن ينسفوا الحركة الفلاحية. فمنع العمال والفلاحون من تكوين مجالس سوفييت خاصة بهم حتى لا ينفر تشانغ كاي-تشيك الذي دافع عنه ستالين بحرارة أمام “المعارضين” ووصفه بأنه “حليف يوثق به” ذلك في اجتماع حزبي في موسكو في أوائل أبريل 1927، أي قبل بضعة أيام من انقلاب شانغهاي المضاد-للثورة.
إن إخضاع الحزب الشيوعي للقيادة البرجوازية رسميا ومنع تكوين مجالس السوفييت (كان ستالين وبوخارين يدّعيان أن الكيومنتانغ “قد حل مكان السوفييت”) يشكلان خيانة أكبر وأبشع للماركسية من جميع أفعال المنشفيك بين أعوام 1905 و1917.
بعد أن قام تشانغ كاي-تشيك بانقلابه في أبريل عام 1927، انشق الجناح اليساري بشكل آني من الكيومنتانغ بقيادة وانغ شينغ-وي. وحيّت جريدة “البرافدا” وانغ شينغ-وي رأسا على أنه حليف يعتمد عليه. كانت علاقة وانغ شينغ-وي بتشانغ كاي-تشيك في جوهرها كعلاقة كرينسكي بمليوكوف ([9])، مع وجود فارق واحد وهو أن شخصيتي مليوكوف وكورنيلوف كانتا متحدتين في الصين بشخص تشانغ كاي-تشيك.
بعد أبريل 1927 صدرت أوامر للحزب الصيني بالدخول في الكيومنتانغ “اليساري” والانصياع لأوامر “كرنسكي” الصين، عوضا عن التحضير لمعركة علنية ضده. فسحق وانغ-تشينغ-وي “الموثوق به” الحزب الشيوعي ومعه الحركة العمالية والفلاحية بوحشية لا تقل عن وحشية تشانغ كاي-تشيك الذي أعلن ستالين أنه حليف “موثوق به”.
رغم أن المنشفيك أيدوا مليوكوف في عام 1905 وبعد ذلك، إلاّ أنهم لم ينضموا إلى الحزب الليبرالي. ورغم أن المنشفيك تحالفوا مع كرنسكي عام 1917 إلاّ أنهم حافظوا على تنظيمهم. فكانت سياسة ستالين في الصين مسخا حقيرا للمناشفة. هكذا كان الفصل الأول والأكثر أهمية من القصة.
وبعد أن برزت نتائجه الحتمية – انتكاسة كاملة في صفوف الحركة العمالية والفلاحين، تحطيم معنويات الحزب الشيوعي وتفتيته- أصدرت قيادة الكومنترن أمرها: “إلى اليسار در!” وطالبت بالتحضير الفوري لانتفاضة مسلحة يقوم بها العمال والفلاحون. حتى الأمس، كان الحزب الشيوعي الفتي المسحوق والمفتت يلعب دور العجلة الخامسة في عربة تشانغ كاي-تشيك ووانغ تشينغ- وي ويفتقر بالتالي إلى أي نوع من التجربة السياسية المستقلة، أما الآن فتصدر الأوامر فجأة لهذا الحزب بأن يقود العمال والفلاحين، الذين كان الكومنترن يؤخر مسيرتهم بإخضاعهم للواء الكيومنتانغ، في ثورة مسلحة ضد هذا الكيومنتانغ ذاته الذي كان قد وجد الوقت الكافي ليسيطر إلى الحكم والجيش معا.وخلال أربع وعشرين ساعة تم اختراع سوفييت وهمي في “كانتون”. وجاءت الانتفاضة المسلحة، التي جرى توقيتها سلفا لتصادف موعد افتتاح المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي في الإتحاد السوفييتي، تعبر عن بطولة العمال الصينيين المتقدمين وعن إجرام قادة الكومنترن في آن واحد. وقد جاءت انتفاضة “كانتون” في وسط فترة من المغامرات الثانوية. هكذا كان الفصل الثاني من قصة استراتيجية الكومنترن في الصين. ويمكن اعتبارها أحقر عملية فسخ للبلشفية.
إن فصول الليبرالية-الانتهازية وفصول المغامرات قد وجهت إلى الحزب الشيوعي الصيني ضربات لن يستطيع الشفاء منها إلا بعد عدة سنوات حتى ولو انتهج سياسة سلمية.
عقد المؤتمر السادس للكومنترن لمحاسبة قيادته على هذه الأعمال. فأعلن موافقته غير المشروطة عليها. ولا عجب، فالمؤتمر قد دعي للانعقاد لهذا الغرض بالذات. بالنسبة للمستقبل طرح المؤتمر شعار “ديكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية”. ولكن كيف تختلف هذه الديكتاتورية الديمقراطية عن اليمين أو اليسار في الكيومنتانغ؟ بماذا تتميز عن دكتاتورية البروليتاريا؟ إن مثل هذه الأسئلة لم تفسّر للشيوعيين الصينيين. ولا كان بالإمكان الإجابة عليها.
بعد طرحه لشعار الديكتاتورية الديمقراطية، شجب المؤتمر الشعارات الديمقراطية (المطالبة بعقد الجمعية التأسيسية، وبحق الانتخاب للجميع، وبحرية الرأي والصحافة، إلى آخره). فجرّد بذلك الحزب الشيوعي الصيني من جميع أسلحته في وجه دكتاتورية الزمرة العسكرية. خلال عدة سنوات كان البلاشفة الروس يكتّلون العمال والفلاحين حول شعارات ديمقراطية. وقد لعبت هذه الشعارات دورا بارزا في عام 1917. وفقط بعد أن ترسخت السلطة السوفييتية واصطدمت سياسيا بالجمعية التأسيسية بشكل عنيف وعلى مرأى من الشعب كله، بدأ حزبنا بتصفية المؤسسات الديمقراطية التقليدية، أي مؤسسات الديمقراطية البرجوازية، وألغى شعاراتها واستعاض عنها بالديمقراطية السوفييتية الحقيقية، أي بالديمقراطية البروليتارية.
إن المؤتمر السادس للكومنترن، بقيادة ستالين وبوخارين، قلب كل هذا رأسا على عقب. فبينما اختارت هذه القيادة للحزب شعار “الديكتاتورية الديمقراطية” عوضا عن “الديكتاتورية البروليتارية” منعته في الوقت ذاته من استعمال الشعارات الديمقراطية للتحضير لهذه الديكتاتورية. فهي لم تجرّد الحزب الشيوعي الصيني من أسلحته فحسب ولكنها جرّدته من ثيابه أيضا. و للتعويض عن ذلك، سمحت أخيرا باستعمال شعار مجالس السوفييت في المرحلة التي سيطرت فيها الثورة-المضادة، هذا الشعار الذي كان ممنوعا منذ اندلاع الثورة. إن أحد الشخصيات المحبوبة جدا في الفلكلور الروسي ينشد أغاني الأعراس في المآتم وأغاني المآتم في الأعراس. وفي كلا الحالتين يجهز عليه الناس بالضرب. فلو كان الأمر يقتصر على الإجهاز بالضرب على المخططين في القيادة الكومنترن الحالية، لما كان الأمر بهذه الخطورة. إن أمورا أكثر خطورة يجري التلاعب فيها ومنها مصير البروليتاريا. كانت خطط الكومنترن تشكل، عن غير وعي منها، عملية تخريب منظمة للثورة الصينية. ولقد جرى تنفيذ هذا التخريب مع وجود ثقة كاملة بأنه سينجح، لأن الكومنترن غطى السياسة المنشفية-اليمينية بين الأعوام 1924 و 1927 بهيبة البلشفية، و حمتها السلطة السوفييتية من انتقادات “المعارضة اليسارية” بآلة الإرهاب الضخمة الموضوعة تحت تصرفها.
وكنتيجة لذلك، وجدنا أمامنا تجربة ناجزة للاستراتيجية الستالينية، قامت من أولها لآخرها تحت راية الصراع ضد الثورة الدائمة. لذا كان من الطبيعي أن يكون ماتينوف هو المفكر الستاليني الرئيسي الذي قام بتبرير إخضاع الح
الشيوعي الصيني للكيومنتانغ البرجوازي الوطني. فقد كان مارتينوف ([10]) الناقد المنشفيكي الرئيسي لنظرية الثورة الدائمة منذ عام 1905 حتى عام 1924 أي العام الذي بدأ فيه بتأدية رسالته التاريخية في صفوف الحزب البلشفي.
لقد عالجتُ الوقائع الأساسية المتعلقة بأصل هذا الكتاب في الفصل الأول. في “آلما-آتا” كنت أكتب ردا نظريا على “رجال الصف الثاني”. وكانت نظرية الثورة الدائمة ستحتل حيزا هاما من ذلك الكتاب. حتى وصلتني مخطوطة لراديك ([11]) مكرسة لتبيان تعارض نظرية الثورة الدائمة مع خط لينين الاستراتيجي. كان راديك مضطرا إلى الانحراف في هذه الطريق فجأة لأنه كان غارقا حتى أذنيه في سياسة ستالين الصينية: فقد دافع (مع زينوفييف) عن إخضاع الحزب الشيوعي للكيومنتانغ قبل انقلاب تشانغ كاي-تشيك وبعده.
ولكي يجد مبررا لوضع البروليتاريا في قيود البرجوازية، كان طبيعيا أن يتكلم راديك عن ضرورة التحالف مع الفلاحين وعن “سوء تقديري” لأهمية هذا التحالف. فحذا حذو ستالين في الدفاع عن سياسة منشفية بلفظية بلشفية. وكذا طرح صيغة “دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية” ليغطي، كما فعل ستالين من قبله، حرمان البروليتاريا الصينية من النضال المستقل من أجل الحكم على رأس الجماهير الفلاحية. وعندما فضحتُ هذه المهزلة الإيديولوجية، تولدت عند راديك حاجة ملحة لكي يثبت أن نضالي ضد الانتهازية التي تستر فضائحها بالاستشهاد بمقتطفات من لينين نابع في الواقع من التعارض بين نظرية الثورة الدائمة وبين اللينينية. فتحول راديك من مدافع عن أخطاءه إلى مهاجم للثورة الدائمة. وما كان هذا سوى جسر يعبر عليه إلى الاستسلام. ومما شجعني على هذا الاعتقاد هو أن راديك كان ينوي، منذ بضع سنوات، أن يكتب منشورا يدافع فيه عن الثورة الدائمة. وبالرغم من هذا كله، لم أتسرع في الرد على راديك. فقد حاولت الإجابة على مقاله بصراحة ووضوح دون أن أقطع عليه خط الرجعة. إني أنشر ردي على راديك مثلما كتب مكتفيا بإضافة بعض الملاحظات الإيضاحية و بإجراء تصحيحات في الأسلوب.
إن مقالة راديك لم تنشر في الصحف، وأظن أنها لن تنشر أبدا، لأنها لن تمرّ في مصفاة الرقابة الستالينية بالشكل الذي كتب في عام 1924. وحتى بالنسبة لراديك نفسه سيكون لهذه المقالة أثر فاجع عليه اليوم، لأنها تعطي فكرة واضحة عن تطوره الإيديولوجي الذي يذكرنا “بتطور” رجل يرمي بنفسه من نافذة في الطابق السادس.
إن الدافع إلى تأليف هذا الكتاب يفسر بوضوح لماذا يشغل راديك فيه حيزا أوسع مما يحقّ له. فهو لم يتقدم بحجة جديدة واحدة ضد نظرية الثورة الدائمة. فقد برز كذيل “لرجال الصف الثاني”. لذلك، فالمرجو من القارئ الاّ يرى في راديك مجرد راديك نفسه ولكن أن يرى فيه ممثلا لشركة اشترى فيها راديك عضويته بثمن تخليه عن الماركسية. وإذا شعر راديك أنه قد نال منا أكثر من نصيبه ما عليه إلاّ أن يوزع ما فيض عنه على الأعضاء الآخرين. إن هذا من الشؤون الخاصة بالشركة. ولست أبدي من جهتي أي اعتراض.
برينبيكو – 30 نوفمبر 1929
ليون تروتسكي
1- هدف هذا الكتاب وطبيعته القسرية
لقد لبّت الجبهة اليمينية-الوسطية الحاجة إلى نظرية في الحزب بشنها حملة على التروتسكية خلال ست سنوات متتالية، لكون هذه الحملة البضاعة الوحيدة المتوفّرة بكلمات هائلة للتوزيع المجاني. ولقد خاض ستالين غمار الفكر النظري لأول مرة عام 1924 بمقالاته الخالدة ضد الثورة الدائمة. وحتى مولوتوف جرى تعميده قائدا في هذه الجوقة. فبلغ التزوير ذروته. منذ بضعة أيام صادفتُ إعلانا عن نشر كتابات لينين عام 1917 باللغة الألمانية. إن هذه هدية ثمينة للطبقة العاملة المتقدمة في ألمانيا. ولكن بإمكاننا أن نتخيّل سلفا مقدار الأكاذيب التي ستحشر في النص وبخاصة في الحواشي. يكفي أن نشير إلى أن رسائل لينين إلى كولانتاي ([1]) في نيويورك تشغل الحيز الأكبر من فهرس هذا الكتاب. لماذا؟ لمجرد أن هذه الرسائل تحوي ملاحظات قاسية ضدي تعتمد على معلومات مغلوطة تماما من كولانتاي التي كانت قد حقنت اتجاهها المنشفي الخالص بمصل من الهستيريا اليسارية المغالية. لقد أجبر “رجال الصف الثاني” على أن يشيروا في الطبعة الروسية، وإن يكن بشكل مبهم، إلى أن لينين قد اعتمد على أخبار مغلوطة. غير أننا نستطيع أن نسلّم بأن الطبعة الألمانية ستخلو حتى من هذا التحفّظ الهروبي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن رسائل لينين إلى كولانتاي تحتوي على هجوم قاس على بوخارين الذي كان متضامنا مع كولانتاي. لقد اختفى هذا القسم من الرسائل على الأقل للوقت الحاضر. وسوف ينشر على الرأي العام عندما تبدأ الحملة العلنية على بوخارين. وسوف لن نضطر إلى الانتظار طويلا حتى يتم ذلك ([2]). ومن جهة أخرى، فإن عددا من الوثائق البالغة الأهمية والمقالات والخطب والمحاضر والرسائل إلى آخره المتعلقة بلينين ما تزال طيّ الكتمان لمجرّد أنها موجهة ضد ستالين وشركاه، لأنها تنسف أسطورة “التروتسكية” من أساسها. فلم يبق سطر واحد من تاريخ الثورات الروسية الثلاث ومن تاريخ الحزب إلاّ وجب التلاعب به، فجرى التضحية بالنظرية والوقائع والتقاليد و بتراث لينين في سبيل الحملة على “التروتسكية”، هذه الحملة التي ابتكرت ونظّمت، بعد موت لينين، كصراع شخصي ضد تروتسكي ثم ما لبث أن تطورت إلى حملة على الماركسية ذاتها.
ولقد تأكد مرّة أن ما قد يبدو نبشا لا مبرّر له لخلافات انتهت منذ زمن طويل يلبّي عادة حاجة اجتماعية غير واعية في الحاضر، حاجة لا علاقة لها بخط الخلافات القديمة. إن الحملة ضد “التروتسكية القديمة” هي، في الحقيقة، حملة ضد تقاليد أكتوبر التي غدت مع الزمن عقبة لا تطاق في طريق البيروقراطية الجديدة. فأخذت توجه تهمة “التروتسكية” إلى كل ما تريد التخلص منه. وهكذا أصبح الصراع ضد التروتسكية، تدريجيا، التعبير عن الردة النظرية والسياسية في أوساط واسعة من العناصر غير البروليتارية وفي بعض الأوساط البروليتارية كذلك، والتعبير عن انتكاس هذه الردة على الحزب من الداخل. وخاصة في الطريقة المضحكة والممسوخة تاريخيا التي جرى التصدي بها لنظرية الثورة الدائمة بموضوعة لينين عن “التحالف مع الموجيك ([3])” التي ولدت فجأة عام 1923. فنشأت مع مرحلة الردة الاجتماعية والسياسية والحزبية، وكانت التعبير الخطي عنها، والتعبير عن التناقض العضوي بين البيروقراطية والمالك وبين الثورة العالمية بإزعاجاتها “الدائمة”، وعن حنين الموظفين والبرجوازية الصغيرة إلى الأمن والنظام. ولقد أدّى التجريح السافل بالثورة الدائمة بدوره إلى تمهيد الطريق أمام نظرية الاشتراكية في بلد واحد، أي إلى آخر زي ترتديه الاشتراكية-الوطنية. طبعا، فإن هذه الجذور الاجتماعية الجديدة للصراع ضد التروتسكية بحد ذاتها، لا تثبت شيئا عن صحة نظرية الثورة الدائمة أو عن تهافتها. ومع ذلك، وإذا نحن لم نفهم هذه الجذور الخفية لا بد للخلاف من أن يتخذ طابعا أكاديميا عقيما.
لم أستطع في السنوات الأخيرة أن انسلخ عن المشكلات الجديدة لأعود إلى مشكلات قديمة تتعلق بثورة عام 1905 ما دامت هذه المشكلات تتعلق بماضي وتستخدم الآن بشكل زائف ضد هذا الماضي. وسوف أحتاج إلى كتابة مجلد خاص إذا ما أردت تحليل الخلافات القديمة في الرأي عامة وأخطائي القديمة خاصة في ضوء الظرف الذي نشأت فيه، ليكون هذا التحليل من التفصيل بحيث يفهمه الجيل الصاعد وبعض العناصر من الجيل القديم التي سقطت في طفولة سياسية ثانية. وقد بدا لي أنه من السخف أن أهدر وقتي ووقت غيري على عمل كهذا، في حين تطرح على بساط البحث قضايا بالغة الأهمية كمهام الثورة الألمانية، والعلاقة بين أوروبا وأمريكا، والقضايا التي طرحتها إضرابات البروليتاريا البريطانية ومهام الثورة الصينية وأخيرا وبشكل خاص تناقضاتنا ومهامنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسة الداخلية؛ إن هذا كله يبرر برأيي استمرار في تأجيل كتابي التاريخي-السجالي عن الثورة الدائمة. إلاّ أن الوعي الاجتماعي يرفض أي نوع من أنواع الفراغ. وفي السنوات الأخيرة، ثمّ ملء هذا الفراغ النظري، كما قلت سابقا، بحثالات الهجوم على التروتسكية. إن رجال الصف الثاني وفلاسفة الردّة في الحزب وسماسرتها قد انحدروا إلى الدرك، وتتلمذوا على يد المنشفيكي التافه ماتينوف، وداسوا لينين تحت أقدامهم، وتتلمذوا في المستنقعات ثم أطلقوا على كل ذلك اسم الصراع ضد التروتسكية. وخلال هذه السنوات الأخيرة، عجزوا عن إنتاج أثر جدّي أو هام نستطيع أن نتكلم عنه بصوت مرتفع دون أن يعترينا الخجل؛ وفشلوا في إيجاد تقييم سياسي واحد ما زال يحتفظ بقيمته، ولا بشعار مستقل واحد جعلنا نتقدم خطوة إلى الأمام في الحقل الأيديولوجي. لا شيء سوى التفاهة والآثار المملة في كل مكان.
وما كتاب ستالين “قضايا اللينينية” إلاّ تتويجا لهذه الحثالة الإيديولوجية، إنه سجل رسمي في ضيق الأفق، وقاموس للتفاهات (إني أبذل جهدي لانتقاء أكثر الأوصاف اعتدالا). أما كتاب زينوفييف “اللينينية” فهو… لينينية زينوفييف لا أكثر ولا أقل. فزينوفييف يسير على مبدأ لوثر تقريبا. ولكن، بينما يقول لوثر “هنا أقف؛ ولا أستطيع الوقوف في مكان آخر”. يقول زينوفييف :” هنا أقف … ولكنني أستطيع الوقوف في مكان آخر أيضا”. إن انشغال المرء بهذه البضاعة النظرية التي يصدرها رجال الصف الثاني أمر لا يطاق في كلا الحالين، مع وجود هذا الفارق: خلال قراءة كتاب زينوفييف، “اللينينية” يشعر المرء بأنه يختنق بنتف من القطن، أما كتاب ستالين فهو يثير الشعور بالاختناق بشظايا حديدية مسنّنة. وهذان الكتابان هما، كل على طريقته، صورة لحقبة الردة الإيديولوجية وتتويج لها.
إن رجال الصف الثاني، بادخالهم جميع القضايا في نطاق التروتسكية وربطها بها، إن على اليمين أو على اليسار، وإن من فوق أو من تحت، إن من الأمام أو من الوراء، قد تمكنوا أخيرا من أن يجعلوا كل حدث عالمي مرتبطا بشكل مباشر أو غير مباشر بكيف بدت الثورة الدائمة لتروتسكي عام 1905. إن أسطورة التروتسكية، التي تفيض بالأكاذيب، غذت إلى حد ما عاملا من عوامل التاريخ المعاصر. وبينما الخط اليميني-الوسطي خلال السنوات الأخيرة يورّط نفسه بافلاسات ذات مستوى تاريخي في كل قارة، يغدو النضال ضد أيديولوجية الكومنترن أمرا مستحيلا في الوقت الحاضر، أو يغدو في غاية الصعوبة، دون تقييم الخلافات والتكهنات القديمة كما برزت في بداية عام 1905.
إن انبعاث الفكر الماركسي و اللينيني في الحزب لا يمكن أن يتمّ بدون مساجلات مباشرة ضد خربشات رجال الصف الثاني وبدون إصدار حكم الإعدام الفكري على حجّاب الآلة الحزبية. ليس من الصعب كتابة مثل هذا الكتاب. فجميع عناصره في متناول اليد. ولكن الصعوبة تكمن في أنه على المرء أن يهبط إلى مستوى تفاهات مكتوبة بدقة بالغة وأن يمكث مدة طويلة في جو أقل ما يقال فيه أنه آسن. ومهما يكن من الأمر، فلم يعد بالإمكان تأجيل مثل هذا الكتاب لأن الصراع ضد الثورة الدائمة هو الدعامة الأولى لتبرير الخط الانتهازي في حلّ قضايا الشرق، أي النصف الأكبر من البشرية.
كنت على وشك الشروع في مساجلة نظرية ضد زينوفييف وستالين , اى في عمل هو ابعد مايكون عن التسلية , مؤجلا روائعنا الأدبية الروسية لساعات الفراغ ( حتى الغواصون يصعدون الى سطح الماء لتنشق الهواء النقي بين الحين والآخر) عندما ظهرت مقالة رادريك بشكل مفاجيء وبدأ تداولها , وكانت غاية هذه المقالة التصدي , – بشكل أعمق- ,لنظرية الثورة الدائمة بواسطة آراء لينين حول الموضوع. في البدء، اردت ان اطرح مؤلف راديك جانبا خوفا من أن يصرفني هذا المزيج الذي اختاره لي القدر من نثف القطن والشظايا المسننة عن متابعة عملي .ولكن وصلني عدد من الرسائل من اصدقاء يحثّونني على قراءة مقالة راديك بتان أكثر ,فتوصلت إلى النتيجة التالية : أن مقالة راديك أشد خطورة من الكتابات الرسمية على حلقة صغيرة من الأشخاص يدرسون الماركسية بشكل واع وليس بأمر من أحد ؛ مثلما تكون الانتهازية في السياسة أشد خطورة كلما كانت مقنعة بمهارة أكثر وكلما عظمت الشهرة الشخصية التي تتستر وراءها .
إن راديك من أقرب أصدقائي السياسيين . ولقد تأكد هذا بشكل جلي خلال أحداث الحقبة الاخيرة. غير أن عددا من الرفاق كان يتابع تطور راديك بقلق خلال الأشهر الماضية , إذ انتقل من الجناح اليساري المتطرف في المعارضة إلى جناحها اليميني .أن جميع أصدقاء راديك الحميمين يعرفون أنه يتمتع بامكانات سياسية وأدبية رائعة تمتزج بالهوائية والانفعالية البالغتين؛ وهذه الميزات تشكل مصدرا غنيا للمبادرة والنقد في ظروف العمل الجماعي , غير انها تؤدي الى نتائج جد مختلفة في ظروف العزلة. أن مقال راديك الأخير , وعلاقته بعدد من أعماله السابقة, يدعونا الى الاعتقاد بأن راديك قد انحرف عن اتجاهه أو أن بوصلته هي تحت تأثير خلل مغناطيسي مستمر . ولا يمكن اعتبار مقالة راديك ,في اي حال من الاحوال , رحلة آنية في الماضي . كلا, انها مساهمة لم تختمر ما فيه الكفاية في ذهن كاتبها , ولكنها تبقى مساهمة هدامة للدفاع عن الخط الرسمي بكل ترهاته النظرية .
إن النتيجة السياسية التي عرضناها منذ قليل والتي يؤدي إليها الصراع ضد التروتسكية لايعني بأي حال من الاحوال ان النقد الداخلي ممنوع في صفوف المعارضة وبخاصة نقد الخلافات القديمة بيني وبين لينين, فهده المعارضة قد نشأت لتكون الدعامة الماركسية ضد الردة الايديولوجية والسياسية. بل على العكس فإن عملا كهذا يضطلع بمهمة التوضيح الذاتي سيكون بالتأكيد عملا مثمرا
ومهما تكن الأحوال , يجب على عمل كهذا أن يحافظ على الأفق التاريخي بأمانة , وأن يتحرى بجدية المصادر الاصلية وأن يوضح الخلافات القديمة في ضوء الصراع الحالي, هذا كله في غاية الاهمية .ولكن لايوجد أي أثر لذلك عند راديك . فقد انضم ببساطة وبدون وعي منه،
إلى قافلة الصراع ضد “التروتسكية”. فهو لا يستعين بأقوال متحيزة فحسب، وإنما يتبنى التفسير الرسمي الكاذب لها أيضا. وعندما يبدوا وكأنه ينفصل عن الحملة الرسمية، يفعل ذلك بشكل مبهم بحيث يزوّد هذه الحملة نفسها بتأييد مزدوج من شاهد “هام”. وكما يحدث دائما في حالات الانحراف الإيديولوجي، نجد أن مقالة راديك خالية من أي أثر لنباهته السياسة و لبراعته الأدبية. إنها مقالة بدون أفق ولا عمق، مقالة تعتمد على سرد للأقوال ليس إلا؛ وهي باهتة السبب بالذات.
ما هي الحاجات السياسية التي ولدت هذه المقالة؟ لقد ولدت من الخلافات في الرأي التي نشأت بين راديك وبين الغالبية الساحقة من أفراد المعارضة حول قضايا الثورة الصينية. صحيح أن بعض الاعتراضات تقول أن الخلافات في الرأي حول الصين “ليست هامة الآن” (بريوبراجنسكي). غير أن هذه الاعتراضات لا تستأهل أن نتوقف عندها بجدية. إن البلشفية قد نمت واتخذت شكلها الحالي من خلال نقد وتجميع تجارب عام 1905 وهي بعد حديثة العهد، وبينما ما تزال التجارب تجارب مباشرة خاضها الجيل الأول من البلاشفة. وكيف يمكن للأمر أن يكون غير ذلك؟ ومن أي تجربة أخرى يتعلم الجيل الجديد من البروليتاريين الثوريين اليوم إن لم يتعلموا من تجارب الثورة الصينية التي هي حديثة العهد والتي لا تزال ترشح بالدم؟ إن المتحذلقين الجامدين هم وحدهم الذين يطالبون “بتأجيل” بحث قضايا الثورة الصينية لكي يدرسوها فيما بعد براحة و ”بهدوء”. هذه ليست من شيم البلاشفة-اللينينيين، فثورات بلدان الشرق لم تمح من سجل الأحداث اليومية وما زال الجميع يعلم وقائعها.
إن راديك بتبنيه موقفا زائفا يتعلق بقضايا الثورة الصينية يحاول تبرير هذا الموقف بواسطة عرض متحيز ومشوّه لخلافاتنا القديمة مع لينين. وهنا يضطر راديك إلى استعارة أسلحته من مخزن غيره وإلى الإبحار بدون بوصلة في بحر ليس بحره.
إن راديك صديقي، غير أن الحقيقة أعزّ عليّ منه. وها أنا مضطر مرّة أخرى لأن أطرح جانبا مؤلفي الأكثر تفصيلا حول قضايا الثورة لكي أردّ على راديك. لقد أثيرت أسئلة أهم من أن نتجاهلها خاصة وأنها أثيرت بهذا الشكل المفاجئ. وها أنا أمام صعوبة ذات ثلاث جوانب: تعدّد الأخطاء في مؤلف راديك وتنوعها؛ وكون الكتابات والوقائع التاريخية التي تدحض راديك موّزعة على ثلاث وعشرين عاما (1905-1928)؛ وأخيرا الوقت القصير الذي أستطيع أن أخصصه لهذا الكتاب لأن المشكلات الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي أخذت تبرز إلى المقدمة.
إن جميع هذه الظروف تحدّد طبيعة كتاب هذا الذي لن يفي الموضوع حقه. فالكثير مما يجب أن يقال لم يقل بعد. ويعود هذا جزئيا، بالمناسبة، إلى كون هذا الكتاب قد جاء بعد عدة كتب أخصّ منها بالذكر “نقد مشروع برنامج الأممية الشيوعية”. لذا سيبقى العدد الكبير من الأدلة التي جمعتها بدون استعمال بانتظار أن أشرع في كتابة مؤلفه الجديد الموّجه ضد رجال الصف الثاني، أي ضد الإيديولوجيا الرسمية لحقبة الرّدة.
ترتكز مقالة راديك عن الثورة الدائمة على هذا الاستنتاج:
“إن القطاع الجديد من الحزب (أي المعارضة) مهددة بخطر نشوء تيارات سوف تؤدي إلى انفصال تطور الثورة البروليتارية عن حلفائها الفلاحين.”
ويستغرب المرء، بادئ بدء، لكون هذا الاستنتاج المتعلق بالقطاع “الجديد” من الحزب يعرض في النصف الثاني من عام 1928 على أنه استنتاج جديد . لقد سمعناه يتردد باستمرار منذ خريف عام 1923. ولكن كيف يبرر راديك تبنّيه للحجة الرسمية الأساسية؟ إنه لا يفعل ذلك بشكل جديد: إنه يعود إلى نظرية الثورة الدائمة. في عام 1924-1925 أبدى راديك رغبته أكثر من مرّة في أن يكتب منشوراّ مكرّسا لإثبات الفكرة القائلة أن نظرية الثورة الدائمة وشعار لينين عن دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية، إذا ما نظرنا إليها على الصعيد التاريخي أي في ضوء تجربة الثورات الثلاث، لا يمكن مواجهة الواحدة منها بالأخرى وإنما، على العكس من ذلك يطابق الواحد منها الآخر في الجوهر. الآن، وبعد أن تمحّص راديك في المسألة “مجددا”، كما قال لأحد أصدقائه، فقد توصّل إلى الاستنتاج أن نظرية الثورة الدائمة القديمة تهدّد القطاع “الجديد” من الحزب بخطر الانفصال عن الفلاحين لا أكثر ولا أقل.
ولكن كيف “محص” راديك في هذه المسألة؟ إنه يزوّدنا ببعض المعلومات حول هذه النقطة.
“إن الصيغ التي عرضها تروتسكي عام 1904 في مقدمته لكتاب ماركس “الحرب الأهلية في فرنسا” وفي عام 1905 في كتاب “ثورتنا” ليست في متناول أيدينا”
ليست الأعوام مذكورة بشكل صحيح هنا، ولكن لا ضرورة للتوقف عند هذه النقطة. إن الموضوع كله يتلخص في أن الأثر الوحيد الذي عرضت فيه آرائي بشكل منظّم إلى حدٍّ ما حول تطور الثورة هو مقالة مفصولة بعنوان “نتائج وتوقعات” (في كتاب “ثورتنا”، سان بطرسبرغ، 1906، ص 224-286”). أما المقالة المنشورة في مجلة روزا لوكسمبورغ وتسيزكو في بولونيا عام 1909 التي يشير إليها راديك فإنها غير كاملة ولا شاملة. وتعتمد هذه المقالة نظريا على كتاب “ثورتنا” الآنف الذكر. ليس على أحد أن يقرأ هذا الكتاب الآن. فمنذ ذلك الزمن، جرت أحداث هامة وتعلمنا الكثير من هذه الأحداث بحيث تولّد عندي نفور من طريقة رجال الصف الثاني الحالية في معالجة القضايا التاريخية الجديدة ليس في ضوء التجربة الحيّة للثورات التي حققناها، وإنما في ضوء كتابات تتعلق فقط بتكهناتنا المتعلقة بما كانت في ذلك الحين ثورات قادمة. طبعا، لست أريد بهذا أن أحرم راديك من حق معالجة للقضية من الزاوية التاريخية-الكتابية أيضا. ولكن، في هذا الحال، يجب معالجة الأمر بشكل سليم. لقد تعهّد راديك بأن يلقي ضوءا على مصير نظرية الثورة الدائمة خلال ما يقارب ربع قرن، إلا أنه يشير بشكل عابر إلى أنه ليس “في متناول يده” الوثائق ذاتها التي عرضت فيها هذه النظرية.
أريد أن أشير رأسا هنا إلى أن لينين لم يقرأ مؤلفي الرئيسي الآنف الذكر، وقد تجلّى لي هذا الأمر الآن بعد قراءة مقالاته القديمة. وربما يعود ذلك إلى أن كتاب “ثورتنا” صودر بعد مدّة وجيزة من صدوره عام 1906، وبأني سرعان ما هاجرت بعد ذلك، وربما أيضا لأن ثلثي هذا الكتاب كان من المقالات القديمة التي أعيد طبعها. وقد سمعت فيما بعد من عدة رفاق أنهم لم يقرءوا هذا الكتاب لأنهم ظنوا أنه يحتوي فقط على مؤلفات قديمة أعيد طبعها. وعلى كل، فإن الملاحظات السجالية القليلة المبعثرة التي وجهها لينين ضد الثورة الدائمة مبنية كلها تقريبا على مقدمة بارفوس لمنشور لي بعنوان “قبل التاسع من ديسمبر”، وعلى نداء بارفوس “لا قيصرية بعد الآن!” الذي كنت أجهله؛ وعلى خلافات داخلية بين لينين وبين بوخارين وغيره. ولم يحصل أن حلل لينين أو استشهد، ولو بشكل خاطف، بمقالة “نتائج وتوقعات”، وتؤكد بعض اعتراضات لينين على الثورة الدائمة، التي لا تتعلق بي من بعيد أو من قريب، أنه لم يقرأ هذه المقالة ([4]).
ومهما يكن من أمر، فمن العبث أن نعتبر أن هذا كل فحوى “لينينية” لينين. ولكن يبدو أن هذا هو رأي راديك: على كل، فإن مقالة راديك التي سأعالجها هنا لا تثبت فقط أن مؤلفاتي الأساسية لم تكن “في متناول يده” فحسب، وإنما أنه لم يقرأها أيضا. وإذا كان قد قرأها فيكون ذلك منذ مدّة طويلة قبل ثورة أكتوبر. وعلى كل فإنه لا يحتفظ بالشيء الكثير منها في ذاكرته.
غير أن الأمر لا ينتهي عند هذا الحدّ. في عام 1905 أو في عام 1909، كان من المشروع وحتى في المحتم أن ندخل في مساجلات فيما بيننا حول مقالات فردية كانت هامة آنذاك أو حتى حول جمل في مقالات معزولة، خاصة في ظروف الانشقاق. أما اليوم فمن غير المسموح به بالنسبة لماركسي ثوري، يريد أن يعود إلى مراجعة هذه الحقبة التاريخية الضخمة، الاّ يطرح على نفسه هذا السؤال: كيف جرى تطبيق الصيغ التي هي موضع نقاش؟ كيف جرى تفسيرها وترجمتها عمليا؟ وأي خطط تكتيكية اتبعت لذلك؟ فلو أخذ راديك عناء إلقاء نظرة على كتابيّ حول “ثورتنا الأولى” فقط (المجلد 2 من مؤلفاتي الكاملة)، لما كان غامر بكتابة مقالته هذه؛ أو لكان، على كل حال، حذف منها سلسلة كاملة من محاوراته المغلوطة. على الأقل، هذا ما كنت أودّه أن يفعل.
لو قرأ راديك هاذين الكتابين لكان علم، في الدرجة الأولى، أن الثورة الدائمة بالنسبة لعملي السياسي لم تكن تعني مطلقا القفز عن المرحلة الديمقراطية من الثورة أو عن أي من خطواتها المحددة. ولكان اقتنع أنه رغم أني كنت أعيش بشكل غير شرعي عام 1905 في روسيا دون أي علاقة مع المهاجرين، فقد صغت مهام الأطوار المتتالية من الثورة بنفس الطريقة التي صاغها بها لينين؛ ولكان علم أني قد كتبت النداءات الأساسية التي نشرت في لسان الحال المركزي للبلاشفة عام 1905؛ وأن صحيفة “نوفيا جيزن” (الحياة الجديدة) التي كان يحرّرها لينين قد دافعت بحرارة في إحدى افتتاحياتها عن مقالتي حول الثورة الدائمة التي نشرت في صحيفة “ناشالو” (البداية)؛ وأن صحيفة لينين “نوفايا جيزن”، وأحيانا لينين نفسه، كانت دائما تدعم وتدافع عن القرارات السياسية لمجالس السوفييت التي كنت أكتبها والتي كنت أعرضها بنفسي على السوفييت في معظم الأحيان؛ ولكان علم أني، بعد هزيمة ديسمبر، كتبت في السجن منشورا أشرت فيه إلى أن المزيج من الاقتحامية البروليتارية ومن ثورة الفلاحين الزراعية هو القضية الاستراتيجية الأساسية؛ وأن لينين طلب نشر هذا الكتاب في دار النشر البلشفية “بوفايا فولنا” (الموجة الجديدة) وأبلغني بموافقته القبلية بواسطة كنونيانتس؛ وأن لينين قد تكلم في مؤتمر لندن عام 1907 عن “تضامني” مع البلاشفة في آرائي حول الفلاحين والبرجوازية الليبرالية. إن أيا من هذا كله ليس موجودا بالنسبة لراديك، والواضح أن هذا أيضا لم يكن “في متناول يديه”.
ما هو موقف راديك من مؤلفات لينين؟ ليس أفضل من موقفه من مؤلفاتي، أو ليس أفضل بكثير. لقد اقتصر راديك على الاستشهاد بتلك الكتابات التي وجهها لينين ضدي ولكنه كان غالبا ما يعني بها أناسا آخرين (بوخارين وراديك مثلا؛ إن راديك نفسه يشير إلى هذا الموضوع بوضوح). ولم يتمكن راديك من أن يجد مقطعا جديدا واحدا موجهاً ضدي، لقد اكتفى باستعمال المواد الجاهزة التي يجدها كل مواطن في الإتحاد السوفييتي “في متناول يديه” في أيامنا هذه. وقد أضاف راديك بعض المقاطع التي يوضّح فيها لينين بعض الحقائق الأولية للفوضويين والاشتراكيين-الثوريين حول الفرق بين الجمهورية البرجوازية والاشتراكية، ويصور راديك الأمور بحيث تبدو هذه المقاطع وكأنها موجهة ضدي. إنه أمر لا يصدق، ولكن هذا ما حصل!
ويتحاشى راديك ذكر تلك التصريحات التي اعترف فيها لينين بتضامني مع البلاشفة حول قضايا الثورة الأساسية بحذر بالغ وبحرص شديد ولكن بوضوح تام. ولا يجب أن يغيب عن الأذهان هنا أن لينين قال ذلك في زمن كنت فيه خارج الجناح البلشفي، وكان لينين يهاجمني بدون رحمة (وقد كان على حق في ذلك) بسبب موقفي التوفيقي، ليس بسبب الثورة الدائمة التي اقتصر كلامه عنها على بعض الاعتراضات العابرة، وإنما بسبب موقفي التوفيقي، أي سبب استعدادي للتفاؤل بإمكان تطور المنشفيك نحو اليسار. لقد كان لينين مهتما بالصراع ضد التوفيقية أكثر بكثير من اهتمامه “بعدالة” الضربات السجالية المبتورة الموجهة لتروتسكي “التوفيقي”.
في عام 1924، كتب ستالين مدافعا عن سلوك زينوفييف في أكتوبر عام 1917 ضد تهجماتي عليه:
“إن الرفيق تروتسكي قد فشل في فهم رسائل لينين (حول زينوفييف) و معناها وهدفها. أحيانا كان لينين يستبق الأمور عن قصد فيبرز إلى المقدمة أخطاء يرجّح أنها سترتكب، وينقد سلفا لغاية تحذير الحزب منها وحمايته من هذه الأخطاء. وفي بعض الأحيان، يلجأ إلى تضخيم “أمر تافه” و”يجعل من الحبّة قبّة” للسبب التعليمي نفسه… ولكن أن نحاول أن نستخلص من مثل هذه الرسائل للينين (وقد كتب العديد منها) وجود خلافات فاجعة. وان نبالغ في التكلم عنها يعني أننا لا نفهم رسائل لينين وأننا لا نعرف لينين.” (ج. ستالين “تروتسكية أم لينينية” 1924).
الفكرة معروضة هنا بشكل فظ، لا عجب :كما يكون الأسلوب كذلك يكون الإنسان”، إلاّ أن جوهر الفكرة صحيح رغم كونها تنطبق أقل ما تنطبق على الخلافات خلال فترة أكتوبر، التي لا تشابه “القبة” بشيء. ولكن إذا كان لينين يلجأ إلى المبالغات “التعليمية” والمساجلات الوقائية فيما يتعلق بأقرب الناس إليه في جناحه، إذن كان يفعل نفس الشيء فيما يتعلق بأناس كانوا خارج الجناح البلشفي في ذلك الحين وكانوا يبشّرون بموقف توفيقي. ولم يخطر ببال راديك مطلقا أن يدخل إلى النصوص القديمة هذه التعديلات اللازمة.
