مواقف حول العدوان الصهيوني ودعم المقاومة
حركة مناهضة العولمة في سوريا
29/7/2006
غياث نعيسة
(أخذ من الحوار المتمدن- العدد: 1636 – 2006 / 8 / 8)
تتفق أغلب التحليلات السياسية اليوم، وحتى وسائل الإعلام الرأسمالية الكبرى، على أن هدف الحرب المدمرة التي تشنها الدولة الصهيونية على لبنان وغزة ليست من أجل “تحرير” جنودها الأسرى، وهي لم تكن سوى ذريعة لشنها، بل إن أهداف هذه الحرب الوحشية تتجاوز قضية الجنود الأسرى وتتعلق بقضية أكبر هي إعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الإمبريالية والصهيونية.
فقد انتقل الموقف الإمبريالي وخاصة الأمريكي وحليفه الصهيوني من ” حق الدولة الصهيونية في الدفاع عن نفسها ” كما ورد في تصريحات بوش في الأيام الأولى للعدوان. وهو الموقف الذي رددته العواصم الإمبريالية الأخرى، والتحقت به بشكل أو بآخر الأنظمة العربية التابعة، إلى موقف أكثر وضوحاً وهو الرغبة بإقامة “شرق أوسط جديد” وفق التصريحات الأخيرة لوزيرة الخارجية الأمريكية.
ولأن الاستراتيجية الإمبراطورية الأمريكية أثبتت منذ أيلول 2001 أن دعوتها ل “الديمقراطية” و “الحرية” في “شرق أوسط كبير” كلفت حربان طاحنتان في أفغانستان والعراق ونهوض لمقاومة شرسة ضد الاحتلال الأمريكي لهما. واليوم أن تقوم نفس الإدارة الأمريكية بطرح مشروع “شرق أوسط جديد” على وقع خطى حرب مجرمة ووحشية ضد لبنان وفلسطين بدء يثير قلقاً عالمياً من تجدد اندلاع حروب جديدة، وبلا نهاية. وجعلت من خطاب “الديمقراطية والحرية ” للإمبريالية الأمريكية وببغاواتها في منطقتنا مسخرة وأكذوبة لا تنطلي على الجماهير الواسعة في بلادنا. التي تلمس بمرارة وحقد متزايدين مدى الاحتقار والاستهتار الذي تبديه الدول الإمبريالية والإدارة الأمريكية بأرواح ودماء الشعوب العربية بأطفالها ونسائها وشيوخها، و مدى استرخصاها للإنسان العربي.
وتتكشف بسهولة أكبر خرافة الاهتمام الإمبريالي بنشر الديمقراطية والحرية في بلادنا -حتى لمن لا يريد أن يرى- من خلال طريقة تعامل الإمبريالية العنيف والمدمر مع حكومة منتخبة “ديمقراطياً” هي حكومة حماس . ومع حكومة “ديمقراطية” أخرى، بعض أطرافها قريب لها، هي الحكومة اللبنانية التي أعلنت منذ البداية عدم مسؤوليتها عن أسر الجنديين الإسرائيليين وأدانته، وكذلك، من طبيعة الأنظمة العربية الحليفة للإمبريالية الأمريكية كالسعودية ومصر والأردن و هي أنظمة فاسدة ورجعية وغير ديمقراطية. وأيضاً، ترى جماهير منطقتنا كيف منعت الإمبرياليات إصدار قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، مع أن دور الأمم المتحدة هو فرض واحلال السلام في العالم. و مقدار الوقاحة والصلف التي منعت الإمبريالية الأمريكية بهما حتى مؤتمر روما من المطالبة بوقف إطلاق النار في لبنان، مثلما أنها أعاقت مرة أخرى مجلس الأمن –حتى ساعة كتابة هذه الأسطر- من إصدار قرار إدانة للدولة الصهيونية على قتلها المتعمد لأربعة من المراقبين الدوليين في جنوب لبنان. هذه السياسة المتعمدة الساعية إلى فرض وقائع جديدة بالقوة في المنطقة، تحاول الإمبريالية الأمريكية من خلالها التغطية على فشلها في كل من العراق وافغانستان، فلا سلام ولا ديمقراطية فيهما اليوم.
دفعت هذه الوقائع، بعدد من الدول الإمبريالية الأخرى إلى تمييز بعض مواقفها، وخاصة مع ثبات تصدي المقاومة الشعبية الباسلة في لبنان وفلسطين في مواجهة العدوان الصهيوني، وتزايد الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة في العالم. فقد أعلن، مثلا، الرئيس الفرنسي في 25 أيلول بضرورة وقف إطلاق النار وبأنه “لا يوجد حل عسكري لمشاكل الشرق الأوسط” وحذر من الكوارث التي قد تجلبها سياسات تغيير المنطقة المستمرة التي تقوم بها الإدارة الأمريكية. لكن الهدف الواضح المشترك اليوم للدول الإمبريالية وحلفائها في المنطقة هو كسر شوكة المقاومة في فلسطين ولبنان من جهة، ومحاولة الاستفادة من نصر عسكري يأملونه يسمح لهم بالتواجد العسكري المباشر في لبنان كاستكمال لاحتلالهم للعراق. مما يسهل لهم محاولاتهم لإخضاع سورية وايران بشكل أخص.
