لم يمر عيد الفطر على اللاجئين السوريين في لبنان مرور الأعياد، بل تحولت بهجته إلى ساعات رعب أنذرت بأن القادم أصعب.
في كل عام وقبل مؤتمر بروكسل تستعد الأحزاب الطائفية في لبنان للانقضاض على الحلقة الأضعف في المجتمع “اللاجئ السوري” لتستحوذ على قطعة أكبر من كعكة المانحين.
لم تبدأ القصة بمقتل منسق حزب “القوات اللبنانية” في منطقة جبيل، باسكال سليمان، إذ سبق هذه الحادثة حملة أمنية واسعة ضد اللاجئين السوريين في لبنان بدأت في أبريل/نيسان الماضي 2023 “لا تزال قائمة، وشكّلت أخطارا حقيقية هددت حياة الآلاف وأمنهم”. وفق مركز وصول لحقوق الإنسان (ACHR).
ووثق المركز في تقرير صدر بداية هذا العام (2024)، 1080 عملية اعتقال تعسفي، رُحّل منهم 763 شخصا بشكل قسري إلى سوريا، وذلك منذ مطلع 2023 حتى 30 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
وقال المركز الذي يعمل من بيروت وباريس إن تلك الأرقام تعكس “واقعا مريرا يواجه اللاجئين في لبنان ويؤكد على أنهم معرضون لتهديدات وانتهاكات مستمرة”.
ويسلط تقرير المركز الضوء على “مدى وطأة هذه الأفعال القمعية على اللاجئين السوريين وعلى استمرار الانتهاكات بحقهم”.
وحصل المركز على شهادات من الضحايا تحدثت عن “أحداث مروعة وانتهاكات يتعرض لها اللاجئون من لحظة المداهمات الأمنية على أماكن سكنهم، واعتقالهم تعسفيا ثم نقلهم إلى ثكنات عسكرية تابعة للجيش اللبناني، والتحقيق معهم بأساليب تتضمن الضرب والإهانة والتحرش والتنمر، ثم نقلهم بشكل جماعي إلى المعابر الحدودية وتسليمهم إلى السلطات السورية بشكل غير قانوني”.
وأضاف المركز أنه بانتهاء تلك الانتهاكات تبدأ مرحلة أخرى تمارسها السلطات السورية ضدهم، تتضمن “الاعتقال التعسفي والاحتجاز التعسفي، مرورا بالمحاكم العسكرية، وفي بعض الحالات تعرض اللاجئون للإخفاء القسري والتعذيب وإساءة المعاملة، وتم تحويل من هم في سن الخدمة العسكرية الإلزامية أو الاحتياطية للالتحاق بالجيش السوري”.
وأضاف أنه “في بعض الحالات تم إعادة تسليم اللاجئين قسرا من قبل الفرقة الرابعة التابعة للجيش السوري إلى عصابات التهريب على الحدود، التي بدورها احتجزت اللاجئين في بيوت ومزارع حدودية تابعة لها وتلاعبت بمصيرهم واستغلت وضعهم الهش لابتزازهم ماليا والاستفادة من محنتهم”.
بعد إعلان مقتل منسق حزب القوات اللبنانية باسكال سليمان في 9 نيسان 2024، وتضارب تصريحات الجيش عن تورط سوريين بالحادثة، انفجرت أعمال عنف عنصرية مناهضة للاجئين السوريين في البلاد حيث انتشرت عصابات عنصرية تتبع لأحزاب اليمين المسيحي التقليدي مثل القوات والكتائب بالإضافة لعصابة فاشية تدعى جنود الرب يمولها ويحميها مقربون من التيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية.
⬱ اقامت هذه العصابات العنصرية حواجز تفتيش وإذلال للعمال السوريين في الشوارع تركزت هذه العصابات المتوحشة في مناطق جبل لبنان مثل جبيل والبترون وميفوق وطبرجا وجونية وزوق مكاييل وبلونة وغيرها الكثير.