في عام 1922، كتبت في مقدمتي لكتاب “عام 1905” أن توقعاتي بإمكان وترجيح قيام دكتاتورية البروليتاريا في روسيا قبل قيامها في البلدان المتقدمة قد أكد الواقع صحته بعد اثني عشر عاما. ويقتدي راديك بأمثلة ليست جذابة فيعرض الأمور بحيث يبدو أنى قد اعتبرت توقيعي بديلاً لخط لينين الاستراتيجي. إلاّ أن المقدمة تظهر بوضوح أني عالجت توقع الثورة الدائمة على أساس سمتين أساسيتين تلتقيان بخط البلاشفة الاستراتيجي. وعندما أتكلم في إحدى الحواشي عن “إعادة تسليح” الحزب في بداية عام 1917، فإني لا أعني بذلك أن لينين قد إعترف بأن الطريق السابق الذي كان يسلكه الحزب كان “خاطئا” وإنما أعني أن لينين قد وصل إلى روسيا، ومع أنه تأخر فقد وصل في الوقت المناسب لإنجاح الثورة، ليعلم الحزب أن يتخلى عن شعار “الدكتاتورية الديمقراطية” الذي تخطاه الزمن الذي كان أمثال ستالين وكامنييف وريكوف وزينوفييف وغيرهم ما زالوا متمسكين به. ولا عجب إذا امتلك الغيظ أمثال كامنييف عند ذكر “إعادة تسليح الحزب”، فقد كان هذا موجها ضدهم. ولكن ماذا بشأن راديك؟ كانت أول مرة ينزعج فيها عام 1924، أي بعد أن بدأ هو نفسه بالصراع ضد ضرورة “إعادة تسليح ” الحزب الشيوعي الصيني.
فليتذكر راديك أن كتابي “العام 1905″ (بمقدمته المجرمة) و”ثورة أكتوبر” كانا، عندما كان لينين ما يزال على قيد الحياة، بين الكتب التاريخية الأساسية عن كلا الثورتين. وفي ذلك الحين، صدر الكتابان بعدة طبعات باللغة الروسية وباللغات الأجنبية أيضا. ولم يقل لي أحد إن كتابيّ يحتوي على خطين متضادين؛ لأنه في ذلك الحين، أي قبل الحملة التحريفية، لم يكن هناك حزبي واحد يسخر تجربة أكتوبر للنصوص القديمة وإنما ينظر إلى النصوص القديمة في ضوء ثورة أكتوبر.
وفيما يتعلق ذلك، ثمة موضوع آخر يسيء راديك استعماله بشكل لا يطاق، إذ يقول إن تروتسكي قد اعترف أن لينين كان على حق وليس هو. طبعا قلت ذلك. ولم يكن هذا الاعتراف يحوي ولو قيراطا واحدا من الدبلوماسية. فقد كان في ذهني طريق لينين التاريخي، و موقفه النظري كله، واستراتيجيته وبناؤه للحزب. إلا أن هذا الاعتراف لا ينطبق طبعا على كل واحد من النصوص السجالية، التي يساء استعمالها بالإضافة لذلك لأغراض معادية للينينية. في عام 1926 خلال التحالف مع زينوفييف، حذرني راديك من أن زينوفييف يحتجّ إلى تصريحي بأن لينين كان على حق وليس أنا ليستر بها كونه،أي زينوفييف، كان مخطئا تجاهي. وطبعا فهمت هذا الأمر فهما تاما. ولهذا قلت في الاجتماع السابع للجنة التنفيذية للأممية الشيوعية أني أعني صوابية لينين وحزبه التاريخية، ولكني لا أعني، بأي حال من الأحوال، صوابية نقادي الحاليين الذين يحاولون تستير أنفسهم بنصوص منتقاة من لينين. يؤسفني الآن أن أضطر إلى جعل هذه الكلمات تشمل راديك كذلك.
أما فيما يتعلق بالثورة الدائمة، فقد تكلمت فقط عن مساوئ النظرية التي هي حتمية بحكم كون القضية قضية تكهن. لقد أكد بوخارين عن حق في الاجتماع السابع للجنة التنفيذية للأممية الشيوعية أن تروتسكي لم يتخلّ عن المفهوم كلّه. سوف أتكلم عن “المساوئ” في كتاب آخر أكثر شمولا وسوف أسعى فيه إلى عرض تجارب الثورات الثلاث وتطبيقها على المسيرة القادمة للكومنترن وفي الشرق بخاصة. ولكن حتى لا أفسح المجال أمام سوء الفهم أودّ أن أقول باختصار ما يلي: بالرغم من مساوئ نظرية الثورة الدائمة، حتى كما كانت عليه عندما عرضتها في مؤلفاتي الأولى وخاصة في “نتائج وتوقعات” (1906)، فإنها أكثر انسجاما مع روح الماركسية وبالتالي أقرب من خط لينين والحزب البلشفي من حكمة ستالين وبوخارين التأملية ومن مؤلفات راديك الأخيرة كذلك.
ولست أعني بهذا القول أن مفهومي للثورة يسلك، في جميع كتاباتي، خطا واحدا لا ينحرف. لم أكن أنشغل بتجميع النصوص القديمة، إني مجبر الآن على ذلك فقط بسبب حقبة الردة في الحزب وبسبب طغيان رجال الصف الثاني؛ وإنما كنت أحاول، عن حق أو عن خطأ، أن أحلل عمليات الحياة الحقيقية. ويوجد في الإثني عشر سنة من نشاطي الثوري والصحفي (1905-1917) مقالات كانت الظروف الآنية وحتى المبالغة السجالية العابرة التي لا غنى عنها في الصراع تبرز إلى المقدمة بشكل مغاير للخط الاستراتيجي. وهكذا، نجد مثلا مقالات عبّرت فيها عن شكوكي فيما يتعلق بدور الفلاحين الثوري في المستقبل ككل و كطائفة؛ ورفضت في هذا الصدد، خلال الحرب الاستعمارية بشكل خاص، أن أصف الثورة الروسية القادمة بأنها ثورة “وطنية” لأني كنت أشعر أن هذه الصفة مبهمة. ولكن لا يجب أن ننسى أن العمليات التاريخية التي تهمنا، بما فيها عمليات الفلاحين، هي أكثر وضوحا الآن بعد أن تحققت مما كانت عليه إبان نموّها. ولنلاحظ في هذا المضمار أن لينين، الذي لم تغب عن باله قط القضية الفلاحية بكل ضخامتها التاريخية – هذا الدرس الذي تعلمناه منه جميعا، كان يظن حتى بعد قيام ثورة فبراير أنه من غير المؤكد أننا سننجح في إبعاد الفلاحين عن البرجوازية واستمالتهم إلى جانب البروليتاريا. إني أقول: لننادِ القساة أنه لأسهل أن ننبش خلال ساعة التناقضات الرسمية الموجودة في مقالات الآخرين الصحفية خلال ربع قرن من أن نلاحظ، ولو لعام واحد، على وحدة الاتجاه الرئيسي.
ولم يبق لي في هذه المقدمة سوى أن أتعرض لاعتبار محض أسطوري، يقول راديك: لو كانت نظرية الثورة الدائمة غير صحيحة لتمكن تروتسكي من تأليف جناح كبير على أساسها. ولكن هذا لم يحصل. لذلك فإن النظرية… خاطئة.
إذا ما نظرنا إلى موضوعة راديك هذه بشكل عام يتبيّن لنا أنها لا تحوي على أي أثر من الديالكتيك. وبالإمكان أن نستنتج منها أن موقف المعارضة من الثورة الصينية أو موقف ماركس من الشؤون البريطانية كما خاطئا، وإن موقف الكومنترن من الإصلاحيين في أمريكا وفي النمسا وإن شئنا في جميع البلدان، هو خاطئ أيضا.
ولكن لم نأخذ حجة راديك في شكلها “التاريخي، الفلسفي” العام وإنما كما تنطبق فقط على القضية التي نعالجها، إذن لارتدت على راديك نفسه. لو كنت من الرأي القائل أن اتجاه الثورة الدائمة يناقض الخط الاستراتيجي البلشفي أو يدخل في تضاد معه أو يختلف عنه شيئا فشيئا؛ ولو أثبتت الأحداث ذلك وهذا ما هو أهم، إذن لكان لحجة راديك بعض المعنى. وفي مثل هذه الحالة يكون ثمة مبرر لقيام جناحين. ولكن هذا هو بالتحديد ما يريد أن يثبته راديك. إلا أني أريد أن أبيّن، على عكس ذلك، أن الخط الاستراتيجي الأساسي كان واحدا بالرغم من المبالغات السجالية بين الأجنحة والمزايدات الحوارية حول الموضوع. من أين، إذن، سيأتي الجناح الآخر؟ لقد اتضح في الواقع أني تعاونت مع البلاشفة في الثورة الأولى ودافعت فيما بعد عن هذا العمل المشترك في الصحافة العالمية ضد المنشفيك المرتدين. وفي عام 1917 ناضلت جنبا إلى جنب مع لينين ضد الخط الانتهازي الديمقراطي الذي كان يسلكه أولئك “البلاشفة القدامى” الذين صعدوا على رأس الموجة الرجعية الآن والذين لا يملكون من السلاح سوى التجريح بالثورة الدائمة.
وأخيرا، إني لم أحاول مطلقا أن أنشئ مجموعة على أساس أفكار الثورة الدائمة. كان موقفي داخل الحزب هو موقف توفيقي، وعندما حاولت تكوين مجموعات فقد كانت تقوم على أساس هذا الموقف. وكان موقفي التوفيقي نابعا من نوع من القدرية الاشتراكية-الديمقراطية. كانت الدلالة التاريخية العظيمة لسياسة لينين ما تزال غير واضحة بالنسبة لي في ذلك الحين، وكذلك سياسته في الانطلاق الإيديولوجي غير المهادن، واللجوء إلى الانشقاق عند الضرورة لغاية لحم وتمتين لبّ الحزب الثوري الحق. وقد كتب لينين عام 1911 حول هذا الموضوع ما يلي:
“إن الاتجاه التوفيقي هو المجموع العام لأمزجة ومحاولات وآراء تلتحم بجوهر المهمة التاريخية التي يواجهها الحزب الاشتراكي-الديمقراطي الروسي خلال فترة الثورة المضادة خلال الأعوام 1908-1911. لهذا السبب، انزلق عدد من الاشتراكيين-الديمقراطيين، الذين انطلقوا من منطلقات مختلفة إلى الاتجاه التوفيقي في تلك الفترة. وكان تروتسكي يعبّر عن الاتجاه التوفيقي بثبات أكثر من الآخرين. ولعله كان الوحيد الذي حاول أن يبني هذا الاتجاه على أسس نظرية”. (لينين: المؤلفات الكاملة -المجلد 11 -الجزء الثاني- ص331 -الطبعة الروسية).
إني بسعيي إلى الوحدة بأي ثمن قد عملت، بشكل غير إرادي محتم، على رفع اتجاهات المنشفيك الوسطية إلى الصعيد المثالي. ورغم محاولاتي الآنية الثلاث لم أصل إلى الاتفاق مع المنشفيك ولا كان ذلك ممكنا. ومن جهة أخرى، فإن إتجاهي التوفيقي اضطرني إلى خوض معركة مع البلاشفة لأن لينين كان، على عكس المنشفيك، يرفض التوفيق رفضا قاطعا، ولم يكن بإمكانه أن يفعل غير ذلك. ومن البديهي أنه لا يمكن إنشاء جناح على أساس الموقف التوفيقي.
من هنا كانت هذه العبرة: أنه من غير المسموح به ومما يؤدي إلى عواقب وخيمة تحطيم خط سياسي معين أو إضعافه لغايات توفيقية مبتذلة؛ ومن غير المسموح به أن نطلي الاتجاه الوسطي بألوان زاهية عندما ينعرج إلى اليسار وأن نعمد، في السعي وراء الأوهام الوسطية. أن نضخّم و نبالغ في الخلافات في الرأي مع رفاق ثوريين أصيلين. تلك هي العبر الحقيقية التي تعلمنا إياها أخطاء تروتسكي الحقيقية. وهذه العبر جد مهمة. وهي ما تزال تحتفظ بأهميتها إلى يومنا هذا، ويتوجب على راديك بالذات أن يفكر فيها.
لقد قال ستالين ذات مرة بتلك اللهجة النظرية الحقيرة التي هي إحدى خصائصه “لا يمكن لتروتسكي إلاّ أن يكون على علم بأن لينين قد حارب نظرية الثورة الدائمة إلى نهاية حياته. إلاّ أن تروتسكي لا يهتم بهذا الأمر”. (“البرافدا” -العدد 262 – 12 نوفمبر 1926).
إن هذا القول فظ وكاذب، أي أنه مسخ ستاليني كامل للواقع. في أحد تصريحاته للشيوعيين الأجانب، فسّر لينين أن الخلافات في الرأي بين الشيوعيين تختلف إلى حد ما عن الخلافات في الرأي مع الاشتراكيين-الديمقراطيين. وكتب أن البلشفية قد عانت في الماضي من مثل هذه الخلافات في الرأي. ولكن “…عندما استلم البلاشفة الحكم وشيّدوا الجمهورية، أثبتوا أنهم متحدون فاستمالوا إليهم أفضل تيارات الفكر الاشتراكي التي كانت لصيقة بهم…” (لينين: المؤلفات الكاملة -المجلد 16 -الصفحة 333).
ما هي تيارات الفكر الاشتراكي التي كان يفكر فيها لينين عندما كتب هذه الأسطر؟ مارتينوف أم كييوسينين؟ أم كاشين وثالمان وسميرال؟ هل بدأ هؤلاء بالنسبة إليه “أفضل التيارات اللصيقة بهم”؟ وأي اتجاه آخر كان أكثر التصاقا بالبلشفية من الذي كنت أمثله في جميع القضايا الأساسية بما فيها قضية الفلاحين؟ حتى روزا لوكسمبورغ قد نفرت، في البدء، من السياسة الزراعية التي انتهجتها الحكومة البلشفية. أما بالنسبة لي فليس من شك حول موقفي: لقد كنت إلى الطاولة بجانب لينين عندما كتب القانون الزراعي. واقتصر عملي على تبادل الآراء فيما بيننا على حوالي عشر ملاحظات قصيرة كانت تدور حول النقطة التالية: الخطوة متناقضة، ولكن لا مفر منها على الصعيد التاريخي. سوف تصحَّح هذه التناقضات في ظل نظام ديكتاتورية البروليتاريا وفي نطاق الثورة العالمية -وكل ما نحتاج إليه هو مزيد من الوقت. إذا كان يوجد تناقض أساسي بين نظرية الثورة الدائمة وبين ديالكتيك لينين حول قضية الفلاحين، كيف يفسّر راديك إذن أني لم أخطئ مطلقا حول قضية الفلاحين عام 1917 كما فعل أغلبية البلاشفة آنذاك بالرغم من تمسكي بآرائي الأساسية حول مسيرة التطور الثوري؟ بعد ثورة فبراير تبنّى المفكرون والسياسيون الحاليون يقفون وراء الحملة ضد التروتسكية، زينوفييف وكامنييف وستالين وريكوف ومولوتوف وغيرهم، بدون استثناء الموقف الديمقراطي المبتدل ولم يتبنوا الموقف البروليتاري – كيف يفسّر راديك ذلك؟ مرّة أخرى: عن ماذا وعن من كان لينين يتكلم عندما أشار أن الاندماج الذي تمّ بين البلاشفة وبين أفضل العناصر في التيارات الماركسية الأكثر التصاقا بها؟ أليس هذا التقييم الذي انهى فيه لينين الخلافات السابقة في الرأي دليلا على أنه يعتبر أن ثمة خطين استراتيجيين متناقضين؟
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المضمار خطاب للينين في جلسة “لجنة بتروغراد [57]” في أول أكتوبر عام 1917. في تلك الجلسة تمّ بحث موضوع التحالف مع المنشفيك والاشتراكيين-الثوريين. ولقد سعى مؤيدو التحالف حتى في ذلك الحين أن يغمزوا بخجل من قناة “التروتسكية”. فماذا كان جواب لينين؟
“تحالف؟ إني لا أستطيع أن أتكلم بشكل جدي عن هذا الموضوع. لقد قال تروتسكي منذ زمن طويل أن الوحدة مستحيلة. لقد فهم تروتسكي هذا -منذ ذلك الحين وهو أفضل البلاشفة”.
لم تكن الثورة الدائمة هي التي فرقت بيني وبين البلاشفة، بالنسبة للينين، وإنما موقفي التوفيقي. ولكي أصبح “أفضل البلاشفة” كان عليّ أن أفهم فقط أن التفاهم مع المنشفيك أمر مستحيل كما رأينا.
ولكن كيف يمكن تفسير انعطاف راديك المفاجئ بالنسبة لموضوع الثورة الدائمة؟ إني أعتقد أن ثمة تفسيرا واحدا. يخبرنا راديك في مقالته أنه كان يتفق مع نظرية “الثورة الدائمة” عام 1916؛ ولكنه كان يتفق مع تفسير بوخارين لهذه النظرية الذي يعتبر أن الثورة البرجوازية قد تحققت في روسيا، وليس فقط دور البرجوازية الثوري ولا حتى الدور التاريخي الذي لعبه شعار الديكتاتورية الديمقراطية وإنما الثورة البرجوازية بحد ذاتها، لذا يجب على البروليتاريا أن تتقدم للاستيلاء على الحكم تحت راية الاشتراكية فحسب. ولقد فسر راديك موقفي في ذلك الحين على طريقة بوخارين وأذاع هذا التفسير علنا، ولو لم يكن الأمر كذلك لما أعلن تضامنه مع بوخارين ومعي في آن واحد، وهذا يفسر أيضا لماذا كان لينين يوجه هجومه ضد تروتسكي عندما كان يعني بالفعل بوخارين وراديك اللذين كانا يتعاونان معه. (إن راديك يعترف بهذا الأمر في مقالته). وإني أذكر أيضا أن المدعو م.ن. بوكروفسكي، أحد زملاء بوخارين الفكريين الذي يبني بدون ككل المناهج التاريخية ويحاول تصويرها على أنها هي الماركسية، قد أثار شكوكي خلال أحاديث لي معه في باريس بسبب “تضامنه” المشبوه في هذه المسألة. ففي السياسة كان بوكروفسكي وما يزال معاديا لحزب الكاديت وهو يعتقد بصدق أن هذا الموقف يجعل منه بلشفيا.
ويبدو أن راديك كان، خلال عام 1924 و 1925، ما يزال يقتات من فتات بوخارين عام 1916 وظلّ يدمج بين هذا الموقف وبين موقفي. وبعد دراسة سريعة لكتابات لينين خاب ظنه في هذا الموقف اليائس، كما يحصل في حالات كهذه، ورسم قوسا من 180 درجة فوق رأسي. هذا أمر محتمل جدا لأنه إحدى شيم راديك. وهكذا، فإن بوخارين الذي انقلب رأسا على عقب بين عام 1923 و1925، أي أنه تحوّل من يساري متطرف إلى انتهازي، يجعلني مسؤولا عن ماضيه الأيديولوجي الذي يطلق عليه لقب “التروتسكية”. في الفترة الأولى من الحملة ضدي، عندما كنت أجبر نفسي أحيانا على قراءة مقالات بوخارين، غالبا ما كنت أتساءل: من أين أتى بهذا؟ ولكن سرعان ما فطنت إلى أنه قد ألقى نظرة إلى كتاباته السابقة. وإني أتساءل الآن ما إذا كان تحول راديك من أحد دعاة الثورة الدائمة إلى أحد أعدائها يرتكز على البنيان النفسي ذاته. إني لا أصرّ على هذه الفرضية. غير أني لا أستطيع أن أجد تفسيرا آخر.
على كل: لقد غُرفت الخمرة ولا بد من شرابها، على حد تعبير الفرنسيين. وها نحن مجبرون على الشروع في رحلة طويلة إلى مجاهل النصوص القديمة. لقد خفضت من عددها قدر المستطاع. ومع ذلك لا يزال هناك العديد منها. فليكن عزائي أني بتنقيبي الإلزامي في هذه النصوص القديمة أسعى وراء الخيوط التي ترتبط بالقضايا المعاصرة الملحة.
2- ليست الثورة الدائمة “قفزة” تقوم بها البروليتاريا، وإنما هي إعادة بناء الأمة تحت قيادتها
كتب راديك:
“إن السمة الأساسية التي تميز الاتجاه الفكري الذي يسمى نظرية وخطة “الثورة الدائمة” عن نظرية لينين تكمن في خلطها مرحلة الثورة الديمقراطية بمرحلة الثورة الاشتراكية”.
وترتبط بهذا الاتهام الأساسي، أو بالأحرى تنتج عنه اتهامات ليست أقل خطورة منه، كأن يقول أن تروتسكي لم يفهم أنه “من المستحيل أن تتحقق الثورة الاشتراكية في ظروف روسيا إذ هي لم تنبثق عن الثورة الديمقراطية”، وينتج عن ذلك أيضا الإتهام “بالقفز عن مرحلة الدكتاتورية الديمقراطية”. أو أن يقول أن تروتسكي قد “أنكر” دور الفلاحين، وهنا “تلتقي آراء تروتسكي بآراء المنشفيك” أكرّر ما ورد سابقا: إن الهدف من جميع هذه الاتهامات هو إثبات خطأ موقفي من قضايا الثورة الصينية الأساسية بالبراهين المستفيضة.
ما دامت القضية تتعلق بالقسم المسموح به رسميا من كتابات لينين، فالمسلّم به أن لراديك مطلق الحرية في أن يستشهد به هنا وهناك. وهذا ما يفعله، لأن هذا القسم من كتابات لينين موجود “في متناول” الجميع. إني سوف أبين عمّا قليل أن تهجمات لينين ضدي كانت ذات طابع آني ليس إلاّ، ولم تكن صحيحة أي أنها لم تكن تصور موقفي الحقيقي كما كان عليه حتى في عام 1905. ففي كتابات لينين ذاته، هناك ملاحظات مختلفة كل الاختلاف عن هذه الكتابات المتداولة ومناقضة لها، وأحكام أكثر دقة حول موقفي من قضايا الثورة الأساسية. غير أن راديك لم يبذل أي مجهود لتوحيد ملاحظات لينين المختلفة والمتباينة. وأن يجلي هذه التناقضات الناجمة عن السجال النظري بمقارنتها بآرائه الفعلية ([1]).
في عام 1906، نشر لينين مقالاً لكاوتسكي حول القوة الدافعة للثورة الروسية وقدّم له. وبدون أن أعلم بذلك، قمت أنا بدوري بترجمة مقال كاوتسكي هذا خلال وجودي في السجن وقدّمت له ونشرته في كتابي “دفاعا عن الحزب”. وقد أبدى كلانا اتفاقا كاملا مع تحليل كاوتسكي. كان بليخانوف قد تساءل : “هل إن ثورتنا ثورة برجوازية أم اشتراكية؟” فأجاب كاوتسكي مؤكدا أن الثورة لم تعد برجوازية إلاّ أنها لم تصبح اشتراكية بعد، أي أنها تمثل مرحلة انتقالية بين الواحدة والأخرى. وبهذا الصدد كتب لينين في مقدمته:
“ثورتنا، هل هي برجوازية أم اشتراكية في طابعها العام؟ يقول كاوتسكي أن هذه الصيغة قديمة. إن السؤال لا يطرح بهذا الشكل، ليست هذه الطريقة الماركسية لطرحه. إن الثورة في روسيا ليست ثورة برجوازية، لأن البرجوازية لم تعد إحدى القوى الدافعة للحركة الثورية الحالية في روسيا. ولكن الثورة في روسيا ليست ثورة اشتراكية.”
(لينين: المؤلفات الكاملة: المجلد 8 -ص 82- الطبعة الروسية).
وبالرغم من ذلك، فمن السهل أن نجد عددا لا بأس به من النصوص التي كتبها لينين قبل هذه المقدمة أو بعدها والتي يصف فيها الثورة الروسية بأنها ثورة برجوازية. هل هذا تناقض؟ إذا كنا نريد أن نحدد موقفا من لينين بنفس الأساليب التي يعتمدها نقاد “التروتسكية” الحاليون، لوجدنا، بسهولة، عشرات بل مئات من مثل هذه التناقضات. ولكننا نعلل وجودها، للقارئ الجدّي النبيه، بالاختلاف في طرق معالجة الموضوع في أوقات مختلفة، وهذا لا يسيء بأي حال من الأحوال إلى الوحدة الأساسية لفكرة لينين.
ومن جهة أخرى، فإني لم أنكر قط الطابع البرجوازي للثورة فيما يتعلق بمهامها التاريخية العاجلة، و لكني تنكرت لهذا الطابع فيما يتعلق بقواها المحركة وتطلعاتها. إن الكتاب الأساسي الذي عالجت فيه موضوع الثورة الدائمة في تلك الفترة (1905-1906) يبدأ بالمقطع التالي:
“إن الثورة في روسيا قد فاجأت الجميع ما عدا الاشتراكيين-الديمقراطيين. فمنذ زمن طويل تنبأت الماركسية بحتمية الثورة الروسية، التي كان لابد منها من أن تنفجر نتيجة للصراع القائم بين التطور الرأسمالي من جهة وبين قوى الحكم المطلق المتحجرة من جهة أخرى… وعندما أطلقت الماركسية على هذه الثورة صفة الثورة البرجوازية، كانت تشير إلى أن الأهداف الموضوعية العاجلة للثورة تتلخص في توفير “الظروف الطبيعية لتطوير المجتمع البرجوازي كله”. ولقد كانت الماركسية على حق، هذا أمر لا يحتاج إلى نقاش أو إثبات. إن مهمة من نوع جديد تواجه الماركسيين الآن: إنهم مطالبون بأن يكتشفوا “الإمكانات” الكامنة في الثورة التي تتولى أمامنا بواسطة تحليل تركيبها الداخلي… إن الثورة الروسية تتميز بطابع فريد هو حصيلة الاتجاه الخاص الذي سار فيه التطور الاجتماعي والتاريخي عندنا، والذي يفتح أمامنا آفاقا تاريخية جديدة”
(تروتسكي: “ثورتنا” -1906- المقالة “نتائج وتوقعات” -ص 224- الطبعة الروسية).
“إن العبارة السوسيولوجية العامة “ثورة برجوازية” لم تعد قادرة على حل القضايا السياسية والتكتيكية ولا التناقضات التي يطرحها علينا تركيب ثورة برجوازية معينة”.
(المرجع ذاته -ص 249).
وهكذا، فإني لم أنكر الطابع البرجوازي للثورة التي كانت على وشك الحدوث في ذلك الحين، ولم أخلط الديمقراطية بالاشتراكية. ولكني حاولت أن أبين أن الجدلية الطبقية للثورة البرجوازية في بلدنا سوف تأتي بالبروليتاريا إلى الحكم، وأنه لا يمكن تنفيذ المهام الديمقراطية بدون تحقيق دكتاتورية البروليتاريا.
ولقد كتبت في المقالة ذاتها (1905-1906) ما يلي:
“إن البروليتاريا تنمو وتتضاعف قوتها بنمو الرأسمالية. بهذا المعنى يكون تطور الرأسمالية هو تطور البروليتاريا في اتجاه تحقيق دكتاتوريتها. على أن توقيت انتقال الحكم إلى الطبقة العاملة لا يعتمد بشكل مباشر على المستوى الذي بلغته قوى الإنتاج ولكن على علاقات الصراع الطبقي وعلى الوضع العالمي وأخيرا على عدد من العوامل الذاتية كتقاليد الطبقة العاملة ومبادرتها واستعدادها للنضال.
من المحتمل أن يصل العمال إلى الحكم في بلد متخلف اقتصاديا قبل وصولهم إليه في بلد متقدم… إن التصوّر أن قيام دكتاتورية البروليتاريا يعتمد بطريقة ما على التطور التقني وعلى موارده إنما هو زعم من مزاعم المادية “الاقتصادية” التافهة. إن وجهة النظر هذه لا تمت للماركسية بأية صلة.
إن الثورة الروسية سوف تخلق برأينا، الظروف التي تمهد لانتقال السلطة إلى العمال، وفي حال انتصار الثورة يتوجب عليها أن تمهد لهذا الانتقال، قبل أن يتسنى للسياسيين البرجوازيين الليبراليين أن يعرضوا كل براعتهم في تسيير الحكم”.
(المرجع ذاته -ص245).
إن هذه الأسطر تحوي هجوما على “الماركسية” المبتذلة التي كانت شائعة خلال عام 1905 وعام 1906 والتي طبعت مؤتمر البلاشفة في مارس 1917 قبل وصول لينين، وكان خطاب ريكوف في مؤتمر أبريل خير تعبير عن هذا الاتجاه. وفي مؤتمر الكومنتيرن السادس كانت هذه الماركسية-المزيفة، أي هذا المنطق الدعيّ المطعم بالذهنية المدرسية المنحرفة يشكل القاعدة “العلمية” لخطاب كيوسينين وآخرين، آخرين غيره. وقد جرى هذا كله بعد عشر سنين من انتصار ثورة أكتوبر!
ما دمت لن أستطيع أن أعرض هنا جميع جوانب الخط الفكري الذي تتضمنه مقالة “نتائج وتوقعات” فسوف أكتفي بالاستشهاد بمقطع جامع من مقال لي في صحيفة “ناشالو” (البداية) عام 1905.
“إن البرجوازية الليبرالية عندنا تبرز كقوة معادية للثورة حتى قبل أن تبلغ الثورة ذروتها. عند كل لحظة حاسمة يزيدنا الديمقراطيون المثقفون قناعة بعقمهم. أما الفلاحون كمجموع فإنهم يمثلون قوة أساسية من قوى الانتفاضة. ولكنهم لن يخدموا الثورة إلاّ إذا استولت قوة ثورية على الدولة. إن المكانة الطليعية للطبقة العاملة في الثورة والارتباط المباشر بينها وبين الريف الثوري وبسط نفوذها على الجيش، كل هذا يدفعنا حتما إلى استلام الحكم. انتصار الثورة الكامل هو انتصار البروليتاريا. وهذا يعني بدوره ديمومة الثورة”.
(تروتسكي: “ثورتنا” ص172- الطبعة الروسية).
إن نوقع قيام دكتاتورية البروليتاريا ينبثق من الثورة الديمقراطية البرجوازية على عكس ما يقوله راديك. ولهذا السبب بالذات تسمى الثورة ثورة دائمة (غير متقطعة). إن دكتاتورية البروليتاريا لن تموت بعد انتهاء الثورة الديمقراطية كما يدعي راديك. فلو كان الأمر كذلك لكانت مستحيلة الحدوث في روسيا لأن البروليتاريا الضعيفة عدديا لا تستطيع الوصول إلى الحكم في بلد متخلف إذا كان قد تمّ تحقيق أهداف الفلاحين في المرحلة السابقة. لا. إن دكتاتورية البروليتاريا محتمة بل حتمية على أساس الثورة البرجوازية. وبالتحديد لأنه لا يوجد قوة أخرى تستطيع تنفيذ مهام الثورة الزراعية ولا يوجد طريق أخرى إليها. وهذا ما يجعل إنضاج الثورة الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية أمرا متوقعا.
“إن مجرد اشتراك ممثلي البروليتاريا في الحكم ليس كأسرى حرب لا حول لهم ولا قوة ولكن كقوة قيادية، يهدم الحد الفاصل بين برنامج الحد الأدنى وبرنامج الحد الأقصى، أي أنه يضع قضية التجميع في حيز التنفيذ. وإن الحد الذي يتوقف عنده تقدم البروليتاريا في هذا الاتجاه ليتوقف على العلاقة بين القوى وليس على نوايا حزب البروليتاريا الأصلية.
لهذا السبب، لا معنى للحديث عن شكل خاص من أشكال دكتاتورية البروليتاريا في الثورة البرجوازية أو عن دكتاتورية بروليتارية ديمقراطية (أو عن دكتاتورية العمال والفلاحين). إن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تحتفظ بالطابع الديمقراطي لدكتاتوريتها إلاّ إذا تخطت حدود برنامجها الديمقراطي…
إن البروليتاريا بمجرد استيلائها على الحكم سوف تقاتل للاحتفاظ به إلى النهاية. وحيث يكون أحد أسلحتها في هذا القتال للاحتفاظ بالحكم وتدعيمه هو التحريك والتنظيم في الريف بشكل خاص، يكون سلاحها الآخر هو انتهاج سياسة تجميعية. ولكن لن يكون التجميع الطريق الحتمية الوحيدة إلى الأمام من الموقع الذي يجد الحزب الحاكم نفسه فيه فحسب، بل أداة الاحتفاظ بهذا الموقع بمساندة البروليتاريا أيضا”
(“نتائج وتوقعات” -ص258).
فلنذهب إلى أبعد من ذلك. كتبت عام 1908 ضد المنشفيكي “شيريفانين” ما يلي:
“إننا نعرف عن مثال تقليدي لثورة مهّد انتصار دكتاتورية البرجوازية الصغيرة الإرهابية فيها لقيام حكم البرجوازية الرأسمالية. كان ذلك في فترة يشكل فيها الحرفيون وأصحاب الحوانيت غالبية البرجوازية الصغيرة. فساروا تحت قيادة اليعاقبة. إن غالبية سكان المدن في روسيا اليوم من البروليتاريا الصناعية. هذه المقارنة وحدها تؤكد وجود وضع تاريخي لا يمكن أن يتم انتصار الثورة “البرجوازية” فيه إلا من خلال استيلاء البروليتاريا على السلطة الثورية. فهل تفقد الثورة بذلك طابعها البرجوازي؟ نعم ولا. لأن هذا لا يعتمد على الصفة الرسمية ولكن على الاتجاه الذي تسير فيه الأحداث اللاحقة. فإذا تمكن تحالف الطبقات البرجوازية، بما فيها الفلاحون الذين حررتهم البروليتاريا، من إسقاط حكم البروليتاريا تحتفظ الثورة بطابعها البرجوازي الضيق. أما إذا برهنت البروليتاريا من جهة أخرى، على مقدرتها واستطاعت أن تحرك كل قوى حكمها لكي تخترق إطار الثورة الروسية الوطني، يمكن أن تغدو الثورة بداية طوفان اشتراكي عالمي. إن السؤال: أية مرحلة ستبلغها الثورة الروسية؟يسمح طبعا بجواب مشروط. أمر واحد صحيح تماما ولا يرقى إليه الشك هو أن مجرد تسمية الثورة الروسية بثورة برجوازية لا يفيدنا بأي شيء عن طبيعة تطورها الداخلي ولا يعني، بأي حال من الأحوال، أنه يتوجب على البروليتاريا أن تكيف خططها مع سلوك الديمقراطية البرجوازية بوصفها المطالبة الشرعية الوحيدة بالحكم”.
( تروتسكي: “العام 1905″ -ص263- الطبعة الروسية).
وفي المقالة نفسها ورد ما يلي:
إن ثورتنا، التي هي ثورة برجوازية بالنسبة للمهام المباشرة التي انبثقت عنها، لم تتمخض عن أية طبقة برجوازية مؤهلة لقيادة الجماهير الشعبية بعد أن تدمج وزنها الاجتماعي وخبرتها السياسية بحيوية الجماهير الثورية، ذلك بسبب التمايز الطبقي الحاد في المناطق الصناعية. إن الجماهير المضطهدة من عمال وفلاحين، بعد أن حرمتهم من كل شيء إلا من حقها في أن تنهل من مواردها الخاصة، مطالبة بأن توفر الشروط السياسية والتنظيمية الضرورية لإحراز انتصارها، في مدرسة الصراعات العنيفة و الهزائم القاسية. فليس لها من طريق أخرى غير هذه الطريق”.
(المرجع ذاته: ص 267-268).
مرة أخرى سوف نستشهد من “نتائج وتوقعات”حول النقطة التي يرتكز عليها الهجوم بشكل خاص: قضية الفلاحين. في فصل بعنوان “البروليتاريا في الحكم والفلاحين” ورد ما يلي:
“ولكي ترسخ البروليتاريا حكمها، لا تستطيع إلا أن توسع قاعدة الثورة. فتنجذب إلى الثورة قطاعات كبيرة من الجماهير الكادحة، وفي الريف بخاصة، وتنتظم سياسيا فقط بعدما تقف طليعة الثورة – بروليتاريا المدن- على دفة الحكم. ويتم القيام بالتحريك والتنظيم الثوريين بمساعدة موارد الدولة. و تغدوا السلطة التشريعية أداة فعالة لدفع الجماهير في الاتجاه الثوري…أن مصير أبسط المصالح الفلاحية الثورية، مصالح الفلاحين ككل، كطبقة، مرهون بمصير الثورة كلها أي بمصير البروليتاريا.
إن البروليتاريا في الحكم ستقف أمام الفلاحين بوصفها الطبقة التي حررتهم. وحكم البروليتاريا لا يعني المساواة الديمقراطية، والحكم الذاتي الحر، ووضع كل عبء الضرائب على عاتق الطبقات الميسورة، وتذويب الجيش النظامي في الشعب المسلح وإلغاء الضرائب الكنسية الإلزامية فحسب، بل أيضا الاعتراف بكل التغيرات الثورية (الاستيلاء على الأرض) التي أحدثها الفلاحون في العلاقات الزراعية أيضا.على البروليتاريا أن تجعل من هذه التغييرات نقطة الانطلاق نحو مزيد من الإجراءات تقوم بها الدولة في الحقل الزراعي. في ظروف كهذه، سيكون من مصلحة الفلاحين، في المرحلة الأولى والصعبة من الثورة، أن يحافظوا على نظام حكم البروليتاريا (الديمقراطية العمالية) في جميع الأحوال، مثلما كان للفلاحين الفرنسيين مصلحة في المحافظة على نظام حكم نابليون العسكري الذي ضمن للمالكين الجدد حرمة ممتلكاتهم بقوة حرابه…
ولكن، أليس من المحتمل أن يزيح الفلاحون البروليتاريا و يحتلوا مكانها؟ إن هذا أمر مستحيل. فكل التجربة التاريخية تدحض هذا الافتراض. إن التجربة التاريخية تبيّن أن الفلاحين عاجزين تماما عن القيام بدور سياسي مستقل.”
(“نتائج وتوقعات” -ص251).
لقد قيل هذا كله في عام 1905 وليس في عام 1929 ولا حتى في عام 1924. فهل يبدو أني “أتجاهل الفلاحين”، ذلك ما أود معرفته؟ أين “القفز” عن القضية الزراعية هنا؟ أما آن الأوان، أيها السادة، لتكونوا أكثر دقة في أقوالكم؟
والآن، فلنتبين مدى “دقة” ستالين حول هذا الموضوع. كتب مفكر الردّة في الحزب، مشيرا إلى مقالاتي التي كتبتها في فبراير 1917 في نيويورك والتي تتفق جملة وتفصيلا مع مقالات لينين في جينيثا:
“… ليس هناك أي تشابه بين رسائل تروتسكي ورسائل لينين لا من حيث المحتوى ولا من حيث الاستنتاجات التي يخلص إليها، لأنها تعكس شعار تروتسكي المعادي للبلشفية: “لا قيصرية بل حكومة عمالية”. هذا الشعار الذي يعني القيام بالثورة بمعزل عن الفلاحين.”
(ستالين “المؤلفات الكاملة” :المجلد 6 -ص 349- الطبعة الإنجليزية.)
ما أروع وقع هذه الكلمات التي تحكي عن “الشعار المعادي للبلشفية” المنسوب لتروتسكي: “لا قيصرية بل حكومة عمالية”! فلو ترك الأمر لستالين، لفضّل أن يكون الشعار هكذا” لا حكومة عمالية، بل القيصرية”. سنعود بعد قليل إلى هذا الشعار “المنسوب” إلى تروتسكي. فلنستمع الآن إلى رجل آخر يطمح إلى أن يكون علما من أعلام الفكر المعاصر، إنه أقل جهلا من ستالين ولكنه مثله قد تخلى عن أي نوع من الأمانة الفكرية -أعني به لوناتشارسكي:
“في عام 1905، كان ليف دافيدوفيتش تروتسكي يميل إلى الرأي القائل إنه على البروليتاريا أن تبقى معزولة[!] وأن لا تدعم البرجوازية لأن ذلك الموقف هو موقف انتهازي، ولكن يصعب على البروليتاريا أن تحقق الثورة بمفردها لأنها لم تكن في ذلك الحين أكثر من 7 أو 8% من مجموع السكان. لذا، يقرر ليف دافيدوفيتش أنه على البروليتاريا أن تحتفظ بحالة من الثورة الدائمة في روسيا، أي أن تناضل لأجل تحصيل أكبر عدد ممكن من الإنجازات حتى تؤدي شرارات هذه الشعلة إلى تفجير مستودع البارود العالمي كله.”
(مجلة “سلطة السوفييت” -العدد 7- عام 1927: “حول طبيعة الثورة الروسية” بقلم ا. لوناتشارسكي -ص10).
يجب على البروليتاريا أن “تبقى معزولة” حتى تؤدي الشرارة إلى تفجير مستودعات البارود… ما أجمل ما يكتبه بعض “مفوضي الشعب” [59] الذين لم “يعزلوا” بعد مع أن رؤوسهم الصغيرة مهددة بالخطر. ولكننا لا نريد أن نقسو على لوناتشارسكي، فمن كل حسب طاقته… وفي التحليل النهائي نجد أن تفاهاته ليست أسوأ من تفاهات الكثيرين غيره.
ولكن كيف يجب على البروليتاريا أن “تبقى معزولة” بالنسبة لتروتسكي؟ للرد على هذا السؤال سوف أستشهد بمقطع من منشور لي ضد “ستروف” (عام 1906). وبالمناسبة، فقد بالغ لوناتشارسكي في كيل المديح لهذا المنشور عند صدوره. في الفصل المتعلق بمجالس المندوبين (السوفييت) ورد أنه بينما كانت الأحزاب البرجوازية “ما تزال على الهامش” بعيدة عن الجماهير الشعبية المستيقظة:
“… فارتكزت الحياة السياسية حول السوفييت العمال. وكانت الجماهير البرجوازية الصغيرة في المدن تبدي عطفا واضحا على السوفييت (عام 1906) بالرغم من أنها على درجة عالية من الوعي. فالتجأ جميع المضطهدين والمعذّبين إليه (أي السوفييت). و تخطت شعبيته حدود المدينة. فكان يتلقى “العرائض” من الفلاحين الذين يعانون من المظالم، وانهمرت عليه مقررات الفلاحين و توافدت إليه الوفود من التجمعات الريفية. هنا، وهنا فقط كانت أفكار الأمة وتأييدها وتأييد الدول الديمقراطية الحقيقية وليست المزيفة منها.”
(تروتسكي: “ثورتانا” -ص 199).
