حركة مناهضة العولمة في سوريا
30/10/2006
غياث نعيسة
(أخذ من الحوار المتمدن- العدد: 1719 – 2006 / 10 / 30)
فهرس المحتويات
“يمكن أن نصفهم بالهمج، وفقاً لقواعد العقل وليس بالمقارنة معنا، لأننا نتفوق عليهم في كل أنواع الهمجيات”
الأديب الفرنسي مونتين
أعلن الرئيس الأمريكي ، وبالكاد بعد وهلة قصيرة من الإخفاق العسكري الصهيوني في مواجهة المقاومة اللبنانية، شن “هجوم ايديولوجي تتجاوز أبعاده النزاع العسكري” واصفاً أعداء الولايات المتحدة اليوم بأنهم “خلفاء الفاشية والنازية والشيوعية ومختلف القوى الشمولية التي شهدناها في القرن العشرين” . وأكد أن “الحرب على الإرهاب …ستكون صعبة وطويلة” . وأعلن رئيس الدولة الإمبريالية الأقوى في العالم في خطاب آخر لاحق له في بداية شهر أيلول-سبتمبر “حربه ضد الفاشية الإسلامية ” وساوى بين “التطرف الشيعي والتطرف السني”.
إنها إعلان حرب عسكرية وايديولوجية شاملة وطويلة -للقرن الحادي والعشرين- ضد كل من يمكن أن تعتبرهم القوى الإمبريالية أعداء لها . وأصبح إلصاق صفة شنيعة عليهم سهل بفضل “كاتالوج الأوصاف والاتهامات ” الجاهز الذي يردده الرئيس الأمريكي على شاكلة ” ارهابي ، مؤيد للإرهاب ، فاشي، فاشي إسلامي، طاغية، متطرف سني، متطرف شيعي، شمولي ….الخ.”.
ايديولوجيا الخطر الدائم
ويذكر هذا الهجوم الايديولوجي الإمبريالي بسابقه الذي بررت من خلاله الإدارات الأمريكية السابقة وحلفائها سياسات الهيمنة في حقبة ما سمي بالحرب “الباردة”. والذي استند على مفهوم مسطح وهو أن ” الشيوعية والفاشية توأمان”.
وإذا كان معروفاً أن “نظرية” الهجوم الايديولوجي الإمبريالي في حقبة الحرب الباردة غرفت من المفاهيم الأساسية التي طرحها المفكر السياسي اليميني النمساوي كارل بوبر الذي لمع اسمه بعد الحرب العالمية الثانية . وتركزت أطروحاته اليمينية الأساسية على أن الشيوعية والفاشية متشابهتان لأنهما تعبيران عن ما أسماه بمجتمعات “مغلقة” تحكمها ايديولوجيات سياسية “شمولية”. بينما تمثل الديموقراطيات الغربية –لدى بوبر- نقيض لهما وهي مجتمعات “منفتحة”. وأصبحت هذه الايديولوجيا سلاحاً ذو حدين، الأول موجهاً للخارج ، والثاني للداخل . وأصبح سهلاً توصيف أي دولة أو نظام ما (في الخارج) أو حزب أو نقابة (في الداخل) باعتبارها شمولية أو شيوعية أو فاشية لكي تصبح “عدواً للحرية” يصبحُ مشروعاً فعل أي شيء من أجل سحقها وتدميرها . لقد بررت هذه الايديولوجيا حروباً إمبريالية مدمرة على مدى عقود من الزمن ، واستمرارها، مع بعض التعديل، لا يبشر سوى باستمرار سياسات الحروب والهيمنة الإمبريالية في العالم.
في الخمسينات ، أعلن العديد من المسؤولين في الإدارة الأمريكية وعلى رأسهم الرئيس ترومان والجنرالين ماكارثر وريدجوي أن بلادهم هي “في حرب ضد الشيوعية”، وعلى الصعيد الداخلي شنت حرب أخرى ، هي تلك التي سميت بالمكارثية لملاحقة “العدو الداخلي” من المثقفين المعارضين واتهامهم بالمشاركة في “مؤامرة شيوعية”.