⬱ انتشرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي توثق العديد من الاعتداءات، إحداها يظهر اعتداء عصابة عنصرية على لاجئ سوري في بلدة طبرجا الساحلية بضرب وحشي أدمى جسده وكسر أعضاءه. فبينما كان العامل البسيط عائداً إلى منزله من عمله كعامل يومي مع كيس هدايا صغير لأطفاله بمناسبة العيد، باغتته مجموعة أشخاص وانهالت عليه ضرباً، فيما وقف آخر بعيداً يصور ما يجري دون تحريك أي ساكن.
⬱ أتت هذه الحادثة فيما أظهرت فيديوهات أخرى متزامنة، دعوة شبان عبر مكبرات الصوت في احدى ضواحي بيروت، وتحديدا في “برج حمود”، كافة السوريين الساكنين في المنطقة أو العاملين في محلات تجارية إلى الرحيل فوراً. وهددوا قائلين” لقد أعذر من أنذر”.
⬱ كما انتشرت مقاطع مصورة أخرى للبنانيين عنصريين غاضبين وهم يضربون سوريين في الشوارع ويدمرون سيارات تحمل لوحات سورية في مناطق مختلفة من البلاد بعد اختفاء سليمان يوم الأحد واكتشاف جثته يوم الاثنين 8/4/2024.
⬱ طالبت مديرية المخابرات اللبنانية مشرفي المخيمات والتجمعات السكنية للاجئين السوريين، بإبلاغ اللاجئين بعدم التجوال والالتزام ضمن مساكنهم، إلا للحالات الإسعافية الضرورية وبعد طلب إذن من المعنيين.
⬱ كما طالبت بلدية ميفوق القطارة بانتشار أمني عام وبشكل فوري في محافظة جبل لبنان، خاصة مناطق: المتن، جبيل، كسروان حتى البترون، و”البدء باتخاذ إجراءات قاسية ورادعة بحق المخالفين والخارجين عن القانون من الجنسيتين اللبنانية والسورية”.
⬱ بالتزامن مع ذلك، جرى تداول صور تظهر منشورات ورقية ملصقة على الجدران، تدعو كل سوري في منطقة الأشرفية، في بيروت، والرميل والصيفي، لمغادرة المنطقة قبل يوم الجمعة أيضًا، كأقصى مهلة، وعدم العودة نهائيًا، “تفادئًا لما ستؤول إليه الأمور من غضب وعنف وتفلّت أمني، في ظل غياب الدولة التام، وعدم ممارسة الأجهزة الأمنية والبلديات مهامها وواجباتها بحماية المواطنين اللبنانيين”.
⬱ أصدرت بلدية رأس المتن في قضاء بعبدا قراراً يقضي بمنع تأجير السوريين عقارات سكنية أو محلات تجارية دون التثبت من تسجليه في البلدية، ومنع تجول السوريين عبر الدراجات النارية من الساعة 8 مساءً، وحتى الساعة 11 صباحاً، كما يمنع تجولهم سيراً على الأقدام بعد الساعة 10 مساءً، ومنع تجولهم في الساحات العامة والأحياء الداخلية.
⬱ أقدمت مجموعة عنصرية بمعرفة وإشراف القوى الأمنية في منطقة بنت جبيل على قتل اللاجئ السوري “علي وليد عبد الباقي”، الذي فارق حياته تحت التعذيب لدى عودته إلى منزله قادماً من عمله
⬱ تعرض أيضاً شابان من ريف الرقة للاعتداء على يد منتمين لحزب القوات اللبنانية، للاعتداء والتعذيب الوحشي في لبنان، مما أدى لإصابتهما بجراح متفاوتة.
⬱ داهمت مخابرات الجيش اللبناني اليوم في 17/4/2024 الساعة 2 صباحاً مخيمات للاجئين السوريين في منطقة البقاع, دمرت الخيام وشردت الأسر واعتقلت المئات
⬱ وكان آخر ما رصدناه فجر هذا اليوم تداول مقطع فيديو يظهر تعذيب لاجئ سوري في لبنان بعد خطفه.
وبحسب المعلومات المتداولة فإن الضحية محمد عماد (27 عام) تم اختطافه في شارع مستشفى جبل لبنان، وأرسل خاطفوه مقطع فيديو قصير يظهر تقييده بسرير حديدي موصول بالكهرباء ويتم صعقه وتعذيبه بطريقة وحشية مطالبين أهله بفدية حتى يتم الإفراج عنه.