في جميع هذه المقاطع، ويمكن مضاعفتها مثنى وثلاث وعشرا، وصفت الثورة الدائمة بأنها ثورة تكتل الجماهير المضطهدة في المدينة والريف حول البروليتاريا المنظمة في السوفييت، وأنها ثورة وطنية ترفع البروليتاريا إلى سدّة الحكم وتفسح المجال أمام إنضاج الثورة الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية.
ليست الثورة الدائمة قفزة معزولة تقوم بها البروليتاريا، إنها إعادة بناء الأمة تحت قيادتها. على هذا النحو فهمتُ توقع الثورة الدائمة وفسرته ابتداء من عام 1905.
إن راديك يخطئ أيضا بصدد بارفوس ([2])، الذي كانت آراؤه حول الثورة الروسية عام 1905 تشابه آرائي فيها دون أن تكون هي نفسها، عندما يكرر الصيغة المعدة سلفا عن “القفزة” التي قال بها بارفوس من حكومة قيصرية إلى حكومة اشتراكية- ديمقراطية. والواقع أن راديك يدحض نفسه بنفسه عندما يشير في قسم آخر من مقاله، بشكل عابر ولكنه صحيح، إلى الاختلاف بين آرائي في الثورة الروسية وبين آراء بارفوس فيها. لم يكن بارفوس يعترف بالرأي القائل أنه بمقدور حكومة عمالية في روسيا أن تسير نحو الثورة الاشتراكية، أي أنها تنضج إلى دكتاتورية اشتراكية من خلال إنجازها للمهام الديمقراطية. كان دور الحكومة العمالية يقتصر، بالنسبة لبارفوس، على تنفيذ المهام الديمقراطية فقط، وهذا ما يؤكده المقطع المكتوب عام 1905 الذي يستشهد به راديك. في حالة كهذه، لا بد لنا من التساؤل: أين هي القفزة إلى الاشتراكية؟ فكل ما كان يدور في خلد بارفوس في ذلك الوقت هو إنشاء نظام حكم عمالي على غرار “النموذج الأسترالي” بعد نجاح الثورة. لقد وضع بارفوس روسيا وأستراليا على مستوى واحد حتى بعد انتصار ثورة أكتوبر، غير أنه كان في ذلك الحين قد اتخذ موقفا يصنفه إلى أقصى يمين النزعة الإصلاحية-الاجتماعية. وقد ادعى بوخارين، في هذا الصدد، أن بارفوس قد “ابتكر” مثال أستراليا بعد فوات الأوان ليغطي أهدافه القديمة المتعلقة بالثورة الدائمة. ولكن الأمر لم يكن كذلك. ففي عام 1905، رأى بارفوس في استلام البروليتاريا للحكم الطريق إلى الديمقراطية وليس إلى الاشتراكية، أي أنه عيّن للبروليتاريا الدور الذي لعبته بالفعل في الفترة ما بين الشهر الثامن والشهر العاشر بعد ثورة أكتوبر. ولكي ننظر إلى أبعد من ذلك، كان بارفوس حتى في ذلك الحين يتطلع إلى الديمقراطية الأسترالية، أي إلى نظام حكم يشترك فيه حزب العمال ولكنه لا يحكم وينفذ أهدافه الإصلاحية فقط كتكملة لبرنامج البرجوازية. إنه لمن سخريات القدر أن يكون الاتجاه الرئيسي للجبهة اليمينية-الوسطية ([3]) بين عام 1923 و1928 داعيا إلى دفع دكتاتورية البروليتاريا باتجاه وضع يشابه النموذج الأسترالي من الديمقراطية العمالية، أي باتجاه تحقيق توقع بارفوس. ويتضح الأمر أكثر فأكثر عندما نتذكر أن “الاشتراكيين” البرجوازيين الصغار في روسيا كانوا، منذ عقدين أو ثلاثة، يصورون استراليا باستمرار على أنها بلد العمال والفلاحين الذين انغلق على سائر أجزاء العالم وراء حاجز من الرسوم الجمركية المرتفعة وراح ينفذ المشاريع “الاشتراكية” مشيدا بذلك صرح الاشتراكية في بلد واحد. كان الأحرى براديك، لو أنه ابتغى السير في الطريق الصحيح أن يبرز هذا الوجه من القضية عوضا عن اجترار الخرافات حول قفزتي المروعة عن المرحلة الديمقراطية.
3- العناصر الثلاثة للدكتاتورية الديمقراطية:الطبقات، المهام، التركيب الطبقي
إن الفرق بين موقف الثورة الدائمة والموقف اللينيني قد عبّر عن نفسه سياسيا في مواجهة شعار دكتاتورية البروليتاريا المستندة إلى الفلاحين بشعار دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية. لم يكن الخلاف يتعلق بما إذا كان يجب القفز عن الطور الديمقراطي البرجوازي أم ما إذا كان التحالف بين العمال والفلاحين في الثورة الديمقراطية.
يقول راديك إن “الذين لم يتعمقوا في الأداة المعقدة للماركسية واللينينية” هم وحدهم الذين يطرحون مسألة التعبير السياسي-الحزبي عن الدكتاتورية الديمقراطية، في حين يدّعي أن لينين قد لخّص المسألة كلها في تعاون الطبقتين لتنفيذ مهام تاريخية موضوعية- هذا القول يحمل من الإدعاء والطيش الشيء الكثير. لا، ليس الأمر كذلك.
إذا تغافلنا في هذه المسألة، العامل الذاتي في الثورة: الأحزاب وبرامجها -أي الشكل السياسي والتنظيمي لتعاون البروليتاريا مع الفلاحين- تذوب جميع الخلافات في الرأي ليس فقط بيني وبين لينين، هذه الخلافات التي كانت تشكل اتجاهين في جناح ثوري واحد، بل ما هو أسوأ من ذلك: تذوب الخلافات في الرأي بين البلشفية والمنشفية كذلك، وأخيرا الخلافات بين الثورة الروسية عام 1905 و ثورات عام 1848 وعام 1789 إلى مدى ما نستطيع أن نتكلم عن علاقة البروليتاريا بهذه الثورة الأخيرة. لقد قامت جميع الثورات البرجوازية على تعاون الجماهير المضطَهدة في المدينة و الريف. وهذا العامل بالذات هو الذي أضفي على هذه الثورات، إلى حدٍ ما، طابعها الوطني، أي شمولها الشعب كله.
ولم يكن الخلاف النظري والسياسي بيننا يدور حول تعاون العمال والفلاحين بحد ذاته، وإنما كان يدور حول برنامج هذا التعاون وأشكاله الحزبية وأساليبه السياسية. ففي الثورات السابقة “تعاون” العمال والفلاحون تحت قيادة البرجوازية الليبرالية أو تحت قيادة جناحها البرجوازي الصغير الديمقراطي. ولقد كررت “الأممية الشيوعية” تجربة الثورات القديمة في وضع تاريخي جديد إذ بذلت كل جهدها لإخضاع العمال والفلاحين الصينيين لقيادة تشانغ كاي تشيك الوطني الليبرالي السياسية وفيما بعد لقيادة “الديمقراطي” وانغ شينغ-وي. لقد طرح لينين مسألة تحالف العمال والفلاحين التي تعارض البرجوازية الليبرالية بلا هوادة ولم يسبق أن تحقق مثل هذا التحالف في التاريخ من قبل. فكان، من حيث أسلوبه، تجربة جديدة في تعاون الجماهير المضطهَدة في المدينة وفي الريف. إذ ذاك طرحت مسألة الأشكال السياسية للتعاون مرّة أخرى. إن راديك قد تغافل هذا بكل بساطة. ولهذا السبب يقذف بنا بعيدا عن صيغة الثورة الدائمة وعن شعار لينين “الدكتاتورية الديمقراطية” إلى تجريد تاريخي فارغ.
أجل، لقد رفض لينين خلال عدة سنوات أن يعطي حكما مسبقا على كيف سيبدو التنظيم الحزبي السياسي والحكومي لدكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية، وأبرز إلى المقدمة مسألة تعاون هاتين الطبقتين مقابل مسألة التحالف مع البرجوازية الليبرالية. لقد قال لينين: في طور تاريخي معيّن لا بد من أن يولّد الظرف الموضوعي بمجمله تحالفا ثوريا بين العمال والفلاحين للاضطلاع بمهام الثورة الديمقراطية. هل سيتمكن الفلاحون من خلق حزب مستقل وهل سينجحون في ذلك؟ هل سيشكل هذا الحزب الأغلبية في حكومة الدكتاتورية أم أقلية؟ ماذا سيكون بالتحديد وزن ممثلي البروليتاريا في الحكومة الثورية؟ إن أيا من هذه الأسئلة لا يمكننا من الإجابة عليه بشكل مسبق. “التجربة هي البرهان!” إلى مدى ما أجابت صيغة الدكتاتورية الديمقراطية على نصف مسألة التركيب السياسي لتحالف العمال والفلاحين، فهي قد بقيت إلى حد ما معادلة رياضية جبرية تفسح المجال أمام تفسيرات سياسية جد مختلفة في المستقبل ولكن دون أن تتحول إلى تجريد راديك العقيم.
وبالإضافة لذلك، فإن لينين لم يكن من الرأي القائل بأن الأساس الطبقي للدكتاتورية وأهدافها التاريخية الموضوعية تفي المسألة حقّها. لقد كان لينين يفهم بعمق معنى العامل الذاتي، الأهداف والأداة الواعية والحزب، وكان معلمنا جميعا في هذا. لهذا السبب لم يتخل لينين مطلقا، في تعليقاته على شعاره، عن حكم تقريبي وفرضي مسبق على مسألة الأشكال السياسية التي قد يتخذها أول تحالف مستقل بين العمال والفلاحين في التاريخ. على أن الطريقة التي عالج بها لينين هذه المسألة في مناسبات مختلفة لم تكن هي نفسها دائما. لا يجب النظر إلى فكر لينين على أساس القوالب الجامدة وإنما تاريخيا. إن لينين لم يأت بوصايا جاهزة من جبل سيناء، ولكنه كان يصوغ الأفكار والشعارات لتتلاءم مع الواقع، فيجعلها محددة ودقيقة ويملأها في مناسبات متنوعة بمضمون متغيّر. غير أن راديك لم يدرس مطلقا هذه الناحية من المسألة التي اكتست فيها بعد أهمية بالغة ووضعت الحزب البلشفي عام 1917 على عتبة الانشقاق.
ومهما يكن من الأمر، يصح القول إن لينين لم يصف التعبير الحزبي السياسي الممكن والشكل الحكومي بتحالف هاتين الطبقتين بالطريقة ذاتها، وقد امتنع عن إلتزام الحزب بهذه التفسيرات الفرضية. ما هي أسباب هذا الحذر؟ يجب البحث عن الأسباب في كون هذه المعادلة الرياضية الجبرية تحوي كما ضخما في أهميته ولكنه كان غير محدّد سياسيا هو الفلاحون.
أريد أن استشهد ببعض الأمثلة عن تفسير لينين للدكتاتورية الديمقراطية مع إيراد تحفظ هو أن عرضا شاملا لتطور فكر لينين حول هذه المسألة يتطلب كتابا مستقلا.
في معرض تطويره للفكرة القائلة بأن البروليتاريا والفلاحين هما عماد الديكتاتورية، كتب لينين في مارس عام 1905:
“إن تكوين الأساس الاجتماعي للدكتاتورية الثورية المحتملة والمطلوبة سوف ينعكس، ولا شك، في تكوين الحكومة الثورية. وبسبب وجود هذا التكوين، فإن إشراك أكثر العناصر تباينا من ممثلي الديمقراطية الثورية أو حتى طغيان هذه العناصر هو أمر محتم”. (لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 6- ص 132- الطبعة الروسية).
إن لينين، في كلماته هذه، لا يشير إلى الأسس الطبقية للدكتاتورية فحسب ولكنه يرسم صورة محددة لشكلها الحكومي أيضا، مع إيراد احتمال طغيان ممثلي العناصر الديمقراطية من البرجوازية الصغيرة.
كتب لينين عام 1907:
“لكي تنتصر الثورة الفلاحية الزراعية التي تتكلمون عنها أيها السادة يجب عليها كثورة فلاحية زراعية أن تسيطر على مركز السلطة في الدولة”. (لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 9- ص 539- الطبعة الروسية).
إن هذه الصيغة تذهب إلى أبعد من ذلك. يمكن أن نفهم منها أنها تعني وجوب حصر السلطة الثورية بشكل مباشر بين أيدي الفلاحين. على أن هذه الصيغة في تفسيرها الأرحب الذي أدخله فيها سير التطور ذاته، تشمل أيضا ثورة أكتوبر التي جاءت بالبروليتاريا إلى الحكم بوصفها “واسطة” تحقيق الثورة الفلاحية. تلك هي رحابة التفسيرات الممكنة لصيغة دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية. وقد نسلِّم، إلى حدٍ ما، بأن جانبها المنيع يكمن في طابعها الرياضي الجبري، غير أن أخطارها تكمن هنا كذلك التي عبّرت عن نفسها بشكل جلي بعد فبراير وفي الصين حيث أدّت إلى كارثة.
كتب لينين في يوليوز عام 1905:
“لا أحد يتكلم عن استيلاء الحزب على الحكم، إننا نتكلم فقط عن الاشتراك، بقدر الإمكان، في لعب دور قيادي في الثورة…” (لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 6- ص 278- الطبعة الروسية).
وفي ديسمبر عام 1906، اعتبر لينين أنه من الممكن الاتفاق مع كاوتسكي حول مسألة استيلاء الحزب على الحكم:
“إن كاوتسكي لا يعتبر أنه من المحتمل جدا أن يكون النصر من نصيب الحزب الاشتراكي-الديمقراطي خلال الثورة فحسب، ولكنه يعلن أيضا أنه يجب على الاشتراكيين الديمقراطيين أن يبثوا بين أنصارهم فكرة حتمية النصر لأن النضال مستحيل إذا رفض النصر مسبقا”. (لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 8- ص 58- الطبعة الروسية).
إن المسافة التي تفصل بين هذين التفسيرين، كما يعرضها لينين نفسه، ليست أقصر من المسافة التي تفصل بين صياغتي وبين صياغة لينين. وسوف يتضح لنا ذلك فيما بعد. نريد أن نطرح السؤال التالي في هذا المضمار: ما هو معنى هذه التناقضات عند لينين؟ إنها تعكس شيئا واحدا: “المجهول الأكبر” في الصيغة السياسية للثورة، أي الفلاحون. وليس عن عبث كان المفكرون الراديكاليون يشيرون أحيانا إلى الفلاح على أنه “أبو هول التاريخ الروسي”. إن قضية طبيعة الديكتاتورية الثورية – شاء راديك أم أبى- لا يمكن فصلها مطلقا عن قضية إمكان نشوء حزب فلاحي مستقل معاد للبرجوازية الليبرالية ومستقل عن البروليتاريا. وليس من الصعب استيعاب المدلول الحاسم لهذه القضية. فإذا تمكن الفلاحون من إنشاء حزبهم المستقل في حقبة الثورة الديمقراطية، لا يمكن تحقيق الدكتاتورية الديمقراطية بشكل خالص ومباشر، و لكانت مسألة اشتراك الأقلية البروليتارية في الحكومة الثورية اكتسبت معنى هاما، حقا، إلاّ أنه يبقى معنى ثانويا. وتنعكس الآية إذا ما انطلقنا من أن الفلاحين، بسبب وضعهم الوسطي وتباين تكوينهم الاجتماعي، لن يكون لهم سياسة مستقلة ولا حزب مستقل؛ وانهم سوف يضطرون، في الحقبة الثورية، إلى الاختيار بين سياسة البرجوازية وسياسة البروليتاريا. إن هذا التقييم ومدة لطبيعة الفلاحين السياسية يفتح أمامنا احتمال انبثاق دكتاتورية البروليتاريا مباشرة من الثورة الديمقراطية. وفي هذا لا يوجد طبعا أي “تنكر” أو “تجاهل” أو “سوء تقدير” للفلاحين. فلا يمكن التكلم عن دكتاتورية البروليتاريا في روسيا لولا أهمية المسألة الزراعية الحاسمة بالنسبة لحياة المجتمع بأسره ولولا عمق الثورة الفلاحية السحيق واتساعها الشاسع. غير أن الرأي القائل أن الثورة الزراعية قد خلقت ظروف قيام دكتاتورية البروليتاريا إنما ينبثق عن عجز الفلاحين عن حلّ مشكلتهم التاريخية بواسطة قواهم و بقيادتهم. في ظل الظروف الحالية في البلدان البرجوازية وحتى في المتأخرة منها، إلى مدى ما تكون هذه البلدان قد دخلت في حقبة لصناعة الرأسمالية وإلى مدى ما ترتبط أطرافها بشبكة من سكك الحديد وخطوط التلغراف وهذا لا ينطبق على روسيا فحسب ولكن على الصين والهند أيضا، نجد أن الفلاحين أكثر عجزا من لعب دور قيادي عن لعب دور مستقل مما كانوا عليه إبان الثورات البرجوازية القديمة. إن كوني أؤكد على هذه الفكرة بإلحاح دوما وأبدا، هذه الفكرة التي تشكل إحدى السمات الرئيسية لنظرية الثورة الدائمة، قد وفّر أيضا مبررا لا معنى ولا أساس له، في الجوهر، لاتهامي بسوء تقدير الفلاحين.
ماذا كانت آراء لينين حول مسألة الحزب الفلاحي؟ إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي مراجعة وافرة لتطور آراء لينين حول الثورة الروسية خلال الفترة ما بين عام 1905 و1917. إلاّ أني سأقتصر على الاستشهاد بهذين النصين هنا.
كتب لينين عام 1907:
“من المحتمل…أن تحول الصعوبات الموضوعية لتوحيد البرجوازية الصغيرة سياسيا دون نشوء مثل هذا الحزب فتبقى الديمقراطية الفلاحية لمدة طويلة مثلما هي عليه الآن كتلة إسفنجية هلامية مائعة شبيهة بوضع الترودوفيك ([1]). (لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 8- ص 494- الطبعة الروسية).
وفي عام 1909، تحدث لينين عن الموضوع ذاته بطريقة مختلفة:
” لا شك في أن الثورة التي تبلغ… مستوى من التطور كالدكتاتورية الثورية سوف تخلق حزبا فلاحيا ثوريا أكثر رسوخا وقوة. إن إطلاق حكم على هذا الموضوع غير هذا الحكم يعني الافتراض أن حجم بعض الأعضاء الأساسية في الإنسان البالغ وشكلها ومدى تطوّرها يمكن أن تبقى في وضع طفولي. (لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 11 الجزء الأول – ص 230- الطبعة الروسية).
هل أثبت هذا الافتراض؟ كلا، إنه لم يثبت. وهذا هو بالذات الأمر الذي دفع لينين إلى أن يعطي جوابا على شكل معادلة جبرية على مسألة الحكومة الثورة إلى حين إثبات التاريخ لصحتها إثباتا لا يقبل الجدل. إن لينين لم يضع، بالطبع، صيغته الفرضية فوق الواقع. كان النضال من أجل حزب سياسي مستقل للبروليتاريا هو هدف حياته. أما رجال الصف الثاني البائسون فقد انتهوا، في سعيهم وراء الحزب الفلاحي، إلى إخضاع العمال الصينيين للكيومنتانغ، وإلى خنق الشيوعية في الهند باسم “حزب العمال والفلاحين”، وإلى الوهم الخطير الذي يسمى “الأممية الفلاحية”، وإلى مهزلة “عصبة النضال ضد الاستعمار” وما شابه ذلك.
إن الفكر الرسمي السائد لا يبذل أي مجهود للتوقف عند التناقضات في فكر لينين التي بيّناها أعلاه خارجية وظاهرية كانت أم حقيقية غير أنها تنبثق من المشكلة ذاتها. والآن وقد برزت بيننا فصيلة خاصة من الأساتذة “الحمر”، الذين غالبا ما يتميزون عن الأساتذة الرجعيين القدماء ليس بكونهم أكثر صلابة منهم ولكن بكونهم أكثر جهلا، يجري تشذيب لينين بأسلوب أكاديمي وتحريره من جميع التناقضات أي من حيوية فكره؛ فينشرون عيّنات من النصوص على حبال منفصلة ثم ينزلون “سلسلة” منها أو أخرى إلى السوق وفق مقتضيات “اللحظة الراهنة”.
ولا يجب أن يغيب عن البال لحظة واحدة أن مشكلات الثورة في بلد “بكر” سياسيا غدت عويصة بعد وقفة تاريخية طويلة، بعد حقبة رجعية مديدة في أوروبا والعالم أجمع، فاحتوت لهذا السبب وحده على عدد كبير من المجهولات. ولقد عبّر لينين من خلال صيغة دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية عن خصوصية الظروف الاجتماعية الروسية. وفسّر هذه الصيغة بأشكال مختلفة، إلاّ أنه لم يرفضها الاّ بعد أن غاص إلى أعماق الظروف الخاصة بالثورة الروسية. فأين تكمن هذه الخصوصية؟
إن الدور الكبير الذي تلعبه المسألة الزراعية خاصة والمسألة الزراعية عامة كركيزة أساسية أو ثانوية لجميع المشكلات الأخرى؛ والعدد الكبير من الفلاحين المثقفين ومن الذين يؤيدون الفلاحين، بأيديولوجيتهم النارودنية، وبتقاليدهم “المعادية للرأسمالية” وبمزاجهم الثوري؛ إن هذا بمجمله يعني أنه لو كان بالإمكان أن ينشأ حزب فلاحي ثوري معاد للبرجوازية لتم ذلك في روسيا أولا وبشكل خاص.
وفي الواقع، خلال المساعي لخلق حزب فلاحي، أو حزب عمالي فلاحي، يتميز عن الحزبين الليبرالي و البروليتاري معا، جرى إختيار كل الأشكال السياسية في روسيا على اختلاف أنواعها إن سرية أو برلمانية أو مزيجا من الاثنين: “زمليا أي فوليا” (الأرض والحرية)، “نارودنايا فوليا” (إرادة الشعب)، “تشيرني بيريديل” (إعادة التوزيع الأسود)، “النارودنيشستوفا” المرخّص (الشعبيون)، “الاشتراكيون-الثوريون”، “الاشتراكيون الشعبيون”، “الترودوفيك”، “اليسار الاشتراكي-الثوري”، إلى آخره، إلى آخره. وبدا خلال نصف قرن، وكأن في روسيا مختبرا ضخما لخلق حزب فلاحي “معاد للرأسمالية” يقف موقفا مستقلا من الحزب البروليتاري. وكما هو معلوم كان أبعد ما تم الوصول إليه في هذا المضمار هو تجربة “الحزب الاشتراكي-الثوري” الذي كان يشكل، لفترة خلال عام 1917، الحزب الذي يمثل فعلياً غالبية الفلاحين الساحقة. ولكن ماذا جرى بعد ذلك؟ لقد استغل هذا الحزب وضعه ليخون الفلاحين كليا لحساب البرجوازية الليبرالية. فدخل الاشتراكيون-الثوريون في تحالف مع استعماريي “الانثانت” وخاضوا معهم حربا مسلحة ضد البروليتاريا الروسية.
إن هذه التجربة التقليدية تؤكد أن الأحزاب البرجوازية الصغيرة التي تعتمد على الفلاحين ما زال بمقدورها الإبقاء على ما يشابه السياسة المستقلة خلال الفترات الخامدة من التاريخ عندما تطفو القضايا الثانوية إلى السطح؛ ولكن عندما تضع أزمة المجتمع الثورية قضايا الملكية على المحك، يتحول حزب “الفلاحين” البرجوازي الصغير رأسا إلى أداة طيعة في يد البرجوازية موجهة ضد البروليتاريا.
إذا جرى تحليل خلافاتي القديمة في الرأي مع لينين على أساس بعدها التاريخي الصحيح وليس على صعيد النصوص التي تجتزأ من هذه السنة أو تلك ومن هذا الشهر أو ذلك اليوم، يتضح إذ ذاك أن الخلاف لم يكن قائما، من طرفي على الأقل، حول ما إذا كان تحالف البروليتاريا مع الفلاحين ضروريا لإنجاز المهام الديمقراطية؛ وإنما كان يدور حول الشكل الحزبي-السياسي والحكومي الذي سيكتسيه التعاون الثوري بين البروليتاريا والفلاحين وحول النتائج التي تنتج عنه في تطور الثورة اللاحق. إني أتكلم طبعا عن موقفي في هذا الخلاف وليس عن موقف بوخارين أو راديك آنذاك هذا الموقف الذي تقع عليهما مهمة الدفاع عنه.
إن المقارنة التالية توّضح بدقة إلى أي مدى كانت صيغة “الثورة الدائمة” قريبة من صيغة لينين. في صيف عام 1905، أي قبل إضراب ديسمبر العام وقبل انتفاضة ديسمبر في موسكو، كتبت في مقدمة لإحدى خطب “لاسال” ما يلي:
“من البديهي أن تؤدي البروليتاريا رسالتها مدعمة من الفلاحين ومن البرجوازية الصغيرة في المدن كما فعلت البرجوازية إبان ثورتها. البروليتاريا تقود الريف، وتجذبه إلى الحركة، وتثير اهتمامه في نجاح مخططاتها. إلاّ أنه لا بد للبروليتاريا من أن تظل هي القائدة. هذه ليست دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية، بل دكتاتورية البروليتاريا المدعومة من الفلاحين.” ([2]) (تروتسكي: “العام 1905” -ص281- الطبعة الروسية).
والآن فلنقارن هذه الكلمات التي كتبت عام 1905 والتي استشهدت بها في مقالي البولوني عام 1909 بالكلمات التي ستلي للينين التي كتبت هي أيضا عام 1909 مباشرة بعد أن تبنى مؤتمر الحزب، تحت ضغط من روزا لوكسمبورغ، صيغة “دكتاتورية البروليتاريا المدعومة من الفلاحين” عوضا عن الصيغة البلشفية القديمة. لقد ردّ لينين على المنشفيك الذين تكلموا عن وجود تغير جذري في موقفه، قائلا:
“…إن الصيغة التي اختارها البلاشفة هنا تقول: البروليتاريا التي تقود الفلاحين وراءها.” [64]
“أليس من البديهي أن الفكرة التي تتخلل جميع هذه الصياغات هي واحدة؟ أليس من البديهي أن هذه الفكرة تعبر بدقة عن ديكتاتورية العمال والفلاحين، وأن صيغة البروليتاريا المدعومة من الفلاحين تبقى كليا في نطاق دكتاتورية العمال والفلاحين بالذات؟” (لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 1- ص 219 و 224-).
هنا نجد أن لينين قد أضاف شيئا إلى معادلته “الجبرية” التي تستبعد فكرة نشوء حزب فلاحي مستقل وحتى إمكانية لعبه لدور أساسي في الحكومة الثورية: البروليتاريا تقود الفلاحين، الفلاحون يدعمون البروليتاريا، وبالتالي فالسلطة الثورية محصورة في يد حزب البروليتاريا. ولكن هذه هي بالتحديد النقطة الرئيسية لنظرية الثورة الدائمة.
أمّا الآن، أي بعد أن جرى الامتحان التاريخي، فكل ما نستطيع قوله عن الخلافات القديمة في الرأي حول مسألة الدكتاتورية هو ما يلي:
في حين كان لينين، الذي ينطلق من دور البروليتاريا القيادي، يؤكد ويطور بكل الطرق ضرورة تعاون العمال الثوري والديمقراطي مع الفلاحين -وكان بذلك معلمنا جميعا- كنت بدوري أنطلق دوما وأبدا من هذا التعاون مؤكدا بكل الطرق ضرورة القيادة البروليتارية ليس في الجبهة فحسب ولكن في الحكومة التي سترأس هذه الجبهة أيضا. وليس من خلافات أخرى في الموضوع.
فلنأخذ نصين في هذا الصدد: نص من مقالة “نتائج وتوقعات” يستعمله ستالين و زينوفييف لإثبات تناقض آرائي مع آراء لينين، ونص آخر من مقالة سجالية للينين ضدي يستعمله راديك للغرض نفسه.
ها هو النص الأول:
“إن اشتراك البروليتاريا في الحكومة هو أمر محتمل جدا من الناحية الموضوعية، و جائز من الناحية المبدئية فقط عندما يكون اشتراكيا قياديا طاغيا. ويمكن بالطبع أن نطلق على مثل هذه الحكومة اسم دكتاتورية العمال والفلاحين، أو دكتاتورية البروليتاريا والفلاحين والانتلجنسيا، أو حتى حكومة التحالف الطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة، ولكن يبقى السؤال التالي معلقا: “من سيهيمن على الحكومة نفسها ومن خلالها على البلد؟ ونحن، إذ نتكلم عن حكومة عمالية، إنما نجيب على السؤال بالقول أن الطبقة العاملة هي التي يجب أن تهيمن.” (ليون تروتسكي: “ثورتنا” -1907- ص 250- الطبعة الروسية)
لقد أثار زينوفييف (عام 1925!) ضجة كبيرة لأني وضعت (عام 1905!) الفلاحين والانتلجنسيا على مستوى واحد. هذا كما فهمه من الأسطر المذكورة أعلاه. كانت الإشارة إلى الانتلجنسيا ناجمة عن ظروف تلك الحقبة حيث كانت الانتلجنسيا تلعب دورا مختلفا جدا عن الدور الذي تلعبه اليوم. فقد كانت منظمات المثقفين هي التي تحتكر الكلام باسم الفلاحين في ذلك الحين؛ فقد بنى الاشتراكيون-الثوريون حزبهم رسميا على هذا “الثالوث”: البروليتاريا، الفلاحون، الانتلجنسيا؛ وكان المنشفيك، على حد تعبيري في ذلك الحين، يتمسّكون بكل مثقف راديكالي لكي يثبتوا أن الديمقراطية البرجوازية ما تزال يانعة. ولقد كتبت مئات المرات من ذلك الحين عن عقم المثقفين كفئة اجتماعية “مستقلة” وعن المغزى الحاسم للفلاحين الثوريين.
ومهما يكن، لسنا بالتأكيد في معرض مناقشة جملة سجالية واحدة لست مستعدا للدفاع عنها مطلقا. إن جوهر النص هو التالي: إني أقبل المحتوى الذي يعطيه لينين للديكتاتورية الديمقراطية قبولا كليا، وإني أطالب فقط بتحديد أدق لتركيبه السياسي، أي باستبعاد ذلك النوع من التحالف الذي تكون فيه البروليتاريا أسيرة أغلبية برجوازية صغيرة.
والآن، فلنلتفت إلى مقالة لينين عام 1916 التي كانت، على حد تعبير راديك نفسه، موجهة “رسميا ضد تروتسكي ولكنها موجهة في الواقع ضد بوخارين و بياتاكوف وكاتب هذه السطور (أي راديك) وعدد آخر من الرفاق.” إن هذا الاعتراف ثمين يؤكد انطباعي في ذلك الحين أن لينين يوجه مساجلته ضدي في الظاهر فقط، لأن مضمون المساجلة في الواقع لا علاقة بي، الأمر الذي سأبيّنه فيما يلي. إن هذه المقالة تحتوي (في سطرين إثنين) على الاتهام ذاته المتعلق “بإنكاري للفلاحين” المزعوم الذي أصبح فيما بعد رأس المال الأساسي في يد رجال الصف الثاني وأتباعهم. إن “بيت القصيد” في هذه المقالة على حد تعبير راديك، يكمن في المقطع التالي إذ يقول لينين مستشهدا بكلامي:
“إن تروتسكي لم يأخذ بعين الاعتبار أنه إذا قادت البروليتاريا وراءها الجماهير غير البروليتارية في الريف لمصادرة ممتلكات أصحاب الأراضي والإطاحة بالملكية فهذا يعني إنتهاء الثورة البرجوازية الوطنية، يكون موازيا في روسيا لدكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية الثورية.” (لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 13- ص 214- الطبعة الروسية).
إن لينين لم يوجّه تأنيبه حول “إنكاري” الفلاحين إلى “العنوان الصحيح” فقد كان يتوجه، في الواقع، إلى بوخارين وراديك الذين لا يتضح قفزهما عن الطور الديمقراطي من الثورة من كل ما قيل أعلاه فحسب، وإنما يتضح أيضا من المقطع الذي يستشهد به راديك نفسه والذي يسميه عن حق “بيت القصيد” في مقالة لينين. وفي الواقع، يستشهد لينين بكلمات مقالتي رأسا التي تقول بأن انتهاج البروليتاريا لسياسة مستقلة صلبة هو العامل الذي “يجرّ ورائها الجماهير غير البروليتارية في الريف لمصادرة ممتلكات أصحاب الأراضي و للإطاحة بالملكية” إلى آخره؛ ثم يستطرد لينين قائلا: “إن تروتسكي لم يأخذ بعين الاعتبار… إن هذا يكون موازيا في روسيا لدكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية الثورية”. وبكلمات أخرى، إن لينين يؤكد هنا ويستشهد أن تروتسكي يقبل، في الواقع، كل المضمون العقلي للصيغة البلشفية (تعاون العمال مع الفلاحين ومهام هذا التعاون الديمقراطية)، غير أنه يرفض أن يعترف أن هذا هو بالذات انتهاء الثورة الوطنية وهذا هو بالذات قيام الديكتاتورية الديمقراطية. لذا، ينتج عن ذلك أن الخلاف في هذه المقالة السجالية “العنيفة” ظاهريا لا يتعلق ببرنامج الطور القادم من الثورة وقواه الطبقية الدافعة، وإنما يتعلق بالتأكيد بالعلاقة المتبادلة بين هذه القوى وبالطابع السياسي والحزبي للدكتاتورية. وكنتيجة لغموض العمليات نفسها في ذلك الحين من جهة، ونتيجة للمبالغات الناجمة عن صراع الأجنحة كانت إساءة الفهم السجالية مفهومة وحتمية في تلك الأيام؛ أما ما لا يمكن فهمه هو أن راديك يسعى لإدخال هذه الفوضى في المسألة بعد وقوع الحدث.
كانت مساجلتي مع لينين تدور، في جوهرها، حول إمكانية استقلال الفلاحين في الثورة (وحول درجة هذا الاستقلال) وبخاصة حول إمكانية نشوء حزب فلاحي مستقل. في تلك المساجلة اتهمت لينين بالمبالغة في تقدير دور الفلاحين المستقل. واتهمني لينين بإساءة تقدير دور الفلاحين الثوري. وكان هذا ينبثق من طبيعة المساجلة نفسها. ولكن أليس كريها أن يستعمل المرء هذه النصوص الآن، بعد مضي عقدين من الزمن، عازلا إياها عن مضمون العلاقات الحزبية في ذلك الحين ومضفيا على كل مبالغة سجالية أو خطأ آني معنى مطلقا، عوضا عن أن يعرّي في ضوء التجربة الثورية العظيمة التي اخترناها طبيعة المحور الأساسي للخلافات وبُعدها الحقيقي وليس بُعدها اللفظي.
لكوني مجبرا على أن أحدّ من اختياري للنصوص، سوف أشير فقط إلى أطروحات لينين الرئيسية التي كتبت في نهاية عام 1905 ولم تنشر لأول مرّة إلاّ عام 1926 في المجلد الخامس من “متفرقات لينين” (ص451). وأني أذكر أن جميع المعارضين، بما فيهم راديك، اعتبروا أن نشر هذه الأطروحات هو أثمن هدية تقدّم للمعارضة، لأنه تبيّن أنه لو أردنا تطبيق مواد القانون الستاليني على هذه الأطروحات لتبيّن أن لينين متهم “بـ التروتسكية”. فبدت أهم النقاط التي وردت في مقررات المؤتمر السابع “للجنة المركزية للأممية الشيوعية” التي تدين التروتسكية وكأنها موجهة بصراحة وعن قصد ضد أطروحات لينين الأساسية. فأزبد الستالينيون غيظا. وقد قال لي كامنييف الذي تولّى نشر “المتفرقات” صراحة بتلك “الطيبة” الصلفة التي يتميز بها، قال لولا أنه لم يكن يمهد لقيام جبهة بيننا لما كان سمح، في أي حال من الأحوال، بنشر هذه الوثيقة. وأخيرا عمد “كوستريزيوا” في مقالة له في مجلة “البلشفي” إلى تزوير هذه الأطروحات لغرض واحد هو إعفاء لينين من أن توجه إليه تهمة التروتسكية في موقفه من الفلاحين عامة ومن الفلاح المتوسط خاصة.
وبالإضافة لذلك، سأستشهد هنا بتقييم لينين نفسه لخلافه في الرأي معي كما تحدث عنه عام 1909:
“إن الرفيق تروتسكي نفسه يسلّم، في هذا المضمار “باشتراك ممثلي القطاع الديمقراطي من الشعب” في “الحكومة العمالية” أي أنه يسلّم بحكومة تضم ممثلين من البروليتاريا والفلاحين.
أما حول السؤال: في أية ظروف يسمح بها اشتراك البروليتاريا في الحكومة الثورية؟ فذلك موضوع آخر؛ والأرجح أن البلاشفة لن تكون لهم وجهة نظر مشتركة، في هذا الصدد، ليس مع تروتسكي فحسب بل مع الاشتراكيين-الديمقراطيين البولونيين أيضا. إلاّ أنه يمكن تحويل مسألة دكتاتورية الطبقات الثورية، بأي حال من الأحوال، إلى مجرد مسألة “الأغلبية” في هذه الحكومة أو تلك، أو إلى ماهية الظروف التي يسمح بها اشتراك الاشتراكيين-الديمقراطيين في هذه الحكومة أو تلك”. (لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 1- ص 229- الطبعة الروسية).
إن لينين يؤكد مرّة أخرى في هذا النص أن تروتسكي يقبل بحكومة تضم ممثلين عن البروليتاريا والفلاحين فهو إذن لا “يقفز” عن هذه الأخيرة. علاوة على ذلك، فقد أكّد لينين أنه لا يمكن تحويل مسألة الدكتاتورية إلى مجرد مسألة الأغلبية في الحكومة. إن هذا بمجمله لا جدال حوله. إن الموضوع يتعلق أولا وآخرا بنضال البروليتاريا والفلاحين المشترك، وبالتالي نضال الطليعة البروليتارية، ضد البرجوازية الليبرالية الوطنية للتأثير على الفلاحين. غير أنه لا يمكن تحويل مسألة دكتاتورية العمال والفلاحين الثورة إلى مسألة هذه الأغلبية أو تلك في الحكومة، على أنه لابد من أن تبرز هذه المسألة كمسألة حاسمة بعد انتصار الثورة. وكما رأينا، فإن لينين يتحفظ بحذر (تجاه جميع الاحتمالات) فيؤكد أنه لو وصلت الأمور إلى درجة اشتراك الحزب في الحكومة الثورية لربّما برزت خلافات مع تروتسكي ومع الرفاق البولونيين حول ظروف هذا الاشتراك. إذن كان الموضوع هو موضوع احتمال نشوء اختلاف في الرأي إلى مدى ما كان لينين يعتبر أنه من الجائز نظريا أن يشترك ممثلون عن البروليتاريا كأقلية في حكومة ديمقراطية. غير أن الأحداث برهنت أنه لم تنشأ خلافات فيما بيننا. ففي أكتوبر 1917، نشب صراع عنيف في القيادة العليا للحزب حول مسألة الحكومة الائتلافية مع الاشتراكيين-الثوريين والمنشفيك. وبدون أن يعترض لينين مبدئيا على التحالف على صعيد مجالس السوفييت، طلب بوضوح تام المحافظة على الأغلبية البلشفية. وكنت إلى جانب لينين في ذلك الموقف.
والآن، فلنسمع راديك. إلى ماذا يحوّل كل مسألة دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية؟
إنه يتساءل: “أين أثبتت نظرية البلاشفة عام 1905 عن صحتها في الأساس؟ في كون النضال المشترك لعمال بتروغراد و فلاحيها (جنود حامية بتروغراد) هو الذي أطاح بالحكم القيصري [عام 1917 -ل.ت.]. وعلى كل، فإن صيغة 1905 قد تكهنت في أساسها بالعلاقة بين الطبقات فقط ولكنها لم تتكهن بمؤسسات سياسية محدّدة”.
لحظة واحدة من فضلك! عندما وصفت الصيغة اللينينية القديمة بأنها معادلة “جبرية” لم أكن أعني أنه يجوز تحويلها إلى ابتذال فارغ كما يفعل راديك بطيش. تحقق الشيء الأساسي: لقد اشترك العمال والفلاحون في “الإطاحة بالقيصرية”. غير أن هذا “الشيء الأساسي” قد تحقق، بدون استثناء، في جميع الثورات الناجحة أو التي نجحت جزئيا. لقد كانت الضربات التي وجهت إلى القيصرية والإقطاعية والكهنة دوما مصدرها قبضات البروليتاريين وأسلافهم المعدمون والفلاحون. ويعود ذلك إلى القرن السادس عشر في ألمانيا وحتى إلى ما قبل ذلك. وفي الصين كان العمال والفلاحون هم الذين وجهوا الضربات إلى “العسكريين”. فما علاقة هذا بالدكتاتورية الديمقراطية؟ إن الثورة. الصينية أو الثورات القديمة لم تعرف مثل هذه الدكتاتورية. لم لا؟ لأن البرجوازية كانت تركب على ظهور العمال والفلاحين الذين اضطلعوا بالمهام الصعبة في الثورة. إن راديك قد انفصل بعنف عن “المؤسسات السياسية” بحيث نسي “أهم شيء” في الثورة، أي من يقودها ومن يستولي على الحكم. ومهما يكن من أمر، فالثورة نضال من أجل استلام الحكم. إنها صراع سياسي تخوضه الطبقات ليس بأيديها العارية وإنما تخوضه بواسطة “مؤسسات سياسية” (كالاحزاب وما شابه).
ويكرر راديك وعيده ضدنا نحن الكفرة: “إن الذين لم يتعمقوا في فهم تعقيدات الأداة الماركسية-اللينينية” يحملون المفهوم التالي: “يجب أن يؤدي كل شيء في النهاية إلى حكومة مشتركة من العمال والفلاحين؛ ويذهب البعض إلى حد الاعتقاد أنه لا بدّ لذلك من أن يكون في حكومة ائتلافية تضم الأحزاب العمالية والفلاحية”.