في مواجهة هذه الاستراتيجية الإمبريالية الصهيونية الشرسة تقف المقاومة الشعبية اللبنانية بقوة وعنفوان رائعين، ومهما كانت نتائج هذا العدوان فإن حقيقة أصيلة تكشفت لجماهير المنطقة، وهي الإمكانية الفعلية للجماهير المقاومة في مواجهة وهزيمة الدولة الصهيونية والقوات الإمبريالية، وبذلك تبخرت مقولة القوة الكلية التي لا تقهر التي تحيط نفسها بها. فالدولة الصهيونية هي من بين أقوى الدول تسلحاً في العالم، ولبنان من بين أضعفها.
في الوقت نفسه، ومع تصاعد العنف الوحشي الصهيوني وحربه المدمرة وفعالية المقاومة الشعبية في مواجهته، شهدت منطقتنا و العالم تصاعد تظاهرات الإدانة الحازمة لهذا العدوان، وحملات التضامن الكبيرة مع المقاومة في لبنان وفلسطين .
بينما انفضح، من جهة اخرى، تهافت الأنظمة العربية التي تفسخت وتهالكت وازدادت عزلتها عن شعبها وفسادها المعروف، وتباينت مواقف الأنظمة بين من يدعي بدعم المقاومة قولا لحساباته الإقليمية، وبين من يدين المقاومة ويتشفى بالدمار الذي يتعرض له لبنان.
وإذا كان هنالك حقاً من جديد في هذا ” الشرق الاوسط” فهو تعري هذه الأنظمة المتهالكة، التي، بفضل نهوض الوعي والنشاط الجماهيري المقاوم، لن يطول بقائها. إنها مرحلة حبلى بالأحداث، تشبه ما حدث بعد 1948 .
وفي حين يقوم نظامي سوريا وإيران الداعمين لحزب الله -دون أن يعني ذلك، كما يدعي البعض، أنه أداة بأيديهما- بمحاولة مزج خطاب يدعم المقاومة مع خطاب يدعو الدول الامبريالية إلى التعامل معهما لإيجاد تسوية ترضي كل الأطراف، وكمخرج لهما للتخلص من الحصار المفروض عليهما . يقوم محور السعودية ومصر والأردن، صراحة، بتوفير المناخ المناسب لسحق المقاومة وإلحاق المنطقة بأكملها في المشروع الأمريكي .
من الواضح أن موقف النظام السعودي قد رسم حدود الموقف الرسمي العربي المتخاذل والتابع، اذ أنه -أي الموقف الرسمي السعودي- قد حمل المقاومة اللبنانية “المسؤولية الكاملة” عن تصرفاتها “غير المسؤولة” ودعاها إلى “انهاء الأزمة التي أوجدتها “وطالب بـ ” التفرقة بين المقاومة الشرعية وبين المغامرات غير المحسوبة التي تقوم بها عناصر داخل الدولة ومن ورائها دون رجوع إلى السلطة الشرعية في دولتها..”.
في المقابل، تفاوتت مواقف القوى المعارضة في سوريا . و تطابقت مواقفها، خاصة بعض تلك المنضوية منها في إعلان دمشق، من الموقف الرسمي السعودي . أو كما قال أحد الكتاب المقربين منها “ثمة مؤشر إلى أن المعارضة في شقيها (في الداخل والخارج) تدعم الشعب اللبناني وحسب، وبطريقة ما تتبنى الموقف السعودي وقوى الاغلبية السياسية في لبنان (14 اذار) من” حزب الله ” ..”(رأفت نديم شهبا، أخبار الشرق).
والحال، فإن الخطاب الشعبوي-الليبرالي للقسم الأكبر من المعارضة السورية في الداخل ومثقفيها، يمكن أن يفسر حقيقة التوصيف السابق لغالبيتها. فقد أشار أحد الكتاب المعروفين إلى أن “اسرائيل” تجد في حوزتها ..”لأول مرة قراراً يضفي على عملياتها العسكرية لمسة من الشرعية غير مسبوقة..” ( ياسين الحاج صالح، حرب ضد لبنان..، الحوار المتمدن). وهذا موقف غريب، فكما نعرف، لا يوجد أي قرار دولي من هذا النوع، فقرار مجلس الامن رقم 1559 لا يعطى “اسرائيل” الحق بنزع سلاح “الميليشيات المسلحة” في لبنان، ولا تملك -حتى اليوم- رغبات الإدارة الأمريكية، رغم جبورتها، شرعية قرارات مجلس الأمن، مهما كان حال الامم المتحدة مترديا.