مسعى الحكومات الإمبريالية لخلق “خطر ماحق وشيك” وجو من عدم الأمان لدى الرأي العام في بلدانها يلبي حاجتها في تحقيق هدفين أساسيين لها, الأول هو تبرير التدخلات العسكرية ومشاريع الحروب والهيمنة. والثاني هو تنمية وتعزيز المجمع الصناعي – العسكري من جهة، وتمرير إجراءات اجتماعية وسياسية غير شعبية، من جهة أخرى.
وفي نفس الإطار، قامت إدارة ريغان في الثمانينات بتنفيذ سياسات ليبرالية متوحشة مثل خفض الضرائب على الثروات الكبيرة وتقليص المكتسبات الاجتماعية و”دولة الرفاه” مبررة ذلك بخطاب يحذر من “التهديدات الخطيرة ” المباشرة التي يتعرض لها الأمن القومي للولايات المتحدة ، فماذا كانت هذه التهديدات التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى فرض حالة الطوارئ عام 1985 ؟
إنها ،نيكاراغوا البلد الصغير والبعيد عن الحدود الأمريكية وبجيشها الصغير الذي لا يتجاوز 34 ألف جندي ، كانت إحد أهم هذه التهديدات الخارجية ،من وجهة نظر الإدارة الأمريكية . و”بحرب استباقية” قامت الولايات المتحدة عام 1983 بغزو بلد يشكل بالنسبة لإدارتها خطراً محدقاً لها(كذا) وهي جزيرة غرناطة التي لا يتجاوز عدد سكانها 85 الف نسمة ؟ وقامت بقصف وخطف رئيس بنما نورييغا في عام 1989 .
وعلى نفس الشاكلة ، رتبت الإدارة الأمريكية ، بعد أحداث 11 ايلول / سبتمبر 2001 دخولها في حرب جديدة عالمية.
اسمتها “حرب بلا نهاية ضد الإرهاب” ، ولكن الخطر هذه المرة، حسب الخطاب الإمبريالي، أخطر وأكبر. فالرئيس الأمريكي بوش الابن يتحدث في خطاب له في كانون ثاني / يناير 2002 عن خطر متعدد الأشكال وخفي ، فيقول “هنالك مئات القتلة الخطيرين ، المدربين على وسائل الاغتيال، والمدعومين من أنظمة مارقة، مندسين في كل مكان في العالم ، وهم فعلاً قنابل موقوتة جاهزة للانفجار دون تحذير.. إن مقدار الحقد في قلوبهم لا يضاهيه سوى جنون الدمار الذي يريدون القيام به..”
مرة أخرى يتم استغلال القلق الذي انتجته أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر لدى السكان ، مثلما فعل ريغان مع تلويحه بخطر الساندينيين في نيكاراغوا، من أجل تبرير وتمرير سياسات لا اجتماعية وانفاق عسكري مذهل ، وقوانين قاتلة للحريات مثل قانون “باتريوت اكت” وأمثاله في الدول الأوربية الأخرى.
وتلعب وسائل الإعلام الرأسمالية الكبرى المرتبطة عضوياً بالمجمع الصناعي-العسكري مثل جنرال الكتريك في الولايات المتحدة أو لاغاردير و داسو في فرنسا، دوراً هاماً في تسويق خطاب النخب الحاكمة . وكما يصفها نعوم تشومسكي فإن “وسائل الإعلام المحلية تتوجه إلى “النخب” السائدة وتضع نفسها في خدمتها… وتفسيرها الإعلامي للعالم يعكس مصالح واهتمامات البائعين والشارين والمؤسسات الخاصة والحكومية التي تسيطر عليها” وبالأخص فإنها تخضع لرؤوس الأموال التي تديرها.