يا لهم من متحجري الرؤوس هؤلاء “البعض”! ما رأي راديك؟ هل يعتقد أنه ليس من الضروري أن تنعكس الثورة المنتصرة على العلاقة المحددة بين الطبقات الثورية، وأن تترك طابعها عليها؟ لقد عمّق راديك المشكلة “السوسيولوجية” إلى درجة أنه لم يتبقّ منها سوى قشرة لفظية.
يتبين لنا إلى أي مدى لا يجوز أن ينفصل المرء عن مسألة الأشكال السياسية لتعاون العمال والفلاحين عندما نقرأ الكلمات التالية من خطاب لراديك نفسه، في “الأكاديمية الشيوعية” في مارس من عام 1927:
“منذ سنة، كتبت مقالة في “البرافدا” حول هذه الحكومة [حكومة كانتون] وقلت أنها حكومة الفلاحين والعمال. وقد اعتبر أحد الرفاق في هيئة التحرير أن تلك هفوة من جانبي، فحوّل المجلة إلى حكومة العمال والفلاحين. إني لم أعترض على هذا وتركتها كما هي حكومة العمال والفلاحين”
وهكذا، كان راديك في مارس من عام 1927 (وليس في عام 1905) من الرأي القائل أنه بالإمكان قيام حكومة الفلاحين والعمال عوضا عن حكومة العمال والفلاحين. كان ذلك فوق مستوى تفكير محرّر “البرافدا”.و أني أقسم بحياتي أني لم أفهمه أيضا. إننا نعرف تمام المعرفة ما معنى حكومة العمال والفلاحين. ولكن ما هي حكومة الفلاحين والعمل التي هي بديل لحكومة العمال والفلاحين ومعاكسة لها؟ المرجو أن تفسّروا لنا لغز تبديل النعوت هذا. هنا نضع اصبعنا على جوهر المسألة. في عام 1926 اعتبر راديك أن حكومة كانتون التي أقامها تشانغ كاي-تشيك هي حكومة الفلاحين والعمال. وفي عام 1927 كرّر هذه الصيغة. وقد تبين، في الواقع، أنها حكومة برجوازية تستغل النضال الثوري للعمال والفلاحين ثم تغرقهم في بركة من الدم. كيف تفسر هذه الفعلة الشنيعة؟ هل أن راديك قد أخطأ الحكم فقط؟ من السهل أن يخطئ المرء الحكم إذا كان بعيدا عن الحدث. لماذا لم يقل راديك إذن: إني لم أفهم، أني لم أرَ، لقد أخطأت. لا ليس هذا خطأ ناجما عن قلة المعلومات، بل هو كما يتضح الآن خطأ فادح في المبدأ. إن حكومة الفلاحين والعمال التي تعاكس حكومة العمال والفلاحين ليست سوى الكيومنتانغ. ولا يمكن أن تكون أي شيء آخر. إن الفلاحين إما أن يتبعوا البروليتاريا وإما أن يتبعوا البرجوازية. وأظن إن هذه المسألة قد اتضحت بما فيه الكفاية في معرض نقدي لفكرة ستالين الانشقاقية حول: “حزب الطبقتين، طبقة العمال وطبقة الفلاحين”. (راجع:” نقد الخطوط الرئيسية لمشروع برنامج الأممية الشيوعية”)، إن “حكومة الفلاحين والعمال” في كانتون مقابل حكومة العمال والفلاحين هي أيضا التعبير الوحيد الذي يمكن أن نتبيّنه، في لغة السياسة الصينية الحالية، عن “الديكتاتورية الديمقراطية” التي تعاكس دكتاتورية البروليتاريا؛ أنها بكلمات أخرى، تجسيد لسياسة الكيومنتانغ الستالينية التي تعاكس السياسة البلشفية التي تنعتها “الأممية الشيوعية” بأنها سياسة “تروتسكية”.
4- كيف بدت نظرية الثورة الدائمة عند التطبيق العملي
يضيف راديك لنقده لنظريتنا نقدا “للخطة التكتيكية المستخرجة منها” كما رأينا. إن هذه الإضافة جد مهمة. فالنقد الستاليني الرسمي “للتروتسكية” قد اقتصر بحذر على النظرية… إلاّ أن هذا ليس كافيا بالنسبة لراديك. إنه يخوض معركة ضد خط تكتيكي (بلشفي) معيّن في الصين. لذا فهو يسعى إلى الحظ من هذا الخط بواسطة نظرية الثورة الدائمة، ولكي يصل إلى ذلك عليه أن يبيّن، أو أن يدّعي أن غيره قد سبق وبيّن، أن خطأ تكتيكيا خاطئا قد انبثق في الماضي عن هذه النظرية. في عمله هذا يخدع راديك قراءة. قد يكون غير ملمّ بتاريخ الثورة التي لم يشترك فيها بشكل مباشر. ولكن يبدو أنه لم يبذل أي جهد ليتفحص المسألة على ضوء الوثائق. وأهم هذه الوثائق يتضمنها الجزء الثاني من مؤلفاتي الكاملة التي هي في متناول كل من يجيد القراءة. لذا، فليعلم راديك أني كنت خلال جميع مراحل الثورة الأولى على اتفاق تام مع لينين حول تقدير قوى الثورة ومهامها المتعاقبة بالرغم من أني أمضيت عام 1905 كله مختبئا في روسيا وعام 1906 في السجن. إني مجبر على الاكتفاء هنا بالحد الأدنى من الإثباتات والوثائق.
في مقالة لي في فبراير 1905 طبعت في مارس من العام نفسه، أي قبل شهرين أو ثلاثة من موعد انعقاد أول مؤتمر بلشفي (المعروف في تاريخ الحزب بالمؤتمر الثالث للحزب)، كتبت ما يلي:
“إن الصراع المرير الذي يدور بين الشعب والقيصر والذي سيستمر حتى إحراز النصر، والانتفاضة الوطنية الشاملة التي هي ذروة هذا النضال، والحكومة المؤقتة التي هي تتويج ثوري لانتصار الشعب على عدوه القديم، وانتزاع السلاح من الرجعية القيصرية وتسليح الشعب من قبل الحكومة المؤقتة، وعودة الجمعية التأسيسية إلى الانعقاد على أساس انتخاب عام متساوي ومباشر وسري -إن هذه كلها هي المراحل المحددة موضوعيا التي تمر بها الثورة”
(تروتسكي : المؤلفات الكاملة: المجلد 2 -الجزء الأول -ص 232).
يكفي أن نقارن هذه الكلمات بمقررات المؤتمر البلشفي في ماي 1905 لنتبين في الطريقة التي صيغت بها هذه المقررات تضامني الكامل مع البلاشفة حول المشكلات الأساسية.
وليس هذا كل ما في الأمر. فعلى ضوء هذه المقالة، وضعت في بطرسبرغ بالاتفاق مع كراسين أطروحات حول الحكومة المؤقتة وزعت بشكل سري في ذلك الحين. وقد دافع كراسين عنها في المؤتمر البلشفي. وكلمات لينين هذه تبيّن مدى اتفاقه معها:
“إني أتفق مع آراء الرفيق كراسين جملة وتفصيلا. من الطبيعي أن أكون، بوصفي كاتبا، قد أوليت الصياغة الأدبية للمسألة اهتماما زائدا. لقد بيّن الرفيق كراسين أهمية الهدف الذي يسعى إليه النضال، وكان مصيبا في ذلك، إني أمنحه تأييدي المطلق. فليس بالإمكان أن نخوض النضال إذا لم نكن مصممين على الاستيلاء على الموضع الذي نناضل من أجله”…
(لينين: المؤلفات الكاملة: المجلد 6 -ص 180- الطبعة الروسية).
إن القسم الأكبر من تعديلات كراسين المفصّل، الذي أحيل القارئ إليه، قد أدخل في مقررات المؤتمر. ومما يثبت إني كنت كاتب هذا التعديل رسالة من كراسين ما تزال في حوزتي. إن كامنييف وغيره يعرفون هذه الحقبة من تاريخ الحزب معرفة جيدة.
كانت مشكلة الفلاحين ومشكلة جذبهم للالتفاف حول سوفييت العمال وتنسيق العمل مع “عصبة الفلاحين” تستأثر باهتمام سوفييت بطرسبرغ بشكل متزايد يوما بعد يوم. هل يعلم راديك أن رئاسة هذا السوفييت أوكلت إلي؟ وفيما يلي نص من بين مئات النصوص التي كتبتها في ذلك الحين حول المهام التكتيكية للثورة:
“على البروليتاريا أن تنشئ “مجالس سوفييت” في جميع المدن لتقود نضال الجماهير في المدن وتضع في حيّز التنفيذ التحالف النضالي مع الجيش والفلاحين”.
(تروتسكي: مجلة “ناشالو” -العدد 4 في 30 نوفمبر 1905).
إني أقرّ أن الاستشهاد بنصوص تثبت أني لم أتكلم أبدا عن “قفزة” من الحكم الفردي إلى الاشتراكية أمرٌ مملٌ ومخجل معا. ولكن لا مفرّ منه. ففي فبراير عام 1906، مثلا، كتبت ما يلي حول مهام الجمعية التأسيسية، دون أن أطرحها كبديل لمجالس السوفييت، كما يفعل الآن راديك الذي يسير على خطى ستالين بالنسبة للصين، لكي يزيل بمكنسة يسارية -فعالية كل أوساخ سياسة الأمس الانتهازية:
“إن الشعب المتحرر سيدعو الجمعية التأسيسية بقوته هو. وستلقى على عاتق هذه الجمعية مهام جسام. عليها أن تعود بناء الدولة على أسس ديمقراطية، أي وفق مبادئ سيادة الشعب المطلقة. وسيكون من واجبها أن تنظم الميليشيا الشعبية وأن تجري إصلاحا زراعيا بعيد المدى وتدخل يوم العمل من ثماني ساعات وضريبة دخل تصاعدية”. (تروتسكي : المؤلفات الكاملة: المجلد 2 -الجزء الأول -ص 349- الطبعة الروسية).
وهذا ما كتبته عام 1905 في منشور تحريكي مسألة إدخال الاشتراكية “مباشرة”:
هل من المعقول إدخال الاشتراكية إلى روسيا مباشرة؟ كلا.. فإن ريفنا ما زال يسوده الظلام والجهل إلى حد كبير. والاشتراكيون الحقيقيون بين الفلاحين قلة. علينا بادئ بدء أن نقضي على الحكم الفردي الذي يبقى جماهير الشعب في الظلام. يجب تحرير فقراء الريف من جميع الضرائب، وإدخال ضريبة دخل تصاعدية وفرض التعليم الإلزامي العام، وأخيرا يجب صهر البروليتاريا وشبه-البروليتاريا في الريف مع بروليتاريا المدن في جيش اشتراكي- ديمقراطي واحد. إن هذا الجيش وحده هو الذي يستطيع أن يحقق الثورة الاشتراكية العظمة”. (تروتسكي : المؤلفات الكاملة: المجلد 2 -الجزء الأول -ص 228-الطبعة الروسية).
ويستنتج من ذلك أني كنت أميز بين المرحلة الديمقراطية والمرحلة الاشتراكية من الثورة، قبل أن يبدأ راديك، الذي يسير على خطى ستالين وثالمان ([1])، بتزويدي بالنصائح حول هذا الموضوع. منذ اثنين وعشرين عاما كتبت ما يلي:
“عندما تبلورت فكرة الثورة المتقطعة في الصحافة الاشتراكية، تلك الفكرة التي تربط بين تصفية الحكم المطلق والإقطاعية وبين الثورة الاشتراكية إلى جانب تفاقم الصراعات الاجتماعية وتمرد قطاعات جماهيرية جديدة وشن البروليتاريا للهجمات المستمرة على الامتيازات الاقتصادية والسياسية للطبقات الحاكمة، عندما تبلورت هذه الفكرة أطلقت صحافتنا “التقدمية” صيحة استنكار واحدة”.(تروتسكي: “ثورتنا” -1906- ص258)
أريد أولا أن الفت الأنظار إلى تعريف الثورة غير المتقطعة الذي تحويه هذه الكلمات: إنها تربط بين تصفية بقايا القرون الوسطى وبين الثورة الاشتراكية من خلال عدد من الاصطدامات الاجتماعية المتزايدة الحدة. فأين إذن هي القفزة؟ أين هو تجاهل المرحلة الديمقراطية؟ وعلى كل، أليس هذا ما حدث فعلا عام 1917؟
وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أن صرخة الاستنكار التي أطلقتها الصحافة “التقدمية” عام 1905 ضد الثورة غير المتقطعة لا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنتها بالنباح غير التقدمي الذي يطلقه مرتزقة هذا الزمن الذين تدخلوا في الموضوع بعد مضي ربع قرن.
ماذا كان موقف “الحياة الجديدة” لسان حال الجناح البلشفية التي كانت تصدر تحت إشراف لينين اليقظ عندما أثرتُ موضوع الثورة الدائمة في الصحافة. لا شك أن هذه النقطة لا تخلوا من الأهمية. كتبت صحيفة “حياتنا” البرجوازية “الراديكالية” مقالة تحاول فيها أن تواجه “نظرية الثورة الدائمة”، لتروتسكي بآراء لينين “الأكثر معقولية”، فأجابت عليها صحيفة “الحياة الجديدة” البلشفية (في 27 نوفمبر 1905) بما يلي:
“إن هذا الافتراض الكيفي هراء ليس إلاّ. لقد قال الرفيق تروتسكي إنه من الممكن أن لا تتوقف ثورة البروليتاريا عند المرحلة الأولى بل تكمل طريقها فتقوض حكم المستغلين؛ وقد أشار لينين من طرفه إلى أن الثورة السياسية ما هي إلاّ الخطوة الأولى. إن محرر “حياتنا” يريد أن يرى تناقضا بين هاذين القولين… إن سوء التفاهم كله يرجع إلى أسباب ثلاثة: أولا: الرعب الذي تثيره في أوساط أسرة تحرير صحيفة “حياتنا” عبارة الثورة الاجتماعية. ثانيا: رغبة هذه الصحيفة في اكتشاف خلاف عميق حاد بين وجهات نظر الاشتراكيين-الديمقراطيين. وثالثا: الثورية التي يستعملها الرفيق تروتسكي في عبارة “دفعة واحدة”. في العدد العاشر من صحيفة “ناشالو”(البداية)يوضح الرفيق تروتسكي هذه العبارة بما لا يفسح المجال أمام أي تأويل فيقول:
“ولكن هذا الانتصار يعني بدوره ديمومة الثورة في المستقبل. إن البروليتاريا تحقق في الحياة المهام الديمقراطية الأساسية غير أن منطق صراعها العاجل من أجل ترسيخ حكمها السياسي يطرح عليها، في لحظة معينة، مشكلات ذات طابع اشتراكي فحسب. فتتولد ديمومة ثورية بين برنامج الحد الأدنى وبرنامج الحد الأقصى (من مطالب الاشتراكيين-الديمقراطيين). ليست المسألة مسألة “دفعة واحدة”، أو مسألة يوم واحد أو شهر واحد، إنها مسألة حقبة تاريخية برمتها. ومن العبث أن نحاول تحديد مدتها سلفا.”
إن هذه الإشارة تستنفذ موضوع المنشور الحالي. أي دحض لكل النقد اللاحق الذي وجهه “رجال الصف الثاني” هو أكثر وضوحا ودقة ومتانة من هذا الدحض الذي تحويه مقالتي الصحفية التي نقلتها صحيفة لينين “الحياة الجديدة” معلنة تأييدها الكامل لها؟ إن مقالتي توضّح إن البروليتاريا المنتصرة، خلال إنجازها للمهام الديمقراطية، سوف يفرض عليها منطق وضعها ذاته مواجهة مشكلات ذات طابع اشتراكي فحسب في مرحلة معينة. هنا بالتحديد تكمن الديمومة بين برنامج الحد الأدنى وبرنامج الحد الأقصى التي تنبثق بشكل حتمي عن دكتاتورية البروليتاريا. وقد أوضحت في ذلك الحين لنقادي في معسكر البرجوازية الصغيرة أن هذه لن تتم دفعة واحدة وأنها ليست قفزة بل هي حقبة تاريخية كاملة. ولقد وقفت صحيفة لينين “الحياة الجديدة” بحزم إلى جانب هذا التوقع. وأهم من ذلك هو أن هذا التوقع قد أكده سير التطور الفعلي، وبرهن عام 1917 عن صحته بشكل حاسم.
إلى جانب العناصر الديمقراطية من البرجوازية الصغيرة المتكتلة حول صحيفة “حياتنا”، كان هنالك المنشفيك الذين تكلموا عام 1905 وبخاصة عام 1906 بعد أن بدأت الثورة بالانتكاس، عن “القفزة” المروعة عن الديمقراطية باتجاه الاشتراكية. ومن بين هؤلاء المنشفيك كان مارينوف والمرحوم يوردانسكي بشكل خاص السباقين في هذا المجال. ولنذكر بشكل عابر أنهما صارا فيما بعد من الستالينيين المتحمسين. وقد خصصتُ عام 1906 مقالة مفصلة ومكتوبة بأسلوب شعبي للرد على هؤلاء المنشفيك الذين حاولوا إلصاق تهمة “القفز إلى الاشتراكية” بي، فبينت تهافت هذا الإدعاء وسفاهته. وباستطاعتي الآن إعادة طبع هذه المقالة دون أن أحذف منها شيئا للردّ على نقد “رجال الصف الثاني” ولكنني سأكتفي بالاستشهاد بخاتمة هذه المقالة التي تتلخص بالكلمات التالية:
“فليطمئن ناقدي (يوردانسكي) إني أعلم علم اليقين أن القفز عن عقبة سياسية في مقالة صحفية لا يشبه بشيء تخطيها عمليا”.
(تروتسكي : المؤلفات الكاملة: المجلد 2 -الجزء الأول -ص 454-الطبعة الروسية).
ترى أيكفي هذا؟ وإذا لم يكن كافيا، فإني سوف أستمر. حتى لا أفسح المجال أمام نقاد على طراز راديك ليقولو أن المواد ليست “في متناول أيديهم” لكي يطلقوا عليها أحكامهم الشهمة.
لقد كتبت خلال وجودي في السجن عام 1906 منشورا صغيرا بعنوان “خططنا التكتيكية” طبعه لينين رأسا وهو يحوي الخاتمة المميزة التالية:
“سوف تتمكن البروليتاريا من الاستناد إلى انتفاضة في الريف وفي المدينة، مركزي الحياة السياسية، وسوف تتمكن من أن تحقق انتصار القضية التي بادرت بإثارتها. و باعتمادها على قوى الفلاحين الأساسية و بقيادتها لها لن توجه البروليتاريا الضربة القاضية المظفرة للرجعية فحسب، ولكنها ستعرف كيف تحقق انتصار الثورة أيضا”.
(تروتسكي : المؤلفات الكاملة: المجلد 2 -الجزء الأول -ص 448-الطبعة الروسية).
هل يبدو هذا من هذا القول أني أتجاهل الفلاحين؟ وبالمناسبة، بلورت في المنشور ذاته الفكرة التالية:
“إن خططنا التكتيكية، المبنية على تقدّم الثورة المضطرد، لا يجب أن تتجاهل أطوار الحركة الثورية ومراحلها أكانت هذه حتمية أم ممكنة أم متوقعة”.
(تروتسكي : المؤلفات الكاملة: المجلد 2 -الجزء الأول -ص 436-الطبعة الروسية).
هل يبدو هذا وكأنه قفزة مروعة؟
في مقالة لي بعنوان “دروس من السوفييت الأول” (1906) بيّنت توقعات تطور الثورة اللاحق (أو بالأحرى توقعات الثورة الجديدة كما تبين فيما بعد) على الشكل الآتي:
“التاريخ لا يعيد نفسه -فلن يضطر السوفييت الجديد إلى اجتياز أحداث الأيام الخمسين (نوفمبر إلى ديسمبر 1905)، عوضا عن ذلك بإمكانه أن يستعيد برنامج عمله كله من هذه الفترة. وهذا البرنامج في غاية الوضوح: التعاون الثوري مع الجيش والفلاحين والفئات الدنيا من البرجوازية الصغيرة في المدن. إلغاء الحكم الفردي. تقويض تنظيمه المادي بواسطة إعادة التنظيم من جهة، وبواسطة تذويب الجيش حالا وتحطيم الآلة البيروقراطية والبوليسية من جهة أخرى. تحديد يوم العمل بثماني ساعات. تسليح الشعب عامة والبروليتاريا خاصة. تحويل مجالس السوفييت إلى منظمات للإدارة الذاتية الثورية في المدن. إنشاء مجالس سوفييت لمندوبي الفلاحين (اللجان الفلاحية) بوصفها المنظمات المولجة بتحقق الثورة الزراعية في الريف. تنظيم الانتخابات للجمعية التأسيسية، والنضال الانتخابي على أساس برنامج عمل محدد يطرحه ممثلو الشعب”.
(تروتسكي : المؤلفات الكاملة: المجلد 2 -الجزء الثاني -ص 206-الطبعة الروسية).
هل يبدو هذا القول وكأنه قفز عن القضية الزراعية، أو أنه تجاهل للمسألة الفلاحية بشكل عام؟ هل يبدو من هذا القول أني كنت متعاميا عن المهام الديمقراطية للثورة؟ كلا إنه لا يبدو كذلك. ولكن كيف تبدو الصورة السياسية التي يرسمها راديك؟ إنها لا تبدو كأي شيء.
يحاول راديك بواسطة الإبهام والتضخيم أن يضع حدا فاصلا بين موقفي عام 1905 الذي يشوهه وبين موقف المنشفيك، دون أن يدري أنه هو نفسه يردد ثلاثة أرباع نقد المنشفيك؛ فيقول أنه بالرغم من أن تروتسكي اتبع نفس الوسائل التي يتبعها المنشفيك إلا أن هدفه كان مغايرا لهدفهم. بهذه الصيغة الذاتية يسيء راديك إلى الطريقة التي يعالج فيها المسألة. حتى “لاسال” كان يعلم أن الهدف يعتمد على الوسيلة ويتحدد بها في التحليل الأخير. وقد ذهب إلى حد كتابة مسرحية حول هذا الموضوع بعنوان “فرانز فون سنكينجين”. ولكن، ما هو القاسم المشترك بين وسائلي ووسائل المنشفيك؟ موقف كلانا من الفلاحين. وكبرهان على ذلك، يستشهد راديك بثلاث اسطر سجالية من مقالة لينين عام 1916 الآنفة الذكر، مشيرا بشكل عابر إلى أن لينين، بالرغم من أنه يذكر تروتسكي بالاسم، فقد كان في الواقع يوجه مساجلته ضد بوخارين وضد راديك ذاته. وإلى جانب هذه الأسطر من لينين التي سبق ورأينا كيف يدحضها محتوى مقالة لينين كله، يتناول راديك تروتسكي نفسه. في معرض فضحي لتهافت مفهوم المنشفيك، طرحت في مقالة لي عام 1916 السؤال التالي: إذا لم تكن البرجوازية الليبرالية هي التي ستقود الثورة، فمن سيقودها؟ على كل، أنتم أيها المنشفيك، لا تؤمنون بأي حال من الأحوال بدور الفلاحين السياسي المستقل. هنا يقبض عليّ راديك بالجرم المشهود: إن تروتسكي “يتفق” مع المنشفيك حول دور الفلاحين. كان المنشفيك، يرفضون فكرة “إبعاد” البرجوازية الليبرالية بغية إقامة تحالف مشبوه، لا يمكن الإعتماد عليه مع الفلاحين. تلك كانت “وسيلة” المنشفيك، في حين كانت وسيلتي تعتمد على استبعاد البرجوازية الليبرالية والنضال من أجل قيادة الفلاحين الثوريين. وحول هذه المسألة الأساسية كنت على اتفاق تام مع لينين. فعندما قلت للمنشفيك في معرض صراعي ضدهم: “لستم، بأي حال من الأحوال، على استعداد للاعتراف بدور الفلاحين القيادي”، فلم يكن ذلك اتفاقا مع وسيلة المنشفيك، كما يحاول راديك أن يوحي، وإنما كان طرحا جليا لبديل: إما دكتاتورية الأثرياء الليبراليين وإما دكتاتورية البروليتاريا.
إن نفس الحجة الأكيدة التي واجهت بها المنشفيك عام 1916، والتي يحاول راديك الآن استعمالها بخبث ضدي، وقد سبق لي وعرضتها قبل ذلك بتسع سنوات في مؤتمر لندن عام 1907 في معرض دفاعي عن أطروحات البلاشفة حول الموقف من الأحزاب غير البروليتارية. سوف استشهد هنا بالجزء الأساسي من خطابي في لندن الذي نشر، في السنوات الأولى للثورة، في المجموعات والكتب المدرسية كنموذج على الموقف البلشفي من الطبقات والأحزاب خلال الثورة. هذا ما قلته في ذلك الخطاب الذي يحوي صياغة جلية لنظرية الثورة الدائمة:
“إن أفكار الرفاق المنشفيك تبدو بالنسبة إليهم في غاية التعقيد. لقد سمعتهم يرددون اتهامات تقول إن مفهومي لمجرى الثورة الروسية مبسط أكثر من اللازم. ولكن، بالرغم من هلاميتهم المفرطة، التي هي شكل من أشكال التعقيد، وربما بسبب هذه الهلامية نجد أن آراء المنشفيك موضوعة في قالب بسيط يسهل حتى على المستر مليكوف فهمها.
فقد كتب الملهم النظري لحزب “الكاديت” في ملحق لكتابه الأخير “ما هي نتائج انتخابات مجلس الدوما الثاني؟” ما يلي: “أما بالنسبة للمجموعات اليسارية، بالمعنى الضيق لهذه العبارة، أي المجموعات الاشتراكية والثورية، فالاتفاق معها سيكون أكثر صعوبة. ولكن حتى في هذا المضمار، إذا لم تتوفر أسباب إيجابية واضحة تسهل الاتفاق فيما بيننا، هناك على الأقل أسباب سلبية وجيهة تدعوا لذلك. إن هدفهم هو نقدنا وتجريحنا، لهذا السبب وحده علينا أن نكون موجودين وأن نتحرك. وكلنا يعلم أن اشتراكيي روسيا والعالم يعتبرون الثورة القائمة الآن ثورة برجوازية لا ثورة اشتراكية. إنها ثورة تحققها الديمقراطية-البرجوازية… إن تخطي هذه الثورة أمر لا يدخل في تخطيط أي اشتراكي في العالم، وإذا كانت الأمة قد انتخبتهم إلى مجلس الدوما بهذه الأعداد الضخمة، فبالتأكيد ليس لكي يحققوا الثورة الاشتراكية الآن أو لكي يقوموا هم بالإصلاحات “البرجوازية” التحضيرية… والأجدر بهم أن يتركوا لعب دور البرلمانيين لنا وأن لا يورطوا أنفسهم في لعب هذا الدور”.
إن مليكوف، كما اتضح، يدخل بنا إلى صلب الموضوع. إن النص المنشور أعلاه يحوي أهم العناصر التي يتكون منها موقف المنشفيك تجاه الثورة واتجاه العلاقة بين الديمقراطية البرجوازية والديمقراطية الاشتراكية.
“الثورة القائمة الآن هي ثورة برجوازية وليست ثورة اشتراكية” هذه هي النقطة الأولى والأكثر أهمية. إن الثورة البرجوازية “يجب أن تحققها الديمقراطية البرجوازية”، تلك هي النقطة الثانية. ليس بمقدور الديمقراطية الاشتراكية أن تقوم بالإصلاحات البرجوازية نفسها، إن دورها يقتصر على المعارضة،على “النقد والتجريح”. تلك هي النقطة الثالثة. وأخيرا، النقطة الرابعة: لكي نضمن للاشتراكيين البقاء في المعارضة علينا (نحن الديمقراطية-البرجوازية) أن نكون موجودين وأن نتحرك”.
ولكن ماذا لم نكن “نحن” موجودين؟ ماذا لو لو لم يكن ثمة ديمقراطية برجوازية قادرة على قيادة الثورة البرجوازية؟ إذن توجّب علينا اختراعها. وتلك بالتحديد هي النتيجة التي يخلص إليها المنشفيك إنهم ينسجون من صنع خيالهم ديمقراطية برجوازية مع توابعها وتاريخها.
بوصفنا ماديين، يتوجب علينا بادئ بدء أن نطرح قضية الأسس الطبقية للديمقراطية البرجوازية: على أية فئات أو هيئات بإمكانها أن تعتمد؟
البرجوازية الكبيرة ليست قوة ثورية، هذا أمر نتفق عليه جميعا. فحتى إبان الثورة الفرنسية العظمى، التي كانت ثورة برجوازية بالمعنى الواسع لهذه العبارة، لعب بعض صناعيي مدينة “ليون” دورا معاديا للثورة. ولكن يقال لنا أن البرجوازية المتوسطة وبشكل خاص البرجوازية الصغيرة تشكلان القوة القائدة للثورة البرجوازية. ولكن ماذا تمثل هذه البرجوازية الصغيرة؟
لقد اعتمد اليعاقبة على العناصر الديمقراطية في المدن التي انبثقت من التعاونيات الحرفية. وكان الصناع الصغار والمياومون وسكان المدن المرتبطون بهم يكونون جيش المعدمين الثوريين (Les sans culottes) القوة الدافعة لحزب “الجبليين” القائد. إن هذه الجموع الكثيفة من سكان المدن، التي اجتازت التاريخ الطويل لحقبة التعاونيات الحرفية، هي التي حملت جميع أعباء الثورة. وكانت النتيجة الموضوعية لهذه الثورة خلق الظروف “الطبيعية” الاستغلال الرأسمالي. ومهما يكن من أمر، فالتركيبات الاجتماعية للعملية التاريخية هي التي ولدت هذه النتيجة: أن يكون “السوقة” أي ديمقراطية الشارع -المعدمون (Les sans culottes)- هم الدين مهّدوا الطريق أمام سيطرة البرجوازية. فقد طهرت دكتاتوريتهم الإرهابية المجتمع البرجوازي من حثالته القديمة، فجاءت البرجوازية إلى الحكم بعد أن توخت دكتاتورية ديمقراطيي البرجوازية.
إني أسأل الآن، وليس للمرة الأولى ويا للأسف، أية طبقة اجتماعية سترفع ديمقراطيي البرجوازية الثورية إلى سدة الحكم، وتمكنهم عن الاضطلاع بمهامها الجبارة إذا ظلت البروليتاريا في المعارضة؟ ذلك هو السؤال الرئيسي، وأني أطرحه مجددا على المنشفيك.
لا شك في أنه يوجد في بلدنا جماهير غفيرة من الفلاحين الثوريين. غير أن الرفاق المنشفيك يعلمون، بقدر ما أعلم، أن الفلاحين، بغض النظر عن مدى ثوريتهم، عاجزون عن أن يلعبوا دورا سياسيا مستقلا وهم بالتالي عاجزون عن لعب دور قيادي. ومما لا شك فيه أن الفلاحين سيثبتون أنهم قوّة ضخمة في خدمة الثورة، ولكن الماركسي لا يؤمن عادة أنه بإمكان حزب فلاحي أن يقود الثورة البرجوازية وأن يبادر في تحرير قوى الإنتاج في الأمة من العقبات القديمة الموضوعية في طريقها. إن المدينة هي الكائن المسيطر في المجتمع الحديث، والمدينة فقط هي التي تستطيع أن تلعب دور المسيطر في الثورة البرجوازية.
والآن، أين هي العناصر الديمقراطية في مدن روسيا القادرة على قيادة الأمة؟ إن الرفيق مارتينوف ينقب عنها منذ مدة وفي يده مجهر. فاكتشف أساتذة في ساراتوف، ومحامين في بطرسبرغ وعلماء إحصاء في موسكو. وكغيره ممن يشاركونه الرأي، رفض مارتينوف أن يلاحظ شيئا واحدا وهو أن البروليتاريا الصناعية قد احتلت نفس الموقع في الثورة الروسية كالتي احتلها الديمقراطيون المعدمون (Les sans culottes) من الحرفيين وشبه-البروليتاريا في نهاية القرن الثامن عشر. أيها الرفاق، إني ألفت انتباهكم إلى هذه الحقيقة الأساسية.
إن الصناعة الواسعة في بلدنا لم تنبثق بشكل عضوي من نظام الحرف. وتاريخ مدننا الاقتصادي لا يذكر شيئا عن وجود مرحلة حرفية. فقد ولدت الصناعة الرأسمالية في بلدنا تحت ضغط سريع ومباشر من رأس المال الأوروبي، الذي استولى على أرض بكر وبدائية دون أن تقف في وجهه التقاليد الحرفية. لقد دخل رأس المال الأجنبي إلى بلدنا عبر قنوات القروض التي تطلبها الدولة وعبر أنابيب المبادرة الفردية. فجمع حوله جيش البروليتاريا الصناعية وحال دون نشوء الحرف وتطورها. ونتيجة لهذه العملية ظهرت فيما بيننا، إبان الثورة البرجوازية، بروليتاريا صناعية ذات مستوى مرتفع من التطور الاجتماعي تشكل القوة الرئيسية في المدن. هذه هي الحقيقة. ولا يمكن مناقشتها ويجب اتخاذها أساسا لاستنتاجاتنا التكتيكية الثورية.
إذا كان الرفاق المنشفيك يؤمنون بأن الثورة ستنتصر، أو إذا كانوا يعترفون بأن الانتصار محتمل، إذن لا يجوز لهم أن يشككوا في أن المطالب التاريخي الوحيد بالسلطة الثورية في بلدنا هي البروليتاريا. فمثلما قادت العناصر الديمقراطية من البرجوازية الصغيرة في المدن الأمة الثائرة، إبان الثورة الفرنسية العظمى، كذلك يجب على البروليتاريا، الطاقة الديمقراطية الثورية الوحيدة في مدننا، أن تكسب تأييد الجماهير الفلاحية وأن تستولي على الحكم؛ بدون هذا تفقد الثورة كل أمل لها بالانتصار.
إن قيام حكومة ترتكز بشكل مباشر على البروليتاريا ومن خلالها على الفلاحين الثوريين لا يعني أنها قد أصبحت دكتاتورية اشتراكية. لن أعالج في هذا الصدد التوقعات الأخرى المطروحة أمام الحكومة البروليتارية. من المحتمل أن يكون مصير البروليتاريا هو الفشل، كما فشلت ديمقراطية اليعاقبة، لكي تفسح المجال أمام حكم البرجوازية. لكني أريد أن أقول ما يلي فقط: إذا كانت الحركة الثورية في بلدنا ستنتصر بوصفها حركة عمالية، كما تنبأ بليخانوف، إذن فانتصار الثورة ممكن فقط عندما يكون انتصار البروليتاريا الثوري؛ وفيما عدا ذلك فأي انتصار آخر مستحيل كل الاستحالة.
إني أصرّ على هذا الاستنتاج بعناد. إن الذين يسلِّمون بأن التناقضات الاجتماعية بين البروليتاريا والفلاحين ستمنع الطبقة الأولى من قيادة الطبقة الثانية، وبأن البروليتاريا لا تملك بمفردها القوة الكافية لإحراز النصر؛ إن الذين يسلمون بهذا يجب أن يخلصوا بالضرورة إلى ان ثورتنا لا نصيب لها من النجاح. في هذه الحالة، لابد من أن تكون النتيجة الطبيعية للثورة هي الاتفاق بين البرجوازية الليبرالية وسلطات العهد القديم. إن هذا استثناء لا يمكن إنكار احتمال حدوثه. غير أنه من الواضح أن هذا الاستثناء يوازي انهزام الثورة ويتحدد في ضوء صنعها الداخلي. إن جوهر تحليل المنشفيك، وبخاصة تقييمهم للبروليتاريا ولعلاقاتها الممكنة مع الفلاحين يقودهم حتما إلى طريق التشاؤم الثوري.
إلاّ أنهم يحيدون دوما عن هذا الطريق ويولدون تفاؤلا ثوريا مبنيا الديمقراطية البرجوازية.
على هذا الأساس يبنون موقفهم من حزب الكاديت. فهذا الحزب يجسد بالنسبة إليهم الديمقراطية البرجوازية، والديمقراطية البرجوازية هي المطالب الطبيعي بالسلطة الثورية…
على أي أساس يبنون اعتقادهم أن الكاديت ما زال حزبا يستطيع أن يقف على رجليه؟ ترى على حقائق التطور السياسي؟ كلا، إنكم تبنونها على منهاج خاص بكم. لكي “تتحقق الثورة حتى نهايتها” تحتاجون إلى ديمقراطيي برجوازية المدن، فتبحثون عنهم بشغف، غير أنكم لا تجدون أحدا سوى الكاديت. فيتولد لديكم تفاؤل عجيب تجاههم، فيبدأون بتحضيرهم ليلعبوا دورا خلاقا، هذا الدور الذي لا يريدون ولا يستطيعون وسوف لن يلعبوه. إني لم أتلقَّ جوابا على سؤالي الأساسي الذي طرحته مرارا. إن سياستكم تفتقر إلى الأهداف الكبيرة.
في هذا الصدد يجب على المؤتمرين أن يتذكرو الكلمات التي صغتم بها موقفكم من الأحزاب البرجوازية: “حسب ما تقتضي الأحوال”. إنكم لا تريدون للبروليتاريا أن تخوض نضالا دؤوبا للتأثير على جماهير الشعب، ولا أن تحدد خططها التكتيكية على ضوء فكرة واحدة موجهة لتوحيد جميع الكادحين والمضطهدين لتكون حاملة لوائهم و قادتهم”.
(محاضرة ومقررات المؤتمر الخامس للحزب. الصفحة 180-185).
هذا الخطاب الذي يلخص بوضوح وإيجاز جميع مقالاتي وخطبي ومواقفي خلال عامي 1905-1906 قد حظي بالتأييد الكامل من قبل البلاشفة مثلما حظي بتأييد روزا لوكسمبورغ وتيسيزكو (على أساس هذا الخطاب نشأت فيما بيننا علاقات وثيقة أدت إلى مشاركتي في تحرير الصحيفة البولونية التي كانا يصدرانها). إن لينين، الذي لم يغفر لي موقفي التوفيقي تجاه المنشفيك، وكان على حق في ذلك، تكلم عن خطابي بلهجة تحفظ مقصودة. وهذا ما قاله:
“أريد فقط أن أشير إلى أن تروتسكي في كتيبه “دفاعا عن الحزب” قد أعلن عن تضامنه العلني مع كاوتسكي الذي كتب عن وحدة المصالح الاقتصادية بين البروليتاريا والفلاحين في الثورة الروسية الحالية. وقد اعترف تروتسكي بإمكان نشوء جبهة يسارية ضد البرجوازية الليبرالية وطالب بالإسراع في إنشائها. هذه الوقائع تكفي للاستنتاج بأن تروتسكي آخذ في الاقتراب من مفهومنا. إذا ما استثنينا مسألة “الثورة المستمرة” يمكن القول أننا متضامنون حول النقاط الأساسية لمسألة العلاقة بالأحزاب البرجوازية”.
(لينين: المؤلفات الكاملة: الجزء 8- ص 400- الطبعة الروسية).
لم يحاول لينين في خطابه هذا أن يقدم تقييما عاما لنظرية الثورة الدائمة، لأني لم أبلور في خطابي التوقعات اللاحقة لدكتاتورية البروليتاريا. ويبدو أنه لم يقرأ بالتأكيد كتابي الأساسي حول هذه المسألة، وإلاّ لما كان تكلم عن “اقترابي” من مفاهيم البلاشفة وكأنه حدث جديد، لأن خطابي في لندن لم يكن سوى تكرار موجز لمؤلفاتي في عامي 1905 و 1906. لقد تكلم لينين بتحفظ شديد لأني كنت آنذاك خارج الجناح البلشفي. وبالرغم من ذلك، وبدقة أكثر: بسبب ذلك، تترك كلماته مجالا للتأويل. لقد أكد لينين على “أننا متضامنون حول النقاط الأساسية للمسألة المتعلقة بالموقف من الفلاحين والبرجوازية الليبرالية. إن هذا التضامن ليس تضامنا مع أهدافي، على حد قول راديك الفظيع، ولكنه بالتحديد تضامن مع وسائلي. أما فيما يتعلق بتوقع نضوج الثورة الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية، فصحيح أن لينين يورد هذا التحفظ: “إذا ما استثنينا مسألة (الثورة المستمرة)”. ما هو معنى هذا التحفظ؟ من الواضح أن لينين لا يربط مطلقا بين الثورة الدائمة وبين تجاهل دور الفلاحين أو القفز عن الثورة الزراعية، مثلما يفعل “رجال الصف الثاني” الجهلة والفاقدون للأمانة الفكرية. إن فكرة لينين هي على الشكل الآتي: إني لن أتعرض لمسألة إلى مدى ستصل الثورة عندنا وما إذا كانت البروليتاريا ستصل إلى الحكم في بلدنا قبل وصولها إليه في أوروبا، وما هو نصيب تحقيق الاشتراكية من النجاح؛ ومهما يكن من أمر “فإننا متضامنون” حول المسألة الأساسية المتعلقة بموقف البروليتاريا من الفلاحين ومن البرجوازية الليبرالية.
لقد شهدنا في مكان سابق كيف كانت ردة فعل صحيفة البلاشفة “الحياة الجديدة” لنظرية الثورة الدائمة عند ولادتها أي في عام 1905. فلنقرأ الآن ماذا يقول ناشرو “مؤلفات لينين الكاملة” عن هذه النظرية بعد عام 1917. ففي ملاحظات الملحق ة بالمجلد 14، الجزء الثاني، ص 481، ورد ما يلي:
حتى قبيل ثورة 1905 تقدم (تروتسكي) بنظرية أصيلة يجدر الانتباه إليها الآن بشكل خاص هي نظرية الثورة الدائمة يؤكد فيها أن ثورة عام 1905 البرجوازية سوف تنتقل مباشرة إلى ثورة اشتراكية فتكون بذلك الحلقة الأولى في سلسلة من الثورات على الصعيد الوطني”.