ينحدر الشاب من بلدة محكان بريف محافظة دير الزور، وكان قد لجأ الى لبنان عام 2018.
ترافقت هذه الحوادث مع موجة موازية من التصريحات العنصرية، فقد صرح بسام مولوي، وزير الداخلية اللبناني في حكومة تصريف الأعمال: إن مقتل سليمان هذا الأسبوع على أيدي من تقول السلطات إنها عصابة من المواطنين السوريين يشير إلى الحاجة إلى تقييد عدد اللاجئين الذين يدخلون البلاد من سوريا المجاورة.
كما اعتبر وزير الداخلية اللبناني أن “نسبة الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية بلغت 35 بالمئة”، مضيفًا أن “موضوع الوجود السوري بهذه الطريقة غير مقبول ولا يتحمّله لبنان وينبغي الحدّ منه”.
اعطى رئيس حزب القوّات اللبنانيّة سمير جعجع مهلةً للأجهزة الأمنية والبلديات للتحرّك ضدّ اللاجئين السوريّين في لبنان، وإلا فإنّ «الشارع» سيتحرّك. جعجع، وفي مؤتمر صحفيّ عقده 19/4/2024 في معراب، ساق جملةً من المغالطات في سياق تحريضه على اللاجئين، قبل استغلاله الملفّ لإعلان استعداده تزويد البلديّات بمتطوّعين من القوّات لدعم شرطتها.
هذا وكانت المعارضة السورية الليبرالية والمدعية لليسار منها قد وجهت تحيات لسمير جعجع وأعلنت دعمها له، واعتبرته مناضل من أجل الحرية.
من جهته، قال “الحزب اللبناني الواعد” (أسسه إيلي حبيقة، القائد السابق للقوات اللبنانية)، في بيان له، الخميس، إنه بعد الجرائم المتكررة التي ارتكبها السوريون بحق لبنانيين أبرياء، وبعد أن تخطى التغيير الديموغرافي والاقتصادي والاجتماعي الحدود المعقولة، فيجب ترحيل المسجونين السوريين من السجون اللبنانية إلى السورية بالتنسيق مع السلطات المختصة.
من هنا فإن مواجهة العنصرية ومحاولات السلطة اللبنانية المتكررة لتأليب الناس بعضهم على بعض، اكان على اساس طائفي او اثني او جنسي، او غير ذلك، لا يمكن أن تتم إلا من خلال بناء أوسع حالات التضامن الممكنة ما بين اللبنانيين والسوريين، والفلسطينيين، وجميع السكان إلى أي هوية انتموا، وذلك ليس من منطلق انساني او إغاثي وحسب، بل كذلك على أساس التضامن السياسي والنضالي، لأن معركة التغيير في لبنان، لا يمكن أن تحدث بمعزل عن معركة التغيير في سوريا، والعكس صحيح.
لذلك فاليوم، وكل يوم، علينا بالمواجهة، بكل أشكال النضال والتنظيم، وان لا نهدأ إلا بعد أن تنكسر شوكة العنصرية والطائفية التي نتعرض لسهامها يومياً، بينما في المقابل يجلس الزعماء، وأصحاب العمل، والمتمولون، على كراسيهم، هادئين، فيما هم يراكمون الثروات، والمزيد من القوة، ونتقاتل نحن فيما بيننا.
لذلك نقول لكل رفيقاتنا ورفاقنا وكل أبناء الطبقات الشعبية والعاملة: لبنان كما سوريا هي بيتنا، والعراق وفلسطين ومصر، وجميع بقاع هذه الأرض. كلنا اولاد لاوطان سُلبت منّا، إما عبر الاحتلال الأجنبي أو الاحتلال المحلي، و لقد حان الوقت لنسترجع احلامنا، وحرياتنا، وننتزع العدالة والمساواة ممن يريدوننا وقوداً لكراهيتهم وأحقادهم.
فلتسقط العنصرية، وليسقط الاستغلال وعاشت الشعوب الثائرة!
الخط الأمامي _ إعداد الرفيقة ليلى