إن وسائل الإعلام في الولايات المتحدة وأوروبا من خلال المعلومات والمعلومات المضادة تنشر وتنتج بشكل متواصل ومتعدد الأشكال رؤى لعالم مليئ بالأخطار والتهديدات ، وتنصب استطلاعات الرأي وكأنها تعبير عن إجماع للسكان.
استراتيجية إعادة تشكيل المنطقة “الدمقرطة”
اعطت استراتيجية الإدارة الأمريكية وحلفائها “بالحرب على الارهاب” التي تتضمن إقامة الشرق الأوسط الكبير -أو الجديد- تأكيداً للدور الأساسي للدولة الصهيونية في تنفيذ هذا المشروع في المنطقة . وتنطحت إدارة المحافظين الجدد بإعطاء نفسها والدولة الصهيونية الحق بإعادة هيكلة المنطقة وفق مصالحهما، واحتكار استخدام القوة لإزالة أية عوائق كائناً ما كانت في مواجهة هذا المشروع.
وقد واجهت هذه الاستراتيجية مقاومة شعبية صلبة . الأولى كانت في الصفعة التي تلقتها مع انتخاب حماس في فلسطين، والثانية -والأهم- مع المقاومة الشعبية اللبنانية الباسلة في مواجهة العدوان الإمبريالي –الصهيوني ودحره. وهي المرة الأولى في تاريخ الدولة الصهيونية التي تتساقط فيها أعمدة أساسية من استراتيجيتها في مواجهة الدول العربية، أي تهافت مبدأ “الجدار الفولاذي ” الذي تتبناه النخبة الحاكمة الاسرائيلية ، وهو المبدأ الذي طرحه في العشرينات زيف جابوتنسكي أحد أعتى الصهاينة عنصرية والذي يقوم على ضرورة استخدام أقسى أنواع العنف والقوة في مواجهة أي نهوض عربي. وهو الذي يعلن أن الدولة الصهيونية في فلسطين “هي قلعة لأوروبا في مواجهة أسيا ، والخندق الأمامي للحضارة في مواجهة الهمجية”.
ولكننا لن نتناول في مقالتنا هذه الجانب العسكري لاستراتيجية إعادة تشكيل المنطقة من خلال التواجد الإمبريالي العسكري المباشر الذي بدأ بغزو افغانستان ومن ثم العراق وصولاً إلى محاولة سحق حكومة حماس المنتخبة “ديموقراطياً” والعقوبات والتهديدات على إيران وسوريا ، وأخيراً القرار 1701 الذي يسمح بتواجد القوات العسكرية للدول الإمبريالية المعنية في لبنان ، وإن كان تحت الخوذات الزرقاء.
بل سنعرض باختصار تطور الآراء والدراسات الاجتماعية حول آليات دمقرطة البلدان العربية ، ولا سيما تلك المؤثرة في سياسات الحكومات الغربية والتي تندرج في تحقيق استراتيجيها في منطقتنا.
مما لا ريب فيه أن مفهوم “الديموقراطية” تعرض إلى الكثير من التحول في تعريفه ، خلال القرن العشرين . في البدء كان ينظر إليه باعتباره نمطاً للحكم نادر-منحصر تقريباً في الدول الغربية- ، وتتفاوت قدرته على الحياة حسب واقع كل دولة.
ليصبح اليوم ، حسب الايديولوجيا السائدة عالميا ، هو الشكل السياسي الشامل والصالح عالمياَ وفي كل البلدان. والبلدان العربية هي من أقل المناطق تأثراً بموجة الدمقرطة وأكثرها تسلطاً.