إني أسلم القول بأن هذا ليس بأي حال من الأحوال اعترافا بصحة ما كتبته عن الثورة الدائمة. غير أنه اعتراف بعدم صحة ما يكتبه راديك عنها. “إن الثورة البرجوازية ستنتقل مباشرة إلى ثورة اشتراكية” -هذه هي نظرية نضوج الثورة إلى ثورة اشتراكية وليست نظرية “القفز عن المرحلة الديمقراطية إلى الاشتراكية”، والخطة التكتيكية المنبثقة عنها هي خطة واقعية وليست خطة انتحارية. وما هو معنى “النظرية…التي يجدر الانتباه لها الآن بشكل خاص هي نظرية الثورة الدائمة”؟ إنه يعني أن ثورة أكتوبر قد ألقت ضوءا جديدا على تلك الأوجه من الثورة الدائمة التي كانت مظلمة في السابق بالنسبة للكثيرين أو أنها بدت “غير متوقعة” بالنسبة لهم. لقد صدر الجزء الثاني من المجلد 14 من مؤلفات لينين الكاملة بينما كان مؤلفها ما يزال على قيد الحياة. وقد قرأ هذه الملاحظة الألوف بل عشرات الألوف من الأعضاء الحزبيين. ولم يعلن أي منهم أنها غير صحيحة عام 1924. وقد فطن راديك إليها عام 1928 فقط.
ولكن ما دام راديك لا يقتر في حديثه على النظرية بل يتعداها إلى الخطة التكتيكية، فأهم حجة توجد ضده هي طبيعة اشتراكي العملي في ثورتي 1905 و1917. إن عملي في سوفييت بطرسبرغ عام 1905 ينسجم مع تبلور ذلك القسم من الرأي الذي يتعلق بطبيعة الثورة التي شن عليها رجال الصف الثاني هجومهم كله. فكيف يمكن ألا يكون لهذه الآراء التي يعتبرونها مغلوطة أي انعكاس على نشاطي السياسي بأي شكل الذي كنت أمارسه على مرأى من الجميع والذي كانت الصحف تكتب عنه يوميا؟ ولكن إذا اعتبرنا أن نظرية مغلوطة كهذه قد انعكست على سياستي، إذن، لماذا لازم المسيطرون الحاليون على الحزب والحكم جانب الصمت في ذلك الحين؟ وما قد يكون أهم من ذلك: لماذا دافع لينين في ذلك الحين بحماس بالغ عن الخط الذي كان يسلكه سوفييت بطرسبرغ سواء خلال ذروة انتصار الثورة أم بعد انهزامها؟
إن الأسئلة ذاتها، ولكن بشكل أكثر حدة، يمكن طرحها بشأن ثورة عام 1917. في عدة مقالات كتبتها في نيويورك، قيّمت ثورة فبراير من وجهة نظر نظرية الثورة الدائمة. لقد أعيد طبع جميع هذه المقالات الآن. وكانت الاستنتاجات التكتيكية التي خلصت إليها على انسجام تام مع الاستنتاجات التي خلص إليها لينين في الوقت ذاته في جنيف، وكانت بالتالي على تضاد مع استنتاجات كامنييف و ستالين و”رجال الصف الثاني” الآخرين. وعندما وصلت بتروغراد، لم يسألني أحد إذا كنت قد تخليت عن “أخطائي” في الثورة الدائمة. وفي الواقع لم يكن هنالك أحد ليسأل: فقد كان ستالين منكفئا على ذاته بارتباك ينتقل من زاوية لأخرى تجيش في نفسه رغبة واحدة هي أن ينسى الحزب بأسرع وقت ممكن السياسة التي كان يدعو إليها إلى حين وصول لينين. ولم يكن ياروسلافسكي قد احتل بعد منصب الموجه “للجنة المراقبة”، فقد كان يتعاون مع المنشفيك ومع اوردجونيكيدج وآخرون على إصدار وريقة شبه ليبرالية تافهة في “ياكوتسك”. أما كامنييف فقد اتهم لينين بالتروتسكية وقال لي عندما قابلني: “بإمكانك الآن أن تسخر منا ما شئت ذلك”. عشية ثورة أكتوبر كتبت في الصحيفة الرسمية للحزب البلشفي عن توقع الثورة الدائمة. ولم يخطر ببال أحد أن يتصدى لي. كان تضامني مع لينين قد غدا تضامنا كاملا بلا قيد أو شرط. فماذا يريد راديك والنقاد الآخرون أن يقولو؟ هل يريدون أن يقولوا إني فشلت فشلا تاما في فهم النظرية التي كنت ادعوا إليها، وأني تصرفت في أخطر مرحلة من التاريخ بشكل مغاير لهذه النظرية وكنت على حق في ذلك؟ أليس من الأسهل أن نسلم بأن نقادي قد فشلوا في فهم الثورة الدائمة مثلما فشلوا في فهم قضايا أخرى غيرها؟ فإذا سلمنا بأن هؤلاء النقاد الذين جاؤوا في مؤخرة الركب مؤهلين لتحليل أفكارهم وأفكار غيرهم، كيف نفسر إذن الموقف المخجل الذي اتخذه جميعهم في ثورة 1917 أو موقفهم من الثورة الصينية الذي وصمهم بوصمة عار أبدية؟
وعلى كل حال، فقد يتذكر القارئ فجأة: ولكن ماذا بشأن شعارك التكتيكي البالغ الأهمية؛ “لا قيصرية بل حكومة عمالية؟”
إن بعض الأوساط تعتبر أن هذه الحجة حجة حاسمة. إن الحديث عن شعار تروتسكي الشنيع “لا قيصرية!” يتخلل كتابات جميع نقاد الثورة الدائمة؛ فالبعض يعتبره الحجة الهامة والحاسمة والنهائية، أما بالنسبة للبعض الآخر فإنه مرفأ أمين تستريح عنده العقول المرهقة.
هذا النقد يصل إلى أعمق أعماقه طبعا عند “سيد” الجهل والغدر عندما يقول في مؤلفه الذي لا يضاهى “قضايا اللينينية” ما يلي:
“لن نتوقف طويل عند موقف الرفيق تروتسكي في عام 1905 عندما نسي “ببساطة” كل ما يتعلق بالفلاحين كقوة ثورية وطرح شعار “لا قيصرية بل حكومة عمالية” أي شعار الثورة بمعزل عن الفلاحين”
(ستالين: قضايا اللينينية -ص174 -175- الطبعة الروسية).
بالرغم من وضعي الذي يكاد يكون عاجزا في وجه هذا النقد الكاسح الذي لا يريد أن “يمكث طويلا”، سأحاول الاستنجاد ببعض الظروف المخففة. هاك بعضا منها فأرجو الاستماع إليها.
حتى لو كانت إحدى المقالات التي كتبتها عام 1905 تحوي شعارا معزولا مبهما أو غير ملائم قد يفسح المجال أمام التأويل، لا يجب النظر إليه الآن بعد ثلاثة وعشرين عاما بمفرده بل يجب أن يوضع ضمن إطاره إلى جانب كتاباتي الأخرى حول الموضوع نفسه، ويجب وضعه في إطاره إلى جانب مشاركتي السياسية في الأحداث، وهذا ما هو أهم من أي شيء آخر. فلا يجوز أن يعطى القراء فقط عنوان كتاب يجهلونه (بقدر ما يجهله النقاد أنفسهم” وأن يضفي على هذا العنوان معنى يتناقض تماما مع كل كتاباتي وتصرفاتي.
لن أكون هادرا للوقت، أيا نقادي، إذا قلت لكم إني لم أكتب ولم أقل ولم أقترح شعارا كهذا الشعار “لا قيصرية بل حكومة عمالية!” في أي مكان أو أي زمان. ففي أساس الحجة الرئيسية التي يواجهها لي هؤلاء الذين يقاضونني يكمن خطأ فادح في المعلومات، إلى جانب أشياء أخرى. إن حقيقة الأمر هي أن بارفوس قد كتب ونشر في الخارج بيانا بعنوان “لا قيصرية بل حكومة عمالية” في صيف عام 1905. كنت يومذاك أعيش متخفيا في بطرسبرغ، ولم يكن لي أية علاقة، من بعيد أو من قريب، بهذا البيان فكرا أو عملا. وقد علمت بوجوده فيما بعد من خلال المقالات السجالية التي دارت حوله. ولم تسنح لي الفرصة ولا الظرف الملائم لأعبر عن رأيي فيه. أما فيما يتعلق بالبيان ذاته فإني لم أره ولم أقرأه قط (وهذا هو حال جميع نقادي أيضا). هذه هي الحقيقة في هذه القضية الفظيعة. إني آسف لحرماني أمثال ثالمان وسيمار من هذه الحجة التي يسهل استعمالها والإقناع بها. ولكن الحقائق أقوى من مشاعري الإنسانية.
وليس هذا كل ما في الأمر. فالصدفة قد جمعت الأحداث إلى بعضها بحيث إني كتبت منشورا وزع سرا في بطرسبرغ بعنوان “لا القيصر ولا الزيمتزي ([2])، بل الشعب!” في نفس الوقت الذي نشر فيه بارفوس بيانه الذي أجهله: “لا قيصرية بل حكومة عمالية”. إن عنوان “لا القيصر ولا الزيمتزي، بل الشعب!” الذي يرد مرارا في نص المنشور بوصفه شعارا يشمل العمال والفلاحين لهو خير حجة مكتوبة بلهجة شعبية تدحض الادعاءات اللاحقة حول قفزي عن المرحلة الديمقراطية للثورة. إن المنشور يوجد في “مؤلفات تروتسكي الكاملة” (المجلد 2، الجزء الأول، ص256). إلى جانب ذلك توجد النداءات التي كتبتها والتي طبعتها اللجنة المركزية لحزب البلاشفة الموجهة لهؤلاء الفلاحين الذين “نسيتهم ببساطة” على حد تعبير ستالين الذكي([3]).
ولكن هذه أيضا ليست كل ما في الأمر. منذ زمن ليس ببعيد، كتب أحد قادة ومفكري الثورة الصينية، السيد “رافيس” المحترم، عن الشعار الشنيع ذاته الذي طرحه تروتسكي في عام 1917 على صفحات المجلة الفكرية الناطقة باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الإتحاد السوفييتي. لم يتكلم رافيس عن عام 1905 بل عن عام 1917! على كل حال، فإن رافيس المنشفيكي معذور بعض الشيء، فحتى عام 1920 كان ما يزال وزيرا في حكومة بتليورا، فكيف له وهو يرزح تحت ثقل مسؤوليات الصراع ضد البلاشفة أن يراقب ماذا يجري في معسكر ثورة أكتوبر! ولكن كيف تسمح لجنة تحرير المجلة الناطقة باسم اللجنة المركزية بنشر مثل هذا الهراء؟ إن هذا لأمر عجيب. إنها حماقة جديدة ليس إلاّ…
وقد يعترض قارئ تثقف على حثالة هذه السنوات الأخيرة: “ولكن كيف يمكن أن يحصل ذلك؟ ألم يعلمونا في مئات وآلاف الكتب والمقالات…؟”
“أجل، أيها الأصدقاء، هذا ما علموكم إياه؛ ولهذا السبب عليكم أن تتعلموا من جديد. تلك هي النفقات الباهظة التي تفرضها علينا حقبة الردّة. ذلك هو السبيل الوحيد. فالتاريخ لا يسير في خط مستقيم. وهو قد تعثر حاليا في متاهات ستالين.”
5- هل تحققت “الديكتاتورية الديمقراطية” في بلدنا، ومتى؟
يستنجد راديك بلينين مدّعيا أن الديكتاتورية الديمقراطية قد تحققت في بلدنا على شكل السلطة المزدوجة، أجل، إني أعترف أن لينين قد طرح السؤال على هذا الشكل أحيانا وبشروط. “أحيانا؟” يحتج راديك ويتهمني بالتهجم على إحدى أفكار لينين الأساسية. غير أن راديك يغضب لأنه على خطأ ليس إلاّ. ففي كتابي “دروس أكتوبر” الذي ينقده راديك بدوره بعد تأخير ما يقارب الأربع سنوات، فسّرت كلمات لينين عن “تحقيق” الديكتاتورية الديمقراطية على النحو التالي:
“إن تحالف العمال والفلاحين يتخذ شكلا غير ناضج من أشكال السلطة العاجزة عن بلوغ السلطة الحقيقية؛ إنه يتخذ شكلا كاتجاه فقط وليس كواقع محدد”
(تروتسكي : المؤلفات الكاملة: المجلد 3 -الجزء الأول -ص 21-الطبعة الروسية).
وقد كتب راديك بصدد هذا التفسير:
إن هذا التفسير لمضمون أحد أروع الفصول النظرية في مؤلفات لينين لا يساوي شيئا البتة”.
ويعقب هذه الكلمات نداء يستدر العطف على التقاليد البلشفية ثم تأتي الخاتمة أخيرا:
“إن هذه القضايا من الأهمية البالغة بحيث لا يمكن الإجابة عليها بالإشارة إلى ما كان يقوله لينين أحيانا”
ويريد راديك بهذا أن يوحي أني أعالج باستخفاف “إحدى أروع” أفكار لينين. إلاّ أن راديك يهدر استنكاره وغيضه بدون سبب. إن قليلا من التفهم يفيده أكثر هنا. إن ما عرضته في “دروس أكتوبر”، رغم ابتساره، لا يعتمد على وحي مفاجئ هبطت به نصوص ليست مأخوذة عن مصادرها الأصلية، وإنما يعتمد على دراسة أصلية مستفيضة لكتابات لينين. إنها تستخرج جوهر فكرة لينين حول هذه المسألة، في حين لا يحتفظ عرض راديك اللفظي بمقطع حيّ واحد من فكر لينين رغم غزارة الاستشهادات فيه.
لماذا استعملت هذا التحفظ: “أحيانا”؟ لأن الأمر كان كذلك. لقد أشار لينين إلى أن الديكتاتورية الديمقراطية قد “تحققت” على شكل السلطة المزدوجة (“بشكل معين وإلى حدٍّ ما”) في الفترة بين أبريل وأكتوبر عام 1917، أي قبل أن تتحقق الثورة الديمقراطية فعليا. إن راديك لم يلاحظ هذا الأمر ولم يفهمه ولا تقييّمه. وفي معرض صراعه ضد رجال الصف الثاني الحاليين، تكلم لينين بشكل جد مشروط عن “تحقيق” الديكتاتورية الديمقراطية ([1]). وهو لم يفعل ذلك ليقدّم وصفا تاريخيا لحقبة السلطة المزدوجة، فلو فعل ذلك على هذا الشكل لبدا الأمر سخيفا، ولكن ليردّ على أولئك الذين يتوقعون طبعة منقحة ثانية عن الدكتاتورية الديمقراطية المستقلة. إن كلمات لينين قد عنت فقط أنه لم يوجد دكتاتورية ديمقراطية خارج عملية إجهاض السلطة المزدوجة البائسة وأن هذا هو السبب الذي يدعوا إلى “إعادة تسليح” الحزب أي إلى تغيير الشعار. أما الإدعاء أن تحالف المنشفيك والاشتراكيين-الثوريين مع البرجوازية، الذي رفض إعطاء الأرض للفلاحين واضطهاد البلاشفة، هو “تحقيق” للشعار البلشفي؛ فهو يعني إما أن نعمد عن قصد إلى تسمية الأبيض أسود وإما أن نكون قد فقدنا عقولنا.
وفيما يتعلق بالمنشفيك، بالإمكان أن نردّ عليهم بحجة مشابهة لتلك التي ردّ بها لينين على كامنييف” “هل تنتظر من البرجوازية أن تضطلع بتحقيق رسالة “تقدمية” في الثورة؟ لقد سبق لهذه الرسالة أن تحققت: فالدور السياسي الذي لعبه رودزيانكو وغوشكوف ومليوكوف هو أقصى ما تستطيع البرجوازية أن تقدمه، كما أن الكرنسكية هي الحد الأقصى من الثورة الديمقراطية الذي يمكن تحقيقه في طور مستقل”.
إن السمات الشِراحية ([2]) Anatomical)] التي لا تخطيء -الترسبات- تبيِّن أن أجدادنا كان لهم ذيل. وهذه السمات كافية للتأكيد على وحدة العالم الحيواني التكوينية (Genestic). ولكن فلنقل بسلامة نية أن لا ذيل للإنسان. لقد أظهر لينين لكامنييف ترسبات الدكتاتورية الديمقراطية في نظام السلطة المزدوجة محذّرا إياه من أنه لا أمل بنمو عضو جديد من هذه الترسبات. ولم تتحقق عندنا دكتاتورية ديمقراطية مستقلة، رغم أننا قد أنجزنا الثورة الديمقراطية بطريقة أعمق وأعند وأصفى من جميع الثورات الأخرى.
يتوجب على راديك أن يتأمل هذه الحقيقة: لو أن الدكتاتورية الديمقراطية قد تحققت فعلاً في الفترة ما بين فبراير وأبريل لكان حتى مولوتوف اعترف بها. لقد فهم الحزب والطبقة الدكتاتورية الديمقراطية على أنها نظام حكم يحطم بلا هوادة آلة الدولة القديمة التابعة للملكية ويصفي نهائيا نظام ملكيات الأرض. ولكن لم يكن ثمة من أثر لهذا في فترة حكم كرينسكي. وكان الأمر بالنسبة للحزب البلشفي يتعلق بالتحقيق الفعلي للمهام الثورية ولم يكن يتعلق بتبيان بعض “الترسبات” السوسيولوجية والتاريخية. وفي سعيه لتنوير خصومه نظريا، أبرز لينين ببراعة هذه السمات التي لم تبلغ مرحلة النضوج، وكان هذا كل ما فعله في هذا الصدد. إلاّ أن راديك يسعى بكل جدية لإقناعنا أن “الدكتاتورية” كانت موجودة في فترة السلطة المزدوجة، أي في فترة انعدام السلطة، وأن الثورة الديمقراطية قد تحققت. على أنها كانت “ثورة ديمقراطية” كما نرى بحيث كانت بحاجة إلى كل عبقرية لينين للتعرف إليها. ولكن هذا هو ما يثبت أنها لم تتحقق. إن الثورة الديمقراطية الحقيقية هي ثورة يسهل على كل فلاح أمي في روسيا أو الصين أن يتعرف إليها. أما فيما يتعلق بالسمات المورفولوجية ([3]) Morphological)]، فالأمر يزداد صعوبة. فمثلا، يستحيل على راديك، رغم العبرة من حادثة كامنييف في روسيا، أن يلاحظ أن الدكتاتورية الديمقراطية قد “تحققت” في الصين أيضا بالمعنى الذي يستعمله لينين (خلال الكيومنتانغ)؛ وأنها قد تحققت بشكل أكمل وأجلى مما كان الحال في بلدنا خلال وجود السلطة المزدوجة. إن السذّج البائسين هم وحدهم الذين يتوقعون طبعة منقحة ثانية عن “الديمقراطية” في الصين.
لو أن الدكتاتورية الديمقراطية قد تحققت فقط في بلدنا على شكل الكرينسكية، التي لعبت دورا أجير للويد جورج وكليمانصو،إذن لكان علينا أن نقول إن التاريخ يهزأ من شعار البلاشفة الاستراتيجي. ليس الأمر كذلك لحسن الحظ. لقد تحقق شعار البلاشفة فعلا كحقيقة تاريخية عظيمة وليس كسمة مرفولوجية. إلاّ أنه لم يتحقق قبل أكتوبر وإنما بعده. إن حرب الفلاحين، على حد تعبير ماركس، قد دعمت دكتاتورية البروليتاريا. ولقد تحقق تعاون الطبقتين على نطاق واسع خلال أكتوبر. وفي ذلك الحين استوعب كل فلاح جاهل وشعر أن الشعار البلشفي قد أصبح حيا، حتى بدون الاستعانة لشروحات لينين. ولقد اعتبر لينين أن الطور الأول من ثورة أكتوبر هو التحقيق الحقيقي للثورة الديمقراطية، وأن هذه الثورة هي التجسيد الفعلي، وإن يكن قد طرأ عليه تغيير، لشعار البلاشفة. يجب النظر إلى لينين ككل. وبخاصة لينين ما بعد أكتوبر عندما كان يراقب الأحداث ويقيمها من موقع أفضل. وأخيرا، يجب النظر إلى لينين من وجهة نظر لينينية وليس من وجهة نظر رجال الصف الثاني.
لقد تعرض لينين لمسألة الطابع الطبقي للثورة “ولنضوجها” في كتابه ضد كاوتسكي (بعد ثورة أكتوبر). وفيما يلي أحد مقاطع هذا الكتاب الذي يجب على راديك أن يتمعّن فيه بعض الشيء:
“أجل، إن ثورتنا [ثورة أكتوبر] هي ثورة برجوازية ما دمنا نسير جنبا إلى جنب مع الفلاحين ككل. إن هذا أمر في غاية الوضوح بالنسبة إلينا، ولقد رددناه مئات وآلاف المرات منذ عام 1905 فلم نحاول أن نقفز عن الطور الضروري في العملية التاريخية ولا أن نلغيه بالمراسيم”.
ويقول فيما بعد:
“لقد سارت الأمور مثلما توقعنا أن تسير. ولقد أكّدت مسيرة الثورة صحة تفكيرنا. في البدء: مع الفلاحين “ككل” ضد الملكية، ملاّك الأرض، والنظام الموروث عن القرون الوسطى (إلى هذا المدى تبقى الثورة ثورة برجوازية وثورة برجوازية ديمقراطية). ثم مع الفلاحين الفقراء ومع أشباه البروليتاريا ومع جميع المضطهدين ضد الرأسماليين بما فيهم أغنياء الريف والكولاك والمرابون، وإلى هذا المدى تصبح الثورة ثورة اشتراكية”.
(لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 15- ص 508- الطبعة الروسية).
هكذا كان لينين يتكلم، ليس “أحيانا” بل دائما وأبدا عندما قدّم تقييمه الكامل العام الممتاز للثورة بشكل عام ولثورة أكتوبر بشكل خاص. “لقد سارت الأمور مثلما توقعنا لها أن تسير”. لقد تحققت الثورة الديمقراطية-البرجوازية كتحالف يضم العمال والفلاحين. خلال فترة كرنسكي؟ كلا، خلال الفترة الأولى بعد أكتوبر. أصحيح هذا؟ نعم إنه صحيح. ولكننا نعلم الآن أنه لم يتحقق على شكل دكتاتورية ديمقراطية وإنما على شكل دكتاتورية البروليتاريا. بهذا تختفي أيضا الحاجة إلى المعادلة الجبرية القديمة.
إذا وضعنا نقاش لينين المشروط ضد كامنييف عام 1917 إلى جانب وصف لينين الشامل لثورة أكتوبر في السنوات التي تلتها، وفعلنا هذا بطريقة غير نقدية، ينتج عن ذلك أن الثورتين الديمقراطيتين قد تحققتا في روسيا. إن هذا الأمر فظيع خاصة وأن انتفاضة البروليتاريا المسلحة تفصل بين الثورة الأولى والثورة الثانية.
والآن فلنقارن بين المقطع الذي استشهدنا به لتوه من كتاب لينين. “ثورة البروليتاريا والمرتد كاوتسكي” وبين هذا المقطع من الفصل عن “نظام حكم البروليتاريا” في مقالتي “نتائج وتوقعات” حيث عرضت الطور الأول من الدكتاتورية وتوقعات تطورها اللاحق:
“سيلقى إلغاء الإقطاعي تأييد الفلاحين ككل لكونهم الطائفة المظلومة. وستلقى الضريبة التصاعدية كذلك تأييد غالبية الفلاحين الساحقة. غير أن أي تشريع يهدف إلى حماية البروليتاريا الزراعية لن يفشل في اكتساب التأييد الحيّ للأغلبية فحسب، ولكنه سيجابه بمعارضة حيوية من طرف أقلية من الفلاحين أيضا.
وستجد البروليتاريا نفسها مجبرة على نقل الصراع الطبقي إلى القرى فتحطم بذلك وحدة المصالح الموجودة، ولا شك، بين جميع الفلاحين رغم كونها محصورة في نطاق ضيّق. ومنذ اللحظة الأولى لاستلامها الحكم، يتوجب على البروليتاريا أن تجد دعما لها في التناقضات بين فقراء القرية وأغنيائها، وبين البروليتاريا الزراعية والبرجوازية الزراعية”.”.
(ليون تروتسكي : “ثورتنا” 1906 -ص255- الطبعة الروسية).
ما أبعد ذلك عن “تجاهلي” للفلاحين، وما أبعده عن “التناقض” التام بين موقفين: موقفي وموقف لينين!
ليس المقطع الذي استشهدنا به أعلاه المقطع الوحيد في مؤلفات لينين. بل على العكس من ذلك، فكما هو الحال دوما بالنسبة للينين، تصبح الصيغة الجديدة التي تنفذ بشكل أعمق إلى الأحداث محورا لخطبه ولمقالاته خلال مرحلة بكاملها. ففي مارس من عام 1919 قال لينين:
“في أكتوبر 1917، استلمنا الحكم بالتعاون مع الفلاحين ككل. كانت تلك ثورة برجوازية إلى مدى ما كان الصراع الطبقي في المناطق الريفية لم يتطور بعد”. (لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 15- ص 143- الطبعة الروسية).
وفيما يلي ما قاله لينين في مؤتمر الحزب في مارس عام 1919:
“لقد ظلت ثورتنا ثورة برجوازية إلى حد بعيد حتى صيف عام 1918 أو بالأحرى حتى خريف ذلك العام عندما تمّ تنظيم “لجان الفلاحين الفقراء”، ذلك لأننا كنا في بلد اضطرت فيه البروليتاريا إلى استلام الحكم بمساعدة الفلاحين وحيث قيّض لها أن تكون واسطة قيام الثورة البرجوازية الصغيرة”.
(لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 16- ص 105- الطبعة الروسية).
لقد ردّد لينين هذه الكلمات في مناسبات مختلفة وبأشكال متنوعة. إلاّ أن راديك يتهرّب ببساطة من فكرة لينين الرئيسية هذه التي تلعب دورا حاسما في المساجلة.
يقول لينين أن البروليتاريا قد استلمت الحكم في أكتوبر بالتعاون مع الفلاحين. وبهذا وحده كانت الثورة ثورة برجوازية. هل هذا القول صحيح؟ إنه صحيح إلى حدّ ما. غير أن هذا يعني أن دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية الحقيقية أي تلك التي حطّمت بالفعل نظام الحكم الفردي والرق وانتزعت الأرض من الإقطاعيين قد تحققت بعد أكتوبر وليس قبله؛ لقد تحققت، على حد تعبير ماركس، على شكل دكتاتورية البروليتاريا التي تدعمها الحرب الفلاحية ثم بدأت بالنضوج إلى دكتاتورية اشتراكية بعد بضعة أشهر. هل من الصعب فهم هذا حقا؟ وهل يمكن أن تستمر الخلافات في الرأي حول هذه النقطة إلى اليوم؟
يعتبر راديك أن النظرية “الدائمة” تزني إذ تخلط الطور البرجوازي بالطور الاشتراكي. في الواقع خلطت القوى الطبقية الدافعة بشكل كامل بين هذين الطورين، أي أنها قد مزجتهما بحيث لم يعد باستطاعة هذا الغيبي السيئ الحظ أن يهتدي إلى خيوط كل منها.
من المؤكد أن “نتائج وتوقعات” تحتوي على عدة فجوات وعلى عدة أقوال خاطئة. ولكن لا يجب أن ننسى أن هذا الكتاب لم يكتب عام 1928، لقد كتب قبل ثورة أكتوبر بمدة طويلة أي قبل أكتوبر عام 1905. إن راديك لا يتعرض مطلقا لمسألة الفجوات في نظرية الثورة الدائمة وإذا ابتغينا المزيد من الدقة لقلنا أنه لم يتعرض لمناقشاتي الأساسية دفاعا عن هذه النظرية في ذلك الحين؛ إنه يسير على خطى أساتذته، رجال الصف الثاني، فلا يهاجم الفجوات وإنما يهاجم الجوانب المنيعة من هذه النظرية، تلك التي أثبت سير التطور التاريخي صحتها، وهو يهاجمها باسم استنتاجات جد مغلوطة يستنبطها من صيغ لينين الذي لم يدرسه راديك الدراسة الكافية ولا نفذ إلى أعماق فكره.
إن اللعب بالنصوص القديمة هو من عادات مدرسة رجال الصف الثاني كلها، تقوم به على صعيد خاص لا يتقاطع مطلقا مع العملية التاريخية الحقيقية. ولكن عندما ينشغل خصوم “التروتسكية” بتحليل التطور الحقيقي لثورة أكتوبر وعندما ينشغلون بهذا التحليل بجدية ودأب، الأمر الذي يحدث لهم بين الحين والآخر، نجد أنهم يصلون حتما إلى صيغ مستوحاة من روح النظرية التي يرفضون. إن مؤلفات أ. ياكوفليف المكرسة لتاريخ الثورة الروسية لهي مثال واضح على هذا. إن هذا المؤلف، الذي هو حاليا عضو في الزمرة الحاكمة والذي هو على قدر أكبر من الثقافة من الستالينيين الآخرين ومن ستالين نفسه، يصوغ العلاقات الطبقية في روسيا القديمة على هذا الشكل ([4]):
“نلاحظ محدودية مزدوجة في انتفاضة الفلاحين (مارس إلى أكتوبر عام 1917). وعندما ارتقت الانتفاضة إلى مستوى الحرب الفلاحية، لم تتمكن من التغلب على محدوديتها، ولم تتجاوز مهمتها العاجلة تحطيم مالك الأرض المجاور؛ ولم تتحول إلى حركة ثورية منظمة؛ ولم تتخط طابع الفورة العفوية التي تميّز الحركة الفلاحية.”
إذا أخذنا الإنتفاضة الفلاحية بمفردها، أي بوصفها فورة عفوية تقتصر في هدفها على إفناء مالك الأرض المجاور، نجد أنها لا يمكن أن تنتصر ولا يمكن أن تحطم سلطة الدولة المعادية للفلاحين والتي تدعم مالك الأرض. ولهذا السبب لا يمكن للحركة الزراعية أن تحرز النصر إلاّ إذا قادتها طبقة مماثلة لها في المدن…لهذا السبب، نجد في التحليل الأخير أن عشرات الآلاف في القرى لم تكن هي التي قررت مصير الثورة الزراعية وإنما قررته المئات في المدن. إن الطبقة العاملة، التي كانت توّجه الضربة القاضية للبرجوازية في مراكز البلد، هي التي كانت تستطيع تحقيق انتصار الانتفاضة الفلاحية؛ إن انتصار الطبقة العاملة في المدينة هو وحده الذي يستطيع انتزاع الحركة الفلاحية من نطاق اصطدام عفوي بين عشرات الملايين من الفلاحين وبين عشرات الآلاف من مالكي الأرض؛ وأخيرا فإن انتصار الثورة هو وحده الذي يستطيع أن يرسي قواعد نمط جديد من التنظيم الفلاحي الذي يوّحد الفلاحين الفقراء والمتوسطين مع الطبقة العاملة وليس مع البرجوازية. لقد كانت مشكلة انتصار الانتفاضة الفلاحية هي مشكلة انتصار الطبقة العاملة في المدن.
وعندما وجّه العمال الضربة القاضية للبرجوازية في أكتوبر، حلّوا بذلك مشكلة انتصار الانتفاضة الفلاحية
ويقول فيما بعد:
“… إن جوهر الأمر كله هو هذا: بحكم ظروف تاريخية محدّدة تحالفت روسيا البرجوازية عام 1917 مع مالكي الأرض. وحتى أكثر الأجنحة يسارية ضمن البرجوازية، كالمنشفيك والاشتراكيين-الثوريين، لم يستطع أن يذهب إلى أبعد من تأمين صفقة لصالح مالكي الأرض. هنا يكمن أهمّ فارق بين ظروف الثورة الروسية وظروف الثورة الفرنسية التي اندلعت منذ ما يقارب القرن… لم يكن بإمكان الثورة الفلاحية أن تنتصر كثورة برجوازية عام 1917. [تماما! -ل.ت.] كان أمامها طريقان. فأما أن تنهزم تحت الضربات التي يوجهها إليها البرجوازيون ومالكو الأرض، وإما أن تنتصر كحركة مواكبة ومناصرة لثورة البروليتاريا. إن الطبقة العاملة في روسيا قد أمنت احتمال قيامها بثورة بروليتارية ناجحة عندما حملت الرسالة التي حملتها البرجوازية في الثورة الفرنسية العظمى عوضا عنها، وعندما اضطلعت بمهمة قيادة الثورة الديمقراطية الزراعية. (“الحركة الفلاحية عام 1917” -ص10-11، و11-12، دار الدولة للنشر -1927).
ما هي العناصر الرئيسية في حجج ياكوفليف؟ عجز الفلاحين عن لعب دور سياسي مستقل؛ ما ينتج عن ذلك من حتمية أن تلعب الطبقة في المدن دورا قياديا؛ عدم تمكن البرجوازية الروسية من قيادة الثورة الزراعية؛ ما ينتج عن ذلك من حتمية أن تلعب البروليتاريا دورا قياديا؛ استيلاؤها على الحكم بوصفها قائدة الثورة الزراعية؛ وأخيرا، دكتاتورية البروليتاريا التي تعتمد على الحرب الفلاحية وتفتتح حقبة الثورة الاشتراكية. إن هذا ينسف من الأساس الطرح الغيبي لمسألة الطابع “البرجوازي” أم “الاشتراكي” للثورة. إن جوهر الموضوع يكمن في أنه لا يمكن حلّ القضية الزراعية، التي هي أساس الثورة البرجوازية، في ظل حكم البرجوازية، لم تظهر دكتاتورية البروليتاريا على الساحة بعد إتمام الثورة الديمقراطية الزراعية، ولكنها ظهرت كشرط مسبق ضروري لإتمامها. وبكلمة: ففي نهج ياكوفليف الذي يلتفت إلى الماضي نجد جميع العناصر الأساسية المكونة لنظرية الثورة الدائمة كما صغتها عام 1905. كانت المسألة بالنسبة لي مسألة توقّع تاريخي؛ أما ياكوفليف، الذي يعتمد على دراسات تحضيرية حضرها جهاز كامل من الباحثين الشباب، فقد أجرى عملية كشف حساب لأحداث الثورات الثلاث بعد الثورة الأولى باثنتين وعشرين سنة وبعد ثورة أكتوبر بعشر سنين. ثم ماذا؟ يردّد ياكوفليف حرفيا تقريبا ما قلته عام 1905.
ومع ذلك، فما هو موقف ياكوفليف من نظرية الثورة الدائمة؟ إنه موقف جدير بأي موظف ستاليني يريد أن يبقى في منصبه وحتى أن يرقى إلى منصب أعلى. ولكن كيف يوفق ياكوفليف، والحالة هذه، بين تقييمه للقوى الدافعة لثورة أكتوبر وبين الصراع ضد “التروتسكية”؟ إنه يفعل ذلك ببساطة متناهية إذ أنه لا يعير مثل هذا التوفيق أي اهتمام. إنه شبيه ببعض الموظفين الليبراليين القيصريين الذين كانوا يقرّون نظرية داروين ويذهبون في نفس الوقت للمناولة في الكنيسة؛ لذا فهو يشتري حق التعبير عن أفكار ماركسية بين الحين والآخر بثمن اشتراكه في شعائر التجريح بالثورة الدائمة. ويمكن إعطاء العشرات من الأمثلة المشابهة.
يبقى أن نضيف أن ياكوفليف لم يكتب هذا الكتاب عن تاريخ ثورة أكتوبر بمبادرته الخاصة وإنما فعل ذلك بناءً على قرار اللجنة المركزية التي أوكلت إليّ في الوقت نفسه مهمة مراجعة كتاب ياكوفليف ([5]). كان شفاء لينين من مرضه ما زال متوقعا في ذلك الحين، فلم يخطر ببال أي من رجال الصف الثاني أن يثير خلافا مصطنعا حول الثورة الدائمة على أي حال، بوصفي المحرر السابق للتأريخ الرسمي لثورة أكتوبر، أو بالأحرى المحرر المقترح لهذا التأريخ، أستطيع أن أكد برضا تام أن المؤلف، فيما يتعلق بجميع المسائل التي هي موضع خلاف، قد استعمل حرفيا بوعي منه أو بدون وعي، الصياغات الموجودة في كتابي الهرطقي الملعون حول الثورة الدائمة: “نتائج وتوقعات”
إن تقييم لينين الشامل للمصير التاريخي للشعار البلشفي يؤكد أن الخلاف بين الاتجاهين: إتجاه “الثورة الدائمة” واتجاه لينين كان ذا طابع ثانوي وفرعي؛ وأن ما يجمع بينهما هو أساسي للغاية. وإن أساسي كلا الاتجاهين للذين اندمجا اندماجا كليا في ثورة أكتوبر لا يتناقض تناقضا تاما مع اتجاه ستالين بين فبراير ومارس، ومع اتجاه كامنييف وريكوف وزينوفييف في الصين فحسب ولكن مع اتجاه راديك الحالي بخصوص الصين أيضا.
وعندما يتهمني راديك، الذي بدّل حكمه على القيم بشكل جذري بين عام 1925 والنصف الثاني من عام 1928، بأني لا أفهم “تعقيد الماركسية-اللينينية” أجيبه: إني أعتبر أن الاتجاه الفكري الأساسي الذي بلورته منذ اثنين وعشرين عاما في “نتائج وتوقعات” قد أكدت صحته وهو، لهذا السبب بالذات، منسجم مع خط البلاشفة الاستراتيجي.
وإني -بشكل خاص، لا أرى أي سبب يدعوني للتراجع عمّا قلته عام 1922عن الثورة الدائمة في مقدمة كتابي “العام 1905” الذي قرأه الحزب كله وتدارسه في عدة طبعات ونسخ عندما كان لينين ما يزال على قيد الحياة، والذي بدأ “يزعج” كامنييف في خريف عام 1924 وبدأ “يزعج” راديك لأول مرة في خريف عام 1928. ففي هذه المقدمة أقول:
“في الفترة بين 9 يناير وإضراب أكتوبر بالتحديد كوّن المؤلف هذه الآراء التي سمّيت فيما بعد (نظرية الثورة الدائمة)؟ إن هذا الإسم الغريب بعض الشيء يعبّر عن الفكرة القائلة أن الثورة الروسية التي تواجهها مهام برجوازية لا تستطيع أن تتوقف عند هذه المهام بأي حال من الأحوال. فلا يمكن للثورة أن تنجز مهامها البرجوازية العاجلة إلاّ إذا أتت بالبروليتاريا إلى الحكم…
لقد تأكدت صحة هذا التقييم ولكن بعد انقضاء اثنتي عشرة سنة. ولا يمكن للثورة الروسية أن تنتهي إلى إقامة نظام ديمقراطي- برجوازي. فلابد لها من أن تنقل السلطة إلى يد الطبقة العاملة. وإذا كانت الطبقة العاملة ما تزال ضعيفة بحيث لم تستطع أن تستولي على الحكم عام 1905، فقد كان عليها أن تنضج وتقوى في ظروف العمل السرّي إبان (قيصرية الثالث من يونيو) ([6]) وليس في الجمهورية الديمقراطية-البرجوازية”.
(ليون تروتسكي : المؤلفات الكاملة: “العام 1905” -المقدمة- ص 4 و5-الطبعة الروسية).
أريد أن أستشهد بالإضافة إلى ذلك بأحكام سجالية أكثر حدّة أطلقتها على شعار “الدكتاتورية الديمقراطية”. ففي عام 1909، كتبت في مجلة روزا لوكسمبورغ في بولونيا ما يلي:
في حين ينطلق المنشفيك من الفكرة المجردة التي تقول أن ثورتنا “ثورة ديمقراطية” ويصلون إلى فكرة تكييف تكتيك البروليتاريا كله مع سلوك البرجوازية الليبرالية بما فيه استلام الحكم، ينطلق البلاشفة من التجريد العقيم نفسه: “الدكتاتورية الديمقراطية وليس الديكتاتورية الاشتراكية” ويصلون إلى الفكرة القائلة بأن تقتصر البروليتاريا الحاكمة على تحقيق الثورة الديمقراطية البرجوازية. إن الفرق بينهما حول هذه المسألة لهو فرق على جانب كبير من الأهمية: في حين تتجلّى الآن الجوانب المعادية للثورة الكامنة عند المنشفيك، تمدد السمات المعادية للثورة الكامنة عند البلاشفة بأن تغدو خطرا كبيرا فقط في حال انتصار الثورة”
لقد أضفت في يناير 1922 إلى هذا المقطع من المقالة، الذي أعيد طبعه في الطبعة الروسية من كتاب “عام 1905″، ما يلي:
“إن هذا لم يحصل، كما هو معلوم، لأن البلشفية حققت بقيادة لينين (ولكن بعد فترة من الصراع الداخلي) إعادة تسلحها الإيديولوجي حول هذه المسألة البالغة الأهمية في ربيع عام 1917 أي قبل الاستيلاء على الحكم”.
لقد تعرّض هذان المقطعان منذ عام 1924 إلى وابل عنيف من النقد. والآن، وبعد تأخير أربع سنوات، إنضم راديك إلى صف النقاد. ومع ذلك، فإذا تعمّقنا بدأب في هذه الأسطر، لا بد من أن نقرّ أنها كانت تحتوي على توقع هام وعلى تحذير لا يقل عنه أهمية. ويبقى الأمر التالي: عند حدوث ثورة فبراير كانت ما تسمى القيادات البلشفية القديمة ما تزال تتخذ موقف مجابهة الدكتاتورية الاشتراكية بالدكتاتورية الديمقراطية. وحوّل أقرب تلامذة لينين معادلته “الجبرية” إلى بنيان غيبي بحث موجهين إياه ضد المسيرة الحقيقية للثورة. وعند هذا المنعطف التاريخي البالغ الأهمية، تبنت القيادات البلشفية العليا في داخل روسيا موقفا رجعيا ولولا مجيء لينين في الوقت المناسب لكانت اغتالت ثورة أكتوبر باسم الصراع ضد التروتسكية مثلما اغتالت فيما بعد الثورة الصينية. إن راديك يصف، بخشوع، هذا الموقف الخاطئ الذي اتخذه القطاع القيادي للحزب بأنه نوع من “الصدفة”. ولكن هذا لا قيمة له كتفسير ماركسي للموقف الديمقراطي المبتذل الذي اتخذه كامنييف، وزينوفييف، وستالين، ومولوتوف، وريكوف، وكالينين، وفوجين، ومليفين، وكرتنسكي، وفرونز، وبارالافسكي، وأردجو، وبريوبراجنسكي، وسميلغا وعشرات غيرهم من “البلاشفة القدماء”. أليس من الأصح أن نعترف أن المعادلة البلشفية الجبرية القديمة كانت تحوي بعض المخاطر في داخلها؟ وكما يحدث دائما للصيغ السياسية المبهمة، فقد ملأها التطور السياسي بمضمون معاد للثورة البروليتارية. ومن البديهي لو أن لينين عاش في روسيا وراقب تطور الحزب يوما بعد يوم، وخاصة خلال الحرب، لكان أدخل التصحيحات والتوضيحات واللازمة في الوقت المناسب. ومن حسن حظ الثورة أن لينين وصل في الوقت المناسب، وإن كان متأخرا، لتولي إعادة التسليح الإيديولوجي الضرورية. إن حسّ البروليتاريا الطبقي والضغط الثوري الذي مارسته قواعد الحزب، الذي مهّد لهما نضال البلشفية السابق بمجمله، قد مكّنا لينين من أن يغيّر سياسة الحزب إلى اتجاه جديد وفي الوقت المناسب، ذلك في صراعه مع قيادات الحزب العليا وبالرغم من مقاومتها.