وفي هذا السياق، صدر بيان حزب الشعب الديمقراطي الذي غاب عنه كلمة “إدانة” العدوان الصهيوني وغابت عنه تماماً الولايات المتحدة وسياساتها المسؤولة عن ما يجري في منطقتنا، فبعد توصيف البيان للعدوان والدمار في لبنان وتهتك الأنظمة العربية يشير إلى أن “المقاومة حق مقدس، ولكن قدسيتها تنبع من كونها تعبيراً حقيقياً عن إرادة وتطلعات الشعوب لتحرير أراضيها المحتلة وحماية استقلالها الوطني، وبوصفها خياراً مدروساً … وليس استفراد بالقرار من قبل طرف أو فئة، يجر البلاد إلى مصير مجهول خدمة لمصالح إقليمية..”، البيان مقارب للموقف السعودي وافتقر إلى أية إشارة لدعمه للمقاومة الشجاعة اللبنانية، بل يوجه لها نقداً واضحاً .
وتلاه بيان حزب العمال الثوري العربي، الذي يمكن القول أنه نسخة مطابقة عن بيان حزب الشعب السابق، مع فارق بضع كلمات تشير إلى “إدانة العدوان” .
وأصدرت لجان إحياء المجتمع المدني بياناً مشابهاً، لكنها “تدين العدوان وتطالب بوقفه” وهي أيضاً “تحذر من خطورة السياسات غير المحسوبة في التعاطي مع القضايا المصيرية…” الخ.
بينما تميز بيان الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي بموقف واضح بـ “تأييد ومساندة خيار المقاومة” وتأييده الحازم للمقاومة اللبنانية وحزب الله. وتنديده “لتخاذل النظام العربي الرسمي ” و” سياسة الازدواجية الانتقائية للنظام الدولي”.
وجاء بيان “إعلان دمشق”، مرة أخرى، ليعبر عن موقف أطرافه الفاعلة، اذ بالرغم من أنه أدان “هذا العدوان الوحشي” إلا أنه لم يحمل اسرائيل والولايات المتحدة المسؤولية عن الحرب الوحشية واستمرارها، ولم يعلن تأييده للمقاومة اللبنانية . بل دعا إلى التضامن الواسع “مع الشعب اللبناني” و “الوقف الفوري للعدوان على قاعدة القرارات الدولية”
وصدر بيان حزب العمل الشيوعي الذي اكتفى بالإشارة إلى أن الاحداث الدامية أكدت ” أن الإنسان العربي أسير المحتل الخارجي والمغتصب الداخلي” وأن شعوبنا العربية ” مستباحة ….من قبل أعدائها الأنظمة الدكتاتورية والعنصرية الصهيونية والإمبريالية الأمريكية العدوانية” لكنه تقارب مع بيانات بعض قوى إعلان دمشق بخصوص جوهر الموقف من” المقاومة المشروعة حسبما تنص عليه المواثيق وتقره الأعراف الدولية والانسانية” . وهو، في هذا الخصوص، قريب من المواقف المقاربة للموقف السعودي.
فيما يخصنا، كنا عموماً نرى ومانزال أنه أمام أي عدوان تشنه دولة إمبريالية (قوية) ضد دولة ضعيفة، فإن موقفنا واضح لا مواربة فيه. إننا نقف ضد العدوان الامبريالي وندعم المقاومة الشعبية، بغض النظر عن موقفنا وتحليلنا للطبيعة السياسية و الاجتماعية لقياداتها، كما حصل في فييتنام أو منظمة التحرير الفلسطينية وغيرها من البلدان.
ومهما كانت جبروت القوة العسكرية للإمبريالية الأمريكية وإمبراطوريتها، فإنها باستخدامها المدمر لقوتها العسكرية لفرض مصالحها وعولمتها الرأسمالية المعسكرة إنما تخلق المزيد من المقاومة – وهنا تجد في المقاومة الجماهيرية، تحديداً، التخوم التي تضع حداَ لغطرسة قوتها نفسها – التي تتصاعد في كل مناطق العالم في مواجهتها ورداَ عليها، ومن أجل عالم أفضل ممكن .
عاشت المقاومة الشعبية
حركة مناهضة العولمة في سوريا*: كانت من المجموعات التي نشطت في تلك الفترة وكان أفرادها من الجذور الأساسية – مع الرفاق من المجموعات الأخرى- , التي شكلت النوى الأولية لتيار اليسار الثوري في سوريا والذي أعلن عن تأسيسه في 15/10/2011