والحال، فإن البحوث والدراسات حول الديموقراطية في العالم العربي ، عانت منذ الخمسينات من نزعتها الأوربية الغازية، والتي تجعل من الديموقراطية (الغربية) المآل الطبيعي لكل تطور سياسي. وعانت أيضاً من عوج في تقييمها للسيرورات السياسية لبلدان المنطقة، حيث أنها اخضعتها إلى مقياس جامد هو مدى توافقها مع خط بياني مثالي، هو الأنموذج الأوربي (والأمريكي). هذا التصور المسبق والجاهز يجعل –سلفاً- من كل تطور سياسي لبلدان المنطقة فشلاً أو انحرافاً مقارنة بالمسار التاريخي “الطبيعي” الذي سارت عليه الدول الأوربية. وهذا ما دمغ الدراسات والبحوث بآفة تركيزها على ما “ينقص” وعلى ما لم “يتحقق” وعلى ما لم “ينجز”، وباختصار إنها ركزت على البحث عن العناصر المفقودة في هذه السيرورات السياسية مقارنة بالأنموذج الأوربي. وغاب عن هذه البحوث دراسة كيفية وصول البلدان العربية إلى هذا الحال ، لتنحصر في دراسة لماذا لم تصل إلى حال آخر(هو النمودج الأوربي).
فقد راجت في فترة الخمسينات، أي في مرحلة إطاحة حكومات ما بعد الاستقلال لصالح أنظمة شعبوية – قومية وتسلطية، مقولة أساسية دارت حولها الدراسات المعنية بالبلدان العربية، وهي مقولة “أهمية المستلزمات المسبقة لإحلال الديموقراطية”. وقد لاقت هذه المقولة رواجاً بعد أن نشر المؤرخ الاقتصادي شارل عيساوي مقالاً بعنوان ” الأسس الاقتصادية والاجتماعية للديموقراطية في الشرق الأوسط” ، وتناولت هذه المقالة قضية أساسية وهي “تحديد العلاقة بين الرأسمالية والتنمية والديموقراطية” . وقد أشار عيساوي في مقالته هذه إلى” غياب الديموقراطية في الشرق الأوسط بعد مرحلة نزع الاستعمار” وقدم تفسيره لغيابها بأن “الأسس الاقتصادية و الاجتماعية لا تتوفر بعد” ، وتوصل إلى ضرورة توفر مستلزمات مسبقة لتحقيق الديموقراطية، انطلاقاً من تجارب الديموقراطية الأوربية ومثيلاتها ، وحدد هذه المستلزمات المسبقة كالتالي : “حد معين -معقول- من الأرض والسكان ، ومستوى معقول من التطور الاقتصادي ، وتوزيع للثروة، وتصنيع، وتجانس في اللغة والدين، ومستوى معقول من التعليم، مع توفر تقاليد للتعاونيات والجمعيات”. انتقلت هذه المقولة الرائجة حينئذ في الدراسات الاجتماعية الأوربية لتتبلور في نظرية ضرورة قيام “الطبقة الوسطى الجديدة ” كشرط للديموقراطية، وخاصة في كتابات مانفرد هالبرن ، والتي تقول بأن التحديث الاقتصادي للمنطقة بدأ يخلق الأسس الاقتصادية والاجتماعية التي بإمكانها أن تؤهل للانتقال الديموقراطي للبلدان العربية. والفكرة الأساسية التي استندت عليها هذه النظرية هي أن التعقيد الاجتماعي والاقتصادي المتزايد (خصوصاً بفضل التصنيع والتمايز الطبقي) يتطلب أشكال سياسية للحكم أكثر تعقيداً هي اللعبة الديموقراطية ، وقد شاعت هذه الفكرة في كل النظريات والدراسات المعنية بالمنطقة.
وإذا كانت نظرية التحديث هذه بـ”مستلزماتها المسبقة” للديموقراطية (الاقتصادية والاجتماعية) قد عانت من مركزيتها الأوربية ومسارها المستقيم وبحثها السديمي عن ” طبقة وسطى جديدة” ، إلا أنها تعايشت مع نظريات أخرى لا تستند على هذ المستلزمات المسبقة بل استندت على تناول عنصري يقول بأن عدم تحقق الديموقراطية في بلدان المنطقة إنما هو نابع عن تمايز في الهويات الأساسية والثقافية، ورأت بعضها في أن أحد هذه التمايزات يكمن في “عدم قدرة العرب على اخضاع ميولهم الأنانية لصالح هدف مشترك” ، ونجد في أطروحات هانتنغتون وغيره من دعاة “صراع الحضارات” الآثار العميقة لهذه الأطروحات العنصرية . مثلما نشهدها أيضاً في خطاب الإدارة الأمريكية والمحافظين الجدد.