هل يعني هذا أن علينا أن نقبل الآن صيغة لينين كما كانت عليه عام 1905 بشكلها الجبري وبكل إبهامها بالنسبة للصين والهند والبلدان الأخرى؛ وأن علينا أن نترك أمر ملء هذه الصيغة بمضمون وطني-ديمقراطي و برجوازي صغير لامثال ريكوف وستالين في الصين والهند (تانغ بينغ-شان، روي، وغيرهم)، ثم ننتظر إلى حين ظهور لينين جديد ليتولى القيام بالتصحيحات اللازمة مثلما فعل في الرابع من أبريل؟ ولكن هل إن هذا التصحيح مضمون بالنسبة للصين والهند؟ أليس من الأفضل أن ندخل إلى هذه الصيغة تلك التصحيحات المحددة التي أثبتت تجربة روسيا والهند كليهما ضرورة إدخالها؟
هل يعني ما سبق أنه يجب أن ننظر إلى شعار دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية على أنه مجرد “خطأ”؟ كما نعلم، فإن آراء الإنسان وأفعاله تقسم الآن إلى فئتين: الصحيحة منها وتمام الصحة، أي تلك التي تنسجم مع “الخط العام”؛ والمغلوطة منها تمام الغلط، أي تلك التي تنحرف عن هذا الخط. إلاّ أن هذا لا يحول “طبعا” دون أن يعلن أن ما كان صحيحا تماما بالأمس قد غدا مغلوطاً تماما اليوم. ولكن قبل ظهور “الخط العام” عرف التطور الحقيقي للآراء أسلوب التقريبات المتتالية من الحقيقة. حتى في القسمة البسيطة في الحساب نجد أنه من الضروري الاختبار في انتقاء الآحاد؛ فيبدأ المرء بآحاد كبيرة أو صغيرة ثم يرفضها جميعا إلاّ واحدة خلال عملية الاختبار. وفي تحديد الهدف في قصف المدفعية يسمى أسلوب التقريبات المتتالية من الهدف “التجميع”. ولا مفر مطلقا من اعتماد أسلوب التقريب في السياسة كذلك. إن القضية كلها هي أن نفهم في الوقت المناسب أننا قد أخطأنا الهدف وأن ندخل التصحيحات اللازمة دون تأخير.
إن الأهمية التاريخية العظيمة لصيغة لينين تكمن في كونها قد تفحصت إلى النهاية أهم القضايا النظرية والسياسية، في ظروف حقبة تاريخية جديدة، وبخاصة قضية مدى الإستقلال السياسي الذي قد تبلغه مختلف التجمعات البرجوازية الصغيرة بشكل عام والفلاحون بشكل خاص. وبفضل كمالها فإن التجربة البلشفية بين عام 1905 و1917 قد أوصدت الباب بإحكام في وجه “الدكتاتورية الديمقراطية”. وكتب لينين بيده فوق الباب هذه العبارة: “لا دخول -لا خروج”. ولقد صاغها بهذه الكلمات: إما أن يسير الفلاح مع البرجوازي وإما أن يسير مع العامل. ومع ذلك فقد تغافل رجال الصف الثاني عن هذا الاستنتاج الذي تؤدي إليه الصيغة البلشفية القديمة تغافلا تاما، وعلى عكس هذه الصيغة رسموا فرضية مؤقتة بإدخال هذه الصيغة في البرنامج. هنا، بشكل عام، يكمن جوهر ذهنية رجال الصف الثاني.
6- حول القفز عن المراحل التاريخية
إن راديك لا يكتفي باجترار بعض التمرينات النقدية الرسمية التي عاشت في السنوات الأخيرة، إنه يبسطها أيضا في بعض الأحيان، عندما يكون ذلك ممكنا. ويمكن أن نستنتج، من خلال ما يكتبه، إني لا أميِّز مطلقا بين الثورة البرجوازية والثورة الاشتراكية، وبين الشرق والغرب، وإني لم أتبدل في ذلك منذ عام 1905. ويحذو حذو ستالين فيذكرني بأنه لا يجوز القفز عن المراحل التاريخية.
يجب أن نتساءل أولا بأول: إذا كنت قد اعتبرت في عام 1905 أن القضية لا تتعدى كونها قضية “ثورة اشتراكية”، لماذا إذن توقعت أن تبدأ هذه الثورة في روسيا المتخلفة قبل أن تبدأ في أوروبا المتقدمة؟ هل كان ذلك بدافع الحمية الوطنية ?أم بدافع من العزة القومية ? ومع ذلك، فهذا ما حدث بالفعل. هل يفهم راديك أنه لو تحققت الثورة الديمقراطية في بلدنا كمرحلة مستقلة لما كانت دكتاتورية البروليتاريا تحققت؟ وإذا كنا قد وصلنا إلى هذه الدكتاتورية قبل أن يصل إليها الغرب، فإنما يعود ذلك إلى كون التاريخ قد جمع، – لم يخلط – ولكنه جمع جمعا عضويا، بين المضمون الأساسي للثورة البرجوازية وبين المرحلة الأولى من ثورة البروليتاريا ليس إلاّ.
إن التمييز بين الثورة البرجوازية والثورة البروليتارية يدخل في نطاق “ألف باء” السياسة. وبعد “الألف باء” تأتي “المقاطع الصوتية” التي تتركب من الأحرف. إن التاريخ قد حقق هذا التركيب إذ ضم أهم أحرف في الأبجدية البرجوازية إلى الأحرف الأولى من الأبجدية الاشتراكية. وبالرغم من ذلك، يريد راديك أن يعود بنا من “المقاطع” التي سبق أن تكونت إلى “الألف باء”. إن هذا الأمر تعيس لكنه واقع.
من العبث القول باستحالة القفز عن المراحل. لأن مسيرة التاريخ الحية تقفز دوما عن “مراحل” معزولة مستمدة من تقسيم عملية التطور بكليتها إلى عناصرها المكونة على الصعيد النظري، أي أنه يجري معالجتها في مداها الأرحب. إن السياسة الثورية مطالبة بأن تقوم بالعملية ذاتها في اللحظات الحاسمة. فالفرق الأول بين الثوري والتطوري المبتذل يكمن في المقدرة على التعرف إلى مثل هذه اللحظات واستغلالها.
إن تقسيم ماركس لتطور الصناعة إلى مرحلة الحرف، ومرحلة المانفاتورة، ومرحلة المصنع، يدخل في “ألف باء” الاقتصاد السياسي، وبتحديد أكثر في “ألف باء” النظرية التاريخية-الاقتصادية. ومع ذلك فقد ظهر المصنع في روسيا بالقفز عن مرحلتي المانفاتورة والحرف في المدن. إن هذه الحقيقة تدخل تحت عنوان “المقاطع الصوتية” في التاريخ. وقد حصل تطور مشابه لهذا التطور على صعيد السياسة والعلاقات الطبقية في بلدنا. وليس بالإمكان فهم تاريخ روسيا المعاصر بدون أن نفهم منهج ماركس الذي يقول بالمراحل الثلاث: الحرف، المانفاتورة، المصنع. بيد أن معرفة هذه الأمور وحدها لا تكفي. ذلك أن تاريخ روسيا قد قفز بالفعل عن بضعة مراحل (ليس من الضروري أن يعتبر ستالين أن هذا القول موجه ضده بالذات). ولكن التمييز النظري بين هذه المراحل أمر ضروري لروسيا أيضا، فبدونه لا نستطيع أن نفهم طبيعة القفزة ولا نتائجها.
ومن الممكن أن ننظر إلى القضية من زاوية أخرى (مثلما نظر لينين في بعض الأحيان إلى موضوع السلطة المزدوجة)، فنقول أن روسيا قد مرت بالمراحل الثلاث التي يتكلم عنها ماركس، غير أن المرحلتين الأوليين لم توجدا إلاّ بشكل جنيني صغير جدا. إن وجود هذه “الرواسب”، أي وجود مرحلتي الحرف والمانيفاتورة، اللتين لا يمكن تمييزهما إلاّ بصعوبة بالغة، يكفي لإثبات الوحدة التكوينية للعملية الاقتصادية، ولكن تقلص هاتين المرحلتين الكمي كان عظيما إلى درجة أنه ولد اختلافا نوعيا في كل بنية الأمة الاجتماعية. وأوضح تعبير عن هذا “الاختلاف النوعي” على الصعيد السياسي هو ثورة أكتوبر.
إنما ما لا يمكن تحمله في كل هذا النقاش هو “تفلسف” ستالين الذي يجمع كل بضاعته النظرية في كيسين اثنين، فيضع في الأول: “قانون التطور غير المتكافئ”، ويضع في الثاني: “استحالة القفز عن المراحل”. إن ستالين ما يزال إلى يومنا هذا عاجزا عن أن يفقه أن القفز عن المراحل (أو المكوث مدة طويلة في مرحلة واحدة) هو بالتحديد ما نعنيه عندما نتحدث عن التطور غير المتكافئ. وبجدية لا تضاهيها جدية، يتصدى ستالين لنظرية الثورة الدائمة… بقانون التطور غير المتكافئ. إن توقع وصول روسيا المتأخرة تاريخيا، إلى ثورة البروليتاريا قبل وصول إنكلترا المتقدمة إليها، إنما يرتكز جملة وتفصيلا على قانون التطور غير المتكافئ. ولكي نتوصل إلى هذا التوقع، يجب أن نفهم عدم التكافؤ التاريخي بكل وضوحه الحي، لا أن نجترّ مقطعا كتبه لينين عام 1915 إلى ما لا نهاية بعد أن نقلبه رأسا على عقب ونفسّره بجهل مطبق.
من السهل نسبيا أن نتفهم جدلية “المراحل” التاريخية في فترات التقدم الثوري. وعلى العكس من ذلك، تكون المذاهب التطورية الرخيصة هي الطاغية طبعا في فترات الردة الرجعية. إن الستالينية، هذا الفيض من الابتذال الأيديولوجي والابنة المدللة للردة في الحزب، قد خلقت من التطور على مراحل طقسا قائما بذاته تغطي فيه تبعيتها السياسية ومواقفها التجريبية. إن راديك قد وقع بدوره في فخ هذه الإيديولوجيا الرجعية.
إن إحدى مراحل العملية التاريخية قد تكون حتمية في ظروف معينة دون أن تكون حتمية على الصعيد النظري. وعلى العكس من ذلك، فإن حيوية التطور قد تتخطى “مراحل” تعتبر حتميا نظريا، خاصة خلال الثورات التي لم تسم عبثا: قاطرات التاريخ.
مثال على ذلك: قفزت البروليتاريا في روسيا على مرحلة البرلمانية الديمقراطية، فلم تمهل “الجمعية التأسيسية” سوى بضع ساعات تافهة. غير أن مرحلة الثورة-المضادة في الصين لا يمكن القفز عنها بأي حال من الأحوال مثلما لم يكن بالإمكان القفز عن مرحلة مجالس “الدوما” الأربع في روسيا. إن مرحلة الثورة-المضادة الحالية في الصين لا يمكن اعتبارها بأي حال من الأحوال مرحلة “لا بد منها” من وجهة النظر التاريخية. لأنها النتيجة المباشرة لسياسة ستالين وبوخارين الفاجعة وسيدخل هذان الرجلان التاريخ من الباب الذي كتب عليه “منظمو الهزائم”. على أن ثمار الإنتهازية قد أصبحت عاملا موضوعيا يمكن أن يعرقل المسيرة الثورية لمدة طويلة.
إن كل محاولة للقفز على مراحل حقيقية، أي عن تلك المراحل التي يمكن تحديدها موضوعيا كمرحلة في تطور الجماهير، إن كل محاولة كهذه هي ضرب من المغامرة السياسية ليس إلاّ. ما دامت أغلبية الجماهير الكادحة تثق بالديمقراطيين الاجتماعيين مثلا، أو الكيومنتانغ أو بقيادة النقابات، لن نستطيع أن نطالبها بالقضاء العاجل على السلطة البرجوازية. بل يجب تهيئة الجماهير لتقبل مثل هذه المهام. وقد تستغرق عملية التهيئة هذه “مرحلة” طويلة جدا. إن “الذيلي” فقط هو الذي يعتقد أنه علينا أن “نبقى مع الجماهير” في الجناح اليميني من الكيومنتانغ أولا ثم في الجناح اليساري منه ثانيا، أو أن ننشئ جبهة مع “بورسيل” ([1]) مخرب الإضرابات العمالية “حتى يخيب ظن الجماهير بقيادتها”، وفي أثناء هذه الفترة كلها نمحض هؤلاء أنفسهم ثقتنا كاملة.
إن راديك ما زال يتذكر أن بعض “الجدليين” قد نعتوا المطالبة بخروج الحزب الشيوعي من الكيومنتانغ وبحل اللجنة الأنكلو- روسية بأنها ليست سوى عملية “قفز” عن المراحل تؤدي إلى الانفصال عن الفلاحين (في حالة الصين) وعن الجماهير العمالية (في حالة إنكلترا). إن راديك يتذكر ذلك لأنه كان أحد هؤلاء “الجدليين” التعسين. أما الآن فهو يوغل في أخطائه الانتهازية ويعممها ليس إلاّ.
في أبريل عام 1919، كتب لينين في مقال له على شكل برنامج بعنوان “الأممية الثالثة ومكانتها في التاريخ”:
“لن نكون على خطأ إذا قلنا أن هذا التناقض بالذات بين روسيا المتخلفة وبين “قفزتها” عن المرحلة الديمقراطية البرجوازية إلى أعلى مستوى من مستويات الديمقراطية الذي هو الديمقراطية السوفييتية أو البروليتارية قد أخر في تفهم الغرب لدور السوفييت ووضع العراقيل في طريق هذا الفهم”.
(لينين: “المؤلفات الكاملة” -المجلد 16- ص 183- الطبعة الروسية).
يقول لينين هنا وبشكل مباشر، إن روسيا قد “قفزت عن المرحلة الديمقراطية البرجوازية”. وتتضح في موضوعة لينين جميع البراهين الضرورية، فعلى كل حال، لا تعتبر الجدلية أنه من الضروري دائما أن نكرر جميع الظروف المحددة، ويفترض الكاتب من جهته أنه في عقل القارئ بعض الفهم. وبالرغم من ذلك؛ فقد ظلّت القفزة عن الديمقراطية البرجوازية، على حد تعبير ملاحظة لينين المصيبة، تزيد في صعوبة فهم دور السوفييت من قبل جميع المذهبيين والمنهجيين ليس “في الغرب” فحسب، ولكن في الشرق أيضا.
في مقدمتي لكتاب “العام 1905″، الذي أخذ يزعج راديك فجأة الآن، عالجت هذه القضية على النحو التالي:
“حتى في عام 1905 كان عمال بطرسبورغ يطلقون على السوفييت الذي انشأوه اسم “حكومة البروليتاريا” وكانت هذه التسمية تجري على كل لسان في ذلك الحين، وقد تجسدت بشكل كامل في برنامج نضال الطبقة العاملة من أجل استلام الحكم. ولكننا كنا نتصدى، في الوقت نفسه، للنظام القيصري ببرنامج كامل من الديمقراطية السياسية (حق الاقتراع للجميع، الجمهورية، الميليشيا، إلى آخره). ولم يكن أمامنا من سبيل، لأن الديمقراطية السياسية مرحلة ضرورية من مراحل نمو الجماهير العاملة، مع إيراد تحفظ مبدئي: قد تستغرق هذه المرحلة عقودا من الزمن في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يتيح الوضع الثوري للجماهير فرصة تحرير نفسها من عُقَد الديمقراطية السياسية قبل أن تكون مؤسساتها قد تحولت إلى واقع”
(تروتسكي: “العام 1905” -المقدمة- ص7)
وبالمناسبة، فإن هذه الأفكار التي تنسجم مع أفكار لينين التي استشهدت بها منذ قليل، كافية، برأيي، لتفسير ضرورة التصدّي لدكتاتورية الكيومنتانغ “ببرنامج مفصّل من الشعارات الديمقراطية السياسية”. ولكن عند هذه النقطة بالذات ينعطف راديك إلى اليسار. ففي فترة التقدم الثوري كان يعارض انسحاب الحزب الشيوعي الصيني من الكيومنتانغ، أما في فترة الديكتاتورية المضادة- للثورة فإنه يعارض تكتيل العمال الصينيين حول الشعارات الديمقراطية. إنه كمن يرتدي الصوف في الصيف ويخرج عاريا في الشتاء.
7- ماذا يعني شعار “الدكتاتورية الديمقراطية” بالنسبة للشرق الآن؟
إن راديك إذ يتيه في المفهوم الستاليني التطوري المدّعي وغير الثوري حول “المراحل” التاريخية، يسعى الآن إلى تقديس شعار “ديكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية: بالنسبة للشرق عامة. ضمن “الفرضية العملية” البلشفية التي كيّفها لينين مع سير التطور في بلد محدّد وعدّلها وبلورها ثم أهملها في مرحلة معينة، من هذه الفرضية يبني راديك منهجا يرتفع فوق التاريخ. وحول هذه النقطة يكرّر بعناد في مقالاته:
“هذه النظرية والخطة المستنبطة منها تنطبق على جميع البلدان ذات التطور الرأسمالي الفتيّ، حيث البرجوازية لم تحلّ مشكلة الإرث الذي تركته التكوينات الاجتماعية-السياسة السابقة”.
فكِّر أيها القارئ، بهذه الصيغة: أليست تبريرا لموقف كامنييف عام 1917؟ هل حلّت “البرجوازية الروسية مشكلات الثورة الديمقراطية بعد ثورة فبراير؟ كلا، لقد ظلت هذه المشكلات بدون حلّ، بما فيها أهمها: المشكلة الزراعية. كيف أمكن أن يفشل لينين في أن يفهم أن الشعار القديم ما زال “ساري المفعول”؟ ولماذا تخلّى عن هذا الشعار؟
لقد أجابنا راديك حول هذه النقطة من قبل: لقد تخلى لينين عن هذا الشعار لأنه كان “قد تحقق”. وقد تفحصنا هذه الإجابة. إنها متهافتة، ومتهافتة بشكل مزدوج على لسان راديك الذي يعتقد بأن جوهر الشعار اللينيني القديم لا يكمن مطلقا في أشكال الحكم ولكن في التصفية الفعلية لنظام الرق بواسطة تعاون البروليتاريا مع الفلاحين. ولكن هذا هو بالتأكيد ما لم تفعله الكرينسكية. وينتج عن ذلك أن عودة راديك إلى ماضي بلدنا بغية إيجاد حل لأخطر قضية من قضايا اليوم، القضية الصينية، ضرب من العبث ليس إلاّ. لم يكن المطلوب أن نتحرّى ما فهمه تروتسكي أو ما لم يفهمه عام 1905، ولكن ما لم يستطع أن يفهمه ستالين ومولوتوف وخاصة ريكوف وكامنييف بين فبراير ومارس 1917 (لست أدري ماذا كان موقف راديك في ذلك الحين). لأنه إذا اعتقدنا أن الديكتاتورية الديمقراطية قد “تحققت” إلى ذلك المدى في السلطة المزدوجة بحيث تقتضي تبدلا سريعا في الشعار الأساسي، إذن علينا أن نعترف بأن “الديكتاتورية الديمقراطية” قد تحققت في الصين بشكل أكمل وأشمل خلال نظام حكم الكيومنتانغ، أي خلال حكم تشانغ كاي تشيك ووانغ تشينغ- وي وذيلهما تانغ بينغ-شان ([1]). لذا، فمن الضروري جدا أن نغيّر الشعار في الصين.
على كل، ألم تتم تصفية “الإرث الذي تركته التكوينات الاجتماعية-السياسية السابقة” في الصين؟ كلا، لم يتم تصفيتها بعد. ولكن، هل تمت تصفيتها في روسيا يوم 4 أبريل 1917 عندما أعلن لينين الحرب على الفئة العليا من “البلاشفة القدامى”؟ إن راديك يناقض نفسه بشكل تعيس ويرتبك ويقفز من جهة لأخرى. فلنلاحظ، في هذا الصدد، أنه ليس من قبيل الصدفة أن يستعمل راديك تعبيرا معقدا مثل “الإرث الذي تركته التكوينات”، ويتلاعب بمشتقاته، ويتحاشى بشكل جلي استعمال عبارة أوضح مثل “بقايا الإقطاع أو الرق”، لماذا؟ لأن راديك أنكر بالأمس فقط وجود هذه البقايا إنكارا تاما فنسف بذلك كل أساس لشعار الديكتاتورية الديمقراطية. ففي تقريره إلى “الأكاديمية الشيوعية” قال:
“إن جذور الثورة الصينية لا تقل عمقا عن جذور ثورتنا عام 1905. وبامكاننا أن نؤكد أن تحالف الطبقة العاملة مع الفلاحين سيكون أقوى مما كان عليه عندنا في 1905، لسبب بسيط هو أن هذا التحالف لن يكون موجها ضد طبقتين اثنتين ولكن ضد طبقة واحدة هي البرجوازية”.
أجل، “لسبب بسيط”. عندما توجّه البروليتاريا المتحالفة مع الفلاحين معركتها ضد طبقة واحدة في البرجوازية، وليس ضد بقايا الإقطاع ولكن ضد البرجوازية، ماذا تُسمى هذه الثورات إذا سمحت؟ ثورة ديمقراطية ربما؟ فلنتذكر فقط أن راديك لم يقل هذا عام 1905 ولا حتى عام 1909 ولكن في مارس عام 1927، فكيف نفهم ذلك؟ ببساطة تامة. ففي مارس عام 1927 انحرف راديك أيضا عن الطريق المستقيم ولكن بالاتجاه آخر. في أطروحاتها حول الثورة الصينية، أدخلت “المعارضة” تصحيحا هاما للغاية على نظرة راديك الجزئية في ذلك الحين. ولكن الكلمات التي استشهدنا بها منذ قليل تحوي بعض الحقيقة: لا يكاد يوجد طبقة من أسياد الأرض في الصين، فمالكو الأرض فيها أكثر التصاقا بالرأسماليين مما كان عليه في روسيا القيصرية، لذلك فإن ثقل القضية الزراعية في الصين أقل مما كانوا عليه في روسيا القيصرية؛ ولكن، من جهة أخرى، فإن قضية التحرر الوطني أكثر أهمية. وبالتالي، فإن مؤهلات الفلاحين الصينيين للنضال السياسي الثوري المستقل من أجل تجديد البلد على أسس ديمقراطية لا يمكن أن تكون أكثر من مؤهلات الفلاحين الروس. وقد عبّر هذا عن نفسه، من بين تعبيرات أخرى، بعدم “نشوء “حزب نارودني” (شعبي) يرفع راية الثورة الزراعية في الصين قبل 1925 أو خلال السنوات الثلاث للثورة. إن كل هذا إنما يشير إلى أن صيغة الديكتاتورية الديمقراطية، بالنسبة للصين التي تركت وراءها تجربة 1925-1927، تشكل فخا رجعيا أشد خطورة مما كانت تشكله في روسيا بعد ثورة فبراير.
إن الرحلة الأخرى التي يعود بها راديك إلى الماضي السحيق ترتد عليه بدون رحمة. يتعلق الأمر هذه المرة بشعار الثورة الدائمة الذي طرحه ماركس عام 1850 ([2]). يقول راديك:
“إن ماركس لم يطرح شعار الديكتاتورية الديمقراطية، في حين كان هذا الشعار بين 1905 و1907 المحور السياسي لفكر لينين وكان جزءا مكونا من مفهومه للثورة في جميع[؟] البلدان ذات التطور الرأسمالي البدائي[؟].”
اعتمادا على بضعة أسطر من لينين، يفسر راديك الاختلاف في المواقف بإرجاعه إلى أن المهمة الأساسية للثورة الألمانية كانت الوحدة القومية، في حين هي في روسيا الثورة الزراعية. إذا لم تتم هذه المقارنة بشكل آلي، وإذا احتفظنا بحس للنسبة، يكون هذا القول صحيحا إلى حد ما. ولكن كيف يبدو الوضع بالنسبة للصين؟ إن الوزن الخاص للقضية الوطنية في الصين، هذا البلد شبه المستعمر، لهو أكبر، ولا شك، من وزن للقضية الزراعية حتى كما كانت عليه ما بين 1848 و 1850،لأن القضية في الصين هي قضية توحيد وتحرّر في آن واحد. ولقد صاغ ماركس توقعاته حول الثورة الدائمة في زمن كانت العروش في ألمانيا ما تزال راسخة، وكان “الينكر” ما زالوا يملكون الأرض، ولا يسمح لقيادة البرجوازية بالتحرك إلاّ في كواليس الحكومة. أما في الصين، فقد انهارت الملكية منذ عام 1911، وطبقة ملاكي الأرض ليست موجودة بشكل مستقل، والكيومنتانغ البرجوازي-الوطني يسيطر على الحكم وعلاقات الرق ممزوجة بشكل عضوي بالاستغلال البرجوازي. هكذا فالمقارنة بين مواقف ماركس ومواقف لينين التي خاض فيها راديك إنما ترتد ضد شعار الديكتاتورية الديمقراطية في الصين.
غير أن راديك لا ينظر بجدية إلى موقف ماركس، فنظرته إليه عرضية وآنية تقتصر على منشورا عام 1850 حيث كان ماركس ما زال يعتبر الفلاحين الحلفاء الطبيعيين لديمقراطيي البرجوازية الصغيرة في المدن. كان ماركس في ذلك الحين يتوقع مرحلة مستقلة من الثورة الديمقراطية في ألمانيا، يستلم فيها الحكم لفترة قصيرة راديكاليو البرجوازية الصغيرة في المدن بدعم من الفلاحين. هذا هو بيت القصيد! ولكن هذا هو بالتأكيد ما لم يحصل. وليس من قبيل الصدفة أنه لم يحصل. فحتى في منتصف القرن الأخير، أثبتت ديمقراطية البرجوازية الصغيرة عن عجزها عن تنفيذ ثورتها المستقلة. وقد تعلم ماركس من هذه الأمثولة. ففي 16 أبريل عام 1856، أي بعد مضي ست سنوات على صدور المنشور المنوّه عنه كتب ماركس إلى إنجلز:
“يتوقف كل شيء في ألمانيا على إمكانية تغطية مؤخرة ثورة البروليتاريا بطبعة ثانية من “حرب الفلاحين” ([3]). إذّاك يصبح الأمر رائعا.”
إن هذه الكلمات المرموقة، التي يتجاهلها راديك تماما، تشكل مدخلا هاما لفهم ثورة أكتوبر ولفهم المشكلة التي تشغلنا هنا بشمولها: هل قفز ماركس عن الثورة الزراعية؟ كلا، إنه لم يقفز عنها كما رأينا. هل اعتقد بضرورة تحالف العمال مع الفلاحين في الثورة القادمة؟ أجل. هل توقّع أن يلعب الفلاحون دورا قياديا أو حتى مجرد دور مستقل في الثورة، كلا، لم يتوقع ذلك. فقد انطلق من أن الفلاحين، الذين لم ينجحوا في دعم الديمقراطية البرجوازية في الثورة الديمقراطية المستقلة (بسبب خطأ الديمقراطية-البرجوازية وليس بسبب خطأهم هم)، سيكونون في مركز يسمح لهم بدعم البروليتاريا في ثورتها. “إذاك يصبح الأمر رائعا”. ولكن راديك لا يريد أن يعترف أن هذا هو بالتحديد ما حصل في أكتوبر، وقد حصل بشكل لا غبار عليه.
أما فيما يخص الصين، فالاستنتاجات التي نخلص إليها هنا في غاية الوضوح. إن الخلاف لا يدور حول الدور الحاسم الذي يلعبه الفلاحون كحلفاء، ولكنه يدور حول ما إذا كانت الثورة الزراعية الديمقراطية المستقلة ممكنة في الصين. أم إذا كانت “طبعة ثانية عن حرب الفلاحين” هي التي ستدعم دكتاتورية البروليتاريا. هذه هي الطريقة الوحيدة التي تطرح فيها المسألة. وكل من يطرحها بشكل مغاير يثبت أنه لم يتعلم شيئا ولا يفقه شيئا، بل إنه يضلل الحزب الشيوعي الصيني ويحرفه عن الطريق السليم.
لكي تتمكن بروليتاريا البلدان الشرقية من شق طريق النصر، عليها أن تتخلص في البدء من نظرية ستالين ومارتينوف الرجعية المتحذلقة حول “المراحل” و”الخطوات”، وأن تطرحها جانبا وتهمشها وتكنسها. فلقد نضجت البلشفية خلال صراعها ضد هذا النوع من الذهنية التطورية المستبذلة. لسنا مطالبين بأن نكيّف أنفسنا مع خط سير جرى تحديده بشكل مسبق، ولكن بأن نكيف أنفسنا مع الاتجاه الحقيقي الذي يسلكه الصراع الطبقي. فمن الضروري إذن أن نرفض فكرة ستالين وكيوسينين، هذه الفكرة التي تحدّد نظاما تسير وفقه البلدان على مختلف مستويات التطور فيها نحو الثورة؛ ذلك بأن موزّع عليها سلفا حصصا متنوعة من الثورية. علينا أن نكيف أنفسنا مع الاتجاه الحقيقي الذي يسلكه الصراع الطبقي، ومعيننا الذي لا ينضب في هذا المجال هو لينين، شرط أن نأخذ كل فكر لينين بعين الاعتبار.
في عام 1919، وحّد لينين الاستنتاجات المتعلقة بالمرحلة السابقة وخاصة ما يتعلق منها بتنظيم “الأممية الشيوعية”، وصاغها صياغة نظرية متكاملة، وفسّر تجربة الكرنسكية وتجربة ثورة أكتوبر على الشكل التالي: في مجتمع برجوازي تتوفر فيه التناقضات الطبقية المتبلورة إما ان تقوم دكتاتورية برجوازية واضحة أو خفية، وإما أن تقوم دكتاتورية البروليتاريا. إن الكلام عن نظام وسيط كلام مرفوض. فكل ديمقراطية، وكل “دكتاتورية تمارسها الديمقراطية” (لينين هو الذي يسخر من هذا التعبير بوضعه بين هلالين) هي مجرد قناع لحكم البرجوازية الأمر الذي برهنت عليه تجربة أكثر البلدان الأوروبية تخلفا، روسيا، إبان ثورتها البرجوازية، أي إبان المرحلة المهيأة أكثر من غيرها لقيام “دكتاتورية تمارسها الديمقراطية”. وقد اعتبر لينين هذا الاستنتاج قاعدة بنى عليها أطروحاته حول الديمقراطية التي لم تكن سوى تلخيص لتجارب ثورتي فبراير وأكتوبر.
مثل الكثيرين غيره، يفصل راديك بشكل ميكانيكي قضية الديمقراطية عن قضية الدكتاتورية الديمقراطية. وهذا هو مصدر هفوات كبيرة. إن “الدكتاتورية الديمقراطية” ليست سوى قناع يستر حكم البرجوازية خلال الثورة. هذا ما تعلمنا إياه تجربة “السلطة المزدوجة” في بلدنا عام 1917 وتجربة الكيومنتانغ في الصين.
إن الحالة اليائسة التي وصل إليها “رجال الصف الثاني” تتجلى بوضوح في كونهم ما زالوا إلى وقتنا هذا يحاولون مجابهة دكتاتورية البرجوازية ودكتاتورية البروليتاريا بالدكتاتورية الديمقراطية. ولكن هذا يعني أنه على الدكتاتورية الديمقراطية أن تكون ذا طابع انتقالي، إي أن تكون ذات مضمون برجوازي صغير. لذا، فإن مشاركة البروليتاريا فيها لا تبدّل شيئا في الأمر، لأن الطبيعة لا تعترف بقاسم حسابي مشترك بين مختلف الاتجاهات الطبقية. فإذا لم تقم دكتاتورية البرجوازية ولم تقم دكتاتورية البروليتاريا، إذن يجب أن تلعب البرجوازية الصغيرة الدور الموجه والحاسم. غير أن هذا يعودنا إلى نفس القضية التي أجابت عليها عمليا الثورات الروسية الثلاث والثورتان الصينيتان: هل بإمكان البرجوازية الصغيرة اليوم في ظل ظروف سيطرة الإمبريالية على العالم، أن تلعب دورا ثوريا قياديا في البلدان الرأسمالية، حتى ولو كانت القضية تتعلق بالبلدان المتخلفة التي ما تزال تواجهها مشكلة إنجاز مهامها الديمقراطية؟
عرف التاريخ حقبات تمكنت فيها الفئات الدنيا من البرجوازية الصغيرة من إقامة دكتاتوريتها الثورية. هذا أمر نعرفه جميعا. ولكن جرى ذلك في حقبات لم تكن البروليتاريا فيها، أو سلف البروليتاريا، قد تميّز عن البرجوازية الصغيرة، بل على العكس كانت هذه البروليتاريا في وضعها غير المتبلور النواة المقاتلة داخل البرجوازية الصغيرة. غير أن الوضع في زمننا هذا يختلف كل الاختلاف. فليس بإمكاننا التحدث عن مقدرة البرجوازية الصغيرة على توجيه حياتنا المعاصرة، حتى في مجتمع برجوازي متخلف، ما دامت البروليتاريا قد انفصلت عن البرجوازية الصغيرة وأخذت تعادي البرجوازية الكبيرة على أساس التطور الرأسمالي، الأمر الذي يؤدي إلى اضمحلال البرجوازية الصغيرة، ويواجه الفلاحين بخيار سياسي لا مفر منه بين البرجوازية الصغيرة والبروليتاريا. ففي كل مرّة يؤيد فيها الفلاحون حزبا برجوازيا صغيرا في مظهره الخارجي، يكونون عمليا قد دعموا رأس المال المصرفي. خلال فترة الثورة الروسية الأولى أو خلال الفترة ما بين الثورتين الأولى والثانية، كان بالإمكان أن توجد خلافات في الرأي حول درجة استقلال الفلاحين والبرجوازية الصغيرة في الثورة الديمقراطية (حول درجة الاستقلال ليس إلاّ)؛ أما الآن فإن سير الأحداث بمجمله خلال السنوات الاثنتي عشر الأخيرة قد حسم الموضوع بشكل نهائي.
وقد أعيد طرح هذا الموضوع عمليا بعد ثورة أكتوبر في عدة بلدان وبجميع الأشكال والتركيبات الممكنة، وقد حسم في جميع هذه الأمكنة بالطريقة ذاتها. سبق وأشرنا إلى تجربة الكيومنتانغ على أنها تجربة أساسية على غرار التجربة الكرنسكية. ولكن يجب أن نولي التجربة الفاشية في إيطاليا نفس الأهمية، فهناك انتزعت البرجوازية الصغيرة المسلحة الحكم من أيدي الأحزاب البرجوازية القديمة لكي تسلمه رأسا بواسطة قيادتها إلى الأوليغاركية المالية. وطرحت القضية ذاتها في بولونيا، حيث كانت حركة “بيلسودسكي” موجهة بشكل مباشر ضد حكومة تحالف البرجوازيين ومالكي الأرض الرجعية، والتي كانت تعكس أماني الجماهير البرجوازية الصغيرة وحتى أوساط واسعة من البروليتاريا. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يعمد الاشتراكي الديمقراطي البولوني، وارسكي، إلى تشييد ثورة بيلسودسكي “بدكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية” خشية منه “أن يسيء تقدير الفلاحين”. سوف أخرج عن الموضوع إذا حاولت تحليل التجربة البلغارية، أي السياسة المرتبكة التي اتبعها أمثال كولاروف وكاباكشييف تجاه حزب سطانبولسكي؛ أو التجربة الحزبية التي خاضها حزب العمال والمزارعين في الولايات المتحدة؛ أو تودد زينوفييف لرادييه؛ أو تجربة الحزب الشيوعي في رومانيا؛ وهكذا إلى ما لا نهاية. لقد حللت بعضا من هذه التجارب في خطوطها العريضة في كتابي “نقد مشروع برنامج الأممية الشيوعية”. وقد خلصت من هذه التجارب إلى استنتاج أساسي يؤكد دروس أكتوبر ويدعمها، وبخاصة التي تقول منها أن البرجوازية الصغيرة بما فيها الفلاحون غير قادرة على لعب دور قيادي في مجتمع برجوازي معاصر حتى ولو كان مجتمعا متخلفا في حقبات ثورية أو رجعية على حدّ سواء. إن الفلاحين إمّا أن يدعموا دكتاتورية البرجوازية وإما أن يكون نضالهم حافزا لقيام دكتاتورية البروليتاريا. إن الأشكال الوسطية ما هي إلاّ أقنعة تخفي وراءها دكتاتورية برجوازية، عندما تكون هذه البرجوازية متعثرة أو غير قادرة على الوقوف على رجليها بعد فترة من الاضطرابات (الكرنسكية، الفاشية، نظام حكم بيلسودسكي).
الفلاحون إما أن يتبعوا البرجوازية وإما أن يتبعوا البروليتاريا. ولكن عندما تزمع البروليتاريا على التقدم، بأي ثمن، حتى ولو لم يكن الفلاحون معها، فإنها تثبت في الواقع أنها أصبحت ذيلا لرأسمال المصرفي. أمثل على ذلك: العمال عندما دافعوا عن الوطن الأم في روسيا عام 1917؛ العمال، بما فيهم الشيوعيون أيضا، في الكيومنتانغ في الصين؛ العمال في الحزب الاشتراكي البولوني؛ الشيوعيون أيضا إلى حد ما في بولونيا عام 1927، إلى آخره.
إن من لم يفكر بهذا الأمر حتى نهايته، ومن لم يفهم الأحداث من خلال الأثر الحديث الذي خلفته، فالأفضل له ألاّ يتدخل بالسياسة الثورية مطلقا.
إن الاستنتاج الأساسي الذي خلص إليه لينين بشكل كامل ونهائي من دروس ثورتي فبراير وأكتوبر يرفض فكرة “الدكتاتورية الديمقراطية” رفضا تاما. وهذا ما كرره لينين أكثر من مرة بعد عام 1918:
“إن الاقتصاد السياسي كله، إذا كان أحد قد تعلم منه شيئا، وكل تاريخ الثورة، وكل تاريخ التطور السياسي خلال القرن التاسع عشر يعلموننا أن الفلاح إما أن يتبع العامل وإما أن يتبع البرجوازي… إلى المواطنين الذين لا يفهمون لماذا يحصل ذلك أقول… راقبوا تطور أي من الثورات الكبرى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، راقبوا التاريخ السياسي لأي بلد في القرن التاسع عشر ينبؤكم لماذا يحصل ذلك. إن البنيان الاقتصادي للمجتمع الرأسمالي مركب بحيث لا يمكن لغير رأس المال أو البروليتاريا أن يقلب القوى الحاكمة فيه. لا توجد قوى أخرى في البنيان الاقتصادي لهذا المجتمع”.
(لينين:المؤلفات الكاملة -الجزء 16- ص 217- الطبعة الروسية).
القضية لا تتعلق هنا بإنكلترا أو ألمانيا. على أساس الدروس التي تقدمها أي من الثورات الكبرى في القرنين الثامن عشر أو التاسع عشر، أي الثورات البرجوازية في البلدان المتخلفة، يخلص لينين إلى الاستنتاج أن النظامين الممكنين هما دكتاتورية البرجوازية أو دكتاتورية البروليتاريا. فلا يمكن أن تقوم دكتاتورية “ديمقراطية” أي دكتاتورية وسيطة.
****
وكما نرى، يصل راديك في نهاية نزهته النظرية والتاريخية إلى هذه الحكمة الهزيلة التي تقول أنه يجب تمييز الثورة الاشتراكية عن الثورة الديمقراطية. وبعد أن يخطو راديك هذه “الخطوة”، يرفع يده رأسا مستعينا بكيوسينين [78] الذي ينطلق من مورده الوحيد: “البدهية”، ويعتبر أنه من غير المعقول أن يرفع شعار دكتاتورية البروليتاريا في البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة في آن واحد. وبإخلاص رجل لا يفقه شيئا يتهم كوسينين هذا تروتسكي بأنه لم “يتعلم شيئا” منذ عام 1905. ويحدو راديك حدو كيوسينين فيبدي بدوره هذه الملاحظة اللاذعة: يعتقد تروتسكي “أن خصائص الثوريين الصينية والهندية تكمنان بالتحديد في أنه لا يمكن تمييزهما، بأي حال من الأحوال، عن الثورات في أوروبا الغربية، لذا يجب أن تؤديا منذ خطواتهما الأولى [؟!] إلى دكتاتورية البروليتاريا”.
غير أن راديك ينسى أمرا بسيطا في هذا الصدد: لم يسبق أن تحققت دكتاتورية البروليتاريا في بلد أوروبي ولكنها تحققت بالتأكيد في بلد متخلف في شرق أوروبا. هل يجب أن يُلام تروتسكي إذا كانت العملية التاريخية قد تغافلت “خصائص” روسيا؟ وينسى راديك أيضا أن البرجوازية، وبشكل أدق رأس المال المصرفي، يحكم في جميع البلدان الرأسمالية بالرغم من اختلاف في مستوى تطورها وفي بنيانها الاجتماعي وتقاليدها وما شابه، أي بالرغم من “خصائصها”. هنا أيضا نجد أن التطور التاريخي هو الذي لم يحترم هذه الخصوصية وليس تروتسكي.