من الديموقراطية إلى أشكال هجينة من الاستبداد/الديموقراطية
لكن دراسات مراكز البحوث الغربية استعادت نشاطها في أواخر الثمانينات وبشكل أكبر في التسعينات بترافق مع ما أطلقت عليه مصطلح “الموجة الثالثة للدمقرطة” ، أي إنهيار دول أوربا الشرقية والاتحاد السوفياتي واندحار الدكتاتوريات في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية..
وهذه المرة لم تعد “المستلزمات المسبقة” الضرورية للديموقراطية ولا سيما مفهوم الطبقة الوسطى الملازم لها في القلب من نظريات الانتقال الديموقراطي ، بل اكتشفت ،هذه المراكز، حامل جديد للانتقال الديموقراطي -تجلت أهميته العملية في نضالات المجتمعات السابقة الذكر- هو مصطلح “المجتمع المدني” الكلي القدرة ، ليحل مكان الطبقة الوسطى في المنطقة العربية باعتباره “الحامل لإمكانيات التغيير الديموقراطي في المنطقة”.
وقد شهدت المجتمعات العربية منذ النصف الثاني للتسعينات اهتمام غربي ملحوظ (حكومي وغير حكومي) تجاه المنظمات غير الحكومية اليافعة، وخاصة منظمات حقوق الانسان . وبالتالي طرحت الحكومات الأوربية استراتيجية واسعة تجاه بلدان المنطقة عبرت عنها اتفاقيات الشراكة الأورو-متوسطية ، و برامج كاملة أمريكية -أوروبية لتمويل هيئات “المجتمع المدني” في بلدان المنطقة وخاصة منظمات حقوق الانسان ، وقد أدت سياسات التمويل هذه -علاوة على التضييق المتشدد للأنظمة العربية على نشاطات هذه المنظمات ، على أرضية أزمة اجتماعية واسعة للمجتمعات العربية تميزت بتأكل متواصل للشرائح الوسطى- إلى نتائج كارثية ، منها أن هذه المنظمات غير الحكومية قد فقدت “كفاحيتها” ، والمصطلح المرافق لتبرير هذا التحول ، لدى القائمين عليها ، هو التحول إلى “المأسسة” . وأصبحت نشاطاتها -وبغض النظر عن النوايا الطيبة لبعض القائمين على عدد منها- في عزلة أكبر عن مشاكل مجتمعاتها وهمومها بسبب ارتباطها التمويلي باهتمامات وبرامج تحددها هيئات أجنبية ، وتحولت إلى تجميع لعدد من “الموظفين” برواتب تأتي من خارج البلدان لتتحول إلى شريحة “وسطى” من نمط جديد(شبه كمبرادوري) يرتهن انبعاثها وبقائها المادي، بكل معنى الكلمة، بالدعم الخارجي، وبانفصال كامل عن الدورة الاقتصادية والاجتماعية لمجتمعاتها. وهذا ما أدى – إلا في بعض الحالات الاستثنائية- إلى فقدان هيئات “المجتمع المدني ” ولا سيما منظمات حقوق الإنسان, التي دخلت في متاهة التمويل الخارجي، لدورها كعامل مؤثر في الانتقال الديموقراطي في بلدانها، وإن كانت ماتزال تبقى مركز جذب للعيش والارتزاق والتوظف لضحايا الأزمة الاقتصادية-الاجتماعية لأعداد قليلة من الشرائح الوسطى. ونظرة سريعة على دورها وحالها في مصر والمغرب والأردن و .. كافٍ لتأكيد مدى الانهيار والتهافت الذي وصلت إليه. في الوقت ذاته تنهض في المنطقة حركات اجتماعية جديدة اثبتت فعاليتها وانغراسها في النضالات الديموقراطية في بلدان كمصر والمغرب (مثل حركات التغيير الديموقراطي في مصر “كفاية” وغيرها وحركات العاطلين عن العمل في المغرب..).