أين، إذن، يكمن التمايز بين البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة؟ إن التمايز كبير، غير أنه يبقى محصورا ضمن حدود طغيان العلاقات الرأسمالية. إن أساليب البرجوازية والأشكال التي يتخذها حكمها تختلف كثيرا باختلاف البلدان. ففي جهة، يتخذ هذا الطغيان طابعا مطلقا مباشرا كما في الولايات المتحدة. وفي الجهة المقابلة، يتكيف رأس المال المصرفي مع المؤسسات البالية الموروثة عن القرون الوسطى الآسيوية بأن يخضعها لسيطرته ويفرض عليها وسائله الخاصة، كما هو الحال في الهند. غير أن البرجوازية تحكم في كلا البلدين. وينجم عن ذلك أن دكتاتورية البروليتاريا ستأخذ بدورها طابعا متنوعا للغاية فيما يتعلق بأساسها الاجتماعي وأشكالها السياسية ومهامها العاجلة وسرعة عملها في مختلف البلدان الرأسمالية. غير أن قيادة جماهير الشعب نحو الانتصار على جبهة الإمبرياليين والإقطاعيين والبرجوازيين الوطنيين لا يمكن أن تتحكم إلاّ تحت هيمنة البروليتاريا الثورية التي تحول نفسها بعد استلامها الحكم إلى دكتاتورية البروليتاريا.
يتوهم راديك أنه عندما يقسم الإنسانية إلى فئتين: فئة قد “نضجت” لتتقبل الدكتاتورية الاشتراكية، وفئة أخرى قد “نضجت” فقط لتتقبل الدكتاتورية الديمقراطية، فهو قد استطاع بهذا فقط، على العكس مني، أن يأخذ بعين الاعتبار ما يسمى “خصوصية” كل بلد بمفرده. وفي الواقع، إنه قد خرج “بكليشيه” ميتة لا تؤدي إلاّ إلى صرف الشيوعيين عن الدراسة الجدية لخصوصية بلد معين، أي عن التفسير الحي لمختلف الخطوات والمراحل التي يمر فيها التطور التاريخي في ذلك البلد.
إن خصائص بلد لم يحقق ثورته الديمقراطية أو هو لم يكملها بعد لهي ذات مغزى عظيم بحيث يتوجب أخذها كأساس لبرنامج الطليعة البروليتارية. وفقط على أساس برنامج وطني كهذا يستطيع الحزب الشيوعي أن ينمّي نضاله الحقيقي بنجاح في سبيل أغلبية الطبقة العاملة وسائر الكادحين ضد البرجوازية وضد عملائها الديمقراطيين.
إن إمكان نجاح هذا الصراع يتوقف إلى حد بعيد طبعا على الدور الذي تلعبه البروليتاريا في اقتصاد البلد، وبالتالي على المستوى الذي بلغه تطوره الرأسمالي. غير أن هذا ليس المحك الوحيد. ففي المنزلة ذاتها تقع مسألة ما إذا كان في البلد مشكلة عميقة عاجلة “عند الشعب” تهتم في حلّها أغلبية سكان الأمة؛ و يقتضي حلها اتخاذ الإجراءات الثورية الجريئة. من بين مشكلات من هذا النوع تقع القضيتان الزراعية والوطنية بتركيباتهما المختلفة. فبفضل القضية الزراعية المستعصية والاضطهاد الوطني الذي يطاق في البلدان المتخلفة، تستطيع البروليتاريا الفتية الصغيرة نسبيا ان تصل الى إلى الحكم على أساس ثورة ديمقراطية وطنية قبل أن تصل البروليتاريا إليه في بلد متقدم على أساس اشتراكي فحسب. منذ ثورة أكتوبر، بدا وكأنه لا مبرر لاثبات ذلك، لكن خلال الردة الأيديولوجية وبسبب عقم “رجال الصف الثاني” النظري أصبح بديهيات المفاهيم الثورية مخنوقة ومتعفنة يطغى عليها شبح كيوسينين إلى درجة أن المرء مجبرٌ في كل مرّة على البدء من البداية.
هل ينجم عما قلناه إن جميع بلدان العالم ناضجة اليوم، بشكل أو بآخر، لقيام الثورة الاشتراكية فيها؟ كلا. إن هذه الطريقة هي طريقة زمرة ستالين- بوخارين الزائفة الميتة لطرح السؤال. إن الاقتصاد العالمي بمجمله ناضج لقيام ثورة اشتراكية. هذا أمر لا شك فيه. غير أن هذا لا يعني أن كل بلد بمفرده ناضج لقيام ثورة اشتراكية فيه. ماذا سيحصل إذن لدكتاتورية البروليتاريا في سائر البلدان المتخلفة كالصين والهند، إلى آخره؟ على هذا السؤال نجيب: التاريخ لا يصنع حسب الطلب. إن بلدا ما قد يصبح “ناضجا” لدكتاتورية البروليتاريا ليس فقط قبل أن يكون ناضجا لبناء الاشتراكية بشكل مستقل، ولكن قبل أن يكون ناضجا لتقبل الإجراءات الاشتراكية البعيدة المدى أيضا. فلا يجب أن ننطلق من فرضية مسبقة تدّعي وجود انسجام في التطور الاجتماعي. إن قانون “التطور غير المتكافئ” ما زال على قيد الحياة بالرغم من عناقات ستالين النظرية الرقيقة له. وما زالت قوى هذا القانون تفعل ليس فقط في العلاقات بين البلدان، ولكن في العلاقات المتبادلة بين مختلف العمليات داخل البلد الواحد. ولا يمكن مصالحة العمليات الاقتصادية والسياسية غير المتكافئة إلاّ على الصعيد العالمي. وهذا يعني بشكل خاص أنه لا يمكن معالجة موضوع ديكتاتورية البروليتاريا في الصين بشكل منعزل وضمن حدود الاقتصاد الصيني والسياسة الصينية وحدهما.
عند هذه النقطة بالذات يواجهنا موقفان ينفي أحدهما الآخر: النظرية الثورية العالمية التي تحمل اسم “نظرية الثورة الدائمة”، والنظرية الوطنية الإصلاحية التي تحمل إسم “نظرية الاشتراكية في بلد واحد”. لا تستطيع الصين المتخلفة، ولا أي بلد آخر في العالم عامة، أن تبني الاشتراكية ضمن الحدود الوطنية: إن قوى الإنتاج ذات التطور السريع والتي تخطت الحدود الوطنية تقف في وجه مثل هذا العمل، وكذلك تفعل تلك القوى التي لم تتطور التطور الكافي لتقبل التأميم. إن دكتاتورية البروليتاريا في بريطانيا، مثلا، سوف تجابه مصاعب وتناقضات تختلف نوعيا عن تلك التي تجابهها دكتاتورية البروليتاريا في الصين. هذا صحيح، ولكن هذه المصاعب لن تكون أقل ضخامة مما هي في الصين. وفي كلا الحالتين، لا يمكن تجاوز هذه التناقضات إلاّ بالسير في طريق الثورة العالمية. هذا الموقف يسد الطريق يسد الطريق في وجه التساؤل عن مدى “نضج” الصين أو “عدم نضجها” للقيام بالتحويل الاشتراكي. ومما لا شك فيه أن تخلف الصين يزيد في صعوبة المهام المطروحة على دكتاتورية البروليتاريا. ولكن نكرر: التاريخ لا يصنع حسب الطلب، ولا خيار أمام البروليتاريا الصينية.
هل يعني هذا، على الأقل، أن جميع البلدان، بما فيها أكثر البلدان المستعمَرة تخلفا، ناضجة ان لم يكن لبناء الاشتراكية فلقيام دكتاتورية البروليتاريا؟ كلا، إنه لا يعني ذلك. ماذا، إذن، هو مصير الثورة الديمقراطية بشكل عام والثورة في المستعمرات بشكل خاص؟ أجيب على السؤال بسؤال آخر: من قال أن كل بلد مستعمَر هو ناضج للحلّ السريع الشامل لمهامه الديمقراطية الوطنية؟ ويجب معالجة المسألة من زاوية أخرى. في ظروف الحقبة الاستعمارية، يمكن تحقيق انتصار الثورة الديمقراطية الوطنية فقط عندما تكون العلاقات الاجتماعية والسياسية في بلد ناضجة لتسليم البروليتاريا الحكم بوصفها قائدة الجماهير الشعبية. ولكن، ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟ إذن، يعطي النضال من أجل التحرر الوطني نتائج جد جزئية موجهة كلها وبشكل مباشر ضد الجماهير العاملة. في عام 1905، لم تكن البروليتاريا في روسيا من القوة بحيث تلفّ الجماهير الفلاحية حولها وتستولي على الحكم. بهذا السبب بالذات، توقفت الثورة في منتصف الطريق و غاصت في الرمال. أما في الصين، حيث منعت قيادة “الأممية الشيوعية” البروليتاريا الصينية من النضال لاستلام الحكم، بالرغم من الظروف المشجعة جداً، فقد وجدت المهام الوطنية حلّها البائس غير المستقر في نظام حكم الكيومنتانغ.
لا يمكن التكهن متى وفي أية ظروف يصبح البلد المستعمَر ناضجا لحل مشكلاته الزراعية والوطنية بشكل ثوري حقيقي. وعلى كل حال، نستطيع أن نؤكد الآن أن كلا الصين والهند سوف تصلان إلى الديمقراطية الشعبية الحقيقية. أي إلى ديمقراطية العمال والفلاحين، فقط من خلال دكتاتورية البروليتاريا. وفي سيرهما على هذا الطريق قد تجتازان عدة مراحل وخطوات وأطوار. تحت ضغط جماهير الشعب سوف تستمر البرجوازية في اتخاذ خطوات نحو اليسار لكي تنقضّ فيما بعد على الشعب بدون شفقة. إن مراحل السلطة المزدوجة ممكنة ومتوقعة. ولكن من غير الممكن أو المتوقع أن تقوم دكتاتورية ديمقراطية حقيقية متميزة عن دكتاتورية البروليتاريا. إن دكتاتورية ديمقراطية “مستقلة” لا يمكن أن تكون إلاّ على غرار الكيومنتانغ، أي موجهة برمتها ضد العمّال والفلاحين. علينا أن نفهم هذا منذ البداية وأن نقوله للجماهير دون أن نخفي الحقائق الطبقية وراء الصيغ المجردة.
يبشر ستالين وبوخارين بأن البرجوازية تستطيع أن تحقق الثورة الوطنية في الصين بسبب نير الاستعمار الذي ترزح تحته البلد. فتمت المحاولة. ماذا كانت النتائج؟ سلمت البروليتاريا لسكين الجزار. فقيل إذاك: لن تأتي الدكتاتورية الديمقراطية. لقد برهنت دكتاتورية البرجوازية الصغيرة على أنها مجرد قناع لدكتاتورية رأس المال. بالصدفة؟ كلا. “إن الفلاح إما أن يتبع العامل أو البرجوازي”. في الحالة الأولى تقوم دكتاتورية البروليتاريا، وفي الثانية تقوم دكتاتورية البرجوازية. يبدو أن أمثولة الصين واضحة الوضوح الكافي حتى ولو درسنا الأمر عن بعد. فجاء الجواب. “لا. كانت تلك مجرد تجربة لم يكتب لها النجاح. سوف نبدأ من جديد ونقيم هذه المرة الدكتاتورية الديمقراطية “الأصلية”. “بواسطة أية أساليب؟” “على قاعدة اجتماعية يقوم عليها تعاون العمال والفلاحين”. هذا هو الاكتشاف الأخير الذي يعرضه علينا راديك. ولكن، إذا سمحت، قام الكيومنتانغ على نفس القاعدة: “تعاون” فيه العمال والفلاحون لينفذوا المهام الخطرة لحساب البرجوازية. قل لنا كيف سيكون التركيب السياسي لهذا التعاون. بماذا سوف تستبدل الكيومنتانغ؟ أية أحزاب ستستلم الحكم؟ أشر إليها ولو تقريبا، صِفها على الأقل! على هذه الأسئلة، يجيب راديك (عام 1928!) إن الإنسان الذي انتهوا، والذين يعجزون عن فهم تعقيد الماركسية يمكن أن يكونوا مهتمين بسؤال تقني ثانوي كهذا حول أية طبقة ستكون الحصان وأية طبقة ستكون الفارس، في حين “يجرّد” البلشفي نفسه من البنيان الفوقي السياسي ويصيب اهتمامه على البنيان الطبقي. لا، اسمح لي، لقد قلت قولتك. لقد “جردت” نفسك بما فيه الكفاية. بل أكثر من الكفاية! في الصين، “جردت” نفسك من قضية كيف يعكس التعاون الطبقي نفسه على القضايا الحزبية، وجررت البروليتاريا إلى الكيومنتانغ، ووقعت في هوى الكيومنتانغ إلى درجة أنك فقدت عقلك، و تملصت في قضايا النضال السياسي مرددا الصيغ المجردة. وبعد أن هشمت البرجوازية رأس البروليتاريا، ها أنت تقترح علينا: فلنبدأ من جديد، وفي البدء دعونا”نجرّد” أنفسنا من مسألة الأحزاب والحكم الثوري. لا! إن هذه نكات قديمة. لن نسمح لأنفسنا بالعودة إليها.
إن جميع هذه البهلوانات، كما شاهدنا، تتم باسم تحالف العمال والفلاحين. وينذر راديك “المعارضة” بأن لا تسيء تقدير الفلاحين ويستشهد في هذا الصدد بصراع لينين ضد المنشفيك. في بعض الأحيان، عندما يرى المرء المصير الذي آلت إليه كتابات لينين يستنكر بمرارة هذه الإساءات التي ترتكب ضد كرامة الفكر الإنساني. أجل، لقد قال لينين مرارا عديدة أن إنكار دور الفلاحين الثوري هو من ميزات المنشفيك. وكان على حق في ذلك. ولكن إلى جانب ذلك، هناك عام 1917، حيث أمضى المنشفيك الأشهر الثمانية بين ثورة فبراير وثورة أكتوبر وهم في تحالف متين مع “الاشتراكيين-الثوريين”. وكان الاشتراكيون-الثوريون في ذلك الحين يمثلون غالبية الفلاحين الساحقة التي أيقظتها الثورة. وكان المنشفيك والاشتراكيون-الثوريون يسمون أنفسهم الديمقراطية الثورية ويجادلوننا قائلين أنهم الوحيدون الذين يرتكزون إلى تحالف العمال والفلاحين (والجنود). وهكذا استولى المنشفيك، بعد ثورة فبراير، على الصيغة البلشفية القائلة بتحالف العمال والفلاحين. واتهموا البلاشفة بأنهم يعملون على شق الطليعة البروليتارية عن الفلاحين وأنهم يساعدون بذلك على انهيار الثورة. وبكلمات أخرى، اتهم المنشفيك لينين بأنه يتجاهل الفلاحين، أو أنه يسيء تقديرهم في أحسن الأحوال.
وكان النقد الذي وجهه كامينييف وزينوفييف وآخرون إلى لينين مجرد صدى لنقد المنشفيك. إن نقد راديك الحالي ليس بدوره إلاّ صدى بعيدا لنقد كامنييف.
إن سياسة “رجال الصف الثاني” في الصين، بما فيها سياسة راديك، استمرار وتطوير لمهزلة النمشفيك عام 1917. لقد دافع ستالين وراديك معا على بقاء الحزب الشيوعي في الكيومنتانغ مستعملين الحجة ذاتها وهي ضرورة التحالف بين العمال والفلاحين. ولكن عندما تكشف “صدفة” أن الكيومنتانغ حزب برجوازي، تكرر نفس المحاولة من الكيومنتانغ “اليساري”. فكانت النتائج هي ذاتها. وكنتيجة لذلك جرى انتشال تجريد الدكتاتورية الديمقراطية -المتميزة عن دكتاتورية البروليتاريا- من هذا الواقع التعيس الذي لم يحقق الآمال العظام، فكان تكرارا لما شاهدناه في السابق. في عام 1917، سمعنا “تسيريتللي” “ودان” وآخرين يرددون هذا القول مئات المرات: “لقد قامت دكتاتورية الديمقراطية الثورية، ولكنكم تسيرون باتجاه دكتاتورية البروليتاريا، أي أنكم تسيرون نحو الخراب”. إن ذاكرات الناس لهي حقا ضعيفة إن “الدكتاتورية الديمقراطية -الثورية” التي ينادي بها ستالين وراديك لا تختلف بشيء عن “دكتاتورية الديمقراطيين و الثوريين” التي ينادي بها “تسيريتللي” “ودان” . وبالرغم من ذلك، فإن هذه الصيغة لا ترد في جميع مقررات الكومنترن فحسب، بل إنها قد أدرجت في برنامجه أيضا. من الصعب أن نتخيل مهزلة بهذه السفالة تكون في الوقت نفسه ثأرا مريرا للمنشفيك على الإهانات التي وجهتها البلشفية اليهم عام 1917.
ومهما يكن من أمر، يبقى حق الثوريين في الشرق أن يسمعوا جوابا محددا للسؤال عن طابع “الدكتاتورية الديمقراطية” يكون مبنيا على الوقائع وعلى التجربة السياسية وليس على نصوص قديمة جاهزة. في جوابه على السؤال: ما هي “الدكتاتورية الديمقراطية” -كان ستالين يقدم الرد الكلاسيكي التالي: إنها بالنسبة للشرق نفس الصيغة التي :قدمها لينين بشأن عام 1905 في روسيا” وقد أصبح هذه الصيغة الرسمية إلى حد بعيد. وهي موجودة في الكتب والمقررات المتعلقة بالصين والهند وبولينزيا. وهو ينصح الثوريون بالعودة إلى “مفاهيم” لينين المتعلقة بأحداث قادمة، التي أصبحت الآن أحداثا سابقة، وعلاوة على ذلك تفسّر “مفاهيم” لينين الفرضية بهذه الطريقة أو تلك، ولكن ليس بالطريقة التي فسرها فيها لينين بعد أن مرّت الأحداث.
“حسنا!” يقول الشيوعي الشرقي وهو يخفض رأسه. “سنحاول أن نفهم هذا الشعار كما فهمه لينين قبل الثورة، على حد قولكم. ولكن هل تسمحون بأن تقولوا لنا كيف يبدو هذا الشعار في الواقع؟ كيف تحقق في بلدكم؟”.
“لقد تحقق في بلدنا على شكل الكرنسكية في حقبة السلطة المزدوجة”.
“هل تريدوننا أن نقول لعمالنا إن شعار الدكتاتورية الديمقراطية سوف يتحقق في بلدنا على شكل كرنسكية محلية؟”
“ماذا تقول؟ لا، أبدا! فما من عامل يتبنى شعار كهذا، إن الكرنسكية تبعية للبرجوازية وخيانة للشعب العامل”.
فيسأل الشيوعي الشرقي بكآبة: “ولكن ماذا علينا أن نقول للعمال؟”
فيجيب كيوسينين ([4])، الرجل المكلف بهذه المهمة: “عليك أن تقول لهم أن الدكتاتورية الديمقراطية هي تلك التي طرحها لينين فيما يتعلق بالثورة الديمقراطية القادمة”.
وإذا كان الشيوعي الشرقي غير محروم من ملكة التفكير، سوف يجيب:
“ولكن، ألم يقل لينين عام 1917 أن الدكتاتورية الديمقراطية قد تحققت بشكل حقيقي أصيل فقط في أكتوبر التي أقامت دكتاتورية البروليتاريا ؟ أليس من الأفضل أن نوّجه الحزب والطبقة العاملة نحو هذا الهدف؟”.
“ليس في أي حال من الأحوال. لا أريدك حتى أن تفكر بهذا. إنها الثورة الدائمة. إنها نزعة تروتسكية”.
بعد هذا التأنيب العنيف يغدو الشيوعي الشرقي أكثر بياضا من الثلج على أعلى قمم الهيملايا فيتخلى عن كل شغف للمعرفة. فليأت ما هو آت.
وماذا تكون النتائج؟ إننا نعرف جيدا: إما التمرّغ المشين عند أقدام تشانغ كاي-تشيك، وإما المغامرة البطولية.
8- من الماركسية إلى النزعة السلمية
إن الظاهرة التي تدعو للقلق أكثر من غيرها هي مقطع من مقالة راديك لا علاقة له بالموضوع الأساسي الذي نحن بصدده، وإنما تربطه به وحدانية انحياز راديك نحو مفكّري الوسطية الحاليين. أعني بذلك تودّد راديك الخجول لنظرية الاشتراكية في بلد واحد. يجب أن نتوقف عند هذه النقطة، لأن هذه “الحاشية” من أخطاء راديك قد تجاوز جميع الخلافات الأخرى في الرأي في تطورها اللاحق، مبينة أن كميتها قد تحولت نهائيا إلى نوعية.
في معرض مناقشته للأخطار التي تهدّد الثورة من الخارج، يكتب راديك أن لينين “…كان مدركا أن الدكتاتورية (دكتاتورية البروليتاريا) لا تستطيع أن تحافظ على نفسها إلاّ إذا هبّت البروليتاريا الأوروبية لنجدتها، ذلك بسبب مستوى التطور الاقتصادي في روسيا عام 1905.”
الأخطاء تتوالى، فتؤدي قبل شيء إلى خرق بذيء للأفق التاريخي. لقد قال لينين في الواقع، أكثر من مرّة، إن الدكتاتورية الديمقراطية (وليس دكتاتورية .البروليتاريا) لا تستطيع المحافظة على نفسها في روسيا بدون قيام الثورة الاشتراكية في أوروبا. إن هذه الفكرة تتخلل، كخيط أحمر، جميع مقالات لينين وخطبه إبان مؤتمر الحزب في ستوكهولم عام 1906 (في مساجلته مع بليخانوف، وفي معالجته لقضايا التأميم، إلى آخره). ولم يخطر ببال لينين، في تلك الفترة، أن يطرح قضية قيام دكتاتورية البروليتاريا في روسيا قبل قيام الثورة الاشتراكية في أوروبا. غير أن الموضوع الأساسي ليس هنا في الوقت الحاضر. ما هو معنى عبارة “بسبب مستوى التطور الاقتصادي في روسيا عام 1905″؟ وكيف كان مستوى هذا التطور في عام 1917؟ إن نظرية الاشتراكية في بلد واحد قد بينت على هذا التباين في المستويات. ولقد قسّم برنامج “الكومنتيرن” الكرة الأرضية إلى مربعات “مؤهلة” في مستواها لبناء الاشتراكية بشكل مستقل، وأخرى “غير مؤهلة” لذلك؛ فأوقع الاستراتيجية الثورية بذلك في طريق مسدودة لا أمل بالخروج منها. لا شك في أن التباين في المستويات الاقتصادية قد ينعكس على قوى الطبقة العاملة السياسية. ففي عام 1905، لم نستطع أن نرتفع إلى مستوى دكتاتورية البروليتاريا كما أننا لم نستطع أن نرتفع إلى مستوى الدكتاتورية الديمقراطية، وفي عام 1917، أقمنا دكتاتورية البروليتاريا التي ابتلعت الدكتاتورية الديمقراطية، ولكن مستوى التطور الاقتصادي الذي كان موجودا عام 1917 وعام 1905 لم يسمح للدكتاتورية بأن تحافظ على نفسها وتتطور نحو الاشتراكية إلاّ إذا هبت البروليتاريا الأوروبية لنجدتها في الوقت المناسب. وطبعا، لا يمكن تحديد هذا “الوقت المناسب” بشكل مسبق، إن مجرى التطور والنضال يحددانه. إلى جانب هذه المسألة الأساسية التي تحددها العلاقة بين القوى في العالم والتي لها الكلمة الفاصلة الأخيرة في الأمر، يصبح التباين في مستويات التطور في روسيا بين عامي 1905 وعام 1917 عاملا ثانويا مهما بلغ من الأهمية.
غير أن راديك لا يكتفي بالإشارة المبهمة إلى هذا التباين في المستويات. فبعد الإشارة إلى أن لينين قد أدرك الارتباط بين قضايا الثورة الداخلية وقضاياها العالمية، يستطرد قائلا:
“إلاّ أن لينين لم يشدد فقط على هذا الارتباط بين المحافظة على الدكتاتورية الاشتراكية في روسيا وبين مساعدة بروليتاريا أوروبا الغربية لها مثلما بالغت صياغة تروتسكي الشديدة الحدّة التي تؤكد أنه يجب على المساعدة أن تكون مساعدة حكومية، أي مساعدة تقدمها بروليتاريا أوروبا الغربية بعد تحقيق انتصارها”.
بصراحة، لم أصدق عيوني عندما قرأت هذه الأسطر. لأي هدف استعار راديك هذا السلاح البالي من مستودع “رجال الصف الثاني”؟ إنه مجرد ترداد مخز للتفاهات الستالينية التي كنا دوما نسخر منها. وعلاوة عن الأشياء الأخرى، فإن هذا المقطع يبين أن راديك لا يفهم المعالم الرئيسية لخط لينين الفكري. إن لينين، على عكس ستالين، لم يكن يعتقد أن ضغط البروليتاريا الأوروبية على الحكم البرجوازي هو البديل لاستلام البروليتاريا للحكم بل على العكس، فقد صاغ مسألة المساعدة الثورية الخارجية بحدة تفوق الحدة التي صغتها أنا بها. فخلال فترة الثورة الأولى كان يردد بدون كلل أنه لا يمكن لنا أن نحتفظ بالديمقراطية (ولا حتى بالديمقراطية!) إلاّ إذا قامت الثورة الاشتراكية في أوروبا. ويمكن أن نقول بشكل عام، أنه في فترة 1917-1918، لم ينظر إلى مصير ثورتنا ولم يقيمه إلاّ مرتبطا بمصير الثورة الاشتراكية التي كانت بوادرها آخذة في البروز في أوروبا. وعلى سبيل المثال، فقد صرح علناً: “بدون انتصار الثورة في ألمانيا فإننا لا محالة هالكون”. وقد قال ذلك في عام 1918 ولم يقله بصدد “المستوى الاقتصادي” عام 1905، وهو لم يكن يتكلم عن العقود القادمة وإنما عن الفترة التي تلي مباشرة أي عن سنوات أو الأشهر القليلة القادمة.
لقد أعلن لينين في عشرات المناسبات: إذا كنا قد صمدنا “فإنما يعود ذلك… إلى وجود مزيج ملائم من الظروف حمانا من الاستعمار العالمي لفترة قصيرة” (إنتبه إلى عبارة :لفترة قصيرة!). ويقول بعد ذلك: “لا يمكن للاستعمار العالمي في أي ظروف وبأي شرط أن يعيش جنب مع الجمهورية السوفييتية… إن الصراع حتمي على هذا الصعيد”. وما هي النتيجة؟ الدعوة إلى التفاؤل السامي “بضغط” البروليتاريا أم الدعوة إلى “إزالة مفعول” البرجوازية؟ كلا. النتيجة هي التالية: “إن الصعوبة التي تواجه الثورة الروسية هي … ضرورة تفجير الثورة العالمية”. (لينين المؤلفات الكاملة -المجلد 15- ص 126- الطبعة الروسية). متى هذا الكلام؟ لقد قيل عام 1917 وفي الأعوام التي تلته ولم يقل عام 1905 عندما كان نقولا الثاني يفاوض وليم الثاني بغية القضاء على الثورة وعندما قدّمت صيغتي البالغة “الحدة”.
هذا ما قاله لينين في مؤتمر “الكومنترن” الثالث:
“كان واضحا بالنسبة إلينا أن انتصار ثورة البروليتاريا (في روسيا) أمر مستحيل ما لم تدعمها الثورة العالمية. وكنا نقول: إما أن تندلع الثورة في البلدان الأخرى، أي في البلدان الأكثر تقدما في الاتجاه الرأسمالي، رأسا أو على الأقل بسرعة عظيمة وإما أن يكون مصيرنا الهلاك. وبالرغم من هذه القناعة، فلقد بذلنا كل جهد للمحافظة على النظام السوفييتي في جميع الظروف غير مبالين بالعواقب، لأننا كنا نعلم أننا لا نعمل من أجل أنفسنا فقط وإنما من أجل الثورة العالمية أيضا. كنا نعلم ذلك، ولقد رددنا هذه القناعة مرارا قبل ثورة أكتوبر وبعد قيامها مباشرة وإبان توقيع معاهدة “بريست ليتوفسك”. أما في الواقع الفعلي فإن الأحداث لم تسلك خطأ بالاستقامة التي توقعنا لها أن تسلكه”.
(محاضر مؤتمر الكومنترن الثالث -ص354- الطبعة الروسية).
ابتداء من عام 1921 بدأت الحركة بالسير في خط لم يكن بالاستقامة التي توقعنا لها أنا ولينين أن تسير به عام 1917-1919 (وليس فقط عام 1905). ومع ذلك فقد تطورت في خط التناقضات العدائية بين الدولة العمالية والعالم البرجوازي. وكان لا بد من أن ينهار أحدهما! ولا يمكن المحافظة على الدولة العمالية في وجه الأخطار المميتة التي تتهددها، اقتصاديا كانت أم عسكرية، إلاّ بانتصار ثورة البروليتاريا في الغرب. وان محاولة اكتشاف التباين بين موقفي وموقف لينين لهو ذروة من القذارة النظرية. أعيدوا قراءة لينين على الأقل، لا تشوّهوه، ولا تسقونا هذا الحساء الستاليني الفاسد!
إلاّ أن الانحدار نحو الدرك لا يتوقف عند هذا الحدّ. فبعد أن يخترع راديك قصة تقول أن لينين يعتبر أن المساعدة “البسيطة” التي تقدمها البروليتاريا العالمية تكفي (هذه الفكرة الإصلاحية في جوهرها والمنسوبة إلى بورسيل)، وان تروتسكي قد “بالغ في الإلحاح “على المساعدة الحكومية فقط، أي المساعدة الثورية؛ بعد ذلك يستطرد راديك قائلا:
“لقد أثبتت التجربة أن لينين كان على حق في هذه النقطة أيضا. لم تكن البروليتاريا الأوروبية قد أصبحت من القوة بحيث تستطيع الاستيلاء على الحكم، غير أنها كانت تملك القوة الكافية، خلال فترة التدخل، لتمنع البرجوازية العالمية من أن تحشد قوى فعّلة في المعركة ضدنا. وقد ساعدت بذلك على المحافظة على السلطة السوفييتية. إن الخوف من الحركة العمالية والتناقضات داخل العالم الرأسمالي ذاته كانت القوة الأساسية التي ضمنت استمرار السلم خلال السنوات الثماني بعد انتهاء فترة التدخل”.
إن هذا المقطع الذي لا يحمل شيئا من الطرافة إذا ما قورن بفروض الإنشاء التي يخطّها الموظفون الفكريون في زمننا هذا، يبقى جديرا بالاهتمام لأنه مزيج من التزوير التاريخي ومن البلبلة السياسية ومن أفظع الأغلاط المبدئية.
يستنتج من كلام راديك أن لينين، في منشور له عام 1905 بعنوان “خطط عمل للاشتراكية-الديمقراطية” (وهذا هو المنشور الوحيد الذي يشير إليه راديك) قد تنبأ أن ميزان القوى بين الدول والطبقات بعد عام 1917 سيكون في وضع يحول فيه لمدة طويلة دون إمكان حصول تدخل عسكري واسع ضدنا. ومقابل ذلك فإن تروتسكي لم يتنبأ عام 1905 بالوضع الذي سينتج حتما بعد الحرب الاستعمارية، ولكنه اكتفي بالاعتراف بوقائع تلك الحقبة كقوة جيش الهوهنزولرن مثلا، وضخامة جيش الهابسبورغ، وجبروت البورصة الفرنسية، إلى آخره. هذا افتراء حقير على التاريخ، يزيد في تعقيده التناقضات السالفة التي تحتويها. يعتبر راديك أن خطأي الأساسي هو أني توقعت قيام دكتاتورية البروليتاريا “مع وجود مستوى التطور الاقتصادي كما كان عليه عام 1905”. والآن يتضح الخطأ الثاني: إني لم أعالج توقع قيام دكتاتورية البروليتاريا الذي عرضته عشية ثورة عام 1905 في ضوء الوضع الدولي الذي لم يبرز إلاّ بعد عام 1917. عندما يبدو حجج ستالين على هذا النحو، فإننا لا ندهش بها، لأننا على علم وثيق “بمستوى تطور” ستالين كما كان عام 1917 وكما هو عام 1928 -ولكم كيف وقع راديك بين مجموعة كهذه؟
ومع ذلك فحتى هذا ليس أسوأ ما في الأمر. إن راديك قد قفز عن الحاجز الذي يفصل الماركسية عن الانتهازية والموقف الثوري عن الموقف السلمي -وهذا أسوأ ما في الأمر. ليست المسألة إلاّ مجرد مسألة النضال ضد الحرب أي مسألة البحث عن أساليب تتبع لتفادي الحرب أو إيقافها: ضغط البروليتاريا على البرجوازية أم حرب أهلية تقضي على البرجوازية؟ لقد أدخل راديك، بدون علم منه، مسألة أساسية تتعلق بسياسة البروليتاريا في النقاش الدائر بيننا.
هل يعني راديك أني لا “أتجاهل” دور الفلاحين فحسب وإنما أتجاهل ضغط البروليتاريا على البرجوازية كذلك، وإني لا آخذ بعين الاعتبار إلاّ ثورة البروليتاريا؟ يصعب التصديق أن راديك يدافع عن تفاهة كهذه جديرة بأمثال “ثالمان” و”سيمار” و”مونموسو”. في مؤتمر “الكومنترن” الثالث دعا اليساريون المتطرفون آنذاك (زينزفييف، ثالهايمر، بيلاكون، إلى آخره) إلى انتهاج خطط تكتيكية غايتها القيام بانقلاب في الغرب لإنقاذ الاتحاد السوفييتي. ففسّرت لهم ولينين، بأبسط أسلوب ممكن، أن أفضل مساعدة يستطيعون تقديمها هي أن يعملوا بشكل منهجي مبرمج لترسيخ مواقعهم ولتحضير أنفاسهم للاستيلاء على الحم عوضا عن أن يفتعلوا المغامرات الثورية لمساعدتنا. ومما يدعو للأسف الشديد أن راديك لم يقف في تلك المناسبة إلى جانب لينين وتروتسكي وإنما وقف إلى جانب زنوفييف وبوخارين. ولا شك في أن راديك يتذكر أن جوهر نقاشي ونقاش لينين كان الهجوم على اعتباطية “الصياغة الشديدة الحدة” التي تقدم بها اليساريون المتطرفون؛ على كل إذا كان راديك لا يتذكر ذلك فما عليه إلاّ أن يعود إلى محاضر المؤتمر الثالث. وبعد أن فسرنا لهم أن دعم الحزب وممارسة البروليتاريا للضغط هما عاملان في غاية الأهمية في العلاقات الداخلية والدولية أضفنا -نحن الماركسيين- لإنّ “الضغط” هو وظيفة من وظائف النضال النظري الثوري الهادف إلى استلام الحكم وأنه يعتمد كليا على تطور هذا النضال. لهذا السبب، ألقى لينين خطابا في نهاية المؤتمر الثالث في اجتماع واسع خاص للمندوبين كان موجها ضد نزعات الاستكانة والوقوف إلى هامش الأحداث، وختم خطابه بهذه الوصية: أيها الأصدقاء، لا تشترطوا في المغامرات، ولكن لا تتلكأوا، إننا لن نصمد طويلا إذا مارستم “الضغط” وحده.
يشير راديك إلى أن البروليتاريا الأوروبية لم تكن مؤهلة لاستلام الحكم بعد الحرب غير أنها منعت البرجوازية من أن تسحقنا. ولقد تكلمتُ حول هذا الموضوع في أكثر من مناسبة. بيد أن البروليتاريا الأوروبية قد نجحت في أن نحول دون سحقنا فقط لأن ضغط البروليتاريا صادف وجود النتائج الموضوعية الخطيرة للحرب الاستعمارية والتناقضات العالمية التي زادت هذه الحرب من حدّتها. ولا يمكن أن نحدد أيّ عامل كان له الدور الحاسم: الصراع داخل المعسكر الرأسمالي أم الانهيار الاقتصادي أم ضغط البروليتاريا؛ المسألة لا تطرح على هذا النحو. لقد أثبتت الحرب الاستعمارية، بما لا يسمح الشط، أن الضغط السلمي لا يكفي بمفرده لأن هذه الحرب قد نشبت بالرغم من جميع أنواع “الضغط”. وأخيرا، وهذا أهم ما في الأمر، إذا كان ضغط البروليتاريا فعالا في السنوات الحرجة الأولى من الحياة الجمهورية السوفييتية فذلك يعود إلى أن المسألة لم تكن بالنسبة لعمال أوروبا مسألة ممارسة الضغط بل مسألة النضال من أجل استلام الحكم؛ وغالبا ما أخذ هذا النضال شكل حرب أهلية.
في عام 1905، لم يكن هناك حرب ولا انهيار اقتصادي وكانت الرأسمالية والنزاعات العسكرية في ذروة هيجانها الدموي. فعجز “الضغط” الذي مارسه الاشتراكيون-الديمقراطيون آنذاك عن أن يمنع وليم الثاني أو فرانز جوزيف من اجتياح مملكة بولونيا بجيشهما ومن أن يهبوا لنجدة القيصر. وحتى في عام 1917، فالضغط الذي مارسته البروليتاريا الألمانية لم يحل دون احتلال الهوهنزولرن لمقاطعات البلطيق وأوكرانيا، وإذا لم يصلوا إلى موسكو فإنما يعود ذلك ضعف قواهم العسكرية. وإذا كان الأمر غير ذلك، لماذا وكيف عقدوا معاهدة الصلح في بريست؟ ما أسهل نسيان الماضي! إن لينين لم يقتصر في كلامه على تعليق الآمال بضغط البروليتاريا ولكنه أكّد مرارا أننا لا بد هالكون إذا لم تندفع الثورة في ألمانيا. وكان هذا القول مصيبا في جوهره رغم أن فترة أطول من الزمن قد انقضت. يجب أن لا تخدعنا الأوهام: لقد صدر بحقنا حكم مؤجل إلى أجل غير مسمّى. ونحن ما زلنا نعيش، كما كنا في السابق، برهة استنشاق الهواء قبل العودة إلى الغوص.
إن وضعا لا تستطيع البروليتاريا فيه أن تستولي على الحكم ولكنها تستطيع أن تمنع البرجوازية من استعمال قوتها لشن الحرب، هو خير مثال على وضع من التوازن الطبقي غير المستقر. ونعتبر التوازن غير مستقر بالتحديد لأنه لا يمكن أن يستمرّ طويلا. لابد من أن ترجح هذه الكفة أو تلك. فإما أن تستلم البروليتاريا الحكم وإما ان تضعف البرجوازية الضغط الثوري، بواسطة سلسلة من الضربات الساحقة، بحيث يتسنى لها أن تستعيد حرية التصرف خاصة في قضيتي الحرب والسلم.
إن الموقف الإصلاحي هو وحده الذي يصوّر ضغط البروليتاريا على الدولة البرجوازية على أنه عامل تتزايد أهميته باستمرار وأنه ضمانة ضد التدخل. فمن هذا المفهوم بالذات نشأت نظرية بناء الاشتراكية في بلد واحد التي تنطلق من موضوعة “إزالة مفعول” البرجوازية العالمية (ستالين). ومثلما تهرب البومة عند انبلاج الفجر فإن نظرية ستالين عن إزالة مفعول البرجوازية بواسطة ضغط البروليتاريا تنشأ فقط عندما تأخذ الظروف التي ولدتها بالاضمحلال.
لقد عانى الوضع العالمي من تغيّرات مفاجئة في فترة أدى فيها التفسير الخاطئ لتجربة ما بعد الحرب إلى التعلّل بالأمل الكاذب بأننا سوف نتدبّر أمورنا دون الحاجة إلى ثورة البروليتاريا الوروبية باستبدالنا هذه الثورة بفكرة “الدعم” بشكل عام. إن هزائم البروليتاريا قد مهدت الطريق أمام استقرار الرأسمالية. لقد تغلبت الرأسمالية على النكسة التي أصيبت بها الحرب. وبرزت أجيال جديدة لم تدق أهوال المجازر الاستعمارية. فكانت النتيجة أن البرجوازية تملك الآن حرية في التصرف بآلتها الحربية أكثر مما كانت تملك من حرية منذ خمس أو ثمانية سنوات خلت.
عندما تتجه الجماهير العاملة إلى اليسار تؤدي هذه العملية، في تطورها اللاحق، إلى إزدياد ضغطها مرّة أخرى على الدولة البرجوازية. غير أن هذا العامل سيف ذي حدين. إن تفاقم خطر الطبقة العاملة بالذات هو الذي يدفع البرجوازية، في طور لاحق، إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لكي تؤكد أنها سيدة في دارها وإلى محاولة تحطيم المركز الرئيسي الذي ينشر العدوى الثورية: الجمهورية السوفييتية. إن النضال ضد الحرب لا يحدده الضغط على الحكومة وإنما النضال الثوري لاستلام الحكم فقط. إن الآثار “السلمية” للصراع الطبقي البروليتاريا، مثل آثار الإصلاحية، ما هو إلا منتوجات للنضال الثوري لاستلام الحكم؛ إنها لا تملك إلا قوة نسبية ومن السهل قلبها إلى نقيضها، أي أنها قد تدفع البرجوازية في طريق الحرب. إن خوف البرجوازية من الحركة العمالية، الذي يعالجه راديك من زاوية جد مميزة، هو الأمل الفعلي الذي يتعلق به جميع الاشتراكيين السلميين. إلاّ أن “الخوف” من الثورة لا يقرر سيئا بمفرده. الثورة هي التي تقرر. لهذا السبب قال لينين أن الضمانة الوحيدة ضد عودة الملكية عام 1905، وضد عودة الرأسمالية عام 1918، ليس الضغط الذي تمارسه البروليتاريا وإنما انتصارها الثوري في أوروبا. هذا هو الشكل الوحيد لطرح القضية. وبالرغم من طول مدّة استنشاق الهواء قبل العودة إلى الغوص، فإن صياغة لينين ما تزال تحتفظ بكل قوتها حتى في هذه الأيام. ولقد صغت المسألة بالطريقة ذاتها. فكتبت في نتائج وتوقعات” عام 1906 ما يلي:
“إن الخوف من انتفاضة البروليتاريا هو بالتحديد العامل الذي يجبر الأحزاب البرجوازية، حتى وهي تصوت إلى جانب صرف المبالغ الهائلة لمتابعة الحرب، على الإدلاء بتصريحات رنّانة تؤيد فيها السلم، وعلى تعليق الآمال على “لجان تحكيم دولية”، وحتى على تنظيم “الولايات المتحدة الأوروبية”. إن هذه التصريحات الرنانة البائسة لا تستطيع طبعا أن تلغي التناقض بين الدول ولا الصراعات المسلحة”.