وفي حين كان دور هيئات “المجتمع المدني” المستقلة في بلدان أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية وجنوب شرق أسيا أصيلاً في التحولات والنضالات الديموقراطية ، فإن سياسات خلقها ودعمها وتمويلها أوربياً وأمريكياً في بلدان منطقتنا -إضافة إلى عوامل داخلية أخرى- اثبتت ليس فقط فشلها بل ،وبشكل أخص، ضررها العميق على النضال الديموقراطي الجذري، وسارعت في عملية انحطاطها.
ويشير ستيفن هيدمان(رئيس مجلس دراسات العلوم الاجتماعية في نيويورك) إلى أن نهاية الثمانينات شهدت تزامن انبعاث ظاهرتين في الوقت نفسه. الأولى، هي انفتاح آفاق للدمقرطة، من جهة. مع تزايد لنفوذ الحركات الاسلامية في مصر والجزائر والأردن وغيرهما من بلدان المنطقة، من جهة أخرى. وقد ساهمت هذه السيرورة في إعادة إحياء أطروحات التمايزات الثقافية وصراع الحضارات والقول بعدم قابلية الإسلام على التأقلم مع الديموقراطية. وجرت هذه الدراسات في ظل ظرف دولي يتميز بفرض الولايات المتحدة نفسها باعتبارها القوة الأعظم (حرب الخليج الأولى وما تلاها) وازدهار أطروحات غربية مناهضة للعرب والمسلمين مع سياسات إمبريالية عسكرية عدوانية في المنطقة والعالم.
في المقابل ، استغلت حكومات المنطقة مند التسعينات، النجاح الانتخابي النسبي للإسلاميين من أجل تبرير تراجعها عن نوع ما من ” الانفتاح الديموقراطي” دون أن تتخلى في الوقت نفسه عن متابعتها لسياسة اللبرلة الاقتصادية أو ما تسميه “الاصلاح الاقتصادي”. ولمباركة هذه السياسات، قدمت الولايات المتحدة والمؤسسات المالية العالمية دعمها لهذه الأنظمة ، مثل الجزائر والأردن وتونس ومصر و ..الخ.
ويقول خطاب الأنظمة العربية -وهي نقطة الاجماع شبه الوحيدة بينها كافة ، ومن بينها سوريا- بأن الأزمة الاقتصادية هي العائق الحقيقي أمام الانفتاح السياسي، لأن الأزمة الاقتصادية تساهم في زيادة أصوات الإسلاميين، الذين -وفق رأي الحكومات- لا يمكن الركون إلى صدقية التزامهم بالديموقراطية ، بل إن هدفهم هو الوصول للسلطة. وبذلك ترى الحكومات العربية إن القيام بإصلاحين، اقتصادي وسياسي، في الوقت نفسه لا يخدم سوى الإسلاميين. وتستنتج الحكومات العربية أن المطلوب (وبشكل يقارب أطروحات عيساوي وليبست) هو لبرلة الاقتصاد (الإصلاح الاقتصادي أولاً) وأن يترك، من ثم، للسوق أن يخلق المستلزمات المسبقة الاقتصادية التي ستجعل من الممكن قيام سيرورة مستقرة للإصلاح السياسي.
وتلتقي الأنظمة العربية تماماً مع أهداف السياسة الأمريكية في الحفاظ على استقرار الأنظمة الموالية لها في المنطقة، من جهة. واستمرار استبعاد الإسلاميين عن الحقل السياسي، من جهة أخرى. مما يسمح لهذه الأنظمة أن تتجنب الدمقرطة الحقيقية باسم حماية الديموقراطية من الإسلاميين. وهنا تنكشف خدعة خطاب الدعوة “للحرية والديموقراطية” في الشرق الأوسط الكبير الذي تنادي به الإدارة الأمريكية وحلفائها الأوربيين، و ليكشف عن حقيقة أنه مجرد سلاح ايديولوجي وسياسي في استراتيجية إعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الإمبريالية.
وهذا الأمر يدفع الآن الدراسات الاجتماعية حول المنطقة إلى أطروحات جديدة حول هذه الأشكال الهجينة من الاستبداد/الديموقراطية (المطرزة أحياناً بالمحاصصة الطائفية، مثل العراق ولبنان) التي تلقى دعماَ أمريكياَ-أوروبياً ، وهي أشكال سياسية (وأحياناً اقتصادية أيضاً) تقوم على استخدام الأنظمة العربية لخطاب “ديموقراطي” وقبولها ببعض الممارسات الانتخابية “المضبوطة” مع تواجد لهيئات غير حكومية (مجتمع مدني) تعمل تحت حافة الممارسة السياسية الصرفة، مع استمرار الاستبداد. إنها أشكال هجينة سياسية واقتصادية. هذا الواقع يضع المعارضين الليبراليين العرب ودعاة الدور المركزي للمجتمع المدني “الموالي أو الممول” في مأزق فكري وعملي عميق ،لأن الخطاب “الديموقراطي” الأمريكي-الأوربي تجاه المنطقة ، الذي يستندون عليه ، يفتقد -بتجلياته الملموسة- لكل مصداقية ، وهل العراق أو مصر أو السعودية أو الجزائر أو الاردن أو تونس أو .. نموذج مخالف ل “لديموقراطية” يمكن أن يحتذى به؟
اليسار والديموقراطية الجذرية
في مواجهة الأنظمة المتهالكة والتابعة في المنطقة العربية ومعارضات ليبرالية جوفاء وتيارات إسلامية مأزومة الأفق، فإننا نرى أن اليسار الاشتراكي، هو المعني بالنضال الجماهيري من أجل الديموقراطية الجذرية في بلداننا، وهو الأكثر حزماً، لأنه يستند على الطبقات الشعبية والمنتجين، وهي الغالبية الساحقة. ولأن المطلوب ليس أشكال هجينة من الاستبداد أو التبعية ، بل هو المشاركة الشعبية الواسعة والحرة لجماهير بلادنا في تقرير مصير بلادها وحياتها، وحقها في إدارة شؤون حياتها اليومية بشكل مباشر . لذلك يقف اليسار الاشتراكي بوضوح في كل النضالات في مواجهة الاستبداد والعدوانية الإمبريالية .
وفي هذا الصراع من أجل الحرية والعدل والكرامة، فإن الموقف من الإسلامين يمكن أن يختزله المفكر الاشتراكي البريطاني هرمان بقوله: “لقد ارتكب اليسار خطأين في التعامل مع الإسلاميين في الماضي، الأول كان تجاهلهم كفاشيين والثاني النظر إليهم كتقدميين لا يجب توجيه النقد إليهم، ولعب هذان الخطئان معاً دوراً في مساعدة الإسلاميين على النمو على حساب اليسار في معظم بلدان الشرق الأوسط، ومن الضروري وجود رؤية أخرى ترى أن الحركة الإسلامية هي نتاجاً لأزمة اجتماعية عميقة مستعصية، وأن نناضل لكسب الشباب الذين يؤيدونها لصالح رؤية اشتراكية ثورية مستقلة ومختلفة عنها تماماً.
حركة مناهضة العولمة في سوريا*: كانت من المجموعات التي نشطت في تلك الفترة وكان أفرادها من الجذور الأساسية – مع الرفاق من المجموعات الأخرى- , التي شكلت النوى الأولية لتيار اليسار الثوري في سوريا والذي أعلن عن تأسيسه في 15/10/2011