(تروتسكي: “ثورتنا” -مقالة “نتائج وتوقعات”- ص283)
إن الخطأ الأساسي الذي وقع فيه المؤتمر السادس يكمن في أنه، سعيا منه وراء إنقاذ توقعات ستالين وبوخارين السلمية والإصلاحية-الوطنية، أخذ يبحث عن وصفات ثورية-تقنية لتفادي خطر الحرب فاصلا بذلك النضال ضد الحرب عن النضال من أجل استلام الحكم.
وقد حاول موّجهو المؤتمر السادس هؤلاء البناة المترددين للاشتراكية في بلد واحد الذين هم في جوهرهم سلميون متخوفون، أن يزيدوا في سرعة “إزالة مفعول” البرجوازية بواسطة وسائل “ضغط” مكثف. وبما أنه لم يكن بإمكانهم إلا أن يعلموا أن قيادتهم قد أدّت إلى هزيمة الثورة في عدد من البلدان حتى الآن، وإنها قد أخرت مسيرة طليعة البروليتاريا العالمية، فقد سعوا في الدرجة الأولى إلى نبذ “الصياغة الشديدة الحدّة” التي طرحتها الماركسية والتي تربط قضية الحرب بقضية الثورة بشكل عضوي فحولوا النضال ضد الحرب إلى مهمة اكتفاء ذاتي. وحتى لا تتغافل الأحزاب الوطنية عن الساعة الحاسمة، أعلنوا أن خطر الحرب دائم عاجل لا يؤجل. وكل ما يحدث في العالم غايته الحرب. فلم تعد الحرب بعد الآن أداة في يد النظام البرجوازي بل أصبح النظام البرجوازي أداة في يد الحرب. ونتيجة لذلك تحوّل نضال الأممية الشيوعية ضد الحرب إلى مجموعة من الشعائر تردّد بشكل آلي في كل مناسبة فتفقد مفعولها وتتبخر. إن الاشتراكية الوطنية الستالينية تتجه نحو تحويل الأممية الشيوعية إلى أداة ثانوية “للضغط” على البرجوازي. إن هذا هو الاتجاه الذي يدعمه راديك بنقده السريع والمائع والسطحي وليس الاتجاه الماركسي. لقد أضاع بوصلته وانحراف في تيار هجين قد يقذف به إلى شطآن غريب بعيد.
الما-أطا أكتوبر 1928
9 ـ ما هي الثورة الدائمة الفرضيات الأساسية
1- تتطلب نظرية الثورة الدائمة الآن الاهتمام الأكبر من طرف كل ماركسي لأن سير الصراع الطبقي والأيديولوجي قد رفع هذه المسألة، بشكل كامل ونهائي، من نطاق ذكريات الخلافات القديمة في الرأي بين الماركسيين الروس وحوّلها إلى مسألة تتعلق بطابع الثورة العالمية وبعلاقاتها وبأساليبها بشكل عام.
2- تقول نظرية الثورة الدائمة، فيما يتعلق بالبلدان ذات التطور البرجوازي المتأخر وخاصة البلدان المستعمرة أو شبه المستعمرة، إن الحل الكامل الأصيل لمهام الديمقراطية والتحرر الوطني فيها لا يمكن أن يتم إلاّ من خلال دكتاتورية البروليتاريا بوصفها قائدة لأمة مخضعة، وبشكل خاص بوصفها قائدة لجماهيرها الفلاحية.
3- إن المسألتين الزراعية والوطنية تعيّنان للفلاحية، الأغلبية الساحقة من سكان البلدان المتخلفة، دورا أساسيا في الثورة الديمقراطية. ولا يمكن تنفيذ مهام الثورة الديمقراطية ولا حتى طرحها بجدية إذا لم يتم تحالف البروليتاريا مع الفلاحين. إلاّ أن تحالف هاتين الطبقتين يمكن تحقيقه فقط خلال النضال الدؤوب ضد نفوذ البرجوازية الوطنية الليبرالية.
4- مهما تكن طبيعة المراحل الأولى من الثورة في كل بلد بمفرده، فإن تحقيق التحالف الثوري بين البروليتاريا والفلاحين لا يمكن أن يتم إلاّ تحت القيادة السياسية للطبيعة البروليتاريا المنظمة في الحزب الشيوعي. وهذا يعني أنه لا يمكن أن تتبيّن انتصار الثورة الديمقراطية إلاّ من خلال قيام دكتاتورية البروليتاريا التي تركز على التحالف مع الفلاحين والتي تنفّذ في البدء مهام الثورة الديمقراطية
5- إذا ما قيمنا شعار البلاشفة القديم “دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية” تقييما تاريخيا، نجد أنه عبّر بدقة عن العلاقة التي سبق أن حددنا طابعها بين البروليتاريا والفلاحين والبرجوازية الليبرالية. وهذا ما أكدته تجربة أكتوبر. إلاّ أن صيغة لينين القديمة لم تجب سلفا على السؤال: كيف ستكون العلاقات المتبادلة بين البروليتاريا والفلاحين داخل الجبهة الثورية؟ وبعبارات أخرى، احتفظت هذه الصيغة عن قصد بطابع المعادلة الرياضية الجبرية، فكان لا بد لها من أن تفسح المجال أمام كميات حسابية أكثر دقة في عملية التجربة التاريخية، ومهما يكن من أمر، فقد أكدت التجربة التاريخية، في ظروف لا تحتمل الشك، أنه مهما كان دور الفلاحين كبيرا فليس بإمكانهم أن يلعبوا دورا مستقلا ولا أن يلعبوا دورا قياديا. إن الفلاح إمّا أن يتبع العامل وإما أن يتبع البرجوازي. وهذا يعني أنه لا يمكن فهم “دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية” إلاّ كدكتاتورية البروليتاريا التي تقود الجماهير الفلاحية.
6- إن دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية كنظام يتميز بمضمونه الطبقي عن دكتاتورية البروليتاريا، يتحقق فقط عندما تتوفر إمكانية تأسيس حزب سياسي مستقل يعبر عن مصالح الفلاحين بشكل خاص وعن مصالح العناصر الديمقراطية من البرجوازية الصغيرة بشكل عام، حزب يستطيع أن يستولي على الحكم بهذا القدر أو ذاك من مساعدة البروليتاريا له، وأن يحدد لنفسه برنامجا ثوريا. إن التاريخ الحديث بأجمعه يشهد، وبخاصة تجربة السنوات الخمس والعشرين الأخيرة في روسيا، إن الحاجز الذي لا يمكن إزاحته عن الطريق إلى تكوين حزب الفلاحين هو فقدان البرجوازية الصغيرة للاستقلال الاقتصادي والسياسي، والمفارقات العميقة الموجودة في داخلها. لهذا السبب، تقف القطاعات العليا من البرجوازية الصغيرة (ومن الفلاحين) إلى جانب البرجوازية الكبيرة في جميع القضايا الحاسمة في حالتي الحرب والثورة، بينما تقف القطاعات الدنيا منها إلى جانب البروليتاريا مما يجبر القطاعات الوسطية على الاختيار بين قطبين على طرفي نقيض. بين الكرنسكية والسلطة البلشفية، بين الكيومنتانغ ودكتاتورية البروليتاريا لا ولن يمكن أن يرتسم سبيل وسط، أي لا يمكن أن تتحقق فهم “دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية”
7- إن محاولة الكومنترن إقناع البلدان الشرقية بشعار فهم “دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية” الذي استهلكه التاريخ نهائيا ومنذ زمن طويل، لا يمكن أن يكون له إلاّ مردود رجعي. وإلى المدى الذي يستعمل هذا الشعار كبديل لشعار “دكتاتورية البروليتاريا” فهو يساهم في تذويب البروليتاريا سياسيا في مجموع البرجوازية الصغيرة، خالقا بذلك الظروف المشجعة على سيطرة البرجوازية الوطنية وبالتالي على انهيار الثورة الديمقراطية. وإن إدراج هذا الشعار في برنامج الكيومنترن لهو خيانة صريحة للماركسية ولتقاليد ثورة أكتوبر البلشفية.
8- إن دكتاتورية البروليتاريا التي ارتفعت إلى سدة الحكم بوصفها قائدة الثورة الديمقراطية سوف تجابه حتما وسريعا بمهام لا يمكن تنفيذها الاّ بالمساس العميق بحقوق الملكية البرجوازية. إذاك تنضج الثورة رأسا إلى ثورة اشتراكية فتصبح ثورة دائمة.
9- إن استلام البروليتاريا للحكم لا ينهي الثورة بل يبدأها. ولا يمكن تبيان عملية البناء الاشتراكي إلا على أساس الصراع الطبقي على الصعيدين الوطني والعالمي. وسوف يؤدي هذا الصراع حتما إلى انفجارات، أي إلى حروب أهلية في الداخل وحروب ثورية في الخارج لكون العلاقات الرأسمالية طاغية على الصعيد العالمي طغيانا كاملا. هنا تكمن ديمومة الثورة الاشتراكية كثورة اشتراكية، دونما أي اعتبار لما إذا كان البلد المعني بالأمر متخلفا، أي أنه أنجز ثورته الديمقراطية حديثا، أم رأسماليا عريقا يحمل وراءه فترة طويلة من التقاليد الديمقراطية والبرلمانية.
10- إن إنهاء الثورة الاشتراكية ضمن الحدود الوطنية أمر غير معقول. وإن أحد الأسباب الكامنة وراء أزمة المجتمع البرجوازي هو أن قوى الإنتاج التي خلقها المجتمع لم تعد منسجمة مع إطار الدولة القومية. وينتج عن ذلك الحروب الاستعمارية من جهة، والحديث الطوباوي عن “الولايات المتحدة الأوروبية” البرجوازية. من جهة أخرى أن الثورة الاشتراكية تبدأ ضمن الإطار الوطني وتتفتح على الصعيد الدولي ثم تستكمل على الصعيد العالمي. وهكذا تصبح الثورة الاشتراكية ثورة دائمة بالمعنى الجديد والواسع لهذه الكلمة، ولا تصل إلى كمالها إلاّ عندما ينتصر المجتمع الجديد نهائيا على كوكبنا بأجمعه.
11- إن الصورة التي رسمناها أعلاه لتطوير الثورة العالمية تستبعد قضية البلدان “الناضجة” أو البلدان “غير الناضجة” وحق الترتيب الادعائي الميت الذي يتضمنه برنامج الكومنترن الحالي. فما دامت الرأسمالية قد خلقت السوق العالمية وتقسيم العمل العالمي وقوى الإنتاج العالمية، فهي تحضر بذلك الاقتصاد العالمي ككل للتحويل الاشتراكي.
إن الدول المتخلفة تسير في هذه الاتجاه بسرعات متباينة. وقد تصل الدول المتخلفة، في ظروف معينة، إلى دكتاتورية البروليتاريا قبل الدول المتقدمة، ولكنها تصل بعدها إلى الاشتراكية.
إن بلدا متخلفا مستعمرا أو شبه مستعمر ليست طبقته العاملة مهيأة التهيئة الكافية لتوحيد الفلاحين ولاستلام الحكم لا يستطيع بالتالي أن ينجز الثورة الديمقراطية. وعلى العكس من ذلك، ففي بلد يكون الحكم بين أيدي البروليتاريا نتيجة للثورة الديمقراطية يتوقف مصير الدكتاتورية والاشتراكية في التحليل النهائي ليس فقط، وليس بهذا القدر من الأهمية على قوى الإنتاج الوطنية بقدر ما يتوقف على تطور الثورة الاشتراكية العالمية.
12- إن نظرية “الاشتراكية في بلد واحد” التي ظهرت على وجه خميرة الردة ضد ثورة أكتوبر هي النظرية الوحيدة التي تناقض نظرية الثورة الدائمة دائما وأبدا.
وإن محاولة “رجال الصف الثاني”، تحت لسعات نقدنا، أن يحصروا تطبيق نظرية “الاشتراكية في بلد واحد” في روسيا فقط بسبب خصائصها المميزة (اتساعها ووفرة مواردها الطبيعية) لا يحسن الأمور بل يزيدها رداءة. لأن الانفصال عن الموقف الأممي يؤدي دوما وابدا إلى وسيلة قومية، أي إلى محاولة إضفاء أفضليات وميزات خاصة على وطن ما تؤهله أن يلعب دورا تعجز أوطان أخرى عن لعبه.
إن تقسيم العمل على الصعيد العالمي، واعتماد الصناعة السوفييتية على التقنية الأجنبية، واعتماد قوى الإنتاج في بلدان أوروبا المتقدمة على المواد الخام الآسيوية، إلى آخره، كل هذا يجعل من بناء مجتمع اشتراكي مستقل في أي بلد بمفرده أمرا مستحيلا.
13- إن نظرية ستالين وبوخارين التي تسير باتجاه مغاير لتجربة الثورة الروسية بأكملها لا تميز الثورة الاشتراكية بشكل آلي عن الثورة الديمقراطية فحسب، بل تخلق أيضا هوة سحيقة بين الثورة الوطنية والثورة العالمية.
إن هذه النظرية تفرض على الثورات في البلدان المتخلفة، مهمّة إنشاء نظام الدكتاتورية الديمقراطية يستحيل تحقيقه، كبديل عن دكتاتورية البروليتاريا. وهكذا تُدخل هذه النظرية الأوهام والأساطير إلى السياسة وتشل نضال بروليتاريا الشرق من أجل استلام الحكم وتعيق انتصار الثورة في الدول المستعمرة.
إن عملية استيلاء البروليتاريا على الحكم بحد ذاتها تعني، على حد إدعاء نظرية “رجال الصف الثاني”، إنجاز الثورة (“إلى درجة التسعة أعشار” على حد قول ستالين)، وبداية فترة من الإصلاحات الوطنية. لذلك فإن نظرية نضج “الكولاك” إلى الاشتراكية، ونظرية “إزالة مفعول” البرجوازية العالمية لا تنفصلان بالنتيجة عن نظرية “الاشتراكية في بلد واحد”. إن هذه النظريات اما ان تقف معا وإما أن تنهار معا.
بواسطة نظرية الاشتراكية-الوطنية تقلصت “الأممية الشيوعية” إلى مجرد سلاح ثانوي ينفع فقط في الصراع ضد التدخل العسكري. والسياسة الحالية التي ينتهجها “الكومنترن” ونظامه والطريقة التي يختار بها مسؤوليه الرئيسيين تتناسب تماما مع سقوط “الأممية الشيوعية” إلى مستوى الجهاز الثانوي غير المؤهل لتنفيذ المهام المستقلة.
14- إن برنامج “الكومنترن” الذي وضعه بوخارين هو انتقائي جملة وتفصيلا. إنه محاولة يائسة للتوفيق بين نظرية “الاشتراكية في بلد واحد” وبين الأممية الماركسية، التي لا يمكن فصلها بأي حال من الأحوال عن ديمومة الثورة العالمية. إن نضال “المعارضة الشيوعية اليسارية” من أجل انتهاج “الأممية الشيوعية” لسياسة صحيحة وتبنيها لنظام سليم، يرتبط ارتباطا وثيقا بالنضال من أجل وضع برنامج ماركسي. ومسألة هذا البرنامج لا تنفصل بدورها عن مشكلة النظريتين التي تنفي الواحدة منها الأخرى: نظرية “الثورة الدائمة” ونظرية “الاشتراكية في بلد واحد”. إن قضية الثورة الدائمة قد تجاوزت منذ زمن بعيد الخلافات الآنية في الرأي التي كانت قائمة بين لينين وتروتسكي والتي استهلكها التاريخ استهلاكا كاملا. إن الصراع يدور الآن بين أفكار ماركس ولينين الأساسية من جهة، وبين انتقائية الوسطيين من جهة أخرى.
10- خاتمة
في الأسطر التي ختمتُ بها الفصل السابق أودت تنبؤا أو بالأحرى تخوفا جرى تأكيده بعد بضعة أشهر، كما يعلم القراء. لقد استخدم راديك نقده للثورة الدائمة كمبرر للانشقاق عن المعارضة. إن كتابنا كله يبرهن، كما نأمل، أن انتقال راديك إلى معسكر ستالين لم يفاجئنا قط. ولكن الكفر له مستوياته ودرجات انحطاطه. وفي البيان الذي يعلن فيه راديك توبته، يعيد الاعتبار لسياسة ستالين في الصين. هذا يعني الانحدار إلى أحطّ مستويات الخيانة. ولم يبق لي سوى أن أستشهد بمقطع من ردّي على “إعلان التوبة” الذي أصدره راديك وبريوبراجنسكي وسميلغا، هذه التوبة التي أدرجت أسماؤهم على لائحة الحقراء السياسيين السوداء:
“وكما هو جدير بجميع المفلسين الذين يحترمون أنفسهم، أبى هذا الثلاثي إلاّ أن يتستر وراء الثورة الدائمة. إن الثورة الصينية هي أعظم تجربة مأساوية في كل تاريخ انهزامات الانتهازية المعاصر. فما هو موقفهم منها؟ يسعى هذا الثلاثي من المستسلمين إلى صرف النظر عنها بواسطة قسَمٍ رخيص يؤكدون فيه أن لا علاقة لها بنظرية الثورة الدائمة.
“لقد دافع راديك وسميلغا بعناد عن إخضاع الحزب الشيوعي الصيني للكيومنتانغ البرجوازي ليس فقط إلى حين قيام تشانغ كاي تشيك بانقلابه العسكري ولكن بعد ذلك الحين أيضا. أما بريو براجنسكي، فقد تمتم بشيء مبهم كعادته دائما عندما تطرح القضايا السياسية على بساط البحث. ويجدر الانتباه إلى أن جميع الذين دافعوا في داخل صفوف “المعارضة” عن إخضاع الحزب الشيوعي للكيومنتانغ قد انتهوا بالاستسلام. وما من معارض ظل مخلصا لشعاراته يحمل هذه الوصمة، التي هي وصمة عار كبيرة. فبعد ثلاثة أرباع القرن من ظهور “البيان الشيوعي”، وبعد ربع قرن من تأسيس حزب البلاشفة ما زال هؤلاء “الماركسيون” السيئو الطالع يظنون أنه بالإمكان الدفاع عن إبقاء الشيوعيين في قفص الكيومنتانغ! وفي رده على اتهاماتي له في تلك الفترة، قدم راديك نفس الحجة التي قدمها في رسالة توبته اليوم: أعلن تخوفه من “إنعزال” البروليتاريا في حال انسحاب الحزب الشيوعي من الكيومنتانغ البرجوازي. وكان راديك، قبل ذلك بوقت قصير، قد أطلق على “حكومة كانتون” لقب حكومة عمالية وفلاحية فساعد ستالين بذلك على تغطية سياسة إخضاع البروليتاريا للبرجوازية. هذه الأفعال المخزية الناتجة من هذا التعامي وهذه البلاهة وهذه الخيانة الصريحة للماركسية، بماذا يجري تغطيتها؟ بمذا حقا؟ بإدانة الثورة الدائمة.
“حتى في فبراير عام 1928 كان راديك يبحث عن مبررات لاستسلامه، فأيّد في الوقت المناسب قرارا صدر في الشهر نفسه عن اجتماع اللجنة المركزية للكومنترن. كان هذا القرار يصم التروتسكيين بالانهزامية لأنهم يسمون الهزائم هزائم، ولأنهم رفضوا اعتبار الثورة-المضادة في الصين أعلى مستوى من مستويات الثورة الصينية. وقد أعلن هذا القرار ذاته في فبراير عن التحضير للانتفاضة المسلحة ولبناء السوفييت. إن أي إنسان لا يعوزه الحس والخبرة السياسيين كان يعتبر هذا القرار مثلا لأقذر أنواع نزعة المغامرة وأكثرها بعدا عن المسؤولية. غير أن راديك تبنى القرار. وعالج بريوبراجنسكي الموضوع بطريقة لا تقل براعة عن طريقة راديك ولكن من زاوية أخرى. فكتب يقول إن الثورة قد انهزمت فعلا وأن هزيمتها ستطول. ولن تقوم ثورة جديدة في المستقبل القريب. هل يجدر بنا أن نهدر الوقت سدى في نقاش تافه حول الصين مع الوسطيين؟ حول هذا الموضوع كتب بريوبراجنسكي المؤلفات الطوال. وعندما قرأتها في “الما-أتا”، شعرت بالخجل. فتسائلت مرارا: ماذا تعلم هؤلاء في مدرسة لينين؟ كانت منطلقات بريوبراجنسكي تتعارض كل التعارض مع منطلقات راديك ومع ذلك فقد وصلا إلى استنتاجات واحدة: فكلاهما مدفوع برغبة جامحة لكي يعانقه ياروسلافسكي بشكل أخوي بعد أن ينقيّ منجينسكي الجو بينهما [82] طبعا، لقد قاموا بكل هذا لصالح الثورة. إنهم ليسوا طلاب مناصب. حاشى وكلا. إنهم مجرد أشخاص لا حول لهم ولا قوة قد أعلنوا إفلاسهم العقائدي.
“في مقابل القرار المشهور الذي صدر عن اللجنة المركزية للكومنترن في اجتماعها في فبراير 1928، كنتُ قد اقترحت العمل على تكتيل العمال الصينيين حول مطالب ديمقراطية بما فيها مطالب عقد جمعية تأسيسية في الصين. ولكن الثلاثي السيئ الطالع سقط عند هذه النقطة في اليسارية-المغالية، فكان موقعهم رخيصا لم يلزمهم بشيء. شعارات ديمقراطية؟ كلا وأبدا. “ذلك هو الخطأ الجسيم الذي ارتكبه تروتسكي”. إننا لا نرضى إلاّ بمجالس السوفييت للصين؛ وليس بأي شيء آخر. عن اذنكم يا سادة، ولكن من الصعب أن نجد موقفا أكثر تفاهة من موقفكم. إن شعار مجالس السوفييت في فترة الردة البرجوازية هو لغو طفولي، إنه استهزاء بمجالس السوفييت. ولكن حتى إبان الثورة، أي إبان فترة بناء السوفييت مباشرة، لم نسحب الشعارات الديمقراطية. ولم نسحبها إلاّ بعد أن اصطدمت مجالس السوفييت الحقيقية، التي كانت قد استولت على الحكم، بمؤسسات الديمقراطية ذاتها على مرأى من الجماهير. هذا يسمى في لغة لينين (وليس في لغة الدعيّ ستالين وجوقته): عدم القفز عن المرحلة الديمقراطية من تطور البلد.
“بدون برنامج ديمقراطي، يحوي المطالبة بجمعية تأسيسية وبيوم عمل من ثماني ساعات، وبمصادرة الأراضي، وباستقلال الصين الوطني، وبحق تقرير المصير لشعوب الصين يبقى الحزب الشيوعي الصيني موثوق الأيدي والأرجل ومضطرا إلى إخلاء الطريق بهدوء أمام الاشتراكيين-الديمقراطيين الصينيين ليحتلوا مكان الحزب الشيوعي بمساعدة ستالين وراديك وشركاهما.
“وهكذا، فبالرغم من أن راديك قد واكب المعارضة منذ تكوينها، إلا أنه خفي عنه أهم شيء في الثورة الصينية عندما دافع عن إخضاع الحزب الشيوعي للكيومنتانغ البرجوازي. لقد تجاهل راديك الثورة-المضادة في الصين عندما دعم الاتجاه الواعي إلى العمل المسلح بعد مغامرة “كانتون”. وها هو اليوم يقفز عن مرحلة الثورة_المضادة وعن النضال من أجل الديمقراطية بإهماله مهام المرحلة الانتقالية وبتمسكه بالأفكار المجرّدة التي تتكلم عن مجالس السوفييت خارج الزمان والمكان. ومقابل هذا كله، يقسم راديك أن لا علاقة له بالثورة الدائمة. هذا أمر يدعو إلى الإمتنان ويجلب العزاء…
“إن نظرية راديك وستالين المعادية للماركسية تعني بالنسبة للصين والهند وسائر بلدان الشرق تكرار تجربة الكيومنتانغ بشكل معدّل ولكنه ليس أفضل من ذي قبل.
“بناء على تجربة الثورتين الصينية والروسية، وبناء على تعاليم ماركس ولينين التي جرى اختبارها في ضوء هاتين الثورتين، تؤكد المعارضة ما يلي:
“إن شعار “دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية” الذي يطرح في مقابل شعار “دكتاتورية البروليتاريا” التي تقود الفلاحين وتنفذ البرنامج الديمقراطي، ما هو إلاّ مجرد أسطورة من الأساطير وعملية خداع ذاتي، بل أسوأ من ذلك: إنه نوع من “الكرينسكية” أو “الكيومنتانغية”.
“بين نظام حكم كرينسكي وتشانغ كاي تشيك من جهة، وبين دكتاتورية البروليتاريا من جهة أخرى لا ولن يوجد نظام حكم ثوري وسيط. وكل من يتقدم بمثل هذه الصيغة الفارغة يخدع عمال الشرق بنذالة، ويمهّد لكوارث جديدة.
“إن المعارضة تتوجه إلى عمال الشرق قائلة: إن المستسلمين الذين أفلسوا نتيجة المؤامرات في داخل الحزب، يساعدون ستالين على زرع بذور الوسطية وعلى ذر الرماد في عيونكم وصم آذانكم وتخدير عقولكم. فمن جهة، غدوتم بلا حول ولا قوة تجاه دكتاتورية برجوازية صلفة إذ مُنعتم من النضال من أجل الديمقراطية، ومن جهة أخرى، يجري تضليلكم بصورة لدكتاتورية تجلب الخلاص هي ليست دكتاتورية البروليتاريا، تمهد الطريق أمام تقمّص الكيومنتانغ شكلا جديدا في المستقبل، أي تمهد لهزائم جديدة لثورة العمال والفلاحين.
إن هؤلاء المبشرين هم خونة. فيا عمال الشرق: تعلموا أن لا تثقوا بهم، تعلموا أن تمقتوهم، تعلموا أن تطردوهم من صفوفكم!…”.
الهوامش
هوامش المقدمة:
([1]) يطلق تروتسكي لقب “رجال الصف الثاني” عن ستالين ومجموعته كرد على تسمية أنفسهم “البلاشفة القدماء” وللإشارة إلى الدور الثانوي لعبوه في ثورة أكتوبر عام 1971. (المترجم)
([2]) ليون كامنييف (1883 – 1936) قائد بلشفي قديم. عضو اللجنة المركزية قاد المجموعة البلشفية في مجلس الدرما وترأس تحرير “البرافدا” عام 1940. نفي إلى سيبريا خلال الحزب. عارض ثورة أكتوبر ثم ما لبث أن تراجع. انضم إلى (المعارضة اليسارية الموحدة). فصل من الحزب في المؤتمر الخامس عشر. استسلم لستالين عام 1928 فعاد إلى الحزب وأعيد فصله عام 1933. كان أحد المتهمين الرئيسيين في محاكمة موسكو الأولى وأعدم عام 1936. (المترجم)
([3]) ألكسي ريكوف (1881 – 1938) بلشفي قديم. عضو اللجنة المركزية منذ أول لجنة للحزب. أحد مساعدي لينين. ترأس المجلس الاقتصادي الأعلى بعد ثورة أكتوبر. عضو المكتب السياسي من عام 1993 إلى 1939. رئيس مجلس مفوضي الشعب بين عام 1924 – 1929. قاد مع بوخارين وتومسكي الاتجاه اليميني الذي سحقه ستالين عام 1929. كان حتى عام 1936 مفوض الشعب لشؤون البرق والبريد. اتهم بأنه “إرهابي” في أول محاكمات موسكو عام 1936، ثم أعيد له الاعتبار. اعتقل مرة أخرى وقدم لمحاكمة موسكو الثالثة ثم أعدم عام 1938. (المترجم)
([4]) مولوتوف (ولد عام 1980) بلشفي قديم. كان يقود منظمة الحزب في بتروغراد عام 1917. وكان يرأس تحرير “البرافدا” فأزاحه عنها ستالين وكامنييف اللذان أعطيا الصحيفة خطا توفيقيا إلى حين عودة لينين في بيان من العام ذاته. انتخب عضوًا في اللجنة المركزية عام 1920. ترأس الأممية الشيوعية. ثم حلف “لنفيوف” في منصب مفوض الشعب للشؤون الخارجية، عام 1939. عارض “نصفية الستالينية” بعد موت ستالين. طرد من اللجنة المركزية في حزيران (يونيو) عام 1957 واتهم بأنه عضو في “المجموعة المعادية للحزب” وعين سفيرًا في منغوليا. (المترجم)
([5]) غريغوار زينوفييف (1883 – 1939) عضو في الحزب البلشفي منذ تأسيسه. كان أقرب البلاشفة إلى لينين خلال فترة الهجرة وساهم معه في إصدار صحيفة “ضد التيار” بين عام 1914 و1917. كان عضوًا في المكتب السياسي للحزب من عام 1917 حتى عام 1927. ترأس سوفيت بتروغراد بعد ثورة أكتوبر. وترأس “الأممية الشيوعية” بين عام 1919 و1926. اشترك مع كامنييف وستالين في توجيه الحزب بعد موت لينين. انضم إلى المعارضة عام 1927. قاد مع تروتسكي “المعارضة اليسارية الموحدة” فصل من الحزب بعد المؤتمر الخامس عشر عام 1927 نفي إلى سيبيريا ثم ما لبت أن استسلم لستالين عام 1928. فعاد إلى الحزب. أعيد فصله عام 1932 وأعيد قبوله عام 1933 ثم فصل مجددًا وسجن بعد مقتل كيروف وأعدم عام 1936 بعد محاكمات موسكو. (المترجم)
([6]) نقولا بوخاين (1888 – 1938) بلشفي القديم وعضو في اللجنة المركزية والمكتب السياسي. كان رئيس المجموعة البلشفية في مجلس الدرما عام 1908. ترأس تحرير “البرافدا” بين عام 1918 و1929. استسلم لستالين فأصبح رئيس تحرير “أزفستيا”.
قاد الاتجاه اليمني الذي سحقه ستالين عام 1929. استسلم في محاكمة موسكو الثالثة. أعدم رميًا بالرصاص عام 1938. (المترجم)
([7]) بورسيل أحد القادة النقابيين البريطانيين، ورئيس المؤتمر العمالي العام ومندوبه في لجنة النقابات الإنكليزية – الروسية المشتركة عام 1926. لافوليت سياسي أميركي أيده الحزب الشيوعي الأمريكي عام 1924. (المترجم)
([8]) راجع: لينين – (أطروحات بيسان). (المترجم)
([9]) كرنسكي هو أحد قادة الاشتراكيين – الثوريين (الحزب الفلاحي في روسيا) ورئيس الحكومة البرجوازية المؤقتة التي أطاحت بها ثورة أكتوبر 1917. مليوكوف هو رئيس حزب “الكاديت”. وكورنيلوف هو أحد القادة العسكريين أيام ثورة شباط (فبراير) 1917 الذي قاد العصيان القيصري للإطاحة بالحكومة المؤقتة. (المترجم)
([10]) مارتينوف قائد اشتراكي – ديمقراطي روسي ولد عام 1865 وكان أحد ألد أعداء صحيفة (أبسكرا) (الشرارة). قائد المشفيك عام 1905. ثم انضم إلى الحزب البلشفي عام 1919. تحالف مع ستالين وبوخارين وقاد الأممية الشيوعية بين عام 1925 و1929. وأصبح فيما بعد موظفًا فيها. (المترجم)
([11]) كارل راديك (1885 – 1942) قائد بلشفي من أصل بولوني. كان منذ عام 1910 في الجناح اليساري الحركة الاشتراكية – الأيديمقراطية وأحد أنصار مؤتمر “زيمروالده” الألمانية. انضم إلى المعارضة اليسارية بين الأعوام 1923 و1928. فصل من الحزب في المؤتمر “البرافدا”. قدم إلى “محاكمة موسكو الثانية” التي حكمت عليه بعشر سنوات سجن مع الأشغال الشاقة عام 1937. توفي في المنفى عام 1942. (المترجم)
هوامش الفصل الأول:
([1]) كولانتاي مناضلة اشتراكية – ديمقراطية ما لبثت أن انضمت إلى الحزب البلشفي. كانت من قادة “المعارضة العمالية” بين 1917 و1923 مطالبة بزوال سلطة الدولة وسيطرة النقابات على الاقتصاد وتسييرهم شؤون الوطن بمجمله. (المترجم)
([2]) لقد تحققت هذه النبوءة. (ل. ت.)
([3]) الموجيك هو الفلاح الروسي الفقير. (المترجم)
([4]) الواقع أن لينين قد استشهد فعلاً، عام 1909 بمقالة “نتائج وتوقعات” في مقالة له يرد فيها على مارتوف. وليس من الصعب أن نثبت أن لينين قد أخذ الاستشهادات عن مصدر ثان، أي أن مارتوف نفسه. وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن نفسر فيها بعض الاعتراضات الموجهة ضدي والمبنية على سوء تفاهم واضح.
في عام 1919 نشرت “الدار الحكومية للنشر” مقالة نتائج وتوقعات” على شكل منشور. أما الملاحظة التي أضافها لينين إلى الطبيعة الكاملة لمؤلفاته الكاملة، التي تقول أن نظرية الثورة الدائمة جديرة بالاهتمام “الآن” بشكل خاص، بعد ثورة أكتوبر، أن هذه الملاحظة تعود إلى التاريخ نفسه تقريبًا. هل قرأ لينين مقالتي “نتائج وتوقعات” عام 1919 أم أنه ألقى نظرة عليه فقط؟ لا أستطيع أن أعطي حكمًا قاطعًا حول هذا الموضوع. فقد كنت في ذلك الحين مسافرًا معظم الوقت، ولا أمكث في موسكو إلا فترات قصيرة، وخلال اجتماعاتي مع لينين في تلك الحقبة – ذروة الحزب الأهلية – لم تكن تخطر ببالنا ذكريات الخلافات النظرية القديمة. إلا أن “أدولف يوف” قد تحادث مع لينين حول نظرية الثورة الدائمة في الوقت ذاته تقريبًا.
وقد يقل “بوف” ما جري في هذا الحديث في الرسالة الوداعية التي كتبها لي قبل موته.
(راجع كتاب تروتسكي “حياتي” نيويورك، ص 535 و537) هل يمكن أن نفهم مما يؤكده “وف” أن لينين قرأ “نتائج وتوقعات” لأول مرة عام 1919 وتعرف إلى صحة التوقع التاريخي الذي تحتويه؟ لا أستطيع أن أقدم حول هذا الموضوع إلا نكهات نفسية. إن مقدرة هذه النكهات على الإقناع لا تتوقف على تقييم جوهر الموضوع المختلف عليه بنفسه. وقد تبدو كلمات “أدولف بوف” أن لينين قد أكد صحة توقعي، غير مفهومة بالنسبة لإنسان نشأ على الريدة النظرية في الحقبة التي عقبت موت لينين. (يقول تروتسكي في كتابه “حياتي” من 535 إن لينين قال لأدولف يوف بالحرف الواحد” أحل، لقد كان تروتسكي على حق”) المترجم. ومن جهة أخرى، فإن كل من يتأمل تطور أفكار لينين قيمًا يتعلق بتطور الثورة ذاتها سوف يفهم أن لينين كان مضطرًا عام 1919 أن يقدم تقييمًا جديدًا لنظرية الثورة الدائمة يختلف عن التقييمات السابقة المستعجلة والعابرة، والتي غالبًا ما كانت تتناقض فيما بينها قبل ثورة أكتوبر اعتمادًا على استشهادات مقبورة ، دون أن يتفحص موقفي العام.
ولكي يؤكد لينين صحة توقعي عام 1919 لم يكن بحاجة إلى التصدي بموقفه لموقفي. كان يكفي أن يعالج كلا الموقفين في تطورهما التاريخي. ولا حاجة لي أن أكرر هنا أن المحتوى المحدد الذي أعطاه لينين دائمًا لصيغة “الديكتاتورية الديمقراطية” والذي ينبثق من تحليل التغيرات الحقيقية في العلاقات الطبقية أكثر مما انبثق من صيغة فرضية – وأن هذا المحتوى التكتيكي والتنظيمي قد دخل التاريخ كنموذج كلاسيكي عن الواقعية الثورية. في جميع الحالات تقريبًا.
وبالأحرى في جميع الحالات الهامة عندما عارضت لينين أن على الصعيد التكتيكي أو على الصعيد التنظيمي كان الحق إلى جانبه. لهذا السبب بالذات، لم أكن مهتمًا بأن أتقدم للدفاع عن توقعي التاريخي القديم، ما دام الأمر يبدو أنه مجرد ذكريات تاريخية. إلا أني وجدت نفسي مضطرًا إلى أن أعود إلى هذه المسألة فقط عندما بدأ نقد رجال الصف الثاني لنظرية الثورية الدائمة بتعدية الردة النظرية في “الأممية” كلها، وعندما عدا أداة لنسف الثورة الصببة. (ل. ت.).
هوامش الفصل الثاني:
([1]) أذكر أن بوخارين قد استشهد بالكتابات نفسها في المؤتمر الثاني للحية المركزية للأممية الشيوعية، فقلت له “ولكن هناك كتابات للينين تتناقص مع ما تقوله”. وبعد برهة من الارتباك أجاب بوخارين “أعرف ذلك. أعرف ذلك. ولكني أنتقي منها ما أحتاجه أنا. وليس ما تحتاجه أنت”. هو دا مثال رائع عن سرعة خاطر هذا المفكر. (ل. ت.).
([2]) كان بارفوس اقتصاديًا ماركسيًا من أصل روسي قضي معظم حياته في ألمانيا. وكان يساهم في تحرير “الشرارة”. وكان لينين من أشد المعجبين به ينصح الحزبيين دائمًا بقراءة مؤلفاته خاصة كتابه “الاقتصاد العالمي والأزمة الزراعية”. اجتمع به تروتسكي لأول مرة عام 1903 عندما كان بارفوس على رأس الجناح اليساري في الحزب الألماني. وكان اسمه آنذاك مرتبطًا بنظرية “الثورة الدائمة” التي يقول البعض أن تروتسكي أخذها عنه. ومما لا شك فيه أن تروتسكي تأثر بارفوس وقد ارتبط معه بعدة مشاريع صحفية قبل ثورة عام 1905. خلال الحرب وضع بارفوس نفسه في خدمة الجيش الألماني وقام لحسابه بعدة صفقات تجارية في البلقان. فأعلن تروتسكي براءته منه في مقال مؤثرة بعنوان “مرئية صديق حي” اعترف فيها بتأثير بارفوس على تطوره الفكري وبأنه علمه “أن يعبر عن آراء واضحة بحمل بسيطة”. وبعد انتصار ثورة أكتوبر، كتب بارفوس إلى تروتسكي عارضًا عليه خدماته للثورة. فلم يحيه تروتسكي عن رسائله. وقد انتهى بارفوق مستشارًا لدى رئيس جمهورية “قايمار” في ألمانيا بعد الحزب. (المترجم)
([3]) الجبهة القائمة من تحالف بوخارين وريكوف مع ستالين. (المترجم)
هوامش الفصل الثالث:
([1]) الترودوفيك هم ممثلوا الفلاحين في مجالس الدوما الأربعة، وكانوا يتقلبون دائمًا بين الكاديت (الليبراليون) وبين الاشتراكيين – الديمقراطيين. (ل. ت.)
([2]) إن هذا المقطع إلى جانب المئات من أمثاله، يؤكد بشكل عابر إني كنت أعلم بوجود الفلاحين وبأهمية المسألة الزراعية منذ عشية ثورة عام 1905، أي قبل أن يفسر لي أهمية الفلاحين أناس أمثال ماسلوف، وناخيتر، وبامان، وريميل، وكاتشين، ومويموسو، وبيلاكون، وبيير، وكيومينين وعلماء الاجتماع الماركسيون الآخرون، بمدة طويلة (ل. ت.).
هوامش الفصل الخامس:
([1]) راجع لينين “أطروحات نيسان”، 1917 ص 14 والصفحات التي تليها (الطبعة الفرنسية – موسكو). (المترجم).
([2]) الشراحة (Anatomy) علم يبحث في تركيب بناء الإنسان العضوي وأجزائه – مرجع العلايلي. (المترجم)
([3]) المورفولوجيا علم الشكل الخارجي للكائنات الحية. (المترجم)
([4]) لقد عين باكوفليف مؤخرًا مفوضًا للشعب لشؤون الزراعة في الاتحاد السوفييتي. (ل. ت.)
([5]) مقطع من محاضر اجتماع مكتب التنظيم التابع للحية المركزية في 22 آيار 1922 – رقم 21: “يطلب من الرفيق ياكوفليف… بتأليف كتاب عن تاريخ ثورة أكتوبر تحت إشراف ومراجعة الرفيق تروتسكي”. (ل. ت.)
([6]) في 3 حزيران عام 1907 تم الانقلاب الذي افتتح بشكل رسمي حقبة الثورة – المضادة المنتصرة. (المترجم الإنكليزي).
هوامش الفصل السادس:
([1]) كان بروسيل رئيس الاتحاد العام للنقابات البريطانية وكان ممثل هذا الاتحاد لدى لجنة النقابات الروسية – الإنكليزية المشتركة في عام 1926. (المترجم)
هوامش الفصل السابع:
([1]) تشانغ كاي تشيك هو قائد الجناح اليميني في الكيوميناع، ولوابع شيع – ري هو قائد الجناح اليساري فيه، أما تابع بيع شان فهو الوزير الشيوعي الذي نقد سياسة ستالين وبوخارين في الصين. (ل. ت.)
([2]) يراجع المقطع الأساسي لهذا النص في أول الكتاب (المترجم)
([3]) يستعمل ماركس عبارة “طبعة ثانية من حرب الفلاحين” للإشارة بشكل مزدوج إلى كتاب أنعلز “الحرب الفلاحية في ألمانيا” إلى ضرورة قيام حرب فلاحية حقيقية في آن واحد. (المترجم)
([4]) كيوسيبين هو أحد قادة الحزب الاشتراكي الفنلندي قبل عام 1917، اعتنق الشيوعية عام 1918، شغل عدة مناصب حربية أيام ستالين. توفي خلال هذا العام في الاتحاد السوفييتي.

